📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

مضغوط بالوراثة: كيف يبتلعنا الضغط النفسي جيل بعد جيل؟ | في الحضارة

AlarabyTube - العربي تيوب 24:18

Transcription

بسم الله الرحمن الرحيم

يعني، إيه اللي يرضيك يا عم بركة؟ سامح هيعملهالك. أيوة يا عم بركة، زي الكلب هينفذ اللي تؤمر بيه. يكتب عليها، اعتبره حصل، ويعمل لها فرح كبير. حقها! يخزي به عيون البوابين والسياس بتوع المنطجة كلها. دي المنطجة بقت سيرتها على كل لسان! وبيقولوا بتعمل "ريلاشنشيب"! كذب والله! دي كانت مجرد "سيتيويشنشيب" على الضيق! اخرسي يا فاجرة! اهدأ بقى يا عم بركة! سامح هيعم لها أكبر فرح فيكي يا منطقة، ويديلنا كمان مهر 500 ألف جنيه. إيه؟! هزها شوية يا عم بركة! نقول 300 ألف معقولة؟ ماشي، بس العفش عليه، والفرش عليه، ونضافة السلم، وخدمات السكان، أما السطوح بقى... ليه؟! ليه كل دا؟! هي حنان ترك؟ يا عم، ليه كل دا؟! ليه؟! هو دا اللي حطيت راسي في الطين عشانه؟! أهه! ما قالتلك: "كانت Situationship على الضيق".

مالك؟! صديقي الإنسان، تفتكر ليه مرضى التصلب الجانبي الضموري ناس لطيفة جدًا؟ إيه التصلب الجانبي الضموري دا؟! في سنة 1998، طلعت دراسة من مؤسسة كليفلاند كلينيك بعنوان غريب جدًا، "لماذا مرضى التصلب الجانبي الضموري لطيفون جدًا؟" التصلب الجانبي الضموري، أو الـALS، مرض بيجي للجهاز العصبي وبيأدي لضمور العضلات، زي اللي كان عند عالم الفيزياء المشهور ستيفن هوكنج كدا، أكيد ممكن تبقى شفته. بس ليه المرضى لطاف بقى؟ هو فيه مرض معين كل المصابين بيه لطاف؟! الباحث اللي عمل الدراسة دي بيقول إنه أحيانًا كان بيجيله عيانين بيبعتهم يعملوا فحوصات معينة، مثلًا علشان شاكك إن عندهم ALS، ترجع له نتيجة الفحوصات، يلاقي الفني بتاع المعمل كاتب ملحوظة كدا على جنب، بيقول له فيها: "مش ممكن الشخص دا يبقى عنده ALS، لأنه مش لطيف، وشكله كدا مش سالك، وفيه حاجة مش مريحاني." جملة شكلها غير علمي، وJudgemental جدًا كمان! هو الدكتور ماله إنه لطيف ولّا مش لطيف؟! وبعدين، إزاي يعني هيقيس اللطف؟ بس الحقيقة، إن الأطباء متفقين بصورة عامة على علاقة بين اللطف والمرض، والسبب ببساطة إن فيه صفات مشتركة بين أغلب الناس اللي بيجيلها مرض الجهاز العصبي دا، زي إنهم مثلًا، بيرفضوا يعترفوا بحاجتهم للمساعدة، أو بينكروا ألمهم الجسدي والعاطفي، بيهمشوا المشاعر السلبية، زي الخوف والقلق والحزن، وينكروها أو يقمعوها أو يتجاهلوها.

ستيفن هوكنج نفسه كان دايمًا بيرفض المساعدة من أصحابه، رغم إنه كتير كان ممكن يقع ويتخبط في الأرض أو في الكراسي. واحد تاني من المشاهير اللي جالهم المرض دا هو لو جيريج، واللي كان لاعب بيسبول مشهور في نيويورك يانكيز، كانوا بيسموه "الحصان الحديدي"، لأنه مصمم إنه يلعب دايمًا، حتى لو تعبان، حتى لو مصاب، لدرجة إنه لعب 2130 ماتش ورا بعض، ما فوّتش ولا واحد. ودا رقم كبير جدًا، كان ممكن يوصل لأنه يلعب وهو إيده مكسورة. زي الكابتن حسام حسن كدا، "هألعب يا بنت الـ....!" أنا لو إيدي مكسورة، مش هألعب شطرنج، تخيل دا بيلعب بيسبول! التجاهل الرهيب للإحساس بالألم دا خلاه يفضل محافظ على الرقم القياسي لأكبر عدد ماتشات ورا بعض، وما حدش قدر يكسره لمدة 70 سنة. أهو دا مثال للحاجات اللي كانت بتتقال عنه. وما فيش حاجة وقفت الراجل دا في النهاية غير المرض، اعتزل بعد ما كان في إيده 17 كسر! عالم النفس الكندي جابور ماتيه بيقول إن السبب اللي خلى واحد زي دا يفضل مكمّل في اللعبة دي، رغم كل الألم والمعاناة دول، إنه كان عنده إحساس قهري بالواجب، وهو دا بالظبط اللطف اللي بيلاحظه الدكاترة عند العيانين، مش مجرد إنهم ولاد حلال، لأ، إنهم بيمارسوا إنكار متطرف للذات، وبيقدموا احتياجات غيرهم على احتياجاتهم دايمًا، وبيقمعوا عواطفهم، مش بس مؤقتًا، أو في موقف معين، لأ، دي هي دي القاعدة في حياتهم.

ماتيه بيقول عن المصابين بالمرض دا إنهم كانوا بيتصرفوا كأنهم أشخاص مثاليين تمامًا، من كتر إنكارهم لاحتياجاتهم ومحاولتهم المستمرة عشان يلاقوا استحسان من اللي حواليهم، حتى لو اللي حواليهم دول ما يعرفوهمش كويس، كأن الواحد منهم، بتعبير ماتيه، يعيش حياته كرد فعل. ستيفن هوكنج اتربى على فكرة إن أي تعبير عن العواطف دليل على الضعف أو فقدان السيطرة. ودي مشكلة كبيرة، لأن واحدة من أهم وظايف العواطف هي إنك أنت تقول لنفسك: أنا بأحب دا مثلًا، وعايز منه أكتر، وبأكره دا، ومش عايز أتعرض له تاني، وبالتالي، فأنت لو عبّرت عنها كويس وسمعتها كويس، هتقدر تحط حدود لتعاملك مع غيرك، لكن لو الحدود دي مايعة، هتبقى مضطر إنك تعيش حياة أنت مش عايزها، وهتتعرض طول الوقت لتعدي الآخرين على حدودك الشخصية، والنتيجة المباشرة لدا هي الضغط النفسي، أو الـStress. أول شخص يستخدم كلمة Stress، بالشكل اللي إحنا نعرفه دلوقتي دا، كان الطبيب المجري الكندي هانز سيلي في تلاتينات القرن الـ20. سيلي كان شايف إن الضغط النفسي استجابة طبيعية للجسم تجاه أي تحدي أو تهديد، وجزء لا يتجزأ من قدرتنا على التكيف مع الظروف، يعني، أنت مثلًا لمّا بتروح الـGym تشيل أوزان، فأنت بتعرض عضلاتك لـStress، الـStress دا هو اللي بيحفزها إنها تتكيف عن طريق إنها تبقى أكبر وأقوى. وعشان كدا، سيلي قسم الضغط النفسي نوعين، نوع إيجابي، اللي هو بيساعدنا إننا نواجه المواقف الصعبة المؤقتة، زي امتحان مهم أو Interview عندك، الـStress في الحالة دي بيخلي الجسم يمر بتغيرات فسيولوجية، بتساعده يأدي بأفضل شكل ممكن، الدم بيتحرك من الأعضاء الداخلية للعضلات، والقلب يدق أسرع، والمخ يركن الجوع والرغبة الجنسية على جنب، والسكر يزيد في الدم، والخلايا المناعية تنشط، كل دا في سيمفونية، بيتعاون فيها الجهاز العصبي والجهاز المناعي والهرمونات. لكن بالإضافة لدا، فيه Stress سلبي، لمّا البني آدم يتعرض لضغوط ما يقدرش يهرب منها مثلًا، ممكن عشان مش واخد باله منها، أو مش قادر يسيطر عليها.

أغلب الباحثين متفقين إن فيه 3 عوامل بيأدوا للضغط النفسي، العامل الأول هو عدم اليقين، والتاني هو نقص المعلومات، والتالت فقدان السيطرة. زي ما أنت شايف كدا إنهم 3 حاجات مرتبطين ببعض، لأن العامل المشترك بين كل مسببات الضغط النفسي دي هو إن فيه شيء ناقص أنت محتاجه بشكل ضروري، أو فيه شيء موجود عادي، بس مهدد إنه يضيع منك. عشان كدا، هتلاقي صاحبك اللي لسة مفركش، قام حابس نفسه في البيت 3 شهور وبطّل يرد على التليفون، لو جيت أنت بقى في أول يوم، قُلت له: "معلش يا عم، ما كلنا اتحطينا في نفس الموقف دا، ودي مش نهاية العالم." احتمال كبير تسمع منه كلام ما يعجبكش، لأن في اللحظة دي، هو هيبقى حاسس إن دي نهاية العالم فعلًا، الـStress على آخره. لكن بعد الـ3 شهور دول ما يعدوا، ممكن تلاقيه هدي، وجايز بيحب جديد كمان، تلاقيه بيقول لك أد إيه ما يقدرش يستغنى عن حبه الجديد دا، تبقى أنت عايز تذكره بكلامه من 3 شهور بس، بس تقول: "بلاش نقلّب المواجع." وتتمناله الخير وتسكت. أهو صاحبك دا اتعرض لضغط نفسي حاد، لكنها فترة وعدت، حكاية وخلصت، ممكن يبقى داخل علاقة تاني، Rebound مثلًا، عشان ينسى اللي سابها، أو رمى أحزانه في الشغل، أو ربى دقنه وراح الـGym، وسمى نفسه "بيج (شادي)"، المهم إن الضغط النفسي ما كملش معاه غير لفترة قصيرة، خرج من التجربة واتعلم الدرس المستفاد وكمل حياته. بس المشكلة بتبقى لمّا الضغط النفسي يكون مزمن، آه والله! كأن الجسم دايمًا في حالة تأهب مستمر، التغيرات الفسيولوجية دي نفسها اللي بتساعدك تبقى منتبه للي بيحصل حواليك، عشان تتفادى الخطر، أو عشان تعمل كويس في الـInterview، أو تحل كويس في الامتحان، تبقى هي الوضع العادي اللي أنت عايش فيه طول الوقت. هنا، الوضع الاستثنائي المؤقت اتحول لحالة مستمرة، حالة جسمك هيتأقلم معاها شوية في الأول، لكن مش هيقدر يكمّل كدا للأبد. الضغط النفسي في حالة مرض زي ALS، اللي بدأنا الحلقة بالكلام عنه، مش بيكون نتيجة حدث واحد وخلص، زي موت شخص عزيز أو خسارة وظيفة أو علاقة حب، بيكون نتيجة ضغوط يومية مزمنة أسوأ بكثير، أسوأ، لأن اللي اتعرض للضغط دا، اتعود عليه، لدرجة إن دا بقى العادي بتاعه، لدرجة إنه ممكن يتضايق ويحس إن الدنيا ما لهاش طعم من غير الضغط النفسي، كأنهم بقوا مدمنين لهرمونات الـStress، زي الأدرينالين والكورتيزون! الضغط النفسي دا مش مجرد شوية توتر إحنا حاسين بيه، لأ، دا شيء أعمق وأخبث بكثير، حاجة بتحصل جوا جسمك، وبتعلم فيه، تغيرات ممكن تبقى مرئية أو مش مرئية لمّا بتحس بتهديد لوجودنا أو سلامتنا، وفي أوقات كتير، ممكن ما تبقاش واعي إن دا بيحصل أصلًا. لكن طبعًا، مش كل حد فينا يتعرض لضغط نفسي مستمر هيجيله مرض من أمراض الجهاز العصبي النادرة يعني، كان زماننا كلنا ماشيين بالكراسي اللي بالكمبيوتر وبنتكلم زي ستيفن هوكنج!

العلاقة بين الضغوط اللي بنتعرض لها وبين استجابتنا لها، مش علاقة واحدة أو ثابتة، لأ، دي بتختلف من شخص للتاني، لأن مخ كل واحد فينا بيفسر الأحداث اللي بيتعرض لها بطريقة مختلفة، حسب شخصيته وقدراته، بس كلها بتعتمد في النهاية على الطريقة اللي بنتعامل بيها مع العواطف. يعني، تخيل عواطفك، صديقي الإنسان، كأنها مبنى من 3 أدوار، الدور الأخير خالص على السطح هي تجربتك الشخصية، أو المشاعر اللي بتحس بيها وبتبقى واعي بيها، زي الغضب أو الفرح أو الخوف، والأحاسيس الجسدية اللي بتيجي مع المشاعر دي. وفي الدور التاني بقى، العواطف اللي بتظهر عليك، سواء كنا واعيين أو مش واعيين بيها، زي لغة الجسد ونبرة الصوت وتعبيرات الوش، الحاجات اللي حواليك بيشوفوها يعني، حتى لو أنت أحيانًا ما حستش بيها، أو ما قصدتهاش. وبعدين، في الدور الأرضي، هتلاقي التغيرات اللي بتحصل جوا جسمك بسبب العواطف دي، زي إفرازات الجهاز العصبي والهرمونات والتغيرات المناعية، ودي أنت مش واعي بيها، ولا اللي حواليك شايفينها، يعني، فيه واحدة أنت واعي بيها، وفيه واحدة اللي حواليك شايفينها، بس أنت مش واعي بيها، وفيه واحدة لا أنت شايفها، ولا اللي حواليك شايفينها ولا واعيين بيها، واخد بالك؟ يا رب تفهم يا تتح! كتير بنشوف في حالة الأطفال مثلًا، الأب والأم مش قادرين يتحملوا العواطف بتاعة الدور التاني، اللي هي تعبيرات الوش، أو الحركات اللي بتعبّر عن الغضب مثلًا، ممكن تلاقي أم بتعاقب ابنها، عشان نظرته ليها كانت نظرة قاسية أو عنيفة أو حست إن فيها استحقار مثلًا. وعقابهم للطفل دا، ومحاولتهم إن هما يكتموا العواطف دي، ويمنعوه من إنه يعبّر عنها، خلّت الطفل دا يستجيب بإنه يبدأ يقمع عواطفه في المستقبل، عشان يتجنب الرفض أو العقاب، وساعتها، بتبقى بدأت رحلة طويلة، بتنتهي بإن الطفل دا بيكبر، وهو ما عندهوش حاجة اسمها الكفاءة العاطفية، يعني، مش بيعرف يتعامل إزاي بصورة كويسة مع مشاعره. يا إما لازم يسيطر عليها، يا إما هي اللي هتسيطر عليه، العلاقة ما بين البني آدم وبين مشاعره بتبقى Toxic شوية. المشكلة ببساطة إن الطفل اتعلم يكبت علامات معينة بتعبّر عن العاطفة، لكن العاطفة نفسها هتفضل موجودة وشغالة في الدور اللي تحت عادي، هرمونات التوتر موجودة، الاستجابة العصبية زي ما هي موجودة، كل اللي حصل إن ما بقاش فيه ليها متنفس. والإنسان مش بيعبر عن اللي بيضايقه، يعني، بحيث إنه يقدر يغيّر الوضع اللي هو فيه أصلًا، دا بيبان لمّا يكون الشخص اللي حاسس بالضغط دا واقع في علاقة سيئة أو وظيفة سيئة، مش عارف يخرج منها إزاي. الخروج محتاج تعامل مع المشاعر وتعبير عنها ومواجهة ليها، وهو ما اتعلمش يعمل دا، بالعكس، دا اتعلم إنه يهرب منه. العواطف هي المنبّه اللي بيقول لك إن فيه حاجة خطر محتاج تاخد بالك منها، ودا سبب العلاقة بينها وبين الضغط النفسي، لأن الشخص اللي عنده كفاءة عاطفية بيتعامل مع الضغط بشكل أحسن، بيكون قادر يميز بين مشاعره اللي جاية من الموقف اللي هو فيه دا، ومشاعره اللي جاية من أماكن تانية، زي جروح الطفولة مثلًا أو العلاقات القديمة، وبالتالي، قادر يعرف هو متضايق من جملة معينة، عشان هي مهينة فعلًا، ولّا عشان فكرته بكلام أبوه وتريقته عليه زمان، بيبقى عارف اللي محتاجه دا، هو محتاجه بجد، ولّا بس عشان ياخد شوية قبول من شخص تاني.

لو لا قدر الله، الكفاءة العاطفية دي مش موجودة، فأنت هتضطر تعيش في عالم أنت مش راضي عنه، عالم من الضغط النفسي المزمن، اللي آه، مش هيجيب لك مرض نادر زي الـALS، بس ممكن يجيب لك أمراض تانية كتيرة عادي. إنه مرتبط بالضغط والسكر والسرطانات والقولون العصبي والزهايمر وأمراض المناعة الذاتية، زي الروماتويد كدا. مثلًا، لو أنت راجل وبتشرب سجاير، فالضغط العصبي بيزوّد احتمال إصابتك بالسرطان 5 مرات، دا لو مش بتعبّر عن عواطفك، يعني، مش كفاية احتمال إصابتك بالسرطان اللي هيجيلك من السجاير في حد ذاتها، لأ، اضربها في 5، كل دا عشان ما بتعبّرش عن مشاعرك، صديقي الإنسان! المشكلة إنك أصلًا كل ما تحس بالضغط العصبي دا، هتولع سيجارة، يعني، العملية بايظة من كل ناحية! طبعًا، مش محتاج أقول لك إن الكبت العاطفي دا أكبر بكثير من تجاهل المشاعر أو عدم التعبير عنها، لأنه بيحصل بطرق تانية كتير معقدة، زي إنك تستخدم السخرية مثلًا، عشان تتعامل مع مشاكلك، رغم إن السخرية بتبقى Mechanism نفسي ناضج في أوقات كتير. أو تحاول تعقلن المشاكل دي بإنك تشوف أسباب منطقية أو مبررات عقلانية للي أنت بتمر بيه، أو الإسقاط، إنك أنت تبقى متضايق وطالع عينك، بس بتتهم اللي قدامك إن هما اللي شايلين منك. حاجات كتير اتكلمنا عنها في حلقة "الحيل النفسية"، بس كلها في النهاية هتوصل لك لنتيجة واحدة وهي الانفجار، لمّا النفسية تطفح بكل اللي جواها من مشاعر، فتلاقي نفسك بتفرغ اللي أنت معبيه لوقت طويل دا في مواقف أو أشخاص، بدل ما كنت تعبّر عنها من الأول بشكل صحي مرة ورا مرة. بنشوف مثال مدهش جدًا على دا في حالة الممثلة الكوميدية جليدا رادنر اللي اتشخصت بسرطان المبيض، وبسرعة اتحولت لرمز من رموز مكافحة المرض، اتحطت صورتها على غلاف مجلة لايف، وبقت متحدثة رسمية لمنظمة السلامة المجتمعية، كأنها لاقت في المرض نفسه فرصة إنها تقدم حاجة للي حواليها، لدرجة إنها لمّا حصلها انتكاسة في نهاية حياتها، قالت... تخيل شخص بيواجه نهاية حياته خلاص، وكل اللي شاغل باله، إنه ما كانش مريض سرطان مثالي! في الوقت اللي المفروض يكون جواها طوفان من المشاعر اللي محتاجة تعبّر عن الحزن والغضب والإحباط، فضلت حاسة إنها حتى في الوضع دا مسئولة عن اللي حواليها، مش بس عن اللي حواليها، مسئولة عن كل الستات اللي عندها سرطان في العالم! جيلدا رادنر كتبت قبل كدا بتقول على نفسها إنها سمحت للضغط النفسي والتوتر إن هما اللي يسوقوا حياتها، اتكلمت عن إدمانها للشغل، وجهدها المستمر عشان تحصل على استحسان الذكور في حياتها، بتقدم لنا نموذج مثالي عن اللي أنا بأكلمك عنه، صديقي الإنسان، الضغط النفسي الرهيب اللي أنت بتتحط تحته نتيجة محاولة إرضاء كل اللي حواليك، بتفضل حاطط مشاعرك على آخر قايمة أولوياتك، لحد ما تكتشف إنك كنت بتدمر نفسك ببطء شديد جدًا، وغالبًا، ما بيبقاش حد استفاد من دا بحاجة. وحتى لو كان حد استفاد، فالأكيد إنك ممكن تهتم باللي حواليك، لكن بطريقة ما فيهاش إنكار لذاتك، وقمع لمشاعرك بالشكل دا. أهو السرطان بيدينا مثال ممتاز على إنك ما ينفعش تختزل المرض في سبب واحد، يعني، أنت عادةً بتفكر في المرض اللي بيجي في جسمك على أساس إنه حاجة فسيولوجية أو طبية بحتة، السرطان مثلًا، عدو جاي من برة جسمك، وبيحاول يهاجمه أو يدمره، وأنت محتاج تحاربه. بس المشكلة بقى، في رأي جابور ماتيه، إن دا مش حقيقي، السرطان دا في حالات كتير بيبقى انحراف في عمليات الجسم الداخلية، يعني، جاي من جواك أصلًا، دا غير دراسات كتير لاقت إن أخطر العوامل في الإصابة بالسرطان هي عدم القدرة على التعبير عن العواطف، وخصوصًا، قمع الغضب. طبعًا، أنا مش بأقول خالص إن دا العامل الوحيد، لأن فيه عوامل بيئية وجينية ما لهاش حصر، دا موضوع معروف يعني، بس الشخص اللي مش بيقدر يعبّر عن العواطف السلبية، زي الغضب والحزن، بيكون أكثر عرضة بكثير للمرض من غيره، المشكلة إنه بيفضل معزول ويائس، حتى لو حواليه أهله وأصحابه، الأحاسيس دي جاية من عجزه هو إنه يكون صادق مع نفسه على مستوى أعمق. نفس فكرة احتمال إن إصابتك بسرطان الجلد مثلًا هيبقى أعلى، لو كنت من أصحاب البشرة الفاتحة، لأنك ساعتها، بتتأثر أكتر بالأشعة فوق البنفسجية، فكمان، كونك بتمارس القمع العاطفي دا، أو مش بتعرف تقول "لأ" للي حواليك، أو بتتجاهل احتياجاتك، كلها حاجات ممكن تسهّل إصابتك بأنواع مختلفة من السرطان، ومنها سرطان الجلد، بالمناسبة. أينعم، مش هيبقى مسئول لوحده عن المرض، بس هيزوّد خطر الإصابة بيه. دا لأن البشر ما اتخلقوش، عشان كل واحد يعيش لوحده جوا جسمه، ما إحنا روابط اجتماعية، والعاطفية دي جزء من تركيبنا العصبي والكيميائي.

عشان كدا، المرض في وجهة نظر الطبيب النفسي الأمريكي موراي بوين مش مجرد حدث بيولوجي معزول بيحصل جوا جسم الإنسان، ما لهوش علاقة بالمحيط اللي إحنا عايشين فيه، لأ، بوين بيقول إن العلاقات العائلية والاجتماعية بتكمّل معانا طول عمرنا، مش بس على المستوى النفسي، لكن حتى على مستوى أجسامنا. ما حدش فينا بيتولد قادر إنه ينظم عواطفه كويس، أو يتعامل معاها بكفاءة، الطفل الرضيع بيكون معتمد كليًا على أبوه وأمه، وبيحس بالضغط النفسي لو حصلت أي حاجة بتهدد علاقته بيهم. في نفس الوقت، الأب والأم دول مسئولين عن طريقة التربية السليمة إن هما يحولوه لشخص مستقل قادر على الدخول في علاقات مع ناس تانية، يقدر يستحمل المشاعر السلبية ويعبّر عنها بشكل صحي، بدل ما يطلع قرفه بعد كدا في مراته وعياله! ويقدر كمان يسمع مشاكل أصحابه والقريبين منه، من غير ما يراكمها جواه، ويعاني بسببها، دي مشكلة الشريك الأضعف في أي علاقة. عشان كدا مثلًا، عدد الستات المريضة بالقلق والاكتئاب ممكن يبقى أكتر من الرجالة، لأنهم بيمتصوا كمية قلق أكبر من شريك حياتهم، توزيع الأحمال مش متساوي، الشريك الأضعف، اللي هو غالبًا بيبقى الزوجة، بيضطر يكبت احتياجاته ويمتص ضغوط ومخاوف الطرف التاني علشان المركب تمشي. كذلك الطفل هو الطرف الأضعف في العلاقة مع الأب والأم، وأسوأ حاجة ممكن تحصل للطفل إنه يحس بتهديد علاقته بيهم، خصوصًا، لو الطفل دا رضيع مثلًا، أهو دا ممكن يسبب له ضغط مزمن طول حياته. ومن هنا، بتبدأ القصة اللي بأحكيها لك من أول الحلقة، الطفل يبدأ يقمع احتياجاته، عشان يحقق القبول والأمان، لكن للأسف، مش بيكون عارف تمن دا في المستقبل هيبقى إيه، لمّا يكبر، هيبقى مستحيل يتخيل إن حالته النفسية والصحية السيئة دي وهو عنده 50 سنة ممكن تبقى بسبب إحساسه بعدم الأمان في أول سنة من عمره، لاحظ إزاي إن المرض والصحة في الحالة دي مش حاجة متعلقة بجسمك بس، لأ، كمان بعلاقاتك مع اللي حواليك، وبطريقة إدارتك للعواطف. الأنثروبولوجي البريطاني آشلي مونتاجيو بيقول إن... حاجات بسيطة، زي إحساسك بالحُب والقبول في الطفولة، ممكن يكون ليها تأثير مخيف عليك بعد كدا، ودا مش بس نفسيًا، لأ، حتى كمان صحيًا، زي ما شفنا. يعني الصحة والمرض، صديقي الإنسان، ليهم جانب اجتماعي، إزاي العالم بيتعامل معانا، وإزاي إحنا بالتالي بنتعامل مع نفسنا، العملية عمرها ما بتبقى بس خلل في وظائف الأعضاء أو مشاكل جينية، كتير من دا بيحصل بالذات في السنين الأولى من الطفولة.

بس قبل ما تترعب من الخلفة ومسئولياتها، خد نفس عميق كدا، ريّح ضهرك، وخلّيني أقول لك إن كل الكلام دا مش معناه إننا بالضرورة نلوم الأب والأم عشان ابنهم كان عنده مشكلة بعد 50 سنة، لأن فشل التربية في إنها تحسّس الطفل بالحُب والقبول غير المشروط، غالبًا مش بيكون مقصود من الأب والأم، يعني، مش بيكون جزء من نيتهم. المشكلة في العواطف اللي بتوصل للطفل اللي هي كانت ساكنة في الدور التاني دي، واللي بيشوفها في تعبيراتهم بسلوكياتهم، مش لأنهم قاصدين يوروهاله، لكن لأن حد منهم مضغوط طول الوقت بسبب مشاكل في الشغل، أو حد فيهم مثلًا حاسس بالوحدة أو بغياب الطرف التاني. دا بياخدنا لحقيقة مؤلمة، وهي إزاي الضغط النفسي بيتورث من جيل لجيل، يعني، ممكن أزمة اقتصادية مثلًا يتعرض لها جيل معين، تتسبب في ضغط نفسي مستمر لأجيال كتير بعده، يوصل لأحفادك وأحفاد أحفادك وأحفاد أحفادهم، حتى بعد ما الأزمة نفسها عدت بسنين. الكاتب الأمريكي لانس مورو في كتابه "القلب"، بيعبّر عن دا لمّا بيقول... يمكن عشان كدا لوم الآباء والأمهات فكرة عبثية شوية، لأن الأب والأم في أغلب الأحيان بيكونوا اتعرضوا لنفس الحرمان العاطفي دا ونفس العقد، وقدرتك على التأقلم مع الضغط مبنية في جزء كبير منها على قدرة الأجيال اللي قبلك على التأقلم مع الضغط برضه، دا لأن الإنسان، صديقي الإنسان، كائن اجتماعي، ما تقدرش تتعرف عليه برة ثقافته ومجتمعه، المشكلة عمرها ما بتكون فيك لوحدك، بمعزل عن اللي حواليك.

جابور ماتيه بياخد الفكرة دي خطوة كمان لقدام، لمّا بيقول لنا إن أمراض زي السرطان والروماتويد والحاجات اللي اتكلمنا عنها في الحلقة دي مش مجرد أمراض فردية أو أسرية، وإنما دي أمراض الحضارة أو أمراض مجتمع كامل. زمان، لمّا كانت الأسر الممتدة والجيران عايشين حوالين الطفل على طول، كان أسهل الطفل يلاقي إحساس بالدفا والأمان لمّا يحتاجهم، لكن لمّا يكون تحت رحمة الأب والأم لوحدهم، فمجرد إن هما يحرموه من المشاعر دي، مش هيلاقي حد تاني يقدر ياخدها منه، فيبقى معزول ووحيد تمامًا في عالم مش قادر يتعامل معاه، النتيجة، إنه ممكن يبقى عرضة للضغط النفسي بقية حياته، ويفقد قدرته على إدارة عواطفه، ويفقد إحساسه بالاستقلالية، ويبقى دايمًا معتمد على حاجة خارجية، تيجي تنظم له مشاعره دي. وممكن في المستقبل الحاجة دي تبقى الإدمان أو الانعزال أو التنقل المستمر بين العلاقات، كأنه بيهرب من حاجة مش قادر يسميها، ومش عارف إيه هي، الحاجة دي ببساطة هي عواطفه نفسها. الضغط المزمن هو العامل المشترك بين أمراض الحضارة دي، حاجة كدا عاملة زي السم البطيء. جسم البني آدم لمّا بيتعرض للخطر المفاجئ بيفرز هرمونات زي الأدرينالين والكورتيزول، دا بيكون مفيد وقت الخطر، وبيتخلص منه بسرعة، لكن لو فضلت عايش تحت تأثير الهرمونات دي على طول، فدا بيدمرك على المدى البعيد جسديًا ونفسيًا. في الزمن الحديث، ما فيش أسد هيجري وراك، بس فيه فواتير وديون وشغل وتوقعات مجتمعية، دول بيخلوك طول الوقت عامل زي التور في الساقية، طول الوقت في حالة تأهب عصبي، وطول ما جسمك في الوضع دا، بيكون سهل جدًا على المرض إنه يلاقي طريقة لجسمك. عشان كدا، علاج المرض اللي جاي من الضغط العصبي ما بيكونش أبدًا، "خد الدوا" وانتهينا، لأ، أنت لازم تشوف أصل المشكلة، لازم تفكر إيه اللي بيزيد التوتر، وتبدأ تقلله أو تواجهه، ممكن تبقى بيئة عمل مش مناسبة، علاقتك بزمايلك فيها مشاكل، يمكن طريقتك في التفكير سببها طفولة صعبة، محتاج تقعد تفكها حتة حتة وتتعلم إزاي تتجاوزها، المهم إنك تدوّر على الجذور الحقيقية للقلق والتوتر اللي عندك، أمراض الحضارة دي ما ظهرتش من فراغ، لكنها نتاج للقيم اللي المجتمع بيفرضها على الناس، زي المنافسة الشرسة، والنجاح المادي على حساب أي حاجة تانية، والتهميش الكبير للقيم الإنسانية اللي زي التعاون والتعاطف.

يعني مثلًا، إيلون ماسك لمّا استحوذ على تويتر أو إكس دلوقتي، قال للموظفين بتوعه إن عليهم إن هما يشتغلوا لساعات طويلة وبكثافة عالية، أو يسيبوا الشركة ويمشوا. فاكر كلامنا عن إزاي إحساسك إنك مش مسيطر على مصيرك ممكن يبقى واحد من المصادر الكبيرة للضغط النفسي؟ الـسوشيال ميديا كمان بدل ما تقرب الناس من بعض، بقت تعمل العكس، بتخلي كل واحد في عزلة أكبر، وتفضل تقارن حياتك بصور الناس، بتحس إن حياتك وحشة ومحتاجة تحسين، فتروح تستهلك أكتر وتتداين أكتر، عشان تثبت للناس إنك موجود، وبالتالي، تحط نفسك تحت ضغط عصبي أكبر وأكبر. إحنا مش بنقول إن أي مرض سببه الضغط النفسي، لكن فيه رابط كبير بين الضغط اللي بنتعرض له دا وما بين إصابتنا بأمراض كتير، والضغط دا أحيانًا ممكن يجي من بيئة مش حلوة في الطفولة، لكن حتى لو فلتنا من الطفولة دي كويسين، ممكن تلاقي نفسك محطوط تحت ضغط بسبب نمط الحياة بعد كدا، ما بالك بقى لو خدت الاتنين مع بعض؟! رقم قياسي في الـStress. أمراض الحضارة بتعكس مرحلة من تطورنا الاجتماعي والاقتصادي، وبتبين التمن اللي بندفعه مقابل التقدم المادي، يعني، جابور ماتيه بيشوف إن تغيير دا بيبدأ من إننا ندرك المشكلة ونغيّر قيم وأنماط حياتنا اللي بتسبب لنا الضغوط دي. وأكيد آه إن المجتمع الصناعي الرأسمالي دا حل مشاكل كتير للي عايشين فيه، زي السكن والأمن الغذائي والصرف الصحي وتشرد الأطفال، لكنه كمان خلق ضغوط كتير، حتى بالنسبة لشخص مش محتاج إنه يكافح عشان أساسيات الحياة. هتقدر تشوف دا مثلًا في تجربة شعوب الزولو في جنوب أفريقيا، لمّا بدأوا يتحضروا، زادت وسطهم نسب الإصابة بارتفاع ضغط الدم والأزمات القلبية، وبنشوف دا كمان بيحصل مع البدو، اللي بتزيد وسطهم نسب القولون العصبي لمّا بيبدأوا يستقروا ويعيشوا في المدن. طبعًا، مش معنى دا إن الزولو المفروض يرجعوا للزراعة البدائية ويحاربوا ويصطادوا. لكن هل الضغوط النفسية دي بديهية أو لازم تحصل يعني مع المدنية والحضارة؟ ولّا يمكن فيه طريقة تانية إن المجتمع يكون مش بيحط كل الضغط دا على أفراده؟ الأطفال حاليًا بقوا يقضوا وقت أقل مع الآباء والأمهات مقارنة بأي وقت سابق في التاريخ، ودا شكل من أشكال الحرمان، في رأي هانز سيلي. وكمان التركيز على القيمة الاقتصادية للبني آدم، وربط فايدته المادية بكونه يستحق للتقدير خلّت ضغط العمل والخوف من خسارة الشغل واحدة من أهم عوامل الضغط النفسي اللي بنتعرض لها كلنا، لدرجة إنها، في رأي ماتيه، أهم من كل عوامل الخطر المسببة لارتفاع الضغط والكوليسترول والأزمات القلبية كلهم مع بعض! وطبعًا، كل دا أسوأ لو أنت فقير، يعني، على الأقل الغني هيلاقي وجبات صحية أكتر، أنشطة تقلل الضغط النفسي، ظروف حياة أفضل، مش محتاج يطلع عينه في شغلتين، ويحوش القرش على القرش، عشان يجيب شبكة البت اللي بيحبها، لأ، عادي، بيروح يعمل Meditation 3 أيام في الأسبوع، أو يلعب يوجا وبيلاتيس. لو مش عارف إيه البيلاتيس دا، صديقي الإنسان، دا حاجة زي التاي تشي كدا، مش هتبقى عارفه برضه!

الأذى العابر للأجيال، أو التفكك الأسري وتشرد الأطفال، أو الشكل الحالي المتوحش للرأسمالية، كل دا أكبر من أي حد مننا، لكن دا مش معناه إننا نستسلم له، أو إن حركتنا تكون مشلولة قدام كل دا. مجرد معرفتك بكل اللي اتكلمنا فيه دا، تعتبر خطوة لقدام، جايز تشجعك تاخد بالك من اللي بيحصل جواك، من الـMonologue الداخلي بتاعك، اللي أنت ممكن تبقى عشت بتقوله لنفسك بوعي، أو من غير وعي، وبيخليك تضغط على نفسك عشان تلاقي القبول أو تتجنب الرفض، أو ترضي اللي حواليك كلهم في نفس الوقت، ما فيهاش حاجة، لمّا تكون مش قوي بما يكفي، ما تتوقعش من نفسك أكتر من اللي متوقعه من الآخرين، ما فيهاش مشكلة لو غضبت أو حزنت، اللي بيحبوك فعلًا، مش هيبطّلوا يحبوك لو غضبت، أنت مش مسئول عن العالم كله، وما تقدرش تتعامل مع كل شيء لوحده، وطبعًا، أنت مش محتاج ت