📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

٦ أسباب بتخليك دايمًا محتاج تشتيت

Afedona | أفيدونا23:10

Transcription

في ناس كتير بتفتكر إن المشكلة إنهم مش مركزين، أو إنهم كسالى زيادة عن اللزوم، أو إنهم حتى مدمنين للموبايل والسوشيال ميديا. انت مش بتفتح الموبايل علشان انت بتحب الموبايل نفسه، انت بتفتح الموبايل علشان في حاجة جواك. لو انت سكتت، الحاجة دي هتطلع. فانت بتعمل إيه؟ بتزود الصوت اللي جاي من بره علشان ما تسمعش صوتك الداخلي، الصوت اللي جاي من جوه.

خليني أسألك سؤال صغير. آخر مرة قعدت لوحدك من غير موبايل، من غير موسيقى، من غير ما تسمع بودكاست، من غير ما تعمل أي حاجة، قعدت قد إيه بالظبط قبل ما تحس بتوتر؟ دقيقة؟ دقيقتين؟ طب إيه اللي حصل جواك في أول دقيقتين دول؟ في ناس أول ما بتهدى بيطلع من جواها قلق. في ناس بيطلع من جواها حزن قديم. في ناس بيطلع غضب. في ناس بيطلع مجرد فراغ. الفراغ ده بالذات هو اللي بيخوف.

الغريب إن في تجربة نفسية شهيرة جداً، ناس أُطلب منهم إنهم يقعدوا مع نفسهم شوية في أوضة فاضية ما فيهاش أي حاجة، من غير موبايل وبدون أي ملهيات. ناس عادية جداً. الباحثين عملوا حاجة بسيطة قبل القاعدة دي، خلوا كل شخص يجرب صدمة كهربائية خفيفة، مؤلمة شوية، مزعجة، ولكن مش خطيرة. الناس دي عارفين كويس إحساس الصدمة الكهربائية دي. وبعدين قالوا لهم: "انت دلوقتي هتقعد لوحدك، ما فيش أي حاجة هتعملها."

اللي حصل كان صادم حرفياً. عدد كبير من الناس دول اختاروا إنهم يضغطوا الزرار ده ويعملوا لنفسهم صدمة كهربائية، على إنهم يفضلوا قاعدين ين مع سكون لوحدهم مع أفكارهم وبس. الكلام ده حصل مش مرة وبس، في ناس ضغطت على الزر ده أكتر من مرة، حرفياً كهربت نفسها أكتر من مرة. التجربة دي اتعملت بإشراف عالم النفس تيموثي ويلسون. والسؤال كان بسيط جداً: هل الإنسان يقدر يقعد مع نفسه من غير ما يعمل أي حاجة؟

والإجابة اللي طلعت كانت قاسية شوية. ناس كتير اتضح إنهم لأ، ما يقدرش يقعدوا مع نفسهم من غير ما يعملوا حاجة. مش لأن مجرد الصمت ده مؤلم بالنسبة لهم، ولكن لأن اللي بيطلع في الصمت ده هو اللي مؤلم، أصعب من الألم الجسدي الخفيف اللي كانوا بيحسوا بيه وقت الصدمة الكهربائية. وبالتالي، في اللحظة دي لازم نسأل نفسنا: هو إحنا بنهرب من الملل ولا بنهرب من نفسنا؟

المشهد ده لوحده بيقول لك إن الموضوع بجد مش هزار. إن في حاجة اسمها الخوف من السكون، من إنك تقعد لوحدك، أو بمعنى أدق، الخوف من اللي السكون بيكشفه لك. أنا أحمد عبد، والحلقة دي من "أفيدونا" مش عن إنك تبطل الموبايل، ولا عن مجرد نصايح سطحية من نوع "اقفل الإشعارات على موبايلك". لا، الحلقة دي عن سؤال أخطر بكتير: ليه وجودك مع نفسك بقى حاجة تقيلة قوي كده عليك؟ وليه لما الحياة بتهدى شوية حواليك بتلاقي نفسك بتجري تعمل أي حاجة؟ ليه لما أي دقيقة فاضية بتتعرض لها أو بتمر بيها لازم تحس إنها لازم تتملي؟ ليه لازم صوت حواليك؟ لازم فيديو يشتغل؟ لازم تعمل سكرولينج؟ لازم أي كلام؟ لازم شغل تشغل بيه نفسك؟

وفي الحلقة دي هنجاوب على شوية أسئلة. لو فهمتهم حرفياً نظرتك لنفسك هتتغير. هل انت بتتهرب من القاعدة مع نفسك، ولا بتتهرب من شعور معين بتحس بيه وقت ما تقعد مع نفسك؟ وليه أول ما تسيب نفسك شوية دماغك بيفتح 10 ملفات في نفس الوقت وتلاقي نفسك داخل في دوامة ما بتنتهيش؟ هل المشكلة في الدوبامين والدماغ اللي اتعود على المكافأة السريعة؟ ولا المشكلة أعمق ومرتبطة بمعنى حياتك من الأساس؟ وامتى الهروب ده يبقى طبيعي؟ وامتى يبقى علامة على إنه في حاجة محتاجة علاج؟ وكمان ليه في ناس تقدر تقعد لوحدها وتحس براحة، وناس تانية تحس إنها مخنوقة ومش مستريحة؟ والأهم من كل ده، هل ممكن القاعدة مع النفس دي تتحول من تهديد لعلاج؟ وإزاي نقدر نعمل ده من غير ما ندخل في جو مثالي ولا كلام تنمية بشرية سطحي؟

بس قبل ما ندخل على الأسباب، خليني أقول لك إن الهروب ده مش دايماً ضعف، ولكنه أحياناً حماية. مخك بيحاول يحميك من حاجة انت مش جاهز لسه إنك تواجهها. ولكن المشكلة إن الحماية دي بتاكل من عمرك حرفياً، بتاكل من تركيزك، بتاكل من إحساسك بالراحة، بتخليك طول الوقت مشغول، بس من جوه متوتر. فلو انت من الناس دي، الناس اللي بتشتغل زيادة علشان ما تقعدش مع نفسها، بتتكلم كتير علشان ما تسمعش نفسها، وبتخاف من أي لحظة سكون بتتعرض لها أو بتمر بيها، خليك معايا للآخر. مش هديك نصايح، هديك فهم. والفهم ده لو حصل هيبدأ يغير السلوك لوحده جواك.

السبب الأول هو إنه مخك اتعود على الدوبامين السريع. فالسكون بالنسبة لك بقى مؤلم. إيدك بتروح للموبايل بشكل تلقائي، مش علشان انت محتاج حاجة من الموبايل، ولا علشان في إشعار مثلاً مهم. غالباً ما فيش أي حاجة مستنياك ولا هتفوتك. بس في إحساس بيطلع أول ما الدنيا تهدى حواليك، إحساس بالملل، أو بالفراغ، أو توتر. ومخك بقى مبرمج إنه يقتل الإحساس ده أول ما يحس بيه، مش يحله، ولكن يقتله. اللي بيحصل هنا مش ضعف إرادة، ولكنه تدريب. تدريب طويل. مخك اتعود على إنه أي لحظة هدوء بتمر بيها بتيجي بعدها مكافأة سريعة: سكرولينج قصير، ضحكة، حاجة مسلية، معلومة سريعة، رسالة، لايك جالك. كل حاجة من الحاجات دي بتديك دوبامين، مش هرمون السعادة زي ما الناس فاكرة، ولكن هرمون التوقع، هرمون إنه لسه في حاجة جديدة هتتعرض لها وهتشوفها.

المشكلة بقى إن المخ لما بيتعود على الدوبامين السريع ده، أي حاجة بطيئة بتبقى حواليك تقيلة. أي سكون بتتعرض له بيبقى نقص. أي قاعدة مع النفس بتبقى شبه انسحاب. زي مثلاً واحد متعود إنه يشرب سكريات طول اليوم، أول ما بيبدأ يشرب ميه بيحس إنها مالهاش طعم، بيحس إنه محتاج يشرب سكريات تاني. وبالتالي السكون بالنسبة لك ما بقاش ليه طعم، بل أحياناً بقى مزعج. علشان كده أول لما تقفل الموبايل وتقعد لوحدك، مخك يبدأ يشتغل ويدور على الحاجة اللي تفرح، على الحاجة الجديدة. مش علشان ما فيش جديد، ولكن علشان عتبة التحفيز عندك علت جداً. وده بيفسر حاجة مهمة جداً: إنه ليه زمان الناس كانت تعرف تقعد بالساعات تفكر وتمشي وتقعد في الخلاء كده لوحدها، أو تبص من الشباك من غير ما تحس إنها بتموت من الملل. ده لأن مخهم ما كانش متشبع. دلوقتي إحنا عايشين في عالم كل ثانية فيه معمول علشان تسرق انتباهك. كل تطبيق معمول على الموبايل معمول علشان ما يسيبش عقلك ثانية واحدة بدون محفز. وبالتالي لما تقعد مع نفسك، مش بتبدأ من الصفر، انت بتبدأ من دماغ مرهق متعود على جرعات دوبامين بشكل مستمر. علشان كده أول دقيقة هدوء هتمر بيها هتحس بتوتر. ثاني دقيقة هتحس بالملل. ثالث دقيقة هتحس برغبة شديدة في الهروب من الوضع ده. وده مش دليل على إنه القاعدة وحشة، ولكن ده دليل على إنه مخك محتاج إعادة ضبط. ولكن هنا النقطة الخطيرة، إن الهروب السريع ده بيعلم مخك حاجة واحدة: إن السكون بالنسبة له بيساوي خطر، وإن الهدوء بالنسبة له حاجة لازم يهرب منها. ومع الوقت، ما بقاش السكون بس هو اللي بيضايقك، أي حاجة ما فيهاش إثارة فورية زي الكتابة، زي القراءة، زي الصلاة، زي التركيز، القاعدة الطويلة مع شخص واحد مثلاً، حتى التفكير العميق، كله بقى تقيل عليك، كله بقى محتاج مجهود علشان تعمله. وده إن مخك اتعود إنه يشتغل على سرعة عالية طول الوقت، 2x و 3x. وده أول سبب يخليك تهرب من القاعدة مع نفسك، لأن مخك مش متعود على كده.

في المحور الجاي هناخد الخطوة اللي بعدها، لأنه حتى لو الدوبامين اتظبط، في سبب تاني أخطر سبب بيخليك تهرب، حتى لو ما فيش موبايل ولا سوشيال ميديا ولا تشتيت بتتعرض له. السبب ده اسمه "الهروب من الشعور". في فرق كبير بين إنك تمل، وبين إنك تتوجع. الملل بسيط، الملل ممكن يعدي. ولكن اللي بيطلع عند ناس كتير أول ما بيهدوا مش ملل، ولكن قلق، إحساس بالضيق، بالخنقة، بحزن قديم ممكن يظهر، توتر مالوش اسم بدون سبب، إحساس إن في حاجة غلط بس مش عارف إيه هي. وده السبب الحقيقي اللي بيخليك ما تستحملش القاعدة مع نفسك شوية.

وخليني أسألك: ليه أول ما بتكون مشغول طول اليوم تحس إنك تمام ومنجز؟ وأول ما بتفضى شوية مزاجك بيبتدي يقل؟ ده بيحصل ليه؟ لأنه الانشغال نفسه اللي كنت فيه كان غطا أو ساتر على حاجة أعمق. مخك اتعلم مع الوقت إن أول ما إحساس تقيل يطلع، الحل مش إنك تحسه ولا تفهمه ولا تسميه، ولكن الحل إنك تسكته. فانت بتفتح حاجة، بتتكلم مع حد، بتاكل، بتشتغل زيادة، بتشغل فيديو في الخلفية، مش علشان تستمتع بيه ولا علشان تستفيد منه، ولكن علشان الهروب في حد ذاته. وده في علم النفس اسمه "تجنب داخلي". مش بتتجنب موقف، بتتجنب إحساس. والتجنب ده ذكي على المدى القصير، بيريحك بشكل فوري، ولكن خطير جداً على المدى الطويل. لأنه أي شعور ما بتحسوش في الحقيقة هو ما بيروحش منك، ولكن هو بيستخبى، بيتدفن، ويبدأ يطلع تاني في وقت تاني بطريقة تانية، ولكن بحدة أكتر. القلق اللي انت ما سمعتوش أو ما عشتوش هيطلع مستقبلاً في صورة أقوى. الحزن اللي انت ما اعترفتش بيه هيطلع مستقبلاً في صورة خمول أو كسل أو عصبية. الغضب اللي انت كبتته في وقت من الأوقات هيطلع على حد مالوش ذنب.

وعلشان كده ناس كتير لما تقعد مع نفسها بتحس إنها دخلت أوضة مقفولة، وكان الأوضة دي ما اتفتحتش بقى لها سنين. وده بيفسر حاجة مهمة جداً: إنه ليه في ناس تقدر تقعد لوحدها وتحس براحة، وناس تانية بتحس إنها مخنوقة ومش مستريحة. الفرق مش في القوة اللي عند الناس دول، ولكن الفرق في العلاقة مع المشاعر. في ناس اتعلمت من بدري إن الشعور لازم يتحس مش يتكبت. وفي ناس اتعلمت إنه أي شعور هو إحساس خطر أو إحساس ضعف، وبالتالي لازم يهرب منه. فالسكون بالنسبة لهم مش هدوء، ولكن السكون ده تهديد. ولو خدت بالك، ده سبب يخليك تهرب حتى لو انت قفلت الموبايل وبطلت سوشيال ميديا، حتى لو الدنيا هادية معاك وماشية من غير مشاكل. لأن المشكلة ساعتها مش في التشتيت نفسه، ولكن المشكلة في اللي التشتيت بيحاول إنه يغطيه.

في المحور الجاي هنتكلم عن سبب أعمق شوية بيخليك تهرب، حتى لو ما فيش شعور قوي تقيل جواك. سبب متعلق بطريقة التفكير عندك، وليه القاعدة ساعات بتتحول لفوضى في دماغك مش سكون. السبب ده اسمه "الدوامة الفكرية". خلينا نفرق بين حاجتين مهمين جداً: الهدوء والسكون، أو السكوت. في ناس أول ما بتسكت دماغها بيبدأ يهدى. وفي ناس أول ما بتسكت دماغها بيبدأ يشتغل بشكل عنيف جداً. يمكن تكون من النوع التاني. تقعد لوحدك من غير موبايل ومن غير دوشة حواليك، وفجأة تلاقي دماغك فتح كل الملفات دي مرة واحدة: موقف من خمس سنين فات، كلمة اتقالت وضايقتك في موقف معين، خوف من بكرة، سيناريوهات مالهاش آخر، جلد ذات: "ليه عملت كذا؟ ليه ما عملتش؟ ليه ضيعت الفرصة الفلانية؟" في الحالة دي، القاعدة مع نفسك مش بتبقى على سبيل الراحة، القاعدة بتبقى إرهاق عقلي. وده بيخليك تكره السكون، مش لأنه انت ما بتعملش حاجة، ولكن العكس تماماً، لأن الدنيا زحمة في دماغك زيادة عن اللزوم.

اللي بيحصل هنا إنه دماغك مش متعود يختار فكرة واحدة ويقعد معاها بهدوء. إحنا متدربين على التنقل بين الأفكار وبين المقاطع، التقليب السريع، السرعة. وبالتالي أول ما التشتيت الخارجي ده بيختفي، التشتيت الداخلي هو اللي بيتولى الدفة. وده مش معناه إنك بتفكر كتير علشان ذكي، ولا علشان وعيك زيادة. أحياناً التفكير الكتير ده بيبقى علامة على إنك مش عارف تدير التفكير ده، مش عارف توقفه. في علم النفس في فرق بين التفكير وبين الاجترار. التفكير بيوصل لنتيجة، ولكن الاجترار ده بيخليك تلف في دايرة مغلقة. والقاعدة مع النفس عند ناس كتير بتقلب بالاجترار ده، مش مجرد التأمل. علشان كده بعد خمس دقايق بتحس إنك تعبت أكتر مما كنت مشغول. وبالتالي مخك بيتعلم إن القاعدة مع نفسك بتساوي تعب، وإنه السكوت اللي بتتعرض له زحمة أفكار. وطبعاً تجري تدور على حاجة تعملها. وده سبب بيخليك تفتح أي حاجة، حتى لو انت مش مستمتع، بس علشان توقف الصوت اللي جواك.

الغريب بقى إنه ناس كتير فاكرة إن الحل إنها ما تقعدش مع نفسها، أو إنها تبقى دايماً مشغولة. ولكن الحقيقة إن الهروب ده بيزود المشكلة. لأنه دماغك عمره ما اتعلم إزاي يقعد ويبطئ الأفكار دي ويعيش الشعور، زي عضلة بالظبط عمرها ما اتدربت، وبعدين فجأة طلبت منها إنها تشيل وزن كبير. طبيعي إن العضلة تتعب. وبالتالي انت مش بتهرب علشان القاعدة اللي بتقعدها مع نفسك دي وحشة، انت بتهرب علشان دماغك مش متربي على الهدوء ده.

والسبب الجاي هندخل منطقة أخطر شوية، لأنه في نوع من القاعدة دي، حتى لو دماغك هادي، بيطلع أسئلة تخوف أي حد. أسئلة مش عن يومك ماشية إزاي، ولا عن شغلك، ولكن أسئلة وجودية عن حياتك نفسها. في مرحلة معينة، القاعدة مع النفس ما بتطلعش قلق، ولا بتطلع زحمة أفكار، ولا حتى بتطلع مشاعر تقيلة مدفونة، ولكن بتطلع أسئلة. يمكن دي أخطر حاجة ممكن تتعرض لها لو قعدت لوحدك. أسئلة من النوع اللي ما تقدرش تهرب منها، زي مثلاً: "أنا رايح فين؟ أنا عايش ليه بالطريقة دي؟ هو اللي أنا بعمله ده اختيار ولا تعود؟ هو أنا مبسوط فعلاً ولا أنا متعود؟ ولو كملت خمس سنين ولا 10 سنين جاية بنفس الطريقة، هل أنا هبقى راضي؟"

الأسئلة دي مش بتظهر وانت مشغول، ولكن بتظهر لما الدنيا تهدى حواليك، لما الصوت يبدأ يقل، لما ما فيش حاجة تقدر تشد انتباهك من بره. وعلشان كده ناس كتير بتكره السكون، لأن السكون ده مش بيجمل الحقائق، مش بيزوقها، مش بيكذب، ولكن بيحطك قدام نفسك زي ما هي. وده مرعب شوية لكثير من الناس. خلينا نكون صريحين، مش كل واحد جاهز إنه يبص على حياته من زاوية فوقية كده ويقول: "أنا راضي". ومش كل واحد مستعد إنه يواجه فكرة إن في اختيارات اتعملت بدافع الخوف مش الرغبة، أو إنه في حلم أو فرصة اتسابت مش لأنها كانت مستحيلة، ولكن لأنها كانت محتاجة شجاعة منك في يوم من الأيام. وبالتالي انت بتزود الضوضاء من حواليك علشان الأسئلة دي تبدأ تسكت، تملى يومك، تملى وقتك، تملى دماغك بأفكار مش مفيدة، لمجرد إنك ما تسمعش الأسئلة دي. وده مش ضعف، ده شيء إنساني جداً، كلنا بنتعرض له. ولكن المشكلة إن السؤال اللي ماتسألش ما بيموتش، بيفضل موجود زي تنبيه كده في وضع الـ snooze، مسيره إنه يرن من تاني في لحظة تعب، في لحظة هدوء غصب عنك.

وعلشان كده في ناس أول ما بتهدا بتحس بضيق مش مفهوم، وقلق مش واضح، وحزن من حاجة مش قادرة إنها تحددها، بس حاسة إن في حاجة غلط. ده غالباً البوصلة بتاعتك بتحاول تقول لك إنه في حاجة محتاجة إعادة نظر في حياتك. لكن طول ما كنت بتهرب فترة من الفترات، البوصلة دي بتفضل تلف من غير ما توصل لهدف محدد.

في المحور الجاي هنعرف إنه كمان في حاجات مدفونة مخك بيحاول يحميك منها بطريقة ممكن تكون مريحة بشكل سطحي، ولكن مؤذية على المدى الطويل. مش كل هروب سببه خوف. أحياناً بيبقى سببه حماية. في حاجات جواك مخك شايف إنها لو طلعت مرة واحدة هتوجعك زيادة عن اللزوم. ذكريات مؤلمة مثلاً، تجارب فشل، إحساس رفض، نقد ذاتي قاسي، أو حتى صورة قديمة عن نفسك مش حابب إنك تشوفها في الوقت الحالي. وبالتالي مخك بيقفل الباب ده، بيحاول يشغلك، يشتتك، بيخليك دايماً في حالة حركة، بس علشان يحميك. وده في علم النفس اسمه "الدفاعات النفسية". زي واحد حاطط صندوق تقيل كده في أوضة، وكل ما تحاول تقرب منه، ينور لك التلفزيون مثلاً، أو الموبايل يرن، أو تفتكر شغل وراك، بس علشان ما تفتحش الصندوق ده.

فاول ما تقعد مع نفسك وتقرب من الصندوق ده، مخك يبدأ يقول: "لأ، لأ، مش دلوقتي". يبدأ يبعت إشارات ملل، توتر فجائي، رغبة ملحة في الحركة، أفكار ما لهاش علاقة ببعض. دي طريقة مقاومة. علشان كده في ناس لما تقعد مع نفسها بتحس إن في خانقة مش عارفة سببها إيه، حتى لو ما فيش حاجة واضحة، مش عارفة تقول إيه اللي مضايقها، بس حاسة إن القاعدة دي مش أمان بالنسبة لهم. وده بيخليهم يهربوا، لأن المخ شايف إن لسه مش جاهز إن الحاجات دي تظهر.

المشكلة بقى إن الحماية دي لو فضلت شغالة طول الوقت، تتحول لسجن. لأن الوجع اللي ماتفتحش، ماتعالجش، بيفضل جوه وبيطلع في صور تانية، زي عصبية زيادة عن اللزوم، توتر دائم، فراغ، علاقات في حياتك مش مستقرة، أو حتى إحساس إنك تايه، رغم إنه حياتك كلها شكلها من بره تمام. فانت تفضل إنك تكون مشغول ومش فاهم ليه مش مرتاح، عن إنك تقعد مع نفسك. وده أخطر أنواع الهروب. الهروب اللي شكله مبرر وطبيعي ومقبول اجتماعياً، زي شغل بتقوم بيه، زي مسؤوليات، زي التزامات في حياتك، وتقول دايماً لنفسك: "أنا بس مضغوط دلوقتي".

لكن كل ده وانت عارف إنك محتاج تقعد مع نفسك، ولكن خايف. في ناس لو سألتهم: "انت مين؟" أو "بتعرف نفسك إزاي؟" بيقول لك: "أنا شغلي كذا، أنا مشغول في كذا، أنا شغال على بروجكت معين، أنا دايماً متحرك وإنسان نشيط." وده لأنهم ما جربوش إنهم يكونوا غير كده. الأدوار بتاعتهم محصورة في الحاجة دي. وفي الحالة دي، الانشغال ما بقاش وسيلة، الانشغال نفسه بقى تعريف شخصي ليهم، تعريف للذات مرتبط بقيمتهم الشخصية والذاتية، ودليل على إنهم أصلاً موجودين. فاول ما تقعد مع نفسك من غير شغل، من غير موبايل، من غير حد حواليك، بتحس إن في حاجة مش مظبوطة، بتحس إنك مش مهم، مش مؤثر، سر مش معروف. وده لأنه هويتك مرتبطة بحاجات خارجية.

وده بيخلي الوحدة تهديد. في حالة إن قيمتك بتيجي من الإنجاز، أو جاية من رد فعل الناس حواليك، أو قيمتك جاية من إنك لازم تكون دايماً نافع للي حواليك، هنا الراحة بتخليك بتحس بالذنب. علشان كده ناس كتير لما تاخد إجازة بتحس بتوتر كبير جداً، أكتر من يوم شغلهم العادي. مش عارفين يقعدوا مع نفسهم، مش عارفين يستمتعوا مع أهلهم، مش عارفين يكونوا هم بس من غير شغل أو من غير سعي. لأنه ما فيش تعريف جاهز لذواتهم من غير الدور اللي هم بيعملوه. وده مش خطاك، دي ثقافة عامة، ثقافة إحنا كلنا اتربينا عليها. ثقافة بتمجد الانشغال، وبتخلي قعدتك من غير ما تعمل حاجة كسل، وبتخليك كمان تبرر إحساسك بالراحة. انت هتاخد إجازة علشان مثلاً عيان، أو علشان تعمل المشوار الفلاني، مش مجرد إنك محتاج إنك تحس بالراحة. وبالتالي انت كبرت وانت بتتعلم إنك لازم تكون دايماً بتعمل حاجة علشان تستاهل تقدير من اللي حواليك.

لما تيجي تقعد مع نفسك بتحس تأنيب ضمير، حتى لو ما فيش سبب لده، حتى لو انت قايم بكل الأدوار. وده آخر سبب بيخليك تهرب، مش خوف، ولكن فقدان لتعريف الذات.

ولو بصيت على الست أسباب اللي إحنا قلناهم، هنكتشف حاجة مهمة جداً: انت مش واحد منهم، انت غالباً كلهم. كل الأسباب دي بنسب مختلفة. مرة علشان تحس بدوبامين، مرة علشان مشاعر مدفونة، مرة علشان دوامة التفكير، مرة علشان أسئلة وجودية، مرة علشان وجع قديم، ومرة لأنه هويتك ارتبطت بالإنجاز.

وعلشان كده الحل عمره ما كان إنك تقفل الموبايل، ولا إنك تقعد مع نفسك غصب عنك وتلزمها بأنك تقعد لوحدك. الحل بيبدأ بفهم إن الهروب ده ليه منطق، ولكن المنطق ده محتاج يتفكك. وبالتالي في الآخر مش هديك روشتة ولا تحدي 30 يوم. هسيبك بحاجة واحدة بس: لو فهمتها هتغير علاقتك بنفسك بهدوء.

يمكن القاعدة مع نفسك مش المشكلة، يمكن هي البداية. لو وصلت لهنا، فخليني أقول لك حاجة مهم إنك تقتنع بيها، وهي إنك مش غريب، ومش ضعيف، ومش لوحدك. الهروب اللي بتعمله ده مش عيب، ولا فشل، ولا علامة إنه فيك حاجة غلط مكسورة. مش دايماً كده. الهروب ده لغة. لغة بتقول لك إنه في حاجة جواك محتاجة تتشاف، ولكن مش بالطريقة دي، مش بالهروب. المشكلة مش إنك بتهرب، المشكلة إنك فاكر إن الهروب ده هو الحل الوحيد علشان تتجنب الأسباب اللي إحنا قلناها دي.

الحل مش إنك تكبر نفسك إنك تقعد مع نفسك، ولا إنك تبقى فجأة إنسان متأمل، ولا إنك تعيش من غير موبايل، ولا إنك تعادي الدوبامين. الحل أبسط من كده بكتير. الحل إنك تغير علاقتك بإحساس السكون. إنك ما تشوفش القاعدة مع نفسك من غير ما تعمل حاجة كعقاب، ولا اختبار، ولا كجلسة محاكمة لنفسك، ولكن تشوفها كمساحة. مساحة تسمع فيها نفسك من غير ما تحكم، ومن غير ما تحاول تصلح دايماً، وبرضه من غير ما تهرب. مش مطلوب منك إنك تجاوب على كل الأسئلة دي، ولا تحل كل الوجع في قاعدة واحدة. مطلوب منك بس إنك تسيب لنفسك فرصة إنك تتكلم وتتسمع.

يمكن في الأول اللي يطلع يبقى شيء فوضوي، متلخبط، أو مجرد إحساس بالضيق أو بالفراغ. وده طبيعي، زي ما قلنا، كان في أوضة مقفولة بقى لها سنين. أول ما هتفتحها التراب ممكن يطلع فجأة يضايقك. ولكن بعد شوية هتلاقي الهوا بيدخل وبيتجدد. والهدوء اللي كنت فاكره تهديد، بيبدأ يتحول عندك لمساحة أمان. مش لأن كل حاجة اتحلت، ولكن لأنك بقيت حاضر مع نفسك، مش بتهرب منها.

جرب حاجة واحدة بس، من غير تحديات ولا وعود كبيرة مع نفسك. كل يوم اقعد 10 دقايق بس، من غير موبايل، من غير موسيقى، من غير هدف حتى. اقعد. ولو حسيت إنك عايز تهرب، لاحظ الإحساس. ما تحاربوش ولا تهرب منه. اسأل نفسك: "أنا عايز أهرب من إيه دلوقتي؟" واسمع نفسك كويس. وصدقني، أكتر حاجة بتوجع مش اللي بيطلع في القاعدة دي، ولكن اللي بيفضل مستخبي جواك وبتحاول تهرب منه.

لو الحلقة دي لمستك، شاركها مع حد بتحس إنه دايماً مشغول ولكنه في نفس الوقت مش مرتاح. يمكن ما يكونش محتاج نصيحة مباشرة، ولكنه محتاج يفهم زيك بالظبط. وافتكر دايماً إن القاعدة مع نفسك مش نهاية الطريق، ولكن القاعدة دي فرصة إنك تبقى ماشي في طريقك عادي وانت سامع نفسك.

كنت معاكم أحمد عبد الديم من "أفيدونا". أشوفكم على خير إن شاء الله الحلقة الجاية. وطبعاً ما تنسوش تشتركوا في القناة وتدعموا الفيديو بلايك علشان يوصل لناس أكتر ونستفيد كلنا بإذن الله. شكراً لكم، سلام عليكم.