Transcription
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمد الشاكرين. والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ونحن في بداية تدبرنا لسورة القارعة العظيمة، التي ذكرنا فيما ذكرنا كيف أن القرآن العظيم جاء بأسلوب معجز يتضح فيه تطبيق القيمة الصوتية لكل حرف، لكل فاصلة تتناسب مع التعبير وإيصال المعنى المقصود لما يحصل للإنسان من اضطراب نفسي يوم القيامة، خوف، هلع، مصير ومال لا يدري كيف سيكون. كل ذلك عبر عنه بأصوات الحروف والمفردات المختارة في السياق لأجل أن تؤدي ذلك الغرض والمعنى.
ليس ذلك فحسب، ولكن يتضح لنا كذلك ونحن في بدايات تدبرنا للسورة العظيمة أن القرآن العظيم حين قال: "يوم يكون الناس كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش" في سور أخرى وفي آيات أخر جاء القرآن بوصف سماء، ماء، نجوم، أرض. ولكن في سورة القارعة تحديداً ما جاء إلا بذكر الناس وذكر الجبال معهم. أما ذكر الناس حين قال: "يوم يكون الناس كالفراش المبثوث"، فالفراش ما ذكر في كتاب الله إلا في هذه الآية. لماذا الفراش؟ ولماذا في آية أخرى يقول القرآن ويشبه فيقول عن الناس كأنهم جراد منتشر؟ قرآن لمن يعبر عن حركة الناس وخروجهم من الأجداث يقول القرآن في هذه السياقات معبراً باللفظ والصورة واختلاف التشبيه بالأشياء. هناك جراد منتشر مهطعين إلى الداع. ليجد العلماء في العصر الذي نعيش فيه اليوم، علماء الحشرات، أن الجراد حين يسير يسير لوجهه مقصود ولهدف محدد. الفراش يسير لا وجهة، ليس لديه وجه، يتخبط في كل مكان إذا ما رأى ضوءاً أو شعاعاً من ضوء تهافت عليه، يصير بلا وجه. تدبر في عمق التشبيه والآية الكريمة العظيمة. هذا الموقف من مواقف يوم القيامة في بداياتها. القارعة تتكلم عن موقف محدد، بدايات يوم القيامة، الناس ما زالوا لا يعرفون ما أين سيذهبون، في تشتت، في اضطراب، في حيرة. جاء التعبير والتشبيه بالفراش المبثوث. بينما في ذاك الموضع الذي شبهوا فيه كأنهم جراد منتشر، المسألة ليست مجرد انتشار، ولكن لأنهم سمعوا الداعي فهم يلبون النداء ويسيرون في اتجاه ذلك الداعي الذي دعا. تدبروا في قيمة الكلمات، كل الكلمة ومفردة في سياقها وفي نظمها في السورة التي نزلت فيها.
شيء آخر. الفراش المبثوث دلالة على الوهن، دلالة على الضعف، دلالة على عدم القوة، دلالة على العجز. الفراشة من أكثر الحشرات ضعفاً وانتشاراً في ذات الوقت. في انتشار ولكن في ضعف وعدم معرفة للجهة التي تريد أن تذهب لها. يطير للجهة، ليس لديه مقصد. لماذا يأتي القرآن بهذا الوصف؟ نحن قلنا ونؤكد دوماً أن القرآن في اختياره للمفردات في سياقاتها يوظف المفرده والكلمة في مكانها بصوت حرفها وفصلتها لأجل أن يوصل إليك المعنى.
الآية تتضمن شكل من أشكال التهديد والوعيد لكل أولئك المستكبرين المعاندين الذين لا يرون أحداً في الأرض يمكن أن يوقف طغيانهم أو عدوانهم. نحن قلنا في المرة السابقة أن السورة المباركة نزلت في فترة حرجة استعلت فيها قريش على عباد الله من المؤمنين المستضعفين المسلمين الأوائل. استخدمت مختلف الأساليب، استعراض القوة، القوة الوهمية التي أعطاهم القرآن بهذا الخطاب. يكون الناس كالفراش المبثوث بمعنى أنتم، أنتم بلسان حالكم ومقالكم قد يكون لكم في الدنيا قيمة ووزن مادي، لكنكم يوم القيامة ستكونون كالفراش المبثوث. تدبر في القرآن وعظمة القرآن. وجاء بالفعل "يكون" للدلالة على صيرورة وانتقال الحال وتغيره من القوة للضعف، ومن الاعتزاز والاغترار بأموال وقوة وهمية إلى حالة الضعف وعدم المعرفة في التخبط في أي اتجاه يذهبون. هذا حال الناس، كل الناس.
تدبر في القرآن كيف يوظف المفرد للتعبير عن حالة الوهن التي سيكون عليها الناس يوم القيامة. قال: "وتكون الجبال كالعهن المنفوش". ولنا أن نتساءل، هو لماذا القرآن الذي ذكر الجبال في 59 آية؟ جبال ذكرت في القرآن كثيراً، سواء ما كان يتعلق بعظمة خلقها وسماها القرآن رواسي وسماها أوتاد وقال عنها كيف نصبت وقال عنها جعل وقال: "ألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم". وأيضاً وضعها في مجالات التشبيه للتأثير بآيات القرآن وجعل هذه الجبال على ما فيها من قوة وشدة وصلابة لو وضعت فيها مواطن وآلات الإدراك لخرت ساجدة راكعة لله الذي خلق. وفي آية أخرى القرآن يعبر عن هذه الجبال أنها تعبد وتسجد وتسبح الخالق جل شأنه بكيفية لا يعلمها الإنسان. "يا جبال أوبي معه والطير". إذاً الجبال لها ذكر كثير في القرآن. واحدة من أعظم غايات خلقها التي لفت القرآن الاهتمام إليها حفظ التوازن في الكون، التوازن البيئي في الأرض. كيف تكون؟ كيف ما لم يكشف عنه علماء الجيولوجيا إلا في أوقات متأخرة بدراسة طبقات الأرض، بدراسة تشكيل الأرض والتربة وإلى آخره. والعرب عرفت الجبال. والعرب حين تريد أن تعبر عن القوة والصلابة والصمود، فلان كانه جبل أشم، كالجبل في صموده، في ثباته، في رسوخه. بل إلى اليوم نحن نقول: فلان كالجبل تعبيراً عن القوة، تعبيراً عن الصمود، تعبيراً عن الثبات، تعبيراً عن الرسوخ. جبل. فالقرآن حين جاء بمثل في هذه السورة المباركة ذات الآيات المعدودة بالناس والجبال، جاء برمز الجبال رمز القوة والثبات والرسوخ التي طالما امتدحها العربي في أشعاره ودواوينه. هذه الجبال قال: "وتكون الجبال كالعهن المنفوش". والعهن هو ليس مجرد صوف، لأن القرآن ذكر في آيات أخرى عن الأصواف، أصوافها وأوبارها. ذكر الأصواف. العهن هو عبارة عن شكل من أشكال الضعف الذي يتخلى للشيء الممتد لذهاب الصلابة والقوة والغلظة فيه. فإذا المسألة ليست فقط تشبيه بالصوف، ولكن الصوف في تلك الحالة التي فيها كل الضعف نتيجة لضربه بالعصا أو بعود من الخشب كما يفعل النداف الذي يدق الصوف وينفشه هكذا فيصبح الشكل أنه منتف ومنتشر وممتد، لكنك لا تستطيع حتى أن تمد يدك إليه لكثرة وهنه وضعفه. هذا ليس تشبيه هكذا، هذا جاء ليؤدي غرض ما. ما هو الغرض؟ هذه الجبال التي هي رمز القوة والرسوخ من المخلوقات التي هي أوتاد، رواسي تثبت الأرض أن تميد بكم، ستكون كالعهن المنفوش. للبيان والتوضيح لقدرة الله جل شأنه المطلقة وأن الناس جميع الأشياء التي تظنون فيها قوة لن يكون لها هناك قوة حقيقية يوم القيامة. الناس كالفراش المبثوث والجبال كالعهن المنفوش. وذكرت الجبال كالصوف في آية أخرى في سورة المعارج. هنا قال المنفوش. لماذا جاء بالمنفوش؟ الكلمة للتعبير والتناسب والاتساق مع الحالة، حالة الامتداد والانتشار والتشتت والاضطراب وعدم معرفة أي سيكون الاتجاه. موقف صعب شديد يعبر عنه القرآن ليجعل الإنسان في قلب حدث وموقف فيه كل صور التشتت والاضطراب.
هذه معانٍ عظيمة يعبر عنها القرآن. ثم تدبر معي، تدبر معي في ذات الوقت في تلك الفاصلة التي في الحقيقة القرآن عبر عنها، وهاي ما يسمى بالفصل المتوازي. هنا هو الفاصلة الأولى التي جاءت. جاءت القارعة تاء مربوطة عند الوقف تنطق هاء، لكن هنا جاء عندي فاصلة متوازنة، اتفاق في الوزن ولكن بدون حرفي الروي كما يقال عند علماء العربية. الثاء والشين والثاء. هذا الحرف الذي حين تخرجه تشعر بثقله. هنا لماذا الثاء والشين؟ بكل ما تحمله الحروف صوت نطق الحروف من الإحساس ومعاني البعثرة والاضطراب. مبثوث، منفوش، حركة، انتشار في ذات الوقت بعثرة، تشتت ليس على اتجاه محدد أو معين. حتى في صوت الحرف وتطبيق الصوت والقاعدة الصوتية والقيمة الصوتية للحرف وتوظيف القيمة الصوتية للحرف لأجل المعنى الذي يريد القرآن أن يوصل السامع إليه. هذه ما عادت مجرد صورة جامدة. ها، ليست صورة جامدة. هذه صورة معبرة. هذه صورة يستطيع الخيال بناءً على هذه المفردات بحروفها وفواصلها وفواصل الآيات أن يتخيله ويذهب بعيداً في عمق ذلك الخيال المبني على حقائق جاءت في المفردات وفي حروفها. لأجل أي شيء؟ تصوير المعنى، تصوير الموقف، وتهويل الموقف ذات الوقت. أشعار الإنسان بضعفه وعجزه. رد الإنسان إلى حالة الضعف الحقيقية التي هي الحقيقة وليست القوة الموهومة.
تدبر في استخدام الكلمة "منفوش". اتساقاً مع ذلك الإنسان الضعيف الواهي الذي يحسب بناءً على ما آتاه الله ومكّنه من وسائل، مال، جاه، سلطة، ينتفش كأنه شيء، كأنه كبير، كأنه عظيم القدر. مجرد نفش. تدبر في الترابط والتناسب ما بين ذاك العهن المنفوش. لأن عملية النفش هي عملية انتشار. لكن السؤال، هذا الانتشار أهو انتشار مبني على حقيقة أم وهم وسراب؟ تدبر في عمق الكلمة في القرآن. كأنك حين تنظر من نافذة الطائرة وأنت هكذا تحلق فوق السحاب، ترى تنظر إلى السحابة. السحابة شيء كبير، تشكل وتكتل كبير، بس هو في واقع الأمر لا شيء. هو قطرات ماء، بخار هكذا هي عالقة. أنت تراها منتفخة، أنت تراها كبيرة، لكن هي على الحقيقة ليست كذلك. تدبر في دقة المفردة "منفوش". لماذا التعبير عن الحالة؟ أنا أتساءل كم من إنسان، كم من طاغية، كم من كبير في تصوره وأوهامه بنفسه يظن نفسه كبيراً. نفشته الكبرياء، نفشته المدح والثناء من الناس، غشوه بذلك النفش. لأن عملية النفش تجعل الشيء يبدو أكبر من حجمه الحقيقي. هو في الداخل لا شيء. منفوش فقط، ضعيف، رخو، وهن فيه وهن. ولذلك جاء بمفردة "العهن" لما تعبر عنه هذه المفردة من الضعف المقصود في الكلمة. لأن كلمة الصوف قد لا تعبر عن هذا المعنى. فجاء بالعهن. لا، هو في ضعف، ضعف ممتد لذهاب الصلابة والقوة فيه. ولذلك الإنسان حين ينتفش بالباطل هو لا يختلف كثيراً عن هذا العهن المنفوش. تدبر في القرآن. تدبر في التناسق والاتساق والترابط والتناسب بينها وبين الآية التي جاءت بعدها. قال: "فأما من ثقلت موازينه". تدبر في العهن المنفوش وثقلت موازينه. صحيح، الآية الأولى تتكلم عن الجبال وكيف ستكون كالعهن المنفوش، لكن الخطاب موجه للإنسان. يا إنسان، أنت لن تبلغ الجبال طولاً، أنت لن تخرق هذه الجبال طولاً ولا قوة ولا صلابة ولا ثبات ولا رسوخ. هذه الجبال ستكون كالعهن المنفوش. أنت كيف ستكون؟ حتى لا يغتر الإنسان. كسر لكبرياء وطغيان الإنسان وقوته الموهومة. ثم جاء بقضية الثقل. "ثقلت موازينه". لماذا اختار الثقل هنا؟ لماذا "ثقلت موازينه"؟ لماذا ما قال زادت موازينه؟ لماذا ما قال رجحت كفته وموازينه؟ لماذا ثقل؟ ثقلت لأن الكلام في السورة، سورة القارعة وما فيها من تناسبات عن هذا الثقل. ثقل مادي وثقل معنوي. ليس الثقل المادي هو الذي يجعلك ثقيلاً، عظيم القدر والوزن عند الله. ولذلك في آية أخرى: "فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً". في الحديث الصحيح كما يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "يؤتى بالرجل سمين، لكن جاء بسيئات". كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: "فليس له وزن، ليس له قيمة". إذاً ليس المال الذي يجعل لك وزناً عند الله، وليس الجاه هو الذي يجعل لك وزناً عند الله، وليس المنصب، وليس الكلام، وليس البيان، وليس القدرة على التعبير، وليس مدح الناس وثناء الناس عليك هو الذي يجعل لك وزناً عند الله.
"ثقلت موازينه". وتدبر في الكلمة. قال: "ثقلت موازينه". نسب الموازين، عملية الأثقال للإنسان. لبيان أنك أنت أيها الإنسان المكلف العاقل البالغ الفطن من تجعل موازينك تثقل أو تخف. ما الذي يثقله؟ الخلق الحسن، العمل الصالح. الكلمات كما ورد في الحديث الصحيح: "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان خفيفتان على اللسان، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان". تدبر في الخفة والثقل. خفيفة على اللسان، ولكنها ثقيلة في الميزان. التسبيح والتهليل وذكر الله سبحانه وتعالى. شيء آخر ليثقل أكثر ما يثقل أعمال وموازين الإنسان يوم القيامة. أعمال القلوب. الصدق الذي جاء في سورة العاديات التي قبل سورة القارعة. "وحصل ما في الصدور". الذي يثقل موازينك ما في صدرك. إيمان، ثبات، حب للخير، محبة الله جل شأنه، محبة الطاعات، الإقبال عليها. ليس فيها شيء مادي. ليست هي الأشياء المادية. الأشياء المادية وسائل، أدوات ابتلاء، اختبار، تعينك على ما أنت فيه. لكن ما قيمة أن يكون لك مال وجاه ومنصب وقوة وذكاء وعلم وشهادة، ولكنها لا تنفع في شيء لأنها لم تفلح في تثقيل موازينك يوم القيامة؟ ما قيمة كل ذلك إذا لم تثقل موازينك يوم القيامة؟ ولذلك جاءت لفظة "موازين" في القرآن الكريم في سبعة مواضع. سبع مواضع في القرآن الكريم، سبع مرات تذكر الموازين. "نضع الموازين"، "موازين الحق"، "موازين القسط". لماذا لا الحديث هنا عن الأعمال الموزونات؟ هي الأعمال. "ثقلت موازينه". يعني كل ما جاء في سورة القارعة، في الآيات الأول: "القارعة، ما القارعة؟" وبيان تفخيم وتعظيم القارعة وتهويل ما سيحدث فيها وبيان كيف سيكون الناس كالفراش المبثوث والجبال كالعهن المنفوش. ليس هذا هو المهم. هذه ظواهر ستحدث للكون. هذه مواقف يبين يقرب لك فيها الصورة حتى تكون على بينة. ولكن المهم: "ثقلت موازينه" أو "خفت موازينه". فانظر في موازينك. ولذلك نحن نقول في الحياة، في الحياة التي نعيش، ليس لفلان وزن، ليس له قدر، ليس له مكانة، ليس له قيمة. لكن الإشكالية العظيمة: موازينك أنت ثقلت موازينه؟ أنت تحتاج إلى مال كثير كي تثقل موازينك؟ أنت لو نظرت على سبيل المثال في الجيل الذي خوطب به هذه السور والآيات والقرآن، أول ما خطب في قريش، أول ما نزل أبو جهل وأبو لهب، هؤلاء وأمية بن خلف وغيرهم، هؤلاء كلهم كانوا من الأوزان الثقيلة في المجتمع المكي. أين ذهبت أوزانهم؟ قال: "فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً". خسروا أنفسهم. بأي شيء يخسر الإنسان نفسه؟ البعد عن منهج الله جل شأنه. حصل ما في الصدور. ما يغني عنه حب الخير، ولا يغني عنه المال، ولا يغني عنه الذكاء، ولا يغني عنه شيء إذا ما حصل ما في الصدور. فكان ما في الصدور خواء. لا إيمان، ولا محبة للخير، ولا طاعة، ولا خلق حسن، ولا محبة النفع للناس. فماذا سيأتي؟ وبأي شيء سيأتي؟ "ثقلت موازينه".
قال: "فهو في عيشة راضية". حتى العيشة وصفها راضية. هي العيشة لا تكون راضية. هي الوصف للعيش. كيف استعمل القرآن العيشة؟ فقال: "العيشة راضية" لشدة تلبس الرضا بهذه المعيشة. "عيشة راضية". هو لماذا اختار كلمة راضية؟ لماذا الرضا؟ الذي ذكر كثيراً في السور المكية، خاص في جزء عم. الرضا. حالة عظيمة، حالة عظيمة من حالات الشعور والإحساس الإنساني الذي بات مفقوداً كثيراً في أيامنا هذه. لا ترتبط بمال ولا بجاه ولا بشيء من هذه الأشياء المادية. الرضا إحساس داخلي ينبع من داخل الإنسان. أن ترضى بما أعطاك الله. أن ترضى بالله رباً. أن ترضى بالقرآن كتاباً ومنهجاً ودستوراً. أن ترضى بحكم الله فلا يكون في صدرك حرج ولا يضيق صدرك بأحكام الله ولا بتشريعاته ولا حين يقول لك افعل أو لا تفعل. تدبر معي في عمق الآيات. ومن عاش الرضا في الدنيا بالله جل شأنه رباً وبمحمد صلى الله عليه وآله وسلم نبياً وبكتابه منهجاً وقرآناً ودستوراً عرف معنى العيشة الراضية في الآخرة. وأما من سخط فله السخط. له السخط. تدبر معي في دقة المفردات القرآنية. "عيشة راضية" تحمل كل معاني النعيم. لأن الرضا هو أعلى درجات النعيم. "رضي الله عنهم ورضوا عنه".
وأما من خفت موازينه. كيف خفت موازينه؟ العمل لا يثقل ويخف كما الرازي له كلام جميل في تفسير ثقل الموازين وخفة الموازين. يقول: أهل الحق لأن الحق ثقيل. قال عنهم: "ثقلت موازينه". حق ثقيل. فمن يحمل الحق وأعباء الحق وتكاليف الحق ويجهر بالحق ويأمر بالحق ويحمي الحق وينصر الحق ويدافع عن الحق، ثقلت موازينه. في المقابل يقول: "خفت موازينه" لأنه محمل بالباطل. الباطل هواء، فراغ. صحيح منفوش، لكن هو فراغ. ونحن ذكرنا كثيراً ونذكر هذه المسألة أن الإشكالية الخطيرة التي نعيشها اليوم بأسباب وعوامل مختلفة باتت تجعل الإنسان المعاصر يعيش في حالة الانتفاش. كل شيء منفوش، كل شيء أكبر من حجمه الحقيقي والطبيعي. كل شيء، كل شيء. لكن هل هذه العملية، عملية النفش والانتشار تدل على وزن حقيقي؟ أبداً. فراغ، ضعف، وهن. فراغ حقيقي. منفوش فقط يبدو لك الحجم كبير، لكن هو ليس فيه شيء. من الفراغ. هذا ينطبق على الإعلام، ينطبق على الفنون في كثير من الأوقات، ينطبق على حتى العلوم، حتى الشهادات، حتى الكثير من الأشياء المعاصرة. ظاهرها أنها كبيرة، باطنها وجوهرها وداخلها ضعيف، فارغ، فارغ. إشكالية خطيرة. والنتيجة: "خفت موازينه". هذه الأعمال ليست هي التي تجعل لك وزناً عند الله.
وتدبر معي في الكلام الذي يقوله الرازي عن قضية الحق وكيف أن الحق ثقيل فيثقل موازين من يقوم به ويأمر به ويدعو إليه ويدافع عنه ويناصر الحق. الحق الذي يتنكر له أصحابه في بعض الأحيان. أصحاب الحق يتنكرون له لشدة أعباء وتكاليف القيام به ونصرته. فيا أهل الحق، بما تثقل موازينكم؟ بالسكوت؟ بالصمت؟ بالتخلي عن الحق؟ تدبر معي فيها. هذه المفردات العظيمة. "ثقلت موازينه" جاءت ليس فقط في سورة القارعة، جاءت في سورة الأعراف، جاءت في سورة المؤمنون. دلالة على أي شيء؟ دلالة على فعلاً قضية الطاعات وتثقيل الموازين. لذلك شيء طبيعي ما من شيء كما جاء في الأثر: "ما من شيء أثقل في ميزان العبد يوم القيامة من خلق حسن". وهل الخلق الحسن إلا قيام بالحق؟ إلا نصرة للحق؟ إلا إحقاق للحق؟ هذه التي تثقل الموازين. أما ما امتلكت وما لبست وما ركبت وما شربت وكيف أنت وأين سكنت وما هي شهادتك، ليست هي التي تثقل موازينك يوم القيامة. تدبر في الربط بينها وبين سورة التكاثر. "ألهاكم التكاثر". التكاثر فيه نفش، فيه تفاخر، فيه نشر، انتشار، لكنه قائم على الوهن، الضعف، وليس على ثقل الموازين ولا ثقل القدر والقدر عند الله جل شأنه.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.