Transcription
وتعيها أذن واعية. أذن واعية مع الشيخ الدكتور صالح سندي.
تمهيد القول في البرهان السابع من براهين النبوة وهو القرآن الكريم.
الوجه العاشر من أوجه إعجاز القرآن تيسيره على جميع الألسن، حتى حفظه غير العرب، ودار به لسانهم. بل إنه سهل على الأميين من العجائز والشيوخ قراءته مع عجزهم عن غيره، وما ذاك إلا بخصائص إلهية فضله بها.
حادي عشر: اقتران معانيه المتغايرة وانسجامها، فيخرج في السورة من وعد إلى وعيد، ومن ترغيب إلى ترهيب، ومن ماضي إلى مستقبل، فلا ينبو ذلك ولا يتنافر.
ثاني عشر: أنه قد تكرر بعض أخباره وقصصه بألفاظ مختلفة وعبارات متنوعة. ولو تدبرها المتدبر لتبين له أن تحت المعاداة ولا بد أسراراً ولطائف تدهش الألباب.
ثالث عشر: عجز الأمم عن معارضته. فقد تحداهم ربنا سبحانه أن يأتوا بمثله أو بعشر سور أو حتى بسورة من مثله. فنكص عن معارضته وتجرع غصص العجز مع شدة حميتهم وبلاغة لسانهم.
أم يقولون تقوله؟ بلا يؤمنون. فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين. إن من المحالي أن يأتي أحد بكلام يفتعل من تلقاء نفسه ثم يطالب أهل الأرض أجمعهم أن يعارضوه في ثلاث آيات، ثم تعجز الخلائق كلهم عن ذلك.
وعلاوة على هذا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أعلن للخلائق أجمعين في ابتداء التحدي أنهم لن يفعلوا ذلك أبداً. فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا، فإن الكاذب أضعف من أن يقدم على جرأة كهذه.
رابع عشر: إنه كتاب متشابه، يشبه بعضه بعضاً، ويصدق بعضه بعضاً، مع سلامته من وقوع خطأ أو نقص أو تناقض أو اختلاف. لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: تنزيل من حكيم حميد. وما استطاع أحد من أعداء المسلمين المتربصين أن يثبت على القرآن خطأ واحداً ولا تعارضاً ولا تناقضاً. ولو كان من عند غير الله، لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً.
خامس عشر: هذه الآية السابقة بحد ذاتها معجزة. فهذه الطريقة في التحدي ليست من طبيعة البشر. إن هذا الأسلوب مثل مثله كمثل طالب يدخل اختباراً ويكتب في آخر الورقة للممتحن: أتحداك أن تجد خطأ واحداً في إجابتي. لا أحد يفعل ذلك لأنه سيجعل الممتحن يسهر ليلته في البحث عن خطأ ليجده، وهكذا تحدى القرآن المعاندين.
سادس عشر: إنه اشتمل على جملة من الآيات العلمية الكونية الصحيحة التي لم يكشف عن نقابها إلا حديثاً. {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق}.
إن ورود هذه الحقائق الضخمة الدقيقة على لسان رجل أمي لم يكن له إلمام بمثل هذه العلوم، وفي وقت لم تتقدم فيه هذه العلوم، دليل على أنه أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض.
وإلا، فحدثني كيف علم النبي صلى الله عليه وسلم بأن هناك أمواجاً عاتية في البحر العميق، وأن الظلام في أعماقه دامس تماماً؛ إذا أخرج يده لم يكد يراها. وهو ما لم تعرفه البشرية إلا قبل نحو 100 عام.
من أين له أن يعلم الأطوار التي يخلق فيها الإنسان في ظلمات ثلاث، وهو الذي لم يدرس الطب ولا علم التشريح؟ من أين علم أن هناك برزخاً دقيقاً بين البحرين؟
هذا غيض من فيض يدل العقول المنصفة على أن المبعوث بالقرآن رسول الله حقاً.
سابع عشر: سمو تشريعاته وكمال أحكامه وشمولها لكل مناحي الحياة. ولا ريب أن الإعجاز في معاني القرآن أعظم من الإعجاز في لفظه، وكل البشر عاجزون عن الإتيان بمثل معانيه.
أعظم من عجز العرب عن الإتيان بمثل لفظه.
ثامن عشر: إنه يجد فيه كل أحد بغيته، ويقف فيه على ما يبهره، ويغرف من معينه علومًا نافعة من طبيب أو فيزيائي أو لغوي أو تربوي أو فلكي أو غيرهم.
علوم نافعة جامعة، وأحكام شاملة سامية.
وتمت كلم ربك صدقاً وعدلاً.
تاسع عشر: إنه موافق للعقول والفطر. ولذا ما سمع آياته منصف وعقلها إلا وسلم بأنها معقولة مقبولة. فليس في القرآن شيء معقد تنبو عنه الأفهام، أو تنفر منه الفطر.
الوجه العشرون: تأثيره العجيب في النفوس. قال تعالى: {الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني}.
تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله. فلا ينصت إليه أحد مع تفريغ قلبه إلا وجد أثراً عظيماً في نفسه.
ومهما قرأه يجده لا يخلق مع كثرة الرد، لأنه الغيث الذي تحيا به القلوب، والشفاء للأمراض الحسية والمعنوية.
هذه بعض البراهين التي تدل على أن هذا القرآن كلام الله حقاً. فهو إذن أعظم دليل على صدق نبينا محمد.
فاللهم صل عليه وسلم تسليماً.