Transcription
إن تهجير أهل غزة في هذا الوقت، تحت أي مسمى أو مبرر، هو بمثابة تطبيق عملي لمشروع تهجير أوسع. نعم. أحمد الشرع أعلن أمام قادة دول العرب وشعوبها أن سوريا ترفض مخطط تهجير أهالي غزة. وكان بذلك يوجه لطمة لترامب الذي أعد خطة للتهجير إلى سوريا. لكن من يعرف ترامب، رجل الصفقات، يعلم أنه لن يسكت.
عندما غضب العرب من ترامب ومخططاته لتهجير فلسطينيي غزة، تقطر قادتهم إلى القاهرة واجتمعوا. هنا غاب من غاب وحضر من حضر، لكن الأهم أن الغضب ترجم إلى خطة. خطة مصر هي الخطة العربية الوحيدة لإعمار غزة، ورفض قاطع للتهجير. في وقت ربما كان ترامب في مكان ما يبتسم، ولسان حاله يقول: لا بأس، حان وقت سوريا، حتى لو رئيسها يرفض التهجير، فالخطط جاهزة لتهجير أهالي غزة إلى سوريا. نعم، وفيها كل التفاصيل اللازمة بالحرف والكلمة، وكل خطوة بخطوتها. ولم يبقى إلا موافقة أحمد الشرع والدول الراعية للحكومة السورية الجديدة. هكذا تقول التقارير الاستخباراتية والإعلامية الغربية التي تعتقد أن إقناع الشرع ليس صعباً، فهو من صمت كثيراً قبل أن يتحدث عن مخطط ترامب لتهجير أهالي غزة.
فبعد غزل كبير بترامب باعتباره جالب السلام إلى المنطقة والعالم، وصف الشرع خطة رئيس أمريكا لتهجير الغزيين بجريمة لن تنجح، قبل أن يؤكد أن الفلسطينيين لن يقبلوا، لأن لهم تجربة مريرة بالخروج من أرضهم. حسناً، رغم ما يبدو من رفض للتهجير، إلا أن هذه التقارير تعتمد على أن إقناع الشرع ليس مستحيلاً، لأنه ببساطة لم يقل أن سوريا ترفض، بل قال إن الفلسطينيين سيرفضون، والفرق كبير. ما يعني أنه إن وافق الفلسطينيون وجاؤوا برغبتهم بموجب اتفاق مع أمريكا، فلا غضاضة بذلك، طالما أن الأمر سيؤدي للاعتراف بالشرع وحكومته من قبل واشنطن.
وفي المقابل، على الرغم أيضاً مما بدا أن ترامب خفف لهجته بما يخص التهجير عندما قال إن خطته ممتازة لكنه لن يفرضها، إلا أن حقيقة الأمر أنه لم يتراجع، بل كرس ما قاله مراراً مع حقائق على الأرض، بأن الأمر مرهون بموافقة الأردن ومصر إن كان التهجير إليهما. وهنا يمكن الضغط عليهما بالمعونة، بأكثر بربرية وقسوة من سابقتها، فيختار الغزيون الخروج إلى أي مكان. وهكذا يمكن أن نرى كيف أن كرة ثلج، وربما نار، تهجير أهالي غزة تتدحرج، ليصل آخر هجرها إلى سوريا، حيث يبدو أن الخطة جاهزة ومفصلة وواضحة، وكل الترتيبات تشي بأن الأمر بات قريباً، ومسألة وقت. فسوريا أرض الميعاد لترحيل فلسطيني جديد بعيون ترامب، حيث يمكن، كما يرى سيد البيت الأبيض، تهجير الفلسطينيين بسهولة ويسر، باستثناء بعض الخطوط العريضة في خطة مصر التي باتت خطة عربية تنتظر دعماً دولياً ومن المؤسسات المالية العالمية التي تسيطر عليها أمريكا.
فالرد العربي على خطة ترامب مازال لا يعدو تصوراً بلا ملامح لإعمار بلا تهجير، بينما مفاوضات نقل الغزيين من أرضهم إلى مصر والأردن تتدحرج ككرة ثلج لتقذف مجدداً إلى سوريا. فرصة تراها تلبيّة بيضة قبان، يمكن أن تنهي كل التوترات التي تعيشها جراء المجموعات المدعومة إيرانياً. أما الفرصة الحقيقية التي يبدو أن الإسرائيليين همسوا بها لترامب، وفقاً لتقارير استخباراتية، فهي فرصة لن تتكرر، وتتمثل في حاجة سوريا الماسة بالاعتراف الدولي والشرعي بالإدارة الجديدة برئاسة أحمد الشرع، بعد سقوط نظام بشار الأسد وهروبه إلى روسيا. ولأن اللبيب من الإشارة يفهم، يبدو أن الحكومة السورية الجديدة هي أكثر دول العرب التي يبدو أن لديها ما تقيده حقاً مقابل استقبال الفلسطينيين المهجرين من غزة.
فإن كانت مصر والأردن تخشيان خسارة المعونة الأمريكية الهائلة للبلدين، والتي لطالما دفعت أمريكا لهما لقاء سلامهما مع إسرائيل، فإن ما ستخسره الحكومة السورية الجديدة أكبر، وهو ما يتلخص بأن تعاديها أمريكا ولا تعترف بها، بينما يمكن أن تفتح لها أبواب الاعتراف الدولي بمجرد القبول بمخطط ترامب. واليوم يتحدث الإعلام الغربي عن خطة بديلة تُحاك في الغرف المغلقة، وهدفها تهجير أهالي غزة إلى التراب السوري مقابل الاعتراف الدولي والدعم الاقتصادي من قبل الولايات المتحدة والدول الغربية. حيث تعتقد الدوائر السياسية العليا في تل أبيب أن دمشق ستوافق أخيراً نتيجة حاجة الإدارة السورية الجديدة الملحة للاعتراف وتأمين المساعدات لإعادة الإعمار، وإغداق الاستثمارات والمبادرات لإضفاء شرعية على الرئيس الشرع بعد حرب مدمرة لعقد من الصراع. وهي فرصة بديلة بعد الرفض المصري والأردني توطين مليونين وخمسمئة ألف فلسطيني من قطاع غزة في أراضيهما، ومن ثم استثمار ترامب القطاع بمشروع أطلق عليه "ريفير الشرق الأوسط".
أما الخطة الحالية لتهجير الفلسطينيين إلى سوريا، فتقوم أولاً على تكفل أمريكا وإسرائيل بجميع نفقات وتكاليف إعادة تأهيل وبناء وحدات سكنية جديدة في مخيمات يقطنها الفلسطينيون أصلاً في سوريا، من بينها مخيم اليرموك في دمشق، والنيرب، وحماه، وحمص، وغيرها الكثير. بالإضافة لبناء وحدات سكنية في مناطق صحراوية غير مأهولة بعد إعادة تأهيلها. ولربما المناطق التي تتصدر الطروحات الأمريكية هي البادية التي تبدأ جنوب البلاد، أي في جزء من منطقة صحراوية تتوسط أربع محافظات سورية، وتشكل نقطة التقاء جغرافي معقد مع الأردن والعراق تحديداً. وبالتالي، فإنه من أصل مساحة تقدر بثلث مساحة سوريا، حيث تتربع صحراء البادية، تخطط أمريكا لتهجير جزء كبير من أهالي غزة لهذه المناطق من صحراء جنوب البلاد، والتي كان ضبطها من الصعوبة بمكان طوال أعوام سابقة.
وعلى الرغم من أن أمام هذه الخطة كثيراً من المحاذير والألغام، وطريقها ليس معبداً بالورد، إلا أن سوريا مازالت الوجهة الأسهل لتهجير الفلسطينيين جراء وضع البلاد. حيث تعاني سوريا من تحديات اقتصادية ضخمة، في مقدمتها إعادة الإعمار، ما يحتاج إلى مشاركة وإرادة دولية. ونتيجة تواصل الحكومة الجديدة مع مسؤولين في الإدارة الأمريكية والدول الأوروبية، أزيلت العقوبات الاقتصادية بصورة جزئية بسبب التعامل الحذر مع الرئيس أحمد الشرع. يمكننا أن نرى كيف أبدت المديرة التنفيذية لصندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا جاهزية الصندوق لدعم سوريا، مع بدء إجراءات التواصل بالفعل مع المؤسسات الرئيسية منها مصرف سوريا المركزي. في وقت كشفت تقارير البنك الدولي والأمم المتحدة عن كلف تصل إلى نحو 300 مليار دولار لإعادة الإعمار. ولهذا يبدو أن استمرار استغلال حاجات الدول العربية الاقتصادية والمالية ستبقى نافذة مهمة تعتمد عليها الولايات المتحدة. وفي الوضع السوري ربما يكون الأمر مضاعفاً أكثر، باعتبار النظام الجديد الذي لطالما ارتبط بالجهاد والإرهاب بنظر أمريكا والغرب وكثير من دول العالم وحتى العرب، هو اليوم يحتاج إلى الاعتراف بالشرعية الدولية.
ومن هنا تعتقد إسرائيل أن التلويح بهذه القضية بعد تدمير جزء كبير من القدرات العسكرية السورية، ومع وجود قوات إسرائيلية على الأرض في سوريا تتغلغل كما تشاء ومتى تشاء، كل هذا قد يمكن تلبيب من فرض تنفيذ الخطة كما يعتقد ساستها. إلا أن ما قد يعيق الأمر بالطبع أن يحدث تدخل أعمق من الدول العربية لإجهاض الخطة. كما أن سوريا لن تكون الطرف الوحيد بالصفقة، إذ أن الأمر لن يحصل إلا بموافقة الطرفين، وأهل غزة كما يعلم الجميع ليسوا بصدد قبول أي تهجير جديد من أرضهم. فقد تعلموا كثيراً من الحروب التي أدت إلى تهجيرهم، وهي تعني بالضرورة محو الهوية الفلسطينية وتوزيع الشعب الفلسطيني خارج أرضه، وهو ما لن يقبله العرب في هذه المرحلة حسب محللين. يؤكدون أن تأكد حضور الرئيس السوري للقمة الطارئة في القاهرة قد يعني أنه سيجار إجماع عربي، ويعلن من هناك رفضه تهجير الفلسطينيين إلى أي بلد كان، بما فيها سوريا.
إلا أن مراقبين ومراكز بحثية أخرى ذهبت إلى أن الشرع سيترك الباب موارباً مرة أخرى، وسيربط الأمر بالتهجير القسري، ما يعني أن سوريا ستقبل تهجير من يقبل من أهالي غزة إلى التراب السوري، وكل هذا مقابل صفقة اعتراف أمريكا والغرب بالسلطات الجديدة في دمشق. خاصة وأن سوريا استقبلت موجات هجرة عدة من فلسطين بعد النكبة عام 1948 إلى اليوم، ويقطنون أحياء سكنية يطلق عليها مخيمات، أشهرها مخيم اليرموك، ويبلغ عددهم في سوريا ما يزيد على نصف مليون. النسبة الأعلى منهم بواقع 67% تتركز في دمشق، ويتوزعون أيضاً في مخيمات منها سبينة وخان الشيح والسيدة زينب وجرمانا، وفي الشمال يوجدون في مخيمي النيرب وحنت بنسبة 5%، وفي درعا 9%، أما القنيطرة تبلغ نسبتهم 8%. كما يمكن تقسيم الفلسطينيين في سوريا إلى عدة أقسام حسب تاريخ وصولهم إلى سوريا، أي أعوام 1948، 1956، 1967، و1970. ولطالما حرصت سوريا على عدم تجنيسهم بمبرر الحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية. واليوم في وقت بات من المؤكد أن إسرائيل وأمريكا لن يتركا بابا يوصلهما إلى هدفهما بتهجير أهالي غزة إلا وسيتركانه، يبدو أن الباب الأكثر قابلية ليفتح هو باب سوريا. فهل سيوصله الشرع، أم سيفتحه على مصراعيه، أم سيتركه موارباً إلى حين؟ [موسيقى]