Transcription
وتعيها أذن واعية، أذن واعية مع الشيخ الدكتور صالح سندي.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. أما بعد، فإن الكلام في العقل كلام في قضية شائكة اختلفت فيها العقول وتشعبت.
موضوع العقل هو حجر الزاوية في كثير من القضايا الفكرية التي نشأ عنها كثير من الاختلاف الحاصل بين الناس. والمراد بالعقل في كلامنا هنا الغريزة أو الملكة التي جعلها الله سبحانه في الإنسان، وبها يدرك، وهي التي يمتاز بها الإنسان عن الحيوان، والعاقل عن المجنون. ومع كون العقل من أعظم نعم الله على ابن آدم، إلا أنه لا يمتري عاقل في أن حدوده ضيقة ومجالاته محدودة، والنقص لاحق به، لذا فهو أضعف من أن يحكم في شيء خارج عن محل ولايته أو أن يستقل عن الشرع استقلالا تاما.
وهذا من آثار كمال الخالق وضعف المخلوق. قال سبحانه: "وخلق الإنسان ضعيفا". فالقاعدة هنا أن للعقل سلطة، لكنها محدودة لا مطلقة. وعليه فإنه لا دخل له في الغيبيات، وحسبه الإقرار والتسليم بها إذا بلغته في صحيح الوحي، والحكم بعدم امتناعها. كما أنه لا يستقل بالهدابة، فمن رامها به وحده ضل.
لا أن العقل كالعين، فكما أن العين لا تبصر إلا أن اتصل بها نور الشمس أو المصباح، كذلك العقل لا يبصر الهدية إلا إذا اتصل به نور القرآن والإيمان.
وان اهتديت فبما يوحي إلى ربي. كما أنه لا يستقل بالفصل بين الناس فيما يتنازعون فيه لاختلاف العقول وتفاوتها. إنما الذي يستقل به الوحي المنزل، فهو الذي لا اختلاف فيه ولا اضطراب.
وسبب محدودية العقل أنه مخلوق ناقص، خلقه الله عز وجل هكذا ناقصا لا كاملا، ضيقا لا يحيط بالأمور كلها. فثم أشياء كثيرة أكبر من طاقته وأرفع من قدرته.
ولذا فإن العلماء كلهم بعلومهم وعقولهم وتقنياتهم لا يعرفون كل شيء عن ذبابة. ثم إن العقل مكبل بالمحسوس المدرك له. أي إن العقل لا طاقة له بإدراك شيء وراء المحسوسات.
فمعيار حكمنا بعقولنا هو المخزون المعرفي في أذهاننا. ولذا لو قيل للناس قبل 200 سنة تقريبا إنه يمكن أن يسافر إنسان وهو متكئ في غرفة مكيفة تسبح في الهواء من المدينة إلى جدة، مثلا، في ظرف دقائق، فسيكون كلامه حينها ضربا من الجنون.
وانتبه إلى أن القول بأن العقل محدود ليس فيه تسفيه له وحط من قدره، بل هذا من تكريمه وقدره، وهو أن لا يكلف فوق طاقته. فليس من تكريم الرجل القوي تكليفه حمل بيت، وليس من تكريم حاد البصر تكليفه أن يحد النظر إلى الشمس. فكذاك العقل، تكريمه في أعماله في مجاله، لا في تكليفه فوق طاقته.
والله تعالى أعطانا العقول لندرك بها القريب للبعيد. إن العقول كالأودية لها طاقة استيعاب للماء بقدر معين، فلو صب فيها ماء البحر، مثلا، لحصل فساد عظيم وغرق كبير.
إذا العقل له سلطة في حدود مملكته، ومملكته لا تتجاوز بحال ما يمكن إدراكه بالحس وما وراءه، فلا سبيل إلى أن يدركه أو يحكم فيه. إنه إذا كان العقل عاجزا عن استيعاب ما هو مشاهد له في الجملة، مثل عدد حبات الرمل أو نجوم السماء أو ورق الأشجار أو أسماك البحار، فكيف يطمح إلى استيعاب غاب عن الحواس؟
وبما سبق يعلم أن الغلو في تعظيم العقل من أسس الضلال، وأن المذاهب المتطرفة التي تقرر أن العقل هو المرجع الوحيد في تفسير كل شيء في الوجود، والمعيار الوحيد لاختبار صدق القضايا والحكم عليها، وفي طي ذلك الاستغناء عن الوحي الإلهي، وإنكار كل ما لا يدركه العقل من الغيبيات، أن هذا ضلال مبين.
والحقيقة الناصعة أن هؤلاء المتعاقدين نافون العقل منافاة صريحة. فالعقل الصريح ينادي فيهم لو كانوا يعقلون، أن لي قدرة محدودة، فلا تكلفني ما لا أطيق.
والدرس المستفاد مما مضى هو درس التسليم: أن نسلم لله العليم الحكيم، ونسلم لوحيه. فالله تعالى خالق العقل، فحكم العقل منوط بفاعله. وهو سبحانه خلق العقل ليكون موصلا إليه، لا قاطعا عنه، دالا على قدرته، لا مضلا عن حكمته.
إن قاعدة معشر المسلمين أنه لا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام. وما أحسن ما قال الزهري رحمه الله: "من الله الرسالة، ومن الرسول صلى الله عليه وسلم البلاغ، وعَلَيْنَا التسليم".
والحمد لله رب العالمين.