Transcription
[موسيقى] بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. الإخوة الكرام، طابت أوقاتكم بكل خير، وأهلًا وسهلًا بكم مجددًا في هذا التسلسل.
في الحلقات السابقة، وبعد أن تطرقنا لمفهوم المشيئة والإرادة، والعلاقة بينهما، وكيف يشكلان حرية الفرد في التفاعل في محيط الواقع، ثم دلفنا إلى مفهوم الشيئية، وقلنا إنها متعلقة بالموجودات المحكومة بأنظمة السنن الكونية. وحتى لا يكون الكلام مجرد استرسال أو دعاوى فارغة، وكما قيل: إن الدعاوى إن لم تقام عليها البينات، فأبناؤها ادعياء. الآن ندخل سويًا إلى مناقشة الآيات التي تكررت، تكرر فيها فعل المشيئة بتفرعاته ومشتقاته: المشيئة والإرادة.
وأقول لكم: لا يمكن الإحاطة بهذه الآيات كلها، لأنها تمثل ١٥٪ من مساحة النص القرآني. وهنالك مقولة، أو تذكرت في هذه اللحظة مقولة للراحل الدكتور محمد شحرور، ذكر أن الآيات التي ترددت فيها الفعل "جاء" و"أتى" أكثر من ١٣٪ من مساحة النص القرآني. وأنا أقول كذلك: آيات المشيئة والإرادة بتفرعاتها تزيد عن هذه النسبة. وأما الآيات التي ذكر فيها بني إسرائيل، بني إسرائيل، وموسى، وفرعون، وأهل الكتاب، والذين أوتوا الكتاب، والذين أوتوا الكتاب من قبلكم، والذين أوتوا نصيبًا من الكتاب، واليهود، والنصارى، والذين قالوا إنهم نصارى، هذه التفرعات اللفظية تمثل ٢٥٪ من مساحة النص القرآني. يعني باختصار شديد، لو أنت قدرت تفرق بين مفهوم "جاء" و"أتى"، ومفهوم المشيئة والإرادة، والفرق ما بين مفهوم أهل الكتاب، والذين أوتوا الكتاب، والذين أوتوا نصيبًا من الكتاب، إلى آخر الآيات، أنت بكده هتكون خمسين في المئة من مساحة النص القرآني أصبح مفهومًا بالنسبة لك. إذًا، المسألة بترتكز في الأساس على المفاهيم.
ندخل الآن إلى الآيات والتفرعات التي ذكرت فيها المشيئة، ونبدأ بـ "من يشاء". الآن سأتلو عليكم بعض الآيات التي ذكرت فيها العبارة "من يشاء": سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها. قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. هنا المشيئة، مشيئة من؟ الذي يشاء هو العبد الذي يبتغي الصراط المستقيم، ويفعل الأسباب، ويفقده ذلك في الواقع؟ أم أن المشيئة هنا مشيئة الله، وإنما تقوم على الهوى والمزاج؟ ما وصلنا للمفهوم يا جماعة المتبادل لكثير جدًّا من المسلمين، لمن يجد مثل هذه الآيات: قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، يتخيلون أن مسألة الهداية من الله سبحانه وتعالى مثلًا مزاجية، أو خط عشوائي، أو شيء نفسي. يعني باختصار شديد: الله يهدي اللي عاوز يهديه، واللي ما عاوز يهديه، روحه ٦٠ ألف داهية. انتبهوا جيدًا، أنا الآن سأسترسل لكم في كثير من الآيات التي وردت فيها كلمة "من يشاء": سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها. قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وفي آية النسخ: ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم، والله يختص برحمته من يشاء. والله يختص برحمته، لاحظوا في كلمة "يختص برحمته من يشاء"، من هو فاعل المشيئة هنا؟ هل العبد يفعل المشيئة ليحظى بالاختصاص الإلهي بالرحمة؟ أم أن الله يختص اللي حاب يختصه؟
آيات الرزق: والله يرزق من يشاء بغير حساب. هل الرزق مسألة توزيع الرزق عند الله سبحانه وتعالى مزاجية؟ عاوز أحرم وما عاوز أحرم ده. وهنا تذكرني قصة في، في تقريبًا، القصة في السبعينات، وحكاها خالي. كان دفعة لواحد يعني من الزمن ده، كانت عنده أفكار يعني كان متقدم عليه، دفعة ببعض الأفكار. وفي مرة من المرات، هم يسكنون بالداخلية، وطبعًا كانت الداخلية جوع، فأحد الكرماء من القرية قام جاب لهم بلح، أحضر بلح، وجد الطالب قال له: يا أخي امشي البلح ده، أديهم الطلبة اللي هو القرية لهم، هل فيها الداخلية بتاعت المدارس؟ المهم، صادف الطالب اللي أعطاه البلح هو صاحب الأفكار، فجلد، فجاء للطلبة وقال لهم: أوزع لكم بتوزيعي أنا، دايرين بتوزيع الله؟ قال لهم: أقسم لكم أنا تقسيمي أنا، ولا دايرين تقسيم الله؟ طبعًا الناس بفعل العاطفة، الله هو العادي، قالوا له: تقسيم ربنا. فقامت ده واحد تمرتين، وادي ثاني تمرة واحدة، واللي بعديه ونطاوه خالص، ما في حاجة، واللي بعديهم ولا يده خمسين تمرة، واللي بعديهم وكذا، يعني كان تقسيم عشوائي جدًّا. فقالوا له: تقسيم الله؟ قال لهم: انظر للناس، في فلان تاجر، وفلان ما عنده ولا مليم، وفلان عنده حبة، ده تقسيم ربنا كذا. فده فهمه، وأنا أقول معظم الفهم بهذه الطريقة في آيات الرزق: والله يرزق من يشاء بغير حساب. لمن هذه المشيئة؟ يؤتي الحكمة من يشاء، ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا. من صاحب المشيئة؟ مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل، في كل سنبلة مئة حبة، والله يضاعف لمن يشاء. لمن المشيئة؟ ليس عليك هدايهم. دخلنا في ماذا نقول المشاكل، لكن دخلنا إلى عمق الآيات الخطيرة: ليس عليك هدايهم، ولكن الله يهدي من يشاء. وما تنفق من خير فلأنفسكم. لمن مشيئة الهداية هنا؟ وإن تبدوا ما في أنفسكم، في أنفسكم، في خواتم البقرة: لله، ولله ما في السماوات وما في الأرض، وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله، فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء. أهو الله يغفر اللي عاوز يغفر له ويعذب اللي عاوز يعذبه؟ والله كيف أفهم هذه الآيات التي وردت فيها عبارة "من يشاء"؟ انتبهوا: حيثما تجد عبارة "من يشاء"، عندما يسبق الفعل "يشاء" بـ "من"، هنا المشيئة مشيئتان: مشيئة إطلاقية لله، ومشيئة العبد، ولكن التحقق في أرض الواقع قائم على سعي العبد. حيثما تجد كلمة "من يشاء" في القرآن، انتبهوا، فاعلم أن المشيئة الكلية هنا، كما ذكرنا في الآيات السابقة، وما تشاؤون إلا أن يشاء الله. أنت لا تستطيع أن تحقق مشيئة بناءً على الأسباب والمسببات في الواقع إلا ضمن منظومة السنن والقوانين الإلهية الكونية. لكن تفعيل المشيئة في كل الآيات التي وردت "من يشاء" هو التفعيل يأتي من العبد، وليس الموضوع اختياري من الله سبحانه وتعالى. يعني عندما يقول: والله يهدي من يشاء، من هذا المن؟ هو الذي يفعل أسباب الهداية فتتحقق له. وعندما يقول: يختص برحمته من يشاء، أنت الذي تفعل أسباب الرحمة فيختصك الله بها. وعندما يقول: يرزق من يشاء بغير حساب، ما معنى بغير حساب؟ خارج حساباتك، خارج حساباتك. يأتي هنا دور التوفيق، ما هو ربنا يوفقك للأسباب الموضوعية لكي تنال هذا الرزق الذي لم يكن في حساباتك يا جماعة، في حساباتك. مش معناها إلا تكون اشتغلته، أو مش معناها أنت ما اشتغلته، لا، خارج إطار حساباتك. كيف يعني؟ مثلًا في اللحظة المعينة أنت طلعت من بيتك، صادفت مع شخص، هذا الشخص ذكر لك أنه مصنع، زورني في المصنع، مشيت المصنع، عينت مدير، بعد شوية جاتك بعثة، طلعت برة، هناك طلبت إقامة، وجدت إقامة، افتتحت الشركة. براك اللحظة اللي أخرجتك من بيتك في الدقيقة وفي الزمان المناسب لتلتقي بذلك الشخص الذي كان سببًا في أنك ترزق، وتتحول إلى مالك للشركات، هنا يأتي التوفيق، ودور الله سبحانه وتعالى في ترتيب الأسباب. يعني ربنا ما بيرزقك لذلك. آيات الرزق لم تأتِ في القرآن إطلاقًا بالإرادة، وهذا ما سنتطرق له. مستحيل تلقى الله يرزقه من يريد. لو ربنا قال: الله يرزق من يريد، أنا بقعد كده ده، وإنشاء رغبة وقصد، والتوجه في استجابة الرزق، متجهين الفلوس قاعدة هنا الدولارات، لكن لا، الرزق كله محكوم بالمشيئة. إذًا، أختم القول: حيثما تجد "من يشاء"، فانتبه أن المشيئة الإطلاقية هنا مشيئة الله. يعني ممكن الموضوع يكون مشيئة الله، ولكن تفعيل المجيء هنا دائمًا يكون من العبد المخاطب بالآيات.
ألتقي بكم في الحلقة القادمة لمواصلة سرد الآيات والتفرعات التي جاءت حول مفهوم المشيئة، إلى أن ألتقيكم. أترككم في حفظ الله ورعايته، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. [موسيقى]