Transcription
قال سبحانه: "ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين".
ويقولون أي، ويقول المشركون للمؤمنين على سبيل الاستبعاد. لا، إنه كان في نفوسهم وفي قلوبهم أن يوم القيامة كائن، لا لأنهم كانوا ينكرون البعث وينكرون الحساب وينكرون الحياة من بعد الموت. فقولهم: "متى هذا الوعد" لا على جهة التصديق بيوم القيامة، ولا على جهة التردد فيه، بل هم كانوا يجزمون ويقطعون بأن يوم القيامة شيء غير كائن. وكانوا ينكرون على نبينا صلى الله عليه وسلم هذه القضية أشد الإنكار.
ويقولون: "متى هذا الوعد إن كنتم صادقين". أي إن كنتم صادقين في ادعائكم أنه يوجد بعث وحساب وحشر وعذاب وجنة ونار. ربنا سبحانه وتعالى رد عليهم معتقده وبين أن الأمر عليه هين، ما هي إلا صيحة واحدة. قال ربنا سبحانه: "ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون".
انتبهوا أحبابنا، قوله تعالى: "ما ينظرون" هي هنا بمعنى ما ينتظرون. ما ينظرون أي ما ينتظرون. وهذا الانتظار، أعيد وأكرر، ليس على جهة التصديق بيوم القيامة، إنما على جهة الاستهزاء بالمسلمين وبمعتقدهم أن البعث حق.
كلمة "نظر" إذا رجعنا إلى اللغة العربية تتصرف على معان. أحيا، أحيا، أحيانا تأتي بمعنى النظر بالعين، وذلك فيما إذا تعدت بحرف الجر "إلى". إذا جاءت في سياق حرف الجر "إلى" تكون بمعنى النظر بالعين، كما في قوله تعالى: "وجوه يومئذ ناظرة >> إلى ربها ناظرة". ناظرة تعدت بحرف الجر "إلى" فكان معناها النظر بالعين. لذلك أهل السنة والجماعة أثبتوا رؤية الله تعالى في الآخرة بلا كيف ولا تشبيه اعتمادا على هذه الآية.
وقد تتعدى بحرف الجر "في" فيكون معناها النظر العقلي بالتفكر لا بأعمال العين الباصرة، كما في قوله سبحانه وتعالى: "أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ". أَوَلَمْ يَنظُرُواْ تعدت بحرف الجر "في" فكان معناها النظر القلبي لا النظر بالعين. ما هو النظر القلبي؟ التفكر، كأعمال القلب في النظر في ملكوت السماوات والأرض ليصل الإنسان إلى اعتقاد أن لهذا الكون خالقًا.
وأما إذا لم تتعدى كلمة "نظرة" إلا بنفسها، إلا بنفسها، فهنا تأتي بمعنى الانتظار. بمعنى الانتظار. انظر إلى قوله تعالى: "مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً". لم تتعدى لا بحرف الجر "إلى" ولم تتعدى بحرف الجر "في"، إنما تعدت بنفسها، فكان معناها الانتظار. "مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً".
ما هي هذه الصيحة؟ الصيحة هي نفخة الملك الكريم، على الله إسرافيل. فهو الملك الموكل بالنفخ في يوم القيامة. وهناك في الحقيقة نفختان. النفخة الأولى من إسرافيل يموت بسببها كل من كان حيًا على وجه الأرض، حتى الملائكة يموتون بنفخة إسرافيل عليه السلام. يموتون بعد النفخ. ثم بعد النفخة الأولى بأربعين سنة، كما روى ذلك ابن عباس وغيره من الصحابة، بار ينفخ إسرافيل النفخة الثانية. النفخة الثانية، الصيحة الثانية، فيخرجون من قبورهم للحساب والعرض. على هذه الصيحة ها هنا، أريد بها الصيحة الأولى. "مَا يَنظُرُونَ" أي ما ينتظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم.
ما معنى "تأخذهم"؟ معناه تعمهم جميعًا أخذ عزيز مقتدر بالهلاك فجأة. لأن القيامة أحبابنا تقع فجأة. هذه النفخة إنما ينفخها إسرافيل عليه السلام والناس في شغلهم، في مشاغلهم يمتهنون. نعم، القيامة لا تقوم إلا على شرار الخلق، على الكفار. قبل نفخة إسرافيل بمائة سنة، الله عز وجل يرسل ريحًا، ريحها ريح المسك ومسها مس الحرير، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه. فلا تترك نفسًا من نفوس المؤمنين إلا قبضته، من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان. هذه الريح تسل كل روح هذا المؤمن الذي في قلبه مثقال حبة من إيمان. ثم يبقى شرار الناس عليهم تقوم الساعة. هكذا قال نبينا عليه الصلاة والسلام، وقوله حق وصدق.
وقوله تعالى: "تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخْصِمُونَ". هذه "وهم" أي وشرار الخلق. "يَخْصِمُونَ" أي يختصمون. يختصمون فيما بينهم. إنما أبدلت التاء صادًا. الأصل فيها "يختصمون". أبدلت التاء صادًا، ثم أدغمت الصاد بالصاد، أدغمت الصاد بالصاد، فصار كلت الصادين صادًا واحدة مشددة. وهذا التشديد دال على وجدان صاد أخرى وهي المبدلة عن التاء. فالأصل في قوله تعالى: "يَخْصِمُونَ" أي "يختصمون". أصلها "يختصمون". بينما الناس في بياعاتهم وتجاراتهم وكلامهم. هذا يعمل في بيع الثياب، وهذا يصلح حوضه، وهذا يحلب شاته. بينما الناس في أشغالهم، يفاجئهم إسرافيل بصيحته.
قال عليه الصلاة والسلام في حديثه الذي رواه الإمام، الإمام البخاري وغيره: "ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان بينهما ثوبهما لا يطويانه ولا يتبايعانه". يعرض البائع على المشتري ثوبًا ليش يدرك أن يبيعه هذا الثوب، ولا يدرك أن يطويه ليرده على ما كان. في هذه اللحظة تقوم، تقوم الساعة وينفخ إسرافيل نفخته.
قال عليه الصلاة والسلام: "ولتقومن الساعة والرجل يليط حوضه لا يسقيه". ما معنى "يليط"؟ "يليط" يعني يصلح حوضه بالطين. تعرفون أحيانًا الحوض يتشقق فيتسرب من هذه الشقوق ماء. ماء الحوض. جاء هذا الرجل صاحب الحوض جعل يليط حوضه يعني يصلح حوضه بالطين. قال عليه الصلاة والسلام: "لا يسقيه". يعني لا يدرك بعد إصلاحه لحوضه أن يجمع ويقرأ فيه الماء. لا يدرك ذلك لأن القيامة قامت على الناس.
قال عليه الصلاة والسلام: "ولاتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه لا يطعمها". الأكلة، بضم الهمزة، هي اللقمة. اللقمة الواحدة. أما الأكلة فهي المرة من الأكل. المرة من الأكل يقال لها أكلة. واللقمة من هذا الأكل يقال لها أكلة بضم الهمزة. قال عليه الصلاة والسلام: "وقد رفع الرجل أكلته إلى فيه، إلى فمه، لا يطعمها". لا يدرك أن يدخلها فمه حتى يلوكها ويزدردها. تقوم الساعة فجأة. نسأل الله السلامة، نسأل الله السلامة.
لذلك هنا ربنا عز وجل يقول: "مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً". ما ينتظرون. هذا ليس على جهة الإيمان بالبعث والقيامة كما بينت لكم. إلا صيحة واحدة. ما هي إلا صيحة واحدة تأخذهم. تأخذ أرواحهم وهم يخصمون. أي يختصمون في مهنهم وتجاراتهم وأعمالهم وما يزاولونه.
قال: "فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ". الذي له بقية في عمره، ولو كان محتضرًا، أشرف على الموت، ربما يدرك أن يوصي زوجه، يدرك أن يوصي أولاده. افعلوا كذا بعد وفاته، افعلوا كذا، لا تفعلوا كذا. هذه توصية. التوصية هي الكلام بشيء مهم، بشيء مهم. لذلك نبينا عليه الصلاة والسلام إذا لاحظتم في خطبة الوداع بعد حجته، خطب في الناس خطبة الوداع، ذكر فيها عليه الصلاة والسلام سلامة الدين، وأصل الدين، وأهم الأمور التي تعني المسلمين. لماذا؟ لأنه في خطبته تلك كان كالموصي أمته وأصحابه.
فإذا أراد أن يوصي الإنسان، يوصي بشيء مهم لينفذ بعد وفاته. هذا الأصل في الوصية. هؤلاء، لأن القيامة تقوم عليهم فجأة، لا يستطيعون توصية. لا يستطيعون أن يوصي أحدهم ولده أو زوجته أن يفعلوا كذا وكذا وكذا. لا يدركون ذلك. ولا إلى أهلهم يرجعون. لا يردون. لأنهم حين نفخ إسرافيل بالبوق ماتوا في أماكنهم، في المواضع التي هم فيها. فأي رجع بعد هذا إلى أهلهم؟ لا رجوع بعد ذلك إلى أهله، لأنه مات في أرضه التي كان قائمًا منتصبًا عليها قبل هنيهة، ففاجأه إسرافيل بنفخته.
ثم بعض الناس، يعني دروسنا ينبغي أن تكون تعليمًا وتنبيها وتحذيرًا من شيء فاسد ربما يروج بين الناس. وهذه هي الطريقة الأقوم والأسلم لتحصيل الناس في أمر دينهم. بعض الناس، وكنت أسمع هذا منذ صباي، كنت أسمع بعض الناس يقول إن عزرائيل عليه السلام قال يقول بعد أن يقبض الله عز وجل روحه. هو إسرافيل عليه السلام ينفخ فيموت كل الناس الذين كانوا لازالوا أحياء ويموت الملائكة. من الذي يقبض روح إسرافيل؟ عزرائيل عليه السلام. ثم الله يقبض روح عزرائيل. فيحيي الله عز وجل أول ما يحيي من الملائكة إسرافيل لينفخ النفخة الثانية.
هنا بعض الناس توهم توهمًا ينسبونه إلى الملك، ملك الموت عزرائيل عليه السلام. يقولون فيه أنه بعد أن يذوق الموت يقول يخاطب ربنا والعياذ بالله. وهذا لا يجوز اعتقاده. أنه يخاطب ربنا فيقول له: "لو كنت أعرف أن سكرات الموت شديدة هكذا ما قبضت روح أحد". ملك كريم على الله. والملائكة ينفذون أمر الله. أوكل إليهم همه قبض الأرواح. فلا بد أن عزرائيل عليه السلام ينفذ ويفعل ما أمره الله سبحانه وتعالى به. هذا الكلام لا يوجد لا في قرآن ولا في حديث ولا في كلام عالم من العلماء المحققين. هذا لا يوجد. إنما هذه فرية راجت بين بعض الجهال وانتشرت وتلقفها من يعجبه الغرائب.
ربنا سبحانه وتعالى وصف الملائكة فقال: "وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ". وهم، يعني الملائكة دون استثناء، بأمره يعملون. وقال تعالى: "لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ". ويفعلون ما يؤمرون. لا يعترض ملك على ربنا سبحانه وتعالى بحيث أنه لا ينفذ ما أمره الله عز وجل به. فاحذروا ذلك أحبابنا.
ثم بما أننا أتينا على ذكر الملك عزرائيل، هو ملك كريم على الله. يجب علينا أن نحبه كما يجب علينا أن نحب جبريل وإسرافيل وغيره وغيرهما من الملائكة. غاية الأمر أن الله تعالى سبحانه الذي لا يجوز لأحد أن يعترض عليه، أوكل إليه مهمة ووظيفة وهي قبض الأرواح. فهو ينفذ أمر الله. لأن بعض الناس، يعني ربما يعبر بعبارات في زماننا من شدة الجهل. يقول يقول بعضهم لآخر أحيانًا قد تقول الزوجة لزوجها: "بيكْرَهَك أكثر ما بيكره عزرائيل". لا يجوز كراهية عزرائيل. هو ملك كريم على الله كما قال ربنا عز وجل عن الملائكة: "بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ". الله وصف الملائكة بأنهم عباد مكرمون. ما معنى مكرمون؟ لهم كرامة، لهم شأن. يجب علينا أن نحبه. ولا يجوز لأحد منا أن يكره ملكًا من هؤلاء الملائكة، ولو كان عزرائيل، ولو كان عزرائيل هو الذي قبض روح فلان أو فلان أو فلان من أقربائك أو أحبائك. هو عبد مأمور. عبد مأمور.
ثم قد يشكل على بعض الناس، يعني هذا إشكال ينبغي أن نحله. بعض الناس ربما يشكل عليه شيء. يقرأ في القرآن أن الله عز وجل قال: "قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ". ملك الموت، ملك الموت، وهو عزرائيل كما هو معلوم بين المسلمين. ربنا سبحانه وتعالى في موضع آخر يقول: "الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ". طيب شو صيغتها؟ جمع. الآية الأولى التي تلوناها: "قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ". شو هي؟ أفراد. صحيح. وقال ربنا عز وجل عن نفسه: "اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا". طيب في موضع الله أضاف التوفي إلى نفسه، وفي موضع أضافه إلى ملك الموت، وفي موضع أضافه إلى الملائكة "تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ". كيف التوفيق بين هذا؟
الجواب سهل. قلت لكم القرآن لا يتعارض، لكن علينا أن نتعلم كيف نوفق بين آيات كتاب الله. "يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ" أضيفت التوفي إلى الله أنه بيده، لأنه هو الخالق للموت. لا عزرائيل من الخالق؟ في الموت في الإنسان؟ الله. ليس عزرائيل هو الذي يخلق التوفي في الناس. لا. عزرائيل سبب. عزرائيل عليه السلام سبب. وإلا المتوفي هو الله على الحقيقة. وهذه نكتة يعني ينبغي التنبه إليها. يقال في "المُتَوَفَّى" ولا تقل "مُتَوَفِّي". لأن المتوفي هو الله. الذي وقع عليه الوفاة ماذا يسمى؟ "مُتَوَفَّى". يحكي الحافظ ابن الجوزي أنه عن عن رج عن عالم نحوي لغوي كان يمشي في جنازة، فسأله بعض العامة من الناس قال له: "من المتوفي؟" قال: "الله". قال: "فنزلوا به يضربونه بالنعال والأحذية". هذا الجهل هكذا يفعل. المتوفي على الحقيقة هو الله. لكن هذا الذي تحمل جنازته ماذا يقال فيه؟ "مُتَوَفَّى". شو يعني متوفى؟ يعني وقع عليه فعل. فعلوا الوفاة. من الذي فعل وفاته؟ المتوفي وهو الله. انتبهتم؟
قول الله تعالى: "اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا". يعني هو سبحانه يخلق الموت في الإنسان خلقًا. أما عزرائيل عليه السلام فسبب لإخراج الروح. ليس هو الذي يخلق الموت. الله يخلق الموت في هذا الإنسان، وجعل لاستلال روحه سببًا وهو الملك عزرائيل. طيب حين قال ربنا عز وجل: "قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ". لأن عزرائيل سبب في قبض الروح. هو ملك الموت. هو الذي يقبضها، يسّلها. طيب الآية الثالثة قول الله عز وجل: "الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ". جمع. أضيفت إليهم التوفي أيضًا. لماذا؟ لأن مع عزرائيل عليه السلام ملائكة أعوان له. هو يأخذ الروح من جسد هذا الإنسان، فتقبضها ملائكة، ملائكة الموت أعوان عزرائيل من يد عزرائيل. فنسب التوفي إليهم لأنهم لا يتركونها لحظة في يد عزرائيل. هذا التوفيق بين المواضع الثلاثة. والأمر سهل على من سهّل الله عز وجل عليه ذلك.
ثم بعد النفخة الأولى التي ينفخها إسرافيل عليه السلام، ينفخ، ينفخ بعد أن يحييه الله عز وجل، ينفخ النفخة الثانية. وينزل ربنا عز وجل من السماء ماء مثل المني. مثل المني. فيكون هذا الماء النازل من السماء الذي يشبه المني سبب خروجهم من قبورهم، كما جاء في قول الله عز وجل: "وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ". شو يعني كذلك النشور؟ كذلك الخروج من القبور. كما أن ماء المطر يأتي على الأرض فيكون سببًا في حياتها، بخروج النبات منها، كذلك النشور. يرسل الله سبحانه وتعالى ماء يشبه المني، فيكون هذا الماء سببًا في خروج الناس من قبورهم، كما روى ذلك ابن أبي شيبة في المصنف، والطبراني في المعجم الكبير، والحاكم في المستدرك، والبيهقي في الشعب وفي كتابه البعث والنشور عن ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يرسل الله ماء من تحت العرش كمني الرجال، كمني الرجال، فتنبت لحمانهم وجثمانهم، كمنابت الأرض من الثرى، كمنابت الأرض من الثرى". كما ينبت النبات من التراب. فيخرجون من قبورهم بعد أن تعاد الأجساد، وإن تباعدت وتناثرت أجزاؤها واختلطت بأشياء أخرى، وربما يأكل جسد هذا الإنسان، هذا الإنسان حوت أو سبع. ها، فيتحول في معدتها هذا السبع أو هذا الحوت إلى أجزاء صغيرة. بعد ذلك يخرج من بدنه. مع هذا كله، الله تعالى يبعث أجزاءه. هذا سهل على الله. الذي يوقن بكمال قدرة الله على كل شيء، يقع هذا الأمر سهلاً في عقيدته، لأنه موقنون بأن الله قادر لا يعجزه شيء.
لهذا ربنا عز وجل: "وَنُفِخَ فِي الصُّورِ". يعني هذه النفخة الثانية. "فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ". قبل الكلام عن الأجداث، أحب أن أعلق على حرف الفاء. "وَنُفِخَ فِي الصُّورِ". ها، تخيلنا أن إسرافيل ملتقم الصور. الصور هو البوق. ينفخ فيه نفخة. "فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ". الفاء في لغة العرب تفيد التعقيب على الفور. تفيد التعقيب على الفور. ومن حروف العطف التي تفيد التعقيب على الفور. أما "ثم" فتفيد التعقيب ولكن مع التراخي والمهلة والمدة من الزمن. أما الفاء فتفيد التعقيب على الفور. بمجرد أن ينفخ إسرافيل النفخة الثانية، تنشق القبور وينبتون كما تنبت الحبة في حميد. السين يجتمع بدن كل واحد من الناس، فيقوم حيًا بجسده وبروحه. نفس الروح التي كانت في جسده حال حياته هي تعود إلى هذا الجسد. إذا هذا الذي تفيده الفاء.
"فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ". الأجداث جمع جدث. والجدث هو القبر. تقول لي: "في ناس ما بتنبر؟" أقول لك: "لو كان، لو كان لا لم يحوه قبر، كان أكله سبع وتناثرت أجزاء هذا الإنسان في مواضع عديدة مختلفة". لو لم يكن هناك قبر يضمه، الله تعالى يجمع أجزاءه ويخرجه حيًا. "مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ". أي إلى موضع حساب ربهم لهم. ينسلون. النسلان أو النسلان هو المشي السريع. النسلان هو المشي السريع. واحد يمشي بسرعة. ليس ركضًا. لا. الركض يسمى ركضًا، يسمى إيضاعًا. أما المشي السريع فيسمى النسلان. هنا ربنا عز وجل لتعرفوا دقة القرآن. ربنا عز وجل قال: "إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ". أي إلى موضع حساب ربهم لهم. اللي هو شو؟ أرض القيامة. تلك الأرض، ذلك الموضع هو الموضع الذي ينسلون إليه. هذا اسمه مجاز الحذف. هل ذكرت كلمة "موضع" في الآية؟ لم تذكر. لكننا قدرناها في أذهاننا تقديرًا.
ومننه لتفهموا الأمر جليًا قول الله عز وجل: "وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا". "وَجَاءَ رَبُّكَ". أضيفت المجيء إلى الله. والمجيء الذي هو حركة وانتقال هذا محال على الله. لا يجوز على الله. لذلك علماء التفسير تجدهم يقولون هنا يوجد حذف مضاف، أو يقال له مجاز حذف. هذا أو هذا نفس المعنى. أن يبقى المضاف إليه ويحذف المضاف. أي يحذف المضاف ويبقى المضاف إليه. "وَجَاءَ رَبُّكَ". ربك لفظة ربك هنا في الآية هو مضاف إليه. في عنا مضاف محذوف مقدر. ما هو هذا المحذوف المقدر؟ قال الإمام أحمد بن حنبل، إمام أهل السنة والجماعة، قال: "وَجَاءَ رَبُّكَ" أي "وَجَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ". أمر موجود شيء؟ الآية لا. هذا مضاف محذوف. أبقى المضاف إليه وهي لفظة ربك، وأضمر المضاف، وقدر في الذهن: "وَجَاءَ رَبُّكَ" أي "وَجَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ" للحساب وعرض الكتب والأعمال. وأيضًا نقل عن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه وأرضاه بإسناد آخر جيد حسن إسناده الحافظ ابن كثير قال: "وَجَاءَ رَبُّكَ" أي "وَجَاءَتْ قُدْرَةُ رَبِّكَ". أي آثار قدرة ربك في يوم القيامة. مثل شو؟ يعني آثار قدرة ربك كدنو الشمس من رؤوس العباد. هذا أثر من آثار قدرة الله سبحانه وتعالى. كون عدد من الملائكة كبير يجرون جزءًا عنقًا من جهنم، يجرونها جراً حقيقيًا من غير أن تنفصل عن بقيتها. يجرون عنقًا من جهنم إلى أرض المحشر. ليش؟ ليراها الناس. فيشكر المؤمن ربه أن نجاه منها. وأما الكافر حين يراها تتلظى، يعذب ببصره ورؤيته لها في يوم القيامة قبل أن يقسم. تقرأون قول الله عز وجل: "وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى". شو يعني "وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى"؟ أي ظهرت الجحيم في أرض المحشر لمن يرى، يعني لكل راء، لكل ذي بصر. لكن المؤمن لا يعذب برؤيته لها. المؤمن الصالح لا يعذب برؤيته لها، لأن الملائكة بشرته قبل ذلك بأنه من أهل الجنة. لا عذاب عليهم. وأما الكافر إذا رآها تتلظى، تعذب ببصره. وقال تعالى أيضًا: "وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ". هذه من أهوال يوم القيامة التي تظهر بقدرة الله سبحانه. عن هذه الأهوال، عن آثار قدرة الله العظيمة. ربنا عز وجل قال: "وَجَاءَ رَبُّكَ" أي آثار قدرة ربك.
"وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ". أي واسأل "أَهْلَ" القرية. الحيطان والشبابيك والأبواب بتُسأل؟ لا. إذا هنا لابد من حذف مضاف. "وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ" أي واسأل أهل القرية. وهذا معروف في لغة العرب.
ثم إن ربنا عز وجل يقول: "يَا وَيْلَتَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا". وهنا قراءتان. أما أن تقف عند قوله "مَّرْقَدِنَا" وتبتدئ بعد ذلك فتقول: "هَـٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَـٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ". وأما أن تقرأها على هذا النحو: "قَالُوا يَا وَيْلَتَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَـٰذَا". فيكون شو؟ هذا تابعة لقوله "مَن بَعَثَنَا". أما أن تقف عند "مَّرْقَدِنَا" ويكون هذا مبتدأ. وأما أن ترجع هذا إلى قول ربنا عز وجل: "مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَـٰذَا". ما سنتحدث عنه إن شاء الله تعالى السبت القابل.
نسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعًا لرضاه، ويوجد فوائد إن شاء الله. مهم أن تستمعوا إليها وأن تفهموا الأمور على حقائقها، لأن هذا دين. والدين والعقيدة والإيمان والأحكام الشرعية، هذا أهم ما ينبغي على الإنسان أن يهتم له وأن يحرزه في قلبه وأن يحوط، وأن يكون على بينة منه. نسأل الله العلي القدير من فضله أن يوفقنا جميعًا لرضاه، وأن يصلح أحوالنا، ويقبلنا بقبول حسن. اللهم علمنا ما جهلنا، وانفعنا بما علمتنا، وبارك لنا فيما أعطيتنا. اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك يا ربنا من سخطك ومن النار. وأحيينا ما أحييتنا مسلمين، وتوفنا مؤمنين كاملين. وأقبل اللهم منا صلاتنا وصيامنا وصالح أعمالنا. اللهم واجعله يا ربنا في صحيفة أعمالنا مقبولاً في يوم القيامة يا رب العالمين. وانصرنا على من ظلمنا وعادانا، اليهود ومن عاونهم، يا أرحم الراحمين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.