Transcription
البسملة وكلمة "بسملة" كلمة منحوتة من جملة "بسم الله الرحمن الرحيم". هذه الجملة اختلف العلماء اختلافا طويلا في كونها آية من كتاب الله أو ليست آية من كتاب الله بعد اتفاقهم على أنها بعض آية من سورة النمل. والتحقيق، والله تعالى أن البسملة آية مستقلة أنزلت للفصل بين السور. هذا هو الأقرب في هذه المسألة، والله أعلم.
**بسم الله الرحمن الرحيم** يفتتح المصلي تلاوته لكتاب الله، لأم القران، بأن يبسمل. وجل الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يسر بالبسملة ولم يكن يجهر بها. جل الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يسر بالبسملة ولا يجهر بها. وبين المؤلف رحمه الله أن قول المصلي "بسم الله الرحمن الرحيم" يريد به التبرك والاستعانة. "بسم الله الرحمن الرحيم" الباء للاستعانة ويمكن أن تكون أيضا للإلصاق. والاسم يراد به هذا جنس أسماء الله جل وعلا. وكأنه يقول بكل أسماء الله سبحانه وتعالى.
وباءها هنا لابد لها من متعلق، ومتعلق قدره بعضهم باسم، وقدره بعضهم بفعل. والأقرب تقدير المتعلق بفعل مناسب للحال. فإذا كان يبسمل قبل القراءة فإن المعنى هو "بسم الله اقرأ" أو "بسم الله أتلو". ومجيء الباء هنا يفيد معنى الاستعانة، ويفيد معنى التبرك، ويفيد أيضا معنى التوسل. فكأنه يقول بأسماء الله الحسنى التي تتنزل بذكرها البركات والرحمات أتبرك وأستعين وأتوسل.
**بسم الله** اسم الجلالة الله، أعظم الأسماء الحسنى. وأصله الإله يعني المعبود، ثم حذفت الهمزة ودغرى به غيره سبحانه. ولا ولم يقع أن تسمى به غيره سبحانه.
**بسم الله الرحمن الرحيم** اسمان من الأسماء الحسنى العظيمة التي تكرر ذكرها في كتاب الله كثيرا. واتفق أهل العلم على أنهما من الأسماء الحسنى، واتفق أهل العلم على أنهما يدلان على اتصاف الله عز وجل بصفة الرحمة. كما أن الرحمن والرحيم صيغتان للمبالغة، فهما يدلان على رحمة عظيمة يتصف الله سبحانه وتعالى بها.
والجمهور على أن الرحمن أبلغ من الرحيم، فإن صيغة فعلان أبلغ من صيغة فعيل. واختلف العلماء بعد ذلك في الفرق بين الرحمن والرحيم. وذكر المؤلف كما سيأتي في تفسير الفاتحة أن الرحمن يدل على الرحمة العامة لكل شيء، ورحمتي وسعت كل شيء، والرحيم يدل على الرحمة الخاصة بالمؤمنين. ويدل على ذلك، وكان بالمؤمنين رحيما.
ولكن هذا التفريق فيه نظر، لأن الدليل قد دل على أن اسم الرحيم يدل على الرحمة الواصل لجميع الناس. إن الله بالناس لرؤوف رحيم دون تخصيص بالمؤمنين. إذا الأقرب، والله تعالى أعلم، أن كلا الاسمين يدل على اتصاف الله بالرحمة بعباده. إلا أنه روعي في اسم الرحمن معنى الوصف العظيم الذي اختص الله عز وجل به لما يدل عليه صيغة فعلان من الامتلاء والكمال والعظمة. أما الرحيم، فروعى فيه الفعل، يعني روعي فيه وصول الرحمة للعباد مع كثرة متعلقات هذه الرحمة.
وذكر غير ذلك. وهذا الذي ذكرته لعله الأقرب، والله تعالى أعلم.
**نعم أحسن الله إليكم** قال رحمه الله: الحمد لله.
الحمد ثناء، والـ"أل" لاستغراق جميع المحامد. وأما الجميل الذي لا صنع له فيه، مثل الجمال ونحوه، فناء به يسمى مدحا لا حمد.
**الحمد لله رب العالمين**. الحمد بدت الفاتحة بالحمد، وهذا من أحسن ما يكون. فإن الثناء على الله عز وجل بين يدي سؤاله وطلبه من أعظم الوسائل لتحصيل الإجابة، وهذا من الأمور البدهيات المعلومة لدى الناس جميعا.
فبدأ الله سبحانه سورة الفاتحة بحمد ذاته العلية جل وعلا فقال سبحانه: "الحمد لله رب العالمين".
والـ"ألف" والـ"لام" في الحمد قيل إنها لتعريف الجنس، وقيل إنها للاستغراق. وهذا ما اختاره المؤلف رحمه الله، يعني جميع الحمد فإنه ثابت لله جل وعلا على وجه الكمال. والـ"لام" في قوله "لله" للاختصاص، فالمحامد جميعا يختص بها الله سبحانه وتعالى. ليس أحد يحمد بكل المحامد إلا الله سبحانه وتعالى.
والحمد كما قد علمنا هو الثناء عن محبة. الثناء عن محبة هو الحمد، وإن شئت فزد وقل: الثناء على فعل اختياري عن محبة. الثناء عن فعل اختياري عن محبة، حتى يخرج الحمد الذي هو الثناء على غير اختياري كالأمور الحسنة الجميلة. فإنك إذا رأيت شيئا حسنا جميلا فإنك تثني عليه بذلك، وهذا الثناء مدح لا حمد، لما أن هذا الشيء الجميل، كإنسان فيه جمال أو جماد فيه جمال، هذا لا صنع له فيه.
فلما كان هذا الجميل لا صنع لهذا الشيء فيه، لم يكن عن اختيار منه. فإن الثناء عليه يسمى ماذا؟ يسمى مدحا لا حمدا. أما إذا كان على شيء كان المحمود مختارا فيه، فإن الثناء عليه به يعتبر حمدا لا مدحا.
والثناء هو الذكر بالخير. الثناء هو الذكر بالخير، أما النثاء فإنه الذكر بالخير والشر وإن كان يستعمل في الشر أكثر. أما الثناء فإنه يستعمل في الخير، فذكرك شيء بالخير يعتبر ماذا؟ يعتبر ثناء.
قال: الحمد لله. واسم الجلالة هنا لا شك أنه يدل على الذات العلية المتصفة بجميع صفات الكمال، سواء كانت ذاتية أو كانت فعلية. فأعظم الأسماء في دلالتها على صفات الله عز وجل ونعوت جلاله وجماله هو هذا الاسم العظيم "الله" الذي هو الأصل لكل الأسماء، والذي تضاف إليه الأسماء والصفات ولا تضاف اليه.
فهو أعظم الأسماء، وأعظم ما يدل على اتصاف الله عز وجل بالكمال المطلق. فنسب أنه يضاف الحمد إليه، وإن كان الحمد يضاف إلى كل اسم لله، لكن المناسبة لكمال الحمد هو أكمل الأسماء، وأكمل الأسماء هو اسم الجلالة "الله".
**نعم أحسن الله إليكم** قال رحمه الله: رب العالمين.
الرب هو المعبود الخالق الرازق المالك المتصرف مربي جميع الخلق بالنعم. الرب أصل هذه الكلمة "راب" على وزن اسم الفاعل، ثم حدبت الألف لكثرة الاستعمال فقيل "رب".
والرب في اللغة الغالب أن يستعمل بمعنى المالك، السيد المتصرف. استعمالات كثيرة ذكرها أهل اللغة، لكن الغالب في استعمال كلمة الرب هو الخالق، هو السيد، المالك، المتصرف. ولا شك أن الله تعالى هو السيد المالك المتصرف المدبر لكل شيء سبحانه وتعالى.
وذكر المؤلف هنا أول كلمة في تعريف كلمة الرب، قال: ماذا، المعبود. وهذا أن المعبود، وهذا إما لأن هاتين الكلمتين "الإله" والرب" أو "المعبود" و"الرب" كلمتان من الكلمات التي إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، كما حرر هذا إمام الدعوة رحمه الله في موضع من كلامه.
فإذا جيء بهذه الكلمة وحيدة في سياق دون الأخرى أو الأخرى دون الأولى في سياق، فإن هذه الكلمة تدل على ما تدل عليه الكلمة الأخرى. أما إذا اجتمعت في الذكر افترق في المعنى. فكان معنى الإله يعني المعبود، يعني الذي يخص بالعبادة ويتوجه إليه بالعبادة. وأما الرب فإنه الخالق الرازق المدبر سبحانه وتعالى.
هذا وجه. ووجه آخر لقوله: وهو أن الله عز وجل هو الرب حقا. وإذا كان الرب حقا كان من لازم ذلك أن يكون هو الإله حقا. فإن الربوبية دليل الألوهية، بمعنى إذا كان الله عز وجل هو الرب، إذا فهو المستحق لأن يكون المعبود سبحانه وتعالى.
قال: الحمد لله رب العالمين.
**العالمين** ها جمع عالم، والعالم هو الجنس من أجناس المخلوقات. العالم هو الجنس من أجناس المخلوقات، فالإنس عالم والجن عالم والشجر عالم والحيوان عالم وهكذا إذا الجنس من أجناس المخلوقات يسمى ماذا؟ عالم.
هذه العوالم جميعا تجمع على عالمين. والاشتقاق ذلك كما ذكر من العلامه فكانت علامة على خالقها. دليل يستدل به على خالقها سبحانه وتعالى. وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد سبحانه وتعالى.
إذا العوالم والعالم والعالمون هم المخلوقات. كما قال إمام الدعوة رحمه الله إن كنتم تذكرون في ثلاثة الأصول، وكل ما سوى الله عالم، وأنا واحد من ذلك العالم.
إذا الله جل وعلا رب العالمين هو الخالق، وهو الرازق، وهو المدبر، وهو الذي بيده ملكوت كل شيء سبحانه وتعالى. كما أن كلمة الرب يلحظ فيها معنى التربية، ولذا ذكر المؤلف رحمه الله من معاني الرب أيضًا أنه المربي للخلق بنعمه سبحانه وتعالى.
التربية هي الترقية بالشيء في مراقي الكمال شيئا بعد شيء. ترقية الشيء في مراقي الكمال شيئا بعد شيء تسمى تربية. فالله عز وجل يتولى مخلوقاته وعبيده بنعمه وتصريفه سبحانه وتعالى. ويغدق عليهم من ذلك بحسب حكمته سبحانه وتعالى، حتى يبلغوا الكمال الذي أراده سبحانه وتعالى بهم، سواء تعلق ذلك بدنياهم أو بأجسامهم، أخلاقهم، بأعمالهم، بأعمارهم، أو تعلق ذلك بالأمر الدنيوي والآخروي، اختص الله عز وجل به الخلص من عباده المؤمنين سبحانه وتعالى.
فالشاهد إذا أن الرب تأتي بمعنى المالك والسيد والمتصرف. ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في ضالة الإبل حتى يلقاها ربها يعني مالكها.
ويستفاد أيضا من كلمة الرب معنى التربية، فاد من ذلك أيضا معنى التربية.
**نعم أحسن الله إليكم.** قال رحمه الله: العالمين.
كل من سوى الله عالم، وهو رب الجميع.
نعم الرحمن رحمته عامة بجميع المخلوقات. الرحيم رحمته خاصة بالمؤمنين. والدليل قوله تعالى: وكان بالمؤمنين رحيما نعم ذكرنا هذا.
وقلنا إن هذا ذكره جمع من أهل العلم في التفريق بين اسمي الرحمن والرحيم. والأقرب، والله تعالى أعلم، هو ما ذكرت لك. وعبر عن هذا ابن القيم رحمه الله بكلمة حسنة فقال: الرحمن دال على الصفة القائمة بذات الله عز وجل، والرحيم دال على الرحمة الواصلة لعباده.
وأشاد بهذا الفرق وقال: لعلك لا تظفر به في كتاب آخر.
**نعم.** قال رحمه الله: مالك يوم الدين.
أي يوم الجزاء والحساب. يوم يوم كل يجازى بعمله، إن خيرا فخير وإن شرا فشر. والدليل قوله تعالى: وما أدراك ما يوم الدين؟ ثم ما أدراك ما يوم الدين؟ يوم لا تملك نفس لنفس شيئا، والأمر يومئذ لله.
والحديث عنه صلى الله عليه وسلم: الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها ومن على الله الأماني. أما هذا الحديث الذي أورده المؤلف رحمه الله، الكيس من دان نفسه، فإن معناه صحيح لكنه من جهة الإسناد ضعيف. خرجه الترمذي وغيره وفيه رجل ضعيف، عبد الكريم بن أبي مريم، وهو ضعيف. فالحديث لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان المعنى الذي اشتمل عليه الحديث لا شك في صحته.
والشاهد من أراده المؤلف رحمه الله ما جاء في الحديث من قوله: من دان نفسه، يعني حاسب نفسه. قال الله جل وعلا: مالك يوم الدين.
وقال الله جل وعلا: ملك يوم الدين. قراءتان سبعان متواتر ثابتتان في هذه الآية، وكلاهما حق بلا ريب. الله جل وعلا مالك يوم، والله جل وعلا ملك يوم الدين.
أما مالك فمن الملك، والملك هو الاختصاص بالشيء ومنافعه. الاختصاص بالشيء ومنافعه: هذا ملكي يعني اختص به ومنافعه لا يشاركني فيه غيري.
أما الملك فإنه التدبير والتصرف والسياسة. سياسة الأشياء وهو لفظ مختص بالعقلاء. فيقال ملك الناس ولا يقال ملك الدواب، أو ملك المواطنين، ولا يقال ملك الحيوانات.
فالملك ملك يوم الدين، من الملك، وهو كما رأيت من التدبير والتصرف والسياسة للمملوك. والله جل وعلا له كمال الملك، وله كمال الملك. قل: من بيده ملكوت كل شيء. فالله جل وعلا كل شيء ملك له سبحانه وتعالى. فهو المالك على الحقيقة.
والمالك من العباد، ملكهم ناقص، ليس كاملا، وملك إضافي، ليس ملكا حقيقيا.
أما الملك الحقيقي الكامل، فإنه لله سبحانه وتعالى. والله جل وعلا هو الذي له الملك على الحقيقة، فهو ملك الملوك وأملاكه ملك كل شيء.
لذلك ثبت في الصحيحين أن الله تبارك وتعالى إذا قبض السماوات والأرض قال يوم القيامة: لمن الملك اليوم؟ ثم يجيب نفسه سبحانه بقوله: لله الواحد القهار.
والعباد منهم من له ملك دون أن يكون له ملك، ومنهم من يكون له ملك دون أن يكون له ملك، ومنهم من يكون له ملك وملك. إلا أن ذلك ناقص. أما من له كمال الملك والملك، فهو الله جل وعلا، لا يشركه في ذلك غيره.
وهنا سؤال: نعلم أن الله تبارك وتعالى هو ملك الدنيا والآخرة، ومالك الدنيا والآخرة، فما وجه الاختصاص بذكر يوم الدين, أي يوم القيامة، يوم الحساب والجزاء؟
ذكر في هذا أجوبة كثيرة. ولكن لعل من أمثلها أن يذكر والملك والملك يتجلى انفراد الله سبحانه وتعالى به يوم القيامة. أما في الدنيا، فهناك من ادعى لنفسه ذلك. بل هناك من تجبر وعتى، ونسب إلى نفسه من ذلك الشيء العظيم الذي لا يستحقه، حتى ربما تعاظم في نفسه ملكه، حتى قال: أنا ربكم الأعلى.
لكن ذلك كله يضمحل يوم القيامة فيتجلى الملك التام والملك التام لله سبحانه وتعالى يوم القيامة.
وذكر بعض أهل العلم أن ذلك، والله تعالى أعلم، لما يدل عليه ذكر يوم القيامة ها هنا من الخوف من الله سبحانه وتعالى. فإنه إن تأمل الإنسان في قوله تعالى: رب العالمين، وما جاء بعده من الاسمين الدالين على الرحمة العظيمة له سبحانه وتعالى، الرحمن الرحيم، ربما جره التعلق بذلك إلى نوع من المبالغة في الرجاء، المخرجة إلى شيء من الرعونة والإرجاء. فجاء قوله سبحانه وتعالى: مالك يوم الدين، للتنبه، واعتدال السير باكتساب الخوف لهذه القلوب التي أحبّت ورجت حتى يعتدل سيرها لله سبحانه وتعالى.
**نعم.** الله رب العالمين تولى الخلائق بالنعم، والله هو الرحمن الرحيم الذي رحمته وسعت كل شيء. وتنبه: ثم يوم جزاء وحساب.
والله جل وعلا ينفرد في ذلك اليوم بالملك، وينفرد بالملك، وبيده الهيمنة والسلطان العظيم سبحانه وتعالى، حتى إنه لا يتكلم أحد إلا بإذنه. يوم يأتِ لا تكلم نفس إلا بإذنه.
إذا، هذا يكسب الخوف من الله سبحانه وتعالى. واعلم، رعاك الله، أن هذه الآيات: **الحمد لله رب العالمين** مكسبه لمحبة عبودية. المحبة والرحمة والرحمن الرحيم، مكسبه لعبودية الرجاء. مالك يوم الدين، مكسبه لعبودية الخوف.
وهذه العبوديات الثلاث هي محركات القلوب إلى علام الغيوب سبحانه وتعالى. أعظم أنواع العبوديات القلبية، هذه العبوديات الثلاث: المحبة والرجاء والخوف.
وأكمل السير إلى الله هو سير من اعتدل في قلبه، خوفه من الله ورجاء له سبحانه مع غلبة المحبة عليهما.
قال جل وعلا: مالك يوم الدين. قلنا: يوم الدين هو يوم الجزاء. والدين، كما ذكرنا في الدرس الماضي، يأتي بعده معان، منها الجزاء. يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق، يعني جزاءهم الحق.
فـ "يوم الدين" يعني يوم الجزاء، كما قال سبحانه: اليوم تجزى كل نفس بما كسبت. وإن كان ذلك لا يعني أن الجزاء لا يكون في الدار الأولى. في الدار الدنيا، كلا، بل الجزاء من الله سبحانه، سواء كان ذلك على الحسنات أو على السيئات. سواء كان ذلك على الإيمان أو على الكفر، فإنه واقع في الدارين، في الدار الدنيا وفي الدار الآخرة، إلا أن الجزاء الكامل والجزاء الأوفى هو الذي يكون يوم القيامة.
قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم: إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة، يجازى عليها في الدنيا ويدخر له في الآخرة. إن عمل الإنسان الحسنة، فإن الله يثيبه عليها أنواع النعم من نعم الدنيا ومن نعم الآخرة، من انشراح النفس ومن صلاح القلب ومن صلاح الذرية وما إلى ذلك. ومع ذلك فإنه لا ينقص الأجر الذي سيوافق ويدخر له في الآخرة.
ومن عدل الله عز وجل جزاء الكافر أيضا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل لله في الدنيا، حتى إذا جاء يوم القيامة لم تكن له حسنة يجزى بها.
إذا الحسنات والسيئات لها جزاء في الدنيا ولها جزاء في الآخرة، إلا أن الجزاء الكامل والجزاء الأوفى هو ما يكون يوم الدين.
**نعم.** أحسن الله إليكم قال رحمه الله: إياك نعبد.
أي لا نعبد غيرك. عهد بين العبد وبين ربه أن لا يعبد إلا إياه. **وأياك نستعين** عهد بين العبد وبين ربه إلا يستعين بأحد سواه.
انتقل المؤلف رحمه الله إلى بيان معنى قوله تعالى: إياك نعبد وأياك نستعين. تأمل رعاك الله كيف أن هذه السورة العظيمة بدت بالثناء ثم ثني بعد الثناء بتمجيد الله سبحانه وتعالى فقال: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين. ثم قال سبحانه: إياك نعبد وأياك نستعين.
وهذا إيذان بانتقال الكلام من الثناء إلى السؤال. إيذان بانتقال الكلام من ماذا؟ الثناء إلى التمجيد إلى ماذا؟ إلى السؤال والطلب.
وهذا هو الذي يطلبه العبد من الله سبحانه وتعالى. ولأجل هذا قال الله جل وعلا في الحديث القدسي: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل.
ولا حظ أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر فيما أخبر عن ربه جل وعلا هنا عن الفاتحة أنها الصلاة. وذلك تعبير بالكل عن الجزء للدلالة على أهمية الجزء، سمى الله الفاتحة هنا ماذا؟ صلاة. وهذا يدلك على أنها ركن عظيم من أركان الصلاة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن قوله تعالى: الحمد لله رب العالمين إلى قوله: إياك نعبد، هذه لله. وقوله: إياك نستعين إلى آخر السورة، هذه للعبد. وللعبد ما سأل.
ولا حظ أيضا ها هنا أسلوب الالتفات في الآية. لاحظ أنه انتقل إلى أسلوب الخطاب. فقال: ماذا؟ إياك نعبد وأياك نستعين، وما قبله كان بأسلوب الغيبة. كان يقول: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين.
وهنا ما قال: نعبده ونستعين به، إنما حصل الالتفات. والالتفات عند علماء البلاغة الانتقال من أسلوب إلى أسلوب. وهذا يفيد فوائد عدة، منها تنشيط السامع وتنشيط المتكلم.
وأبلغ من ذلك أن يقال هنا إن في ذلك إيذانا إلى الانتقال من الثناء إلى السؤال والطلب، لأن الأصل في السؤال والطلب أن يكون بلفظ الخطاب.
الأصل في السؤال والطلب أن يكون ماذا؟ بلفظ الخطاب، يخاطب العبد ربه. يخاطب السائل من يسأله، فيقول: يا الله، يقول: يا رب، يقول: اللهم. فهذا هو الأصل في السؤال والطلب. فكان الالتفات ها هنا، والله تعالى أعلم، لأجل هذا الأمر، وهو مراعاة أو إيذان بالانتقال من أسلوب الثناء أو من الكلام في الثناء إلى الكلام في الطلب من الله سبحانه وتعالى.
والكلام في قوله تعالى: إياك نعبد وأياك نستعين، كلام كثير وطويل وعظيم. فالدين كله مجموع في هاتين الكلمتين: إياك نعبد وأياك نستعين. ولعلنا نؤجل الكلام في ذلك إلى الدرس القادم. والله تعالى أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.
ووقفنا عند قول المؤلف: إياك نعبد وأياك نستعين. وذكرنا أن هذا الالتفات بعد أن كان الأسلوب أسلوب غيبة صار أسلوب خطاب.
وعلمنا أن أسلوب الغيبة بالثناء أولى، وأن أسلوب الخطاب بالدعاء أولى. وعلمنا أن هذا الالتفات إيذان بأن المقام انتقل إلى السؤال والطلب. وما قبله كان توسلا. بل حتى قوله: إياك نعبد وأياك نستعين، توسل يقدم بين يدي سؤاله وطلبه.
وهو قوله: اهدنا الصراط المستقيم. ولتعلم، يا رعاك الله، أن أعظم ما يتوسل به في الدعاء لله سبحانه أمران: الأول، حمده سبحانه والثناء عليه بأسمائه وصفاته، والثاني، عبودية العبد وافتقاره إلى الله جل وعلا. فما توسل داع إلى الله بمثل هذين. والدعاء الذي يتوسل به العبد إلى الله عز وجل بهذين، ما أقربه من الإجابة.
وسورة الفاتحة، إن تأملت، وجدت أنها اشتملت على نوعي التوسل ها هنا. ففيها التوسل إلى الله جل وعلا بحمده والثناء عليه وذكر أسمائه وصفاته. وفيها أيضا توسل لله جل وعلا بعبودية العبد لربه جل وعلا.
قوله سبحانه: إياك نعبد وأياك نستعين. لأهل العلم هنا مبحثان فيهما لطائف. الأول: في سبب الجمع للأفراد في قوله: نعبد ونستعين. فلم لم يكن: إياك أعبد وإياك أستعين؟
ذكر أهل العلم ها هنا فوائد ولطائف مما قيل في هذا المقام: إن قول العبد: نعبد ونستعين، فيه من تعظيم الله واظهار الافتقار بين يدي الله، ما ليس في قوله: أعبد وأستعين.
فكان العبد يقول: يا رب، أنت معبودي وحدك، لكني لست عابدك الوحيد. ثمة غيري كثير يعبدونك، عبادك والمؤمنون بك يا الله. فإنظر كيف اشتمل قوله: نعبد ونستعين على هذا الحمد، وعلى هذا الثناء، وعلى هذا الافتقار.
وكان المعنى لا يجد فرصة يثني فيها على ربه، ترفع له. وفي هذا أيضا لطيفة أخرى، وهي أن قوله: نعبد ونستعين، كان فيه إشارة على ما ذُكِر أهل التفسير إلى صلاة الجماعة.
وأنه إذا كان العبد مصليا في جماعة فإنه أكمل في تحقيق قوله: نعبد ونستعين. فإن للعبادة مع إخوانك المسلمين في هذه العبادة العظيمة من الأجر والثواب وزيادة الإيمان، ما ليس في صلاة الإنسان وحده.
وإذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن صلاة الرجلين أزكى من صلاة الرجل، وأن صلاة الثلاثة أزكى من صلاة الرجلين، قال: وكلما كان أكثر فهو أفضل.
وهذا في إشارة إلى أن هذا الدين دين يجمع المسلمين، يؤلف بينهم. دين كما يقال: جماعي. فالمسلمون يصلون جماعة، والمسلمون يصومون في وقت واحد ويفطرون في وقت واحد ويحجون إلى بيت واحد بهيئة واحدة وعمل واحد.
إذا هذا فيه إيماء إلى اللحمة التي تربط بين المسلمين. وأن المسلمين حقا إخوة. ومن أعظم ما تظهر به أخوتهم واجتماعهم عبادة الله جل وعلا، لا سيما في الصلاة.
ومبحث آخر وهو في تقديم نعبد على نستعين. وذكر العلماء ها هنا لطائف، ولا شك أن ما يعلمه العباد أو يلمسونه من حكم الله جل وعلا في كلامه إنما هو كمثل قطرة من بحر.
ولا شك أن علم الله جل وعلا بهذا أعظم، وأن وراء هذا من الحكم ما هو أعلم به سبحانه وتعالى. قال بعض أهل العلم إن تقديم نعبد على نستعين، لأن العبادة هي الغاية, والاستعانة هي الوسيلة. فقدم الغاية على الوسيلة، لأنها الأهم.
ومن جهة أخرى فإن الاستعانة قد قدم العبد بين يديها توسلا إلى الله جل وعلا بعبادته. فصار تقديم العبادة على الاستعانة من باب التوصل. كان العبد يقول: يا رب، عبدناك فاعنا.
وفيه أيضا لفتة من جهة أخرى، وهي أن العبد إذا قال: إياك نعبد، ينبغي أن يذكر بأنه لا حول له ولا قوة. إنما الأمر والعون والإمداد من الله سبحانه وتعالى.
فلا تأخذ، فلا يأخذك، يا أيها العبد، الغرور، ولا تأخذك الكبرياء. ظن أنًك عبدت الله بحولك وطولك وذكائك. كلا، إنما الأمر من الله جل وعلا. ولولا أن الله أعانك لم تعبده.
ففيه من كسر حدة الغرور والكبرياء ما فيه. والعبد أحوج ما يكون إلى ذلك.
إياك نعبد وأياك نستعين. علمنا في الدرس الماضي أن تقديم المفعول ها هنا يفيد ماذا؟ يفيد الاختصاص. ولاحظ أن الاختصاص ها هنا مؤكد، وذلك من جهة أنه كرر قوله: إياك، ما قال: إياك نعبد ونستعين، إنما قال: إياك نعبد وأياك نستعين. فهو تأكيد على هذا الاختصاص وأن العبادة لا تكون إلا لله، وأن الاستعانة لا تكون إلا بالله.
إياك نعبد وأياك نستعين. العبادة هي التذلل لله جل وعلا بفعل أوامره واجتناب نواهيه محبة وتعظيما، وهي حق الله على العباد. والله جل وعلا يعظم حرماته، ولا يقبل أن يشركه غيره في حقه.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. قال المؤلف رحمه الله: عهد بين العبد وربه: إلا يعبد إلا الله.
حذاري يا عبد الله أن تخفر هذا العهد. إياك ونقض هذا العهد العظيم الذي تكرره في كل يوم وليلة سبع عشرة مرة كافية.
فإذا قلت: إياك نعبد، فاثبت على هذا العهد العظيم، وهو أن تكون عبادتك لله. بل الله، فاعبد.
قال: وأياك نستعين. لاحظها هنا أنه أبهم المستعان به. عليه بأي شيء، أو على أي شيء، تستعين بالله.
المقام ها هنا مبهم. أتعين الله على أمر الدين؟ أم تستعين بالله على أمر الدنيا؟ أم بأي شيء، أم على أي شيء، تستعين بالله؟ الجواب أن الإبهام ها هنا يفيد التعميم.
فكان العبد يقول: يا الله، أنا أستعين بك على كل شيء من أمر الدين والدنيا والآخرة، في كل صغير وكبير، يا الله، لا حول لي ولا قوة إلا بك.
فلاحظ هذا الأدب العظيم الذي دل عليه قوله: إياك نستعين. والعبد ليس منه شيء، وليس إليه شيء، ولولا أن الله يمده بعونه وتسديده وتوفيقه، فإنه والله ما تحرك حركة، بل ولا سكن سكنة. ليس له شيء ولا منه شيء إلا بالله العظيم سبحانه وتعالى.
فهو الذي يوفق، وهو الذي يسدد، وهو الذي يشاء، وهو الذي يخلق. إياك نستعين.
وأعظم ما يستعين به العبد أو أعظم ما يستعين بالله عليه العبد هو طاعته سبحانه. عبادته تجريد التوحيد، والاتباع لنبيه صلى الله عليه وسلم. فإنه لولا أن الله أعانك على طاعته، فإنك ما كنت عبدا لله، ولا كنت طائعا لله.
وقالوا: الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. ولكن الله حبب إليكم الإيمان هو سبحانه، لا غيره.
ليس منك ذلك، إنما هو من الله. ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم، وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان، أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة، والله عليم حكيم.
والله لولا الله ما اهتدينا، ولا تصدقنا، ولا صلينا. إذا استحضر، يا عبد الله، استعانتك بالله على طاعته.
وإياك أن تركن إلى علمك، وإلى حولك، وإلى قوتك. وأعظم هذه الاستعانة الاستعانة بالله على هذا المقام العظيم.
بعض الناس لا يلتفت في مقام الاستعانة والتوكل والتفويض إلا على شأن الدنيا. استعين بالله على شان الرزق، على شأن المال، على شأن الوظيفة.
وهذا أمر حسن، ولكن الأكمل والأحسن أن يكون أعظم استعانتك بالله على طاعة الله. شتان بين من يستعين بالله على طاعته وبين من يستعين بالله في شأن رغيف يأكله.
لا شك أن الأول أعظم، ولا شك أن الأول أكمل.
إياك نعبد وأياك نستعين. لا شك أن الحصر ها هنا في قوله: إياك نعبد وأياك نستعين مختلف.
فإن العبادة لا تجوز إلا لله جل وعلا، ولا يجوز صرف شيء منها، ولو دق، لغير الله. فصرف أي قسط من العبادة لغير الله شرك به سبحانه، وهو أعظم الذنوب.
أما الاستعانة ففيها تفصيل، فإنه لا يستعان بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله. أما ما يقدر عليه العباد يجوز للعبد أن يستعين بأخيه. يجوز أن تستعين بأحد من الخلق فيما يقدر عليه مخلوق في تحصيل مطلوب أو دفع مرهوب في مقدور العبد.
هذا لا بأس، للعبد أو لا بأس للعبد أن يستعين بمخلوق عليه. قال جل وعلا: إياك نعبد وأياك نستعين.
أكثر التأمل في هاتين الكلمتين العظيمتين، فإننا وقد علمنا فيما سبق أن الدين كله مجموع في هاتين الكلمتين: إياك نعبد وأياك نستعين، واستحضر في قلبك هذا العهد الذي تقطعه على نفسك ولا بد من أن توفي به، ولا بد من أن تثبت عليه.
ثم قال: اهدنا الصراط المستقيم. ما أعظم هذه الكلمة العظيمة: إياك نعبد وأياك نستعين. اهدنا الصراط المستقيم.
التوفيق كل التوفيق والهداية كل الهداية والنجاة والفلاح كلها مرهونة بم وع بها لأهل هذه الأمور الثلاثة: أهل العبادة والاستعانة والهداية إلى الحق.
والخيبة والضلال في من عدم هذه الأمور الثلاثة. إياك نعبد وأياك نستعين. اهدنا الصراط المستقيم.
هذا وصول إلى لب هذه السورة، وما قبل ذلك مقدمة وتوسل بين يدي هذا الدعاء العظيم: **اهدنا الصراط المستقيم**.
هذا الدعاء أعظم الأدعية وأوجبها وأجمعها لمعاني الإيمان.
أوجب الأدعية. ولذا، فقد أمر الله جل وعلا كل مسلم أن يكرره في كل يوم وليلة سبع عشرة مرة.
اهدنا الصراط المستقيم، وهو أكمل الأدعية في تحقيق الإيمان.
ألا تعلم أن قول المسلم: اهدنا الصراط المستقيم فيه إشارة إلى أركان الإيمان الستة؟
ففيه أولا الإيمان بالله، الرب والإله، لأن قول العبد: اهدنا الصراط المستقيم دعاء للإله المعبود. فهو يتقرب إلى الله بالدعاء. وهو لا يدعو هذا الدعاء إلا وهو يعتقد أن الله بيده أن يهدي وبيده أن يضل. وهذا لا شك فيه.
**من يشاء الله يضلله ومن يشاء يجعله على صراط مستقيم**. فهو من أفعاله التي اختص بها.
وهذا إشارة إلى إيمانه بربوبيته جل وعلا. فهذا الإيمان بالله.
وفيه أيضا، أعني في هذا الدعاء، إشارة إلى الإيمان بالكتب، لأنه كما سيأتي: فسر الصراط المستقيم بالقرآن. فهذا إيمان بالكتب.
وفيه أيضا الإيمان بالرسل، فان مما فسر به كما سيأتي الصراط المستقيم الرسول صلى الله عليه وسلم.
ففيه إشارة إلى الإيمان بالرسل. ومن لازم الإيمان بهذا وهذا الإيمان بالملائكة.
فمن الذي هو واسطة بين الله ورسوله في إبلاغ الوحي؟ أليس هو جبريل عليه السلام؟ والقرآن نقله إلى النبي صلى الله عليه وسلم، سمعه من الله، فأدى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم.
فهذا هو الإيمان بالملائكة. وفي هذا أيضا إشارة إلى الإيمان باليوم الآخر. وذلك من جهتين.
الأولى: من جهة أن مما فسر به الصراط المستقيم والهداية إليه التثبيت على الصراط الأخروي. فهذا من الإيمان باليوم الآخر.
وفيه كذلك لفتة من جهة أخرى، وهي أن لازم الثبات على الصراط المستقيم في الدنيا، وهو الإسلام، لازم ذلك وثمرته ونتيجته الثبات على الصراط الأخروي.
فإن الصراط اثنان: واحد في الدنيا، وواحد في الآخرة. وبينهما شبه.
أما الذي في الدنيا، فهو الإسلام. وأما الذي في الآخرة، فهو ذاك الصراط، ذاك الجسر المنصوب على متن جهنم، والذي يمر عليه كل مؤمن وفاجر.
بين الصراط شبه. كلاهما مستقيم، وكلاهما يؤدي إلى الغاية المقصودة. الإسلام يؤدي إلى محبة الله ورضوانه، والصراط الأخروي يؤدي إلى جنات النعيم.
فمن مر على الصراط، ما بقي له إلا أن يدخل جنات النعيم. نسأل الله أن يجعلنا منهم.
وعلى قدر ثباتك على الصراط الدنيوي يكون ثباتك على الصراط الأخروي. وعلى قدر سرعتك في الاستجابة إلى أمر الله، وعلى قدر سرعتك وإقبالك على الصراط الدنيوي تكون سرعتك على الصراط الأخروي.
وكما أنك إذا سلمت من الكلاليب والخطاطيف التي هي معلقه على الصراط الدنيوي، وهي كلاليب الشبهات وخطاطيف الشهوات، ستسلم في الآخرة من الكلاليب والخطاطيف المعلقة على الصراط الأخروي. جزاء وفاق.
إذا كان في هذا إشارة إلى الإيمان باليوم الآخر، أما بدلالة التضمن أو بدلالة اللزوم.
بقي الإيمان بالقدر، وهذا ظاهر جلي في قول العبد: اهدنا، فإن الهداية حقيقتها هي مشيئة الله سبحانه وتعالى للعبد أن يستقيم على الحق.
اهدنا، هي طلب لأن يشاء الله عز وجل أن يهدي العبد. فالهداية من الإرادة الكونية، المشيئة، التي هي المرتبة الثالثة من مراتب القدر.
أليس كذلك؟ قال جل وعلا: **من يشاء الله يضلله ومن يشاء يجعله على صراط مستقيم**. ثم إن الله جل وعلا هو الذي يخلق الهداية في القلب، والخلق هو المرتبة الرابعة من مراتب القدر.
فصار في هذا إشارة إلى الركن السادس، وهو الإيمان بالقدر. إذا هو جزء من تحليل المحور.
إذا، وعلمت أن هذه الجملة العظيمة: اهدنا الصراط المستقيم، دلت على أركان الإيمان الستة، إما بدلالة التضمن، أو بدلالة اللزوم.
علمت قدر هذا الدعاء الجليل، وأنه أعظم الأدعية وأكملها وأوجبها، وأن حاجة العبد إليه أعظم من كل حاجة.
لمس الحاجة إلى هذا الدعاء، أمرت يا عبد الله، بأن تكرره 17 مرة كل يوم وليلة. فستكون في طلب هذا الدعاء، فستستحضر هذا لتجدد الدعوة في قلبك، وتستحضر ذلك حتى تظل مؤتسكا.
قد يقول قائل: نحن والحمد لله مسلمون، فما الحاجة بنا إلى أن نكرر هذا الدعاء: اهدنا الصراط المستقيم؟ ألسنا مهديين إلى الإسلام؟ ألسنا قائمين بالصلاة، فما حاجتنا إلى هذا التكرار؟
وهذا سؤال يطرحه من لم ينعم ويتأمل في شأن الهداية إلى الصراط المستقيم.
اعلم، يا عبد الله، أن الهداية أولاً هي نوعان: هداية دلالة وإرشاد، وهداية توفيق وتسديد. والعبد بحاجة إلى الأمرين.
ثم في هداية التوفيق ثمة ران هداية إلى الصراط، وهداية في الصراط.
انتبه، هذا الذي سأل السؤال السابق، ظن أن الهداية شيء واحد، والحق أن الأمرين متختلفين. أن تهدي إلى الصراط المستقيم، وهو الإسلام، وأن تثبت على ذلك، هذا شيء، وأن تثبت في الصراط المستقيم، هذا شيء آخر.
الصراط المستقيم فيه تفاصيل كثيرة، وأنت بحاجة في كل جزء منه إلى هداية خاصة.
إذا حاجتك إلى هداية الله كمثل عدد أنفاس قلبك، وتحرك قلبك، ونبضات قلبك. فإن في كل خطوة من حياتك أنت بحاجة إلى هداية خاصة.
الآن إذا كنت تريد سفرا، فإنك تبحث عن الطريق إلى مقصودك. وكل عاقل يبحث عن طريق وجيز مختصر مستقيما سهلا، فكونك تعرف هذا الطريق، وأنه هو الطريق المناسب الذي يوصل إلى بلدتك التي تقصدها، هذا أمر مطلوب.
ولكن هناك شيء آخر، وهو أن تعرف تفاصيل هذا الطريق. ما هي عقبات؟ وما هي أماكن الاستراحة فيه؟ وما هي الأماكن التي ينبغي أن تسرع فيها، والأماكن التي ينبغي أن تبطئ فيها؟ لأن هناك تفاصيل في هذا الصراط.
كذلك الشأن في الصراط المستقيم، الذي هو الدين والإسلام. ثمة تفاصيل كثيرة، أنت بحاجة إلى أن تعلمها، وبحاجة إلى أن تعمل بها وبحاجة إلى أن تجنب ضدها.
وكل ذلك لا يكون إلا بهداية الله.
إذا، هذه الهداية التفصيلية، هذه الهداية في الصراط المستقيم تعني العلم بالحق والعمل به واجتناب ما يضاده. وهذا فيه تفاصيل كثيرة.
ربما تهدى إلى شيء وتخذل في شيء. ربما يوفق العبد إلى أن يصلي صلاة الجماعة، وهذا من هداية الله له هداية جزئية إلى صلاة الجماعة.
لكن قد تخذل بسبب ذنب أذنبته عن أن تهدى إلى أن تصلي السنة الراتبة، لأن السنة الراتبة تحتاج إلى هداية خاصة بها.
قد توفق إلى أن تصلي الجماعة، لكن لا توفق إلى أن تقوم الليل أو أن توتر، وهذه هداية خاصة.
قد يوفق الإنسان إلى أن يصلي الفريضة، لكن لا يوفق إلى أن يصلي في جماعة، هذه تحتاج إلى هداية خاصة.
إذا، كل عبودية لله تحتاج إلى هداية خاصة. إذا علمت ذلك، علمت مدى حاجتك إلى قولك: وابتهال إلى الله: اهدنا الصراط المستقيم.
في كل شيء، علمنا، وارزقنا العمل بالعلم، وجنبنا ما يضاد ذلك.
**اهدنا الصراط المستقيم**. الصراط، كما سيأتي في كلام المؤلف، هو الطريق. ولا يكون الطريق صراطا إلا إذا كان طريقا واضحا مستقيما.
وهذا الطريق فسر بأنه الإسلام وفسر بأنه الرسول صلى الله عليه وسلم وفسر بأنه القرآن. وكل هذا يرجع إلى معنى واحد، والخلاف في هذا الباب وفي أمثاله إنما هو من اختلاف التنوع لا من اختلاف الضاد.
فإن الإسلام هو الصراط المستقيم، ولا إسلام إلا بقرآن، ولا إسلام إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم.
فاعاد ذلك كله إلى معنى واحد. بل قال بعض أهل العلم، ومنهم سهل التستري رحمه الله، إن الصراط المستقيم هو طريق السنة والجماعة.
مسلك ومنهج أهل السنة والجماعة هو الصراط المستقيم. وصدق، لأن نهج أهل السنة والجماعة هو الإسلام الصافي الذي بعث به النبي صلى الله عليه وسلم.
فاعاد ذلك إلى معنى واحد.
أيضا: اهدنا الصراط المستقيم. وإذا كان الصراط لا بد أن يكون مستقيما، فما الحاجة إلى أن يوصف بالمستقيم؟
قالوا: هذا تأكيد على أنه الحق المحض دون ما سواه. والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق، فالله عز وجل هو الحق، وما سواه فباطل.
ونبيه صلى الله عليه وسلم هو الحق، والإسلام هو الحق، والقرآن هو الحق، وبالحق أنزلناه، وبالحق نزل.
ولا حظ يا رعاك الله هنا أن الصراط والمستقيم قد عُرف كل من الكلمتين بـ "ال". أليس كذلك؟
ليس "اهدنا صراطا مستقيما" إنما "اهدنا الصراط المستقيم".
قال العلماء: "ال" هنا للعهد الذهني. فهو يستحضر أن المصلي أن هذا الصراط المستقيم هو شيء واحد معلوم وبارز وواضح، وهو الدين الذي جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
وهذا الذي يقر المسلم بأنه الحق. لذا قال أهل العلم في قول المسلم: اهدنا الصراط المستقيم، اجتمع دعاء وإخبار وإقرار وتوسل.
دعاء، وهذا ظاهر: اهدنا الصراط المستقيم. وإخبار وثناء على أن دين الله ووحيه وما بعث به رسوله صلى الله عليه وسلم هو الحق المحض.
الصراط المستقيم. وتضمن هذا ثالثا: الإقرار والتصديق بذلك. كان العبد يقول: "يا الله، أنا أقر وأصدق بأن دينك هو الحق وأن ما سواه فباطل".
وفيه أيضا التوسل: التوسل لله عز وجل بالثناء على كتابه وعلى دينه بأنه هو الحق.
لما كان حقا وأنا آمنت به، فيا الله، اهدني إليه. فصار فيه من التوسل في الدعاء ما هو ظاهر.
وهذا كله بعض ما دل عليه قوله تعالى: اهدنا الصراط المستقيم.
**نعم، أحسن الله إليكم.** قال رحمه الله: اهدنا الصراط المستقيم.
معهدنا دلنا وارشدنا، ترجعان إلى هداية الدلالة والإرشاد. ولكن ذلك وحده لا يكفي.
كم من الناس من يعلم الحق ولكنه ما انتفع به ولا استفاد منه. لما؟ لأنه لم يهتدي الهداية الأهم، وهي هداية التوفيق.
كثير من الناس يعلم الحق، لكن يمنعه هواه، يمنعه حقده، يمنعه كبره عن أن يستجيب له.
اليهود، ألم يقل الله عنهم: إنهم يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم. أجيبوا! هل استفادوا؟ ما استفادوا!
لما حرموا الهداية الثانية، وذلك بسبب ظلمهم، وبسبب إعراضهم. فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم.
فالله جل وعلا يحرم هذه الهداية من لم يكن أهلا لها، بل ومن عارض وعاد وحاد الله ورسوله، ثم إنصرف.
صرفت الله قلوبهم. وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى، فسنسيره للعسر.
فالله أركسهم بما كسبوا. فالله جل وعلا إذا منع هدايته، كان هذا محض العدل منه سبحانه وتعالى.
ليس هذا من ظلمه. وحاشى حاشى ربنا أن يكون ظالما، بل له كمال العدل والقسط سبحانه وتعالى.
إن ربي على صراط مستقيم. كمال العدل في فعله وتقديره سبحانه وتعالى.
إذا، اهدنا، وارشدنا، دلنا، وارشدنا، هذه دلالة دلالة الإرشاد.
وثبتنا، بعض دلالة التوفيق. بعض دلالة التوفيق، فإن دلالة التوفيق هي العلم بالحق وإيثاره والثبات عليه.
ما هي هداية التوفيق؟ ها العلم بالحق. لابد أن تكون عالما به يعطيك الله العلم.
والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا. ليس عندك علم، لكن الله يعطيك إياه. طيب، العلم بالحق هو إيثاره.
أن تؤثره على غيره، أن تتجه إليه وتعرض عما سواه. تقصده هو ولا تلتفت إلى غيره، ولكن هذا أيضا لا يكفي.
كم من الناس من اتجه إلى الحق والصواب وعمل به، ولكنه بعد ذلك عدل عنه وانصرف وارتكب الضلال.
اللهم إنا نعوذ بك من الحور بعد الكور. اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلوبنا على دينك.
اللهم يا مصرف القلوب والأبصار، صرف قلوبنا على طاعتك.
إذا، لا تنتفع بهذا العلم ولا بهذا العمل ما لم تثبت عليه حتى الممات. وإلا، فلو عاش الإنسان على هذا الصراط المستقيم كل حياته، لكن في آخر لحظات حياته ارتد والعياذ بالله عن هذا الصراط، لم ينتفع بتلك السنين التي كان فيها على الحق.
لا، ما انتفع بها، وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا.
إذا استحضر معنى قولك: اهدنا، هذه الهداية العظيم التي هي أعظم النعم على الإطلاق. استحضر فيها أن تعلم الحق، وأن تؤثره على غيره، وأن تثبت عليه، وكل هذا بيد الله.
فاسأل ربك بصدق أن يبلغك ذلك.
**نعم، أسأل الله إليكم.** قال رحمه الله: الصراط، الإسلام.
وقيل: الرسول صلى الله عليه وسلم. صل على محمد. وقيل: القرآن. والكل حق.
نعم، وكله يرجع إلى معنى واحد. نعم، والمستقيم الذي لا عوجاج فيه.
نعم، صراط الذين أنعمت عليهم. طريق المنعم عليهم. والدليل قوله تعالى: ومن يطع الله والرسول، فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
وحسن أولئك رفيقا.
طيب، هذه الجملة فما بعد تحتاج إلى كلام قد يطول، ولعل فيما سبق كفاية، ونكمل غدا بإذن الله سبحانه وتعالى. والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
فنكمل بعون الله جل وعلا ما أورده المؤلف رحمه الله من شرح الفاتحة، التي هي ركن من أركان الصلاة. قال رحمه الله: صراط الذين أنعمت عليهم.
هذه الجملة بدل من الجملة الماضية: اهدنا الصراط المستقيم، فهي تبين ما هو هذا الصراط، وأنه صراط الذين أنعم الله جل وعلا عليهم.
ففي هذا من الترغيب والحث على سلوك هذه الطريق ما هو بين، وقوله تعالى: الذين أنعمت عليهم، فيه بيان أن الهداية أعظم نعمة من الله سبحانه وتعالى على عباده.
كونه يصف الذين يسلكون هذا الطريق، أي الصراط المستقيم، بالمنعم عليهم، دليل على أنها نعمة عظيمة من الله، بل هي أعظم النعم على الإطلاق.
وفي قوله: صراط الذين أنعمت عليهم، توسل إلى الله سبحانه وتعالى في الدعاء.
فكان المصلي يقول: يا الله، أنت كريم قد أنعمت على عبادك بسلوك طريق الهداية. فاهدني كما هديتهم، واسلك بي هذه السبيل كما سلكت بهم.
ففيه أيضا توسل إلى الله سبحانه وتعالى بكرمه وجوده جل وعلا، والذين أنعم الله عليهم بينهم سبحانه في قوله: ومن يطع الله والرسول، فأولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
وحسن أولئك رفيقا.
فهؤلاء الزمرة الطيبة هم كمل بني آدم وخلاصته. ما أسعد من كان رفيقا لهم في هذا الوصف العظيم.
أن يكون ممن أنعم الله تعالى عليه. صراط الذين أنعمت عليهم.
فالهداية جل وعلا ليست راجعة إلى نسب ولا سبب ولا قوة ولا ذكاء. إنما هو نعمة محضة من الله سبحانه وتعالى.
فإذا كنت راغبا فيها، فالجا إلى من بيده أن ينعم سبحانه وتعالى بهذه النعمة العظيمة.
**نعم، أحسن الله إليكم.** قال رحمه الله: غير المغضوب عليهم، وهم اليهود.
معهم علم ولم يعملوا به. تسأل الله أن يجنبك طريقهم. ولا الضالين، وهم النصارى، يعبدون الله على جهل وضلال.
نسأل الله أن يجنبك طريقهم. ودليل الضالين قوله تعالى: قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا؟ الذين ظل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه، فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا.
والحديث عنه صلى الله عليه وسلم: لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب، لدخلتموه. قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟
والحديث الثاني.
نعم، ثم يقول الله جل وعلا: غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
المغضوب عليهم فسرهم النبي صلى الله عليه وسلم باليهود، والضالون فسرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالنصارى.
وهذان وصفان لطائفتين من الضلال. إن هذان وصفان لطائفتين من الضلال. أبرزهما وأولى وأول من يدخل في هذين الوصفين هم اليهود والنصارى.
فاليهود مغضوب عليهم، وكل من سار على طريقتهم. والنصارى ضالون، وكل من سار على طريقتهم.
وكل من الطائفتين قد جمع من الوصفين حظا. فاليهود مغضوب عليهم ولهم حظ من الضلال أيضا، والنصارى ضالون ولهم حظ من غضب الله جل وعلا أيضا.
لكنهم، أعني اليهود، هم إلى وصفهم بالمغضوب عليهم أغلب، والنصارى وصفتهم بالضالين أغلب. وإلا، فالكل له حظ من الغضب والضلال.
نسأل الله السلامة والعافية.
والمسلم في صلاته يسأل الله أن يجنبك طريق هاتين الطائفتين: المغضوب عليهم والضالين، طريق اليهود وطريق النصارى.
واعلم، يا عبد الله، أنه كلما كانت حياة القلب أتم، وكلما كانت معرفته بالإسلام أكمل، كلما كانت مفارقته لما عليه اليهود والنصارى أعظم.
انتبه لهذه القاعدة المهمة. كلما كانت حياة القلب أتم وكانت المعرفة بالإسلام أكمل، كانت مفارقة ما عليه اليهود والنصارى أعظم.
فإن مشابهه الكفار، لا سيما اليهود والنصارى، سبب دروس الدين وانطماس معالم سنة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.
فالشر كل الشر في موافقة الكفار ومشابهتهم فيما هم عليه من عقائد وعبادات وأخلاق.
وأسعد الناس هم أبعد الناس عنهم. أبعد الناس عنهم في الواقع والصفات أيضا، فهم يؤتنون بأنفسهم عن حال المغضوب عليهم. وعن حال النصارى.
واليهود مغضوب عليهم، والسبب في ذلك، أن عندهم علما لم يعملوا به.
والنصارى ضالون، لأنهم عملوا على غير علم. ولذلك، كان من ظل من علماء هذه الأمة فيه شبه باليهود. ومن ظل من عبادها فيه شبه من النصارى.
والسعداء الموفقون هم الذين عبدوا الله على علم.
عندهم علم وعملوا بمقتضى هذا العلم. هذا هو التوفيق. وهذا هو سبب السعادة.
فلا الذين رضوا بالجهل والعبادة لله جل وعلا بهذا الجهل على خير وفلاح، ولا الذين حصلوا من العلم حظا لكنهم ما استفادوا منه، لأنهم ما عملوا به.
العلم مقصود للعمل. والعمل لا ينفع إلا بعلم. فلا بد من الجمع بين الأمرين.
لا بد من أن تحرص على أن تتعلم ما ينفعك. فمن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين.
عجبا لمن آتاه الله النعم العظيمة، فهو الذي أمده بالسمع والبصر، وأمده بالعقل، وأمده بالنعم المتتالية، ثم هو يعرض عن تعلم دين الله جل وعلا.
مع أنه ما خلقه الله إلا لأجل أن يعبده بهذا الدين. وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون.
تجده عالما بكل شيء إلا دينه. يعلم أدق التفاصيل في السياسة، في الاقتصاد، في أمور معيشته.
تجده فيها جيدا، فاهما، حذقا. لكن إذا جاء إلى عبادة الله عز وجل، تجده من أجهل الناس، يعبد الله كيفما اتفق.
بحسب ما يرى الناس، أو بحسب ما يحلو له، أو بحسب ما شاهد أباه وجده، دون أن تكون عنده همّة لكي يتعلم دين الله عز وجل.
هذا لا شك أنه نقص في الإنسان. إنما على الإنسان أن يجعل طلب العلم هدفا في حياته وقضية كبرى.
يعطيها من وقته، ويعطيها من اهتمامه. ليس طلب العلم شيئا محصورا على طائفة معينة، موسومة بطلاب العلم، أو الذين يدرسون في كليات شرعية أو ما شابه ذلك.
كلا، بل كل مسلم مطالب بأن يتعلم الشيء الواجب عليه في العقيدة والعمل. قال صلى الله عليه وسلم: "طلب العلم فريضة على كل مسلم".
كل مسلم مطالب بأن يتعلم الشيء الواجب عليه، عقيدة وعبادة.
إذا، يسأل المسلم ربه أن يجنبه هاتين الطريقتين: طريقة اليهود وطريقة النصارى.
ولاحظ أنها قضية تتكرر كل يوم. يذكر الإنسان نفسه 17 مرة بهذا الموضوع المهم.
إنه في جانب أو هذا، الذي ينبغي، واليهود والنصارى في جانب. لابد أن يكون مفارقا، لابد أن يكون مبتدعا، مبتعدا عنهم، حتى يكون متحققا بالهداية وسلوك الطريق المستقيم.
وعلى هذا يبني حياته. أن يكون مؤتسكا بأولئك الذين هداهم الله، فبهداهم اقتده.
هذا الذي ينبغي أن يقتدي به، لا أن يقتدي باليهود، ويقتدي بالنصارى، وأن يقتدي بأعداء الله، يقيم بيته ومنزله على هذا الأساس، ويربي أبناءه على هذا الأصل الأصيل.
قال الإمام مالك رحمه الله: كما عند اللالكائي في السنة، كان السلف يعلمون أبناءهم حب أبي بكر وعمر، كما يعلمونهم السورة كما يعلمونهم السورة من القرآن.
انظر إلى هذه التربية الحازمة. انظر إلى هذه التربية الصحيحة ولم يفعل كثير من الناس.
يربون أبناءهم على حب الكفار، سواء كان ذلك بلسان الحال أو بلسان المقال. يعظمونه، ويعظمونه، ولا يجدون أمامهم إلا صور هؤلاء والثناء عليهم، وهم اللامعون في أعينهم، مع الأسف الشديد.
فهذه مسألة ينبغي أن يلاحظها المصلي وهو يتلو: إياك نعبد وأياك نستعين، اهدنا الصراط المستقيم.
صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
ولاحظ يا رعاك الله أن بعدك ومفارقتك لطريق المغضوب عليهم والضالين يستلزم المعرفة بذلك.
فإنك لن تجتنب طريقا أنت تجهله إلا إذا كنت عارفا بهذه الطريق، حتى تتجنبها، وحتى تكون في منأى عنها.
ولذا، أهل السعادة، أهل التوفيق، أكمل الناس حظا من الصراط المستقيم هم الذين عرفوا الحق تفصيلا ورزقوا العمل به.
وعرفوا الباطل تفصيلا ورزقوا اجتنابه. وإلا، فمن كان يعلم الحق فقط، فما أقرب أن يسقط في وهدة الضلال، لأنه يجهل الضلال.
بل لا بد أن تكون معرفتك بالضلال أيضا حاضرة في ذهنك. قال عمر رضي الله عنه: "تنقض عرى الإسلام عروة عروة لمن نشأ في الإسلام ولم يعرف الجاهلية."
هذا بعض ما تضمنه قوله تعالى: غير المغضوب عليهم ولا الضالين.