Transcription
وتعيها أذن واعية، أذن واعية مع الشيخ الدكتور صالح سندي.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
لا يزال الحديث موصولا بموضوع براهين نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
والبرهان الثالث هو أخباره صلى الله عليه وسلم بالغيبيات الصادقة. فإن أخباره بها دليل على صدقه ولا شك، لأنها تكون كما أخبر.
فالأصح ذلك، وكثرة ما أخبر به منها أمور خارقة لطبيعة البشر، ويسلم العقل حينئذ أنها أخبار متلقاة من ربه الذي يوحي بها إليه سبحانه.
ولا يمكن أن يقال إن ما أخبر به عليه الصلاة والسلام داخل في الحدس والفراسة، لأن الحدس والفراسة وإن أصاب صاحبهما تارة، فإنه يخطئ تارات.
ها هنا أصاب النبي صلى الله عليه وسلم سلم في كل ما أخبر به مما وقع مع كثرته. فعلم أن هذا من وحي علام الغيوب.
تأمل يا رعاك الله كيف علم النبي صلى الله عليه وسلم أن الروم سيغلبون الفرس بعد أن غلبوا. قال سبحانه: "ألف لام م غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين". فغلبت الروم الفرس فعلا بعد سبع سنين.
ثم كيف أخبر بهذا أصلا؟ فهذا من حيث هو علم من أعلام نبوته، لأنه لا يمكن لمفتي من عقل أن يغامر هذه المغامرة، أي أن يحدد ما سيقع مستقبلا بتحديد زمني دقيق.
تأمل قوله سبحانه: "لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين" فكان ما أخبر به كما أخبر.
تأمل قوله سبحانه: "سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوا ذرونا نتبعكم" فوقع ما أخبر به.
تأمل ما أخرج البخاري من أخباره صلى الله عليه وسلم أن عمر وعثمان رضي الله عنهما سيموتان شهيدين، فقد وقع ما أخبر به.
كيف علم أنه صلى الله عليه وسلم سيموت في مرضه الذي مات فيه، وأن ابنته فاطمة رضي الله عنها أول من سيلحق به من أهل بيته؟ وهذا ثابت في الصحيحين.
وأخبر كما في البخاري أن ابنه الحسن ابن علي رضي الله عنهما سيصلح الله به بين في عظيمتين من المسلمين، فكان ما أخبر به.
وأخبر فيما بلغه من القرآن أن اليهود لن يتمنى الموتى فما تمناه أحد منهم.
أخبر صلى الله عليه وسلم بما أوحاه الله إليه أن أبا لهب والوليد ابن المغيرة من أهل النار، ولازم هذا أن يموتا كافرين مع أن احتمال أن يسلما ولو كذبا ونفاقا وارد.
فكان ما أخبر به، فلم يسلمه، أنه لا ينطق عن الهوى.
أخبر كما في الصحيحين عن نار تخرج من الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى، وبصرى بلدة في الشام. فكان ما أخبر به حيث ظهرت هذه النار سنة 54 و600. قال الذهبي في كتابه تاريخ الإسلام: "أمر هذه النار متواتر".
ثم قال: "وقد حكى غير واحد ممن كان ببصرى في الليل ورأى أعناق الإبل في ضوئها".
أخبر أن مرض الطاعون لا يدخل المدينة ولم يدخلها إلى اليوم. قال المناوي رحمه الله: "وقد أظهر الله صدق رسوله صلى الله عليه وسلم فلم ينقل أنه دخلها طاعون".
أما البرهان الرابع فهو المعجزات التي أجراها الله على يد نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. وليس يخفى أن اقتران المعجزة بدعوى النبوة يوجب علما ضروريا أن الله أظهرها تصديقا له.
فهي معجزات باهرة وخوارق دامغة وأمر كبير وبرهان منير. ما طرقت العالم له معارض، ألبتة.
من تلك المعجزات انشقاق القمر وتسبيح الطعام بين يديه، وإخبار الشاة المشوية التي كانت على مائدته أنها مسمومة، ونبع الماء بين أصابعه، وتكثير الطعام بين يديه، وانقياد الشجر له في غزوة خيبر.
بصق في عين علي رضي الله عنه، وكانت مريضة، فبرأت. ولما كسرت ساق عبد الله بن عتيق رضي الله عنه، مسحها صلى الله عليه وسلم فكانه لم يشتكيه قط.
هذا غيض من فيض من تلك الآيات البينة وهي بالمئات.
وغير خاف أن المعجزات تدل دلالة قاطعة على صدق من جرت على يده من الرسل، لأنه إذا خرق الله تعالى السنن الكونية في مخلوقاته تصديقا لنبيه، دل ذلك قطعا على صدق ذلك النبي وإقرار الله له في دعوة النبوة وتأييده فيها.
وهي دلالة ضرورية لا تحتاج إلى نظر وتورث يقينا بمدلولها فور العلم بها.
وقد تواترت بالمعجزات النبوية الأخبار واستفاضت، ونقلتها الأمة جيلا بعد جيل، خلفا عن سلف، فلا يمكن لعاقل أن يكذب بها.
فاللهم صل على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.