📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

براهين النبوة (١) | أ.د. صالح سندي

أ.د. صالح سندي5:22

Transcription

وتعيها أذن واعية، أذن واعية مع الشيخ الدكتور صالح سندي، إن من حكمه ربنا سبحانه وإحسانه إلى خلقه أن أرسل الرسل لتحقيق السفارة بينه وبين عباده. ولذا كانت النبوة روح العالم ونوره ونظامه، لا يزيغ عنها إلا حائر خاسر، ولا نجاة للبشرية في الآخرة والأولى إلا باتباع الرسل. فبعثت أعظم نعم الله على الخلق.

فالدنيا مظلمة ملعونة إلا ما طلعت عليه شمس الرسالة. واعلم أيها الموفق أن التمييز بين النبي الصادق والمتنبئ، أخبر عن نفسه أنه نبي، حاله منحصر بين أمرين لا ثالث لهما: إما أن يكون أصدق الناس وأكمل، وإما أن يكون أكذب وأخبثهم. والتمييز بين هذا وهذا من أيسر الأشياء.

ومن حكمته سبحانه أنه لم يرسل رسولاً إلا وهو متصف بأعلى صفات الكمال في النوع الإنساني، مؤيد بأعظم الآيات والبراهين. لقد أرسلنا رسلنا بالبينات، وإذا كان هذا في حق كل نبي، فإن حظ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من هذه البراهين أكبر وأعظم. ونحن معشر أمته بحاجة إلى أن نتذاكر هذا الموضوع؛ لأن استحضار هذه البراهين يزيد المؤمن إيماناً ومحبة، ويعزز له عليه الصلاة والسلام، ويبلغ به بتوفيق الله مرتبة الرضا به رسولاً.

وفي هذه الحلقة وما بعدها، بعون الله، نتفي شيئاً من رياض براهين النبوة. مسترود بلغ صلى الله عليه وسلم الذروة في خلقته وبهاء طلعته وفصاحة لسانه، وفي شرف نسبه وعزة قومه. عرفه قومه بقوة عقله وصحة فهمه ورجاحة بصيرته. شهدوا له بواسع كرمه وعلو أدبه وطهارة ذاته وبالغ مروءته. وما هذه أخلاق كاذب مفترٍ على الله.

تأمل أيها المؤمن إنسان يلتزم بالصدق والأمانة 40 سنة لا يكذب فيها ولا يخون ولا يخلف، وهو سليم في عقله، شريف في نسبي، علي في قومه، شجاع في مواقفه. كيف يتصور مع كل هذه الكمالات أن يتخلى عما هو فيه بعد أن بلغ الأربعين، فيرتكب كذبة من أعظم الكذبات على وجه الأرض؟ لا يفعلها إلا أحقر البشر، فيدعي كذباً أنه رسول من عند الله يوحى إليه. إن هذا أبعد ما يكون وقوعا.

ولقد نبه القرآن كفار قريش إلى هذا المعنى قال سبحانه: "أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون". إنهم يعرفونه بكل خلق جميل، حتى إنهم كانوا يسمونه قبل البعثة بالأمين، فلما لا يصدقونه حين جاءهم بالحق المبين؟

البرهان الثاني: سيرته صلى الله عليه وسلم بعد النبوة وكماله الخلقي بعد الرسالة. لقد كان صلى الله عليه وسلم نموذجاً أخلاقياً فريداً لا نظير له. لقد كان الإنسان الذي استجمع الفضائل من أطرافها والمحاسن من شتات، حتى إن أخلاقه أضحت مقياس الأخلاق. وكل من طالع طرفاً من سيرته أسرته عظمة نبله ومجده، وأيقن بصدق قوله تعالى: "وإنك لعلى خلق عظيم".

لقد كان أصدق الناس لهجة وألين عريكة، وأحفظهم للعهد وأوفى بالوعد. كان دائم البشر سهل الخلق، لقد كان خلقه القرآن. لم يكن سباباً ولا فاحشاً ولا لعانا. كان يطيل الصمت ويقل الضحك، ما كان فظاً ولا غليظاً، كان أجمل الخلق ظاهراً وباطناً.

كان أشجع الناس وأكرمهم، يصل الرحم، ويحمل الكل، ويكسب المعدوم، ويقر الضيف، ويعين على نوائب الحق. كان أعظم الناس حياءً وأشدهم تواضعاً. إذا أخذ رجل يده لم يترك يده حتى يكون الرجل هو الذي يدع يده.

كان يكره أن يقوم إليه أحد إذا دخل، كان يجالس الفقراء، ويعود المساكين، ويجيب الدعوة. كان أزهى الناس في الدنيا، خيره ربه بين أن يكون ملكاً نبياً أو عبداً رسولاً، فاختار أن يكون عبداً رسولاً.

كان خير رجل لأهله، وأحسن زوج لزوجته، حتى إنه كان في بيته يخدم أهله، ما عاب طعاماً قط إن اشتهاه أكله، وإلا تركه. كان يلاطف الأطفال ويرحم النساء ويوصي بهن، بل كان يرحم الحيوان ويعطف عليه. فامر بإحسان الذبح، وحد الشفرة، وراحة الذبيحة، ونهى أن يتخذ شيء فيه الروح من الحيوانات غرضاً، ونها عن اتخاذ الدواب كراسي لمجرد الجلوس.

لقد كان يميل للهرّة في الإناء لها لتشرب. كان أعظم الناس عفواً وحلماً. جبهه أعرابي جبهه شديدة أثرت في صفحة عنقه، فما زاد على أن التفت إليه ثم ضحك، ثم أمر له بعطاء. ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً. وما انتقم لنفسه قط.

هذا هو محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، كان عظيماً في كل شيء، شهد له بهذا القاصي والداني، والصحب والعدو. إنها 23 سنة من البعثة، وقبلها 40 سنة عرفه فيها الناس جميعا بأسمى الأخلاق وأزكى الشمائل. لم يحفظ عنه فيها هفوة واحدة. إنه لو لم تكن له معجزة غير سيرته لكفى.

فاللهم صل عليه وسلم تسليماً كثيراً.