Transcription
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لما قرر يشتغل في بنك روتشيلد الاستثماري سنة 2008، أصدقائه حذروه ساعتها من أن الخطوة دي هيكون لها تأثير سلبي على مستقبله السياسي، لأن الفرنسيين أولاً مش بيحبوا رجال السياسة اللي جايين من خلفية لها علاقة بالبنوك، وثانياً عائلة روتشيلد الشهيرة، صاحبة البنك الاستثماري المرموق، مرتبطة في أذهان كثير من الناس بنظريات مؤامرة لا تنتهي. ولكن ماكرون، اللي كان عنده وقتها 30 سنة، تجاهل التحذيرات دي وراح اشتغل في روتشيلد. وأثناء شغله هناك، اتعلم أساسيات أمور زي إعادة هيكلة الديون وعمليات الدمج والاستحواذ، وده مكنه من لعب دور مهم في صفقة استحواذ "نسل" على وحدة تابعة لفايزر في 2012 مقابل 12 مليار دولار. وبسبب دوره في الصفقة دي، كسب 2.9 مليون يورو، وأطلق عليه لقب "موزارت التمويل".
في نفس السنة، خرج ماكرون من روتشيلد وشق طريقه في السياسة، ووصل لقمتها في غضون خمس سنين، وتحديداً في 2017 مع فوزه بالانتخابات الرئاسية الفرنسية، علشان يبقى الرئيس الخامس والعشرين لفرنسا وأصغر رئيس في تاريخ الجمهورية الفرنسية الخامسة. ماكرون دخل الإليزيه بناءً على وعود للجماهير بتدور حوالين إصلاح الاقتصاد والمالية العامة. وفي السنوات الأولى في الحكم، نجح في تحقيق جزء من الوعود، ولكن الأمور بدأت تفرط منه في نهاية ولايته الرئاسية الأولى. الفرنسيين انتخبوا ماكرون ثاني في 2022 لولاية ثانية باعتباره الأقدر على حل مشاكلهم الاقتصادية، ولكن من ساعتها ولحد النهارده، والمالية العامة الفرنسية بتتحول من سيء إلى أسوأ.
خبرات ماكرون المالية ما ساعدتهم كتير في السيطرة على المالية العامة. فرنسا حالياً في وضع صعب جداً بسبب عجز ميزانيتها الضخم جداً وديونها اللي بتتزايد، واللي حجمها تجاوز حجم الاقتصاد. الحكومة الفرنسية الجديدة بتحاول تلاقي مخرج للوضع ده، ولكن بدون جدوى في ظل الانقسام السياسي الشديد اللي بتعاني منه البلد. وفي احتمال كبير أن الحكومة دي تنهار قبل نهاية ديسمبر 2024 بسبب الميزانية. الاضطرابات دي خلت الديون الفرنسية يتم تداولها عند مستوى قريب من ديون اليونان، البلد اللي بيتضرب بها المثل في التعثر المالي والفشل الاقتصادي.
إزاي فرنسا وصلت للوضع ده، وليه الحكومة الفرنسية ممكن تنهار قريب بسبب الميزانية، وإزاي الحرب الروسية الأوكرانية أثرت على المالية الفرنسية، وهل الحكومة الفرنسية هتكون هي الضحية الثانية للحرب دي، وهل ممكن الاتحاد الأوروبي يريح دماغه من وجع الدماغ بتاع فرنسا وعجزها الكبير وديونها الضخمة اللي ممكن تنفجر في أي لحظة ويطردها خارج الاتحاد الأوروبي؟ ده جزء من اللي هندردش فيه مع بعض في حلقة النهارده. أنا أشرف إبراهيم، المخبل الاقتصادي.
[موسيقى]
في 20 سبتمبر 2023، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون استقبل ملك بريطانيا تشارلز الثالث في قصر الإليزيه في باريس. في مساء نفس اليوم، ماكرون وزوجته عملوا حفل عشاء فخم لملك بريطانيا وزوجته في قصر فرساي. الفرنسيين اللي تابعوا زيارة ملك بريطانيا ما اهتموش كتير بالحفلة دي غير بعدها بأكثر من 10 شهور لما الحفلة بقت قضية رأي عام. اللي حصل بالضبط هو أنه في 29 يوليو 2024، محكمة الحسابات الفرنسية أصدرت تقريرها السنوي اللي بتفحص فيه ميزانية الرئاسة الفرنسية. وفي التقرير ده، المحكمة كشفت أن الإليزيه صرف على العشاء الفاخر اللي عمله لملك بريطانيا حوالي 475000 يورو، من ضمنهم 166000 يورو أكل و42500 يورو نبيذ وكحلي ومشروبات ثانية. التقرير برضه كشف أن حفل العشاء اللي عمله ماكرون لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في متحف اللوفر قبلها بشهور، وتحديداً في يوليو 2023، كلف هو كمان أكثر من 41200 يورو، من ضمنهم حوالي 173000 يورو أكل وأكثر من 36000 يورو شرب.
محتوى التقرير ده كان تأثيره سيء على صورة الرئاسة الفرنسية، وده ببساطة لأنه جه في وقت ماكرون وحكومته كانوا بيحاولوا بشتى الطرق يقنعوا الفرنسيين بحكمه وضرورة تبني البلد لإجراءات تقشفية هدفها إصلاح المالية العامة وخفض عجز الميزانية اللي وصل لمستوى خطير جداً. ومن هنا كان السؤال المنطقي اللي طرحه كتير من الفرنسيين ساعتها هو: إزاي ماكرون بيطالب بقبول إجراءات التقشف وخفض الإنفاق العام في حين أن الرئاسة في عهده بتصرف بالبذخ ده؟
وبتساهل اللي قيمته من المرجح أنها توصل السنة دي، اللي هي 2024، ما يعادل 6.2% من الناتج المحلي الإجمالي للبلد. 6.2% ده رقم ضخم جداً على فكرة، سواء كنسبة أو كقيمة مطلقة. يعني كنسبة الرقم ده أكتر من ضعف نسبة عجز الميزانية اللي بتسمح بها قواعد الاتحاد الأوروبي، واللي بتقول إن أي دولة من الدول الأعضاء لازم قيمة عجز ميزانيتها لا يتجاوز ما يعادل 3% من الناتج المحلي الإجمالي. كقيمة مطلقة، بقى، فإحنا بنتكلم على عجز بيتجاوز 166 مليار يورو السنة دي.
طب إزاي عجز الميزانية الفرنسية وصل للرقم المرعب ده؟ هقول لك. في مايو 2017، ماكرون دخل الإليزيه وهو معاه خطة اقتصادية نالت استحسان الفرنسيين اللي انتخبوه، كانت بتدور حوالين دعم الأعمال التجارية وتعزيز مكانة فرنسا في القارة الأوروبية كوجهة رئيسية للاستثمار. وكانت أداته الرئيسية في تحقيق ده هي خفض الضرائب. منطق ماكرون هنا هو المنطق الشهير اللي بيقول إن خفض الضرائب على الشركات هيشجعها على التوسع أكثر، وساعتها النشاط الاقتصادي هيزيد، وده هيصب في النهاية في صالح الحصيلة الضريبية اللي هتبقى أكبر بمرور الوقت.
في خلال سنواته الأولى، الاستراتيجية دي بدت ناجحة إلى حد كبير. في سبتمبر 2018، ماكرون كشف عن تخفيضات ضريبية بقيمة تصل لـ 26 مليار يورو، ودي كانت أكبر تخفيضات ضريبية لمرة واحدة تشهدها فرنسا في أكثر من 10 سنين. بالتوازي مع ده، مؤشرات الاقتصاد الفرنسي كانت جيدة جداً. عجز الميزانية اللي كان بيعادل 3.4% في 2017 انخفض لـ 2.3% في 2018 و2.4% في 2019، يعني نزل لتحت الحد الأقصى اللي بيفرضه الاتحاد الأوروبي على أعضائه، واللي زي ما قلنا 3%. غير كده، معدل البطالة في البلد انخفض في 2019 لـ 8.5%، وده كان أقل مستوى ليه من 2008. في نفس الوقت، فرنسا أصبحت في 2019 الوجهة الأكثر جاذبية للاستثمار في أوروبا، متفوقة على بريطانيا وألمانيا بحسب استطلاع عملته شركة الاستشارات المهنية "إرنست آند يونغ".
ولكن لسوء حظ الفرنسيين، شهر العسل ده ما استمرش كتير، لأنه مع انتشار وباء كورونا في 2020، فرنسا زي غيرها من دول العالم أخدت إجراءات استثنائية هدفها حماية الأفراد والشركات من تبعات الأزمة غير المسبوقة دي. في الإطار ده، الحكومة الفرنسية أخدت عبارة "مهما كلف الأمر" أو "مهما كان الثمن" باعتبارها شعار المرحلة، اللي في ضوءه وصل الإنفاق الحكومي لمستويات قياسية. الحكومة الفرنسية انفقت على مدار سنتين عشرات المليارات من اليوروهات لدعم الأفراد والشركات، وده ساهم في وصول عجز الميزانية لما يعادل 8.9% من الناتج المحلي الإجمالي في 2020 و6.6% في 2021.
طبعاً، تمويل العجز ده كان بيتم من خلال الاستدانة، وده ساهم في أن الدين العام الفرنسي في نهاية 2021 يتجاوز لأول مرة حاجز الثلاثة تريليون يورو. في المرحلة دي، فرنسا كان لازم تحاول تكبح مستويات إنفاقها بحيث تخفض عجز ميزانيتها للمستوى الأوروبي وتسيطر على ديونها العامة. ولكن قبل ما تتجاوز تماماً تبعات أزمة كورونا، فرنسا اصطدمت زي غيرها من الدول الأوروبية بالحرب اللي شنها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ضد أوكرانيا في أواخر فبراير 2022، واللي تسببت في ارتفاع أسعار الطاقة لمستويات قياسية كان يصعب على الأفراد والشركات تحملها.
فرنسا عملت زي ألمانيا وبريطانيا وغيرهم من الدول الأوروبية، ودعمت أسعار الطاقة من خلال فرض سقف للزيادات السعرية اللي بيتحملها المستهلكون والشركات. أي زيادة فوق السقف ده كانت الحكومة بتتحملها. وهكذا استمرت الحكومة الفرنسية في تبني سياسة "مهما كلف الأمر"، وأنفقت أكثر من 100 مليار يورو في السنوات الأخيرة لحماية الأسر والشركات من تبعات أزمة الطاقة اللي أشعلها بوتين. ده ساهم في ارتفاع عجز الميزانية الفرنسية من 4.7% من الناتج المحلي الإجمالي في 2022 لـ 5.5% في 2023.
لما حدة الأزمة بدأت تخف، بدأت الحكومة الفرنسية تفكر في تقليل إنفاقها وتعزيز دخلها الضريبي علشان تضبط ماليتها العامة خوفاً من خروجها عن نطاق السيطرة. ولكن الفرنسيين رفضوا إجراء أي تخفيضات كبيرة في الإنفاق أو أي زيادات كبيرة في الضرائب. ماكرون في البداية ما ضغطش كتير في الاتجاه ده خوفاً على شعبيته وشعبية حزبه قبل انتخابات البرلمان الأوروبي اللي انعقدت في يونيو 2024. ولكن رغم كده، نتيجة الانتخابات الأوروبية كانت كارثة بالنسبة له. في مفاجأة لم تتوقعها استطلاعات الرأي، حزب التجمع الوطني اليمين المتطرف، اللي بتزعم مارين لوبان، فاز بأكثر من 31% من الأصوات، وده أكثر من ضعف الأصوات اللي حصل عليها حزب ماكرون الليبرالي، وهو "النهضة"، اللي حصل على 14.6% من الأصوات.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في رد فعل الرئيس الفرنسي، اللي قرر بعد ساعة واحدة من إعلان نتيجة انتخابات البرلمان الأوروبي أنه يحل البرلمان الفرنسي ويدعو لانتخابات برلمانية مبكرة، وده على أمل أن نتيجة الانتخابات الفرنسية تكون مختلفة ويتعرض فيها اليمين لهزيمة واضحة، كون بمثابة تجديد للثقة فيه وفي مشروعه السياسي. ودي في الحقيقة كانت مغامرة كبيرة من ماكرون. ماكرون خسرها بشكل مزل في الجولة الأولى من الانتخابات الفرنسية اللي انعقدت في 30 يونيو، فات اليمين بزعامه التجمع الوطني تصدر نتائج الانتخابات على حساب الوسط بزعامه ماكرون واليسار. في الجولة الثانية اللي عقدت في 7 يوليو، اليسار هو اللي تصدر على حساب الوسط واليمين. نتيجة الانتخابات في الآخر أفرزت برلمان بلا أغلبية منقسم لثلاث أجزاء متقاربة في الحجم: وسط متضائل بيدعم ماكرون، ويمين معارض، ويسار مش طايق ولا طايق اليمين.
هنا بقى بيجي السؤال اللي بيطرح نفسه بعد أي انتخابات: مين اللي هيحكم أو مين اللي هيشكل الحكومة الجديدة؟ الإجابة البديهية هي الأغلبية، ولكن زي ما قلنا ما فيش أغلبية في النسخة الجديدة من البرلمان الفرنسي، وما فيش إمكانية لتشكيل تحالف أغلبية متجاوز للإيديولوجيات. عشان تشكل حكومة بيدعمها البرلمان الفرنسي بتشكيلته الحالية، لازم تكتل على الأقل من التكتلات الثلاثة الرئيسية فيه يتحالفوا مع بعض علشان يشكلوا أغلبية، وده غير ممكن في الوقت الحالي بناءً على المواقف الحالية لكل تكتل من الثلاثة، واللي شايفين أن المسافة بينهم وبين بعض بعيدة. وبالتالي مش هنعرف نعمل حكومة حزبية.
الحل في الظروف اللي شبه دي هو أن ماكرون يحل البرلمان ثاني ويعمل انتخابات جديدة على أمل أن الانتخابات الجديدة دي تفرز أغلبية واضحة تقدر تشكل حكومة، وده أمر حتمي بالنظر إلى أن المكونات الحالية للبرلمان احتمال تعاونها مع بعض ضعيف جداً. ولكن هنا في عقبة، وهي أنه بموجب الدستور الفرنسي، البرلمان الجديد ما ينفعش يتحل قبل مرور سنة، وبناءً عليه لازم الأحزاب الفرنسية بمختلف أطيافها تلاقي طريقة للتعايش مع بعضها لحد ما يقدروا يعملوا انتخابات جديدة في يوليو 2025.
بعد الانتخابات على طول، رئيس الوزراء الفرنسي جبرييل أتال، اللي بينتمي لحزب النهضة، قدم استقالته لماكرون. ماكرون قبل الاستقالة وطلب منه أنه يستمر في منصبه لحد ما يتم تعيين رئيس وزراء جديد. بعد 51 يوم، أتال خرج من السلطة وماكرون عين مكانه ميشيل بارنيه كرئيس وزراء فرنسا الجديد. بارنيه مسك السلطة بدون أغلبية برلمانية تدعمه، وده بيخليه عرضة لأنه يتم الإطاحة به في أي وقت من قبل البرلمان. ولكن الفكرة هي أن فرنسا بوضعها الحالي مش قادرة على تحمل الاضطرابات دي. البلد بتواجه أوضاع مالية صعبة محتاجة أنها تاخد قرارات بخصوصها في أقرب وقت ممكن.
بطبيعة الحال، الملف الرئيس اللي تصدر أولويات بارنيه هو عجز الميزانية اللي بقى قضية رأي عام السنة دي ومثار جدل سياسي كبير، خصوصاً بعد ما تم تعديله بالرفع أكثر من مرة في 2023. الحكومة الفرنسية قالت إن عجز الميزانية في 2024 مش هيتجاوز 4.4% من الناتج المحلي الإجمالي. جينا في أبريل 2024، رجعوا قالوا معلش، العجز السنة دي من المتوقع أنه يزيد شوية ويكون 5.1%. في أكتوبر، رجعوا ثاني قالوا عجز 2024 هيكون 6.1%. آخر كلام هو أن عجز الميزانية في 2024 هيعدل 6.2% من الناتج المحلي الإجمالي. طبعاً، دي كارثة، لأن الفارق بين تقديرات الحكومة الأصلية لحجم العجز وبين آخر تحديثاتها للرقم ده كبير. بنتكلم على انحراف قيمته 50 مليار يورو تقريباً، وده بالتأكيد وضع مشبوه بيطرح تساؤلات كتير، من ضمنها مثلاً: هل ميزانية 2024 اللي الحكومة قدمتها نهاية 2023 ما كانتش صادقة في تقديراتها لحجم العجز المتوقع السنة دي؟ هل تم إخفاء العجز المتوقع السنة دي عن عمد لأغراض سياسية؟ ولو كانت التقديرات صادقة، إزاي الانحراف الكبير ده حصل؟
الأسئلة دي المفروض تجاوب عليها لجنة التحقيق اللي شكلها البرلمان الفرنسي في أكتوبر اللي فات، واللي بحسب رئيس الوزراء الفرنسي هتحقق في انحراف المالية العامة وهتب لغ الشعب الفرنسي بالحقيقة. وبالتأكيد، وزير المالية الفرنسي السابق برونو لومير، اللي ترك منصبه في سبتمبر، هيكون في صدارة الناس اللي هيتم سؤالها عن الانحراف ده بصفته كان المسؤول الأول عن المالية العامة في الفترة ما بين 2017 و2024 بحكم منصبه. لومير بالمناسبة، في خطاب الوداع اللي ألقاه في وزارة المالية في سبتمبر، توقع أنه هيتم التحقيق معاه، وقال ساعتها: "احنا أنفقنا كتير جداً".
إلى جانب الإنفاق المفرط، البعض بيلقي اللوم على التخفيضات الضريبية الضخمة اللي أقرها ماكرون، واللي كلفت البلد حوالي 62 مليار يورو في الفترة ما بين 2018 و2023، واللي كانت إلى حد كبير غير ممولة، يعني تم تعويضها من خلال الاقتراض. بس على أي حال، ده من الماضي، والماضي هتحقق فيه لجنة التحقيق البرلمانية. ولكن اللي يهمنا دلوقتي هو الحاضر اللي بيقول إن عجز الميزانية الفرنسية قيمته السنة دي في الغالب هتكون 6.2% من الناتج المحلي الإجمالي. ولو فضل الوضع كما هو عليه، فمن المرجح أن العجز يوصل، وفقاً لتقديرات الحكومة، لـ 7% السنة الجاية. وده معناه أولاً أن العجز الفرنسي هيبعد أكثر عن النسبة اللي بيوصي بها الاتحاد الأوروبي، وثانياً أن فرنسا هتحتاج تستلف أكثر علشان تسد العجز ده. وبناءً عليه، لازم يحصل تغييرات تحسن أداء المالية العامة الفرنسية بحيث حجم العجز المتوقع السنة الجاية يقل.
في أكتوبر اللي فات، رئيس الوزراء الفرنسي كشف عن خطته لميزانية 2025، واللي اشتملت على إجراءات وصفتها الصحافة بأنها علاج بالصدمات. في خطته للميزانية، بارنيه قال إنه عاوز يوفر حوالي 60 مليار يورو علشان يخلي عجز الميزانية السنة الجاية 5% بس. الفلوس دي المفروض أنه هيوفرها من خلال خفض الإنفاق الحكومي بحوالي 40 مليار يورو، ومن خلال رفع الضرائب بشكل مؤقت على الأثرياء والشركات علشان يجمع منهم حوالي 20 مليار يورو. وده بيخلي الخطة دي واحدة من أكبر خطط التقشف في تاريخ فرنسا الحديث. والتقشف الحكومي، كما هو معروف، مكروه من جانب الناخبين، ولكن بارنيه برر خطته القاسية دي في تصريحات ليه قال فيها: "العجز بتاعنا كبير ولازم الكل يشارك في تحمل العبء ده".
وكما هو متوقع، اليسار واليمين اعترضوا على خطة بارنيه المقترحة. ومارين لوبان، على سبيل المثال، اللي حزبها التجمع الوطني هو صاحب أكبر عدد من المقاعد في البرلمان الفرنسي حالياً، هددت بالاطاحة. تمرير الميزانية بموافقة البرلمان مستحيلة في ظل اعتراض المعارضة عليها. ولكن بارنيه يملك أنه يمرر الميزانية رغماً عن البرلمان استناداً للقسم رقم 12 من المادة رقم 49 من الدستور الفرنسي، واللي بتتيح للحكومة أنها تمرر مشاريع القوانين من البرلمان بدون تصويت. وحكومات ماكرون السابقة عملت الحركة دي أكثر من مرة في السنين الأخيرة.
ده للوهلة الأولى يبان هو المخرج الأمثل من المأزق السياسي اللي بتعاني منه الحكومة الحالية، ولكنه في حقيقة الأمر بيحمل في طياته خطر كبير، لأن الدستور برضه بيتيح في الحالة دي للبرلمان أنه يصوت على حجب الثقة عن الحكومة، وبالتالي إسقاطها لو الأغلبية صوتت لصالح حجب الثقة عنها. في البرلمان الحالي، اللي اليمين واليسار فيه بيملكوا أغلبية المقاعد، الحكومة الفرنسية مش هتنجح في حجب الثقة لو تم. وبالتالي، بارنيه يقدر يمرر الميزانية رغماً عن الجميع استناداً للمادة 49، ولكنه في نفس الوقت لازم يكون مستعد لاحتمال أن الحركة دي تتسبب في خروجه من السلطة.
حالة التشرذم السياسي وعدم الاستقرار الحاصلة حالياً في فرنسا مخليه المستثمرين الأجانب، وبالأخص مستثمري السندات، حاطين إيدهم على قلبهم، وبينظروا بقلق. البلد مازومة مالياً وسياسياً، وما فيش حل في الأفق، والحكومة احتمال تقع في ديسمبر لما تعرض ميزانية 2025 على البرلمان. وأغلبية الفرنسيين بيقولوا في استطلاع رأي إن لو حكومة بارنيه سقطت، لازم ماكرون يستقيل من منصبه. للأسباب دي كلها، المستثمرين بقوا يطلبوا عوائد أعلى مقابل حيازاتهم للسندات الفرنسية، اللي بقت من وجهة نظرهم أكثر خطورة، لدرجة إنهم بقوا يعاملونها زيها زي سندات اليونان.
مود بريجو، متحدثة باسم الحكومة الفرنسية، قالت في تصريحات لصحيفة "لو باريزيان" في 24 نوفمبر إن فرنسا بتواجه خطر التورط في سيناريو مشابه لسيناريو أزمة اليونان اللي اندلعت في أوائل العقد اللي فات. وواضح أن المستثمرين اللي بيملكوا نص الدين الفرنسي، اللي قيمته بتتجاوز الـ 3.2 تريليون يورو، بقى عندهم شك إن فرنسا ماشية في نفس الاتجاه. في 28 نوفمبر 2024، العائد على السندات الفرنسية لأجل استحقاقها 10 سنوات ارتفع لـ 3.3% علشان يتساوى أول مرة على الإطلاق مع العائد على السندات اليونانية اللي لها نفس أجل الاستحقاق، واللي بلغ 3.4%.
أي نعم وضع فرنسا الحالي أفضل بكثير من وضع اليونان وقت أزمتها الشهيرة، اللي كانت خلالها بتدفع للمستثمرين عائد قيمته 16% على سنداتها، ولكن تظل فرنسا حالياً في وضع سيء ممكن يزداد سوءاً خلال الفترة القادمة لو فضلت ماليتها العامة تدار بنفس الطريقة. وفي السياق ده، نقدر نعتبر تعادل السندات الفرنسية مع نظيراتها اليونانية حدث دراماتيكي له دلالة مهمة. المحرك الرئيسي للحدث الدراماتيكي ده، واللي بيوضح عمق الأزمة الفرنسية، هو خوف المستثمرين من احتمالية انهيار الحكومة الفرنسية خلال أيام، واللي زود خوفهم هو أن رئيس الوزراء الفرنسي نفسه بيقول إن فرنسا هتواجه كارثة مالية لو تمت الإطاحة بحكومته بسبب الميزانية.
وبالمناسبة، لو تمت الإطاحة بالحكومة الفرنسية في ديسمبر، فساعتها هتكون هي الضحية الثانية للحرب الروسية الأوكرانية بعد سقوط الحكومة الألمانية في نوفمبر اللي فات على خلفية سوء أوضاع الاقتصاد الناتج عن عدة أسباب، على رأسها أزمة الطاقة اللي اتسببت فيها الحرب الروسية الأوكرانية. بنيه علشان يتجنب المصير ده، حاول يسترد المعارضة من خلال تقديم بعض التنازلات في خطته المقترحة للميزانية. في الإطار ده، أعلن قبل أيام أنه ناوي يلغي الزيادات الضريبية اللي كان ناوي يفرضها على الكهرباء. ولكن تنازلاته دي بتقلق الاتحاد الأوروبي، اللي عمال يراقب السيرك السياسي الحاصل في فرنسا علشان يشوف هينتهي على إيه.
فرنسا بصفاتها إحدى الدول الأعضاء ملزمة بأنها تقدم للاتحاد خطة توضح فيها إزاي ناوية تضبط ماليتها العامة وترجع عجز ميزانيتها في أقرب وقت لتحت الـ 3%. حكومة بارنيه بعتت للمفوضية الأوروبية في نهاية أكتوبر اللي فات نسخة من ميزانيتها لـ 2025 وضحت فيها أنها ناوية توفر السنة الجاية 60 مليار يورو علشان تخفض عجز الميزانية من 6.2% السنة دي لـ 5% السنة الجاية، ثم لـ 2.9% في 2029. المفروض أن فرنسا كانت تنزل بعجز ميزانيتها لتحت الـ 3% على 2027، ولكن المفوضية الأوروبية سهلت مع بارنيه ووافقت أنها تصبر على فرنسا سنتين كمان.
وأعلنت في أواخر نوفمبر اللي فات موافقتها على خطته. دلوقتي بقى التنازلات اللي بارنيه ممكن يقدمها للمعارضة علشان يضمن أن الميزانية تعدي ممكن تعقد موقف فرنسا مع الاتحاد الأوروبي، لأن غير مسألة العجز المتفاقم، فرنسا عندها مشكلة ثانية مع قواعد الاتحاد. قواعد الاتحاد بتقول إن نسبة الدين العام للناتج المحلي الإجمالي لأي دولة من الدول الأعضاء ما ينفعش تزيد عن 60%. النسبة دي حالياً عند فرنسا بتقترب من 113%، والحكومة الفرنسية بتتوقع أنها تزيد وتوصل لقرابة 111% على 2029، يعني هتكون تقريباً ضعف النسبة اللي بتنص عليها قواعد الاتحاد.
للسبب ده، البعض بيتشكك في التكتل الأوروبي من عضوية فرنسا، صاحب الثاني أكبر اقتصاد في أوروبا، واللي لو استمرت في الإنفاق بنفس الوتيرة هتتحول قريب لدولة مازومة عبء على زملائها ومحتاجة لتمويل وإنقاذ من جانب أعضاء الاتحاد. بعد استفتاء البريكزت في 2016، واللي خرجت بموجبه بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، دارت نقاشات وأسئلة حوالين مين ممكن يكون العضو الثاني اللي هيخرج من الاتحاد بعد بريطانيا. فرنسا في عهد ماكرون بدت حريصة جداً على الوحدة الأوروبية، ولكن المشكلة هي أن البلد بمرور الوقت مشاكلها المالية بتتفاقم وبتتحول لعبء مالي وقنبلة ديون ممكن تنفجر في أي لحظة.
في العقد اللي فات، لما كانت اليونان بتعاني من أزمة مالية شديدة، الاتحاد الأوروبي، وفي القلب منه فرنسا، هدد اليونانيين بالطرد من الاتحاد لو ما وافقوش على إجراءات التقشف القاسية اللي بتهدف لإصلاح ماليتهم العامة. التهديد ده كان فعال مع اليونان، ولكنه في الغالب مش هينفع مع الفرنسيين اللي عارفين أن أهميتهم بالنسبة للاتحاد، خصوصاً بعد خروج بريطانيا منه، أكبر بكثير من أهمية اليونان وقت أزمتها. وبالتالي، إصلاح المالية العامة الفرنسية مش هيتم غير بضغوط من الداخل، مش هيتم غير لما الفرنسيين يدركوا أنه مافيش حل تاني، وأن البديل هو تورط البلد في أزمة مالية لعقود لقدام.
والنقطة دي تاخدني لسؤال الحلقة: إيمانويل ماكرون هيبقى خارج السلطة في 2027؟ برايك، لو اليمين كسب الرئاسة بعده، هل ممكن نشوف فرنسا خارج الاتحاد الأوروبي؟ هتابع إجاباتكم في التعليقات. في النهاية، لو عجبكم الحلقة وحابين تشوفونا تاني، اشتركوا في القناة، واستنونا في حلقات جديدة بإذن الله.
[موسيقى]
سلام.