Transcription
إذا أستاذي الفاضل، اليوم نتحدث عن المصادر الرسمية للقانون وعلاقتها بالشريعة الإسلامية. ماذا نعني بالمصادر الرسمية للقانون؟
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله واله وصحبه ومن والاه. في الحلقة السابقة تحدثنا عن المصادر المادية للقانون، ونعني بها تلك المادة التي تؤخذ منها القوانين وتصاغ منها القوانين وتستمد منها. أما الآن فنتحدث عن المصادر الرسمية، ونعني بها ما يعتبر قانوناً مطبقاً مباشرة، يطبق على علاقات الناس بشكل مباشر، وهو ما نسميه بالمصادر الرسمية.
وهذه المصادر الرسمية هي كثيرة، لكن أهم مصدر من هذه المصادر هو التشريع، وما يسمى بالتشريع. والمقصود بالتشريع هو ذلك النص المكتوب الصادر عن الجهة المختصة، والذي يحدد ذلك هو الدستور. لأن الدستور، مثلاً دستور المملكة المغربية، ينص على اختصاصات الاختصاصات المتعلقة بالتشريع. ما هي الجهة الموكول إليها التشريع؟ سواء تعلق الأمر بالبرلمان في مجاله، أو الحكومة في مجالها، أو جلالة الملك في بعض المجالات. فالجهة الرئيسية لإصدار هذه التشريعات هو البرلمان، الذي تصدر عنه التشريعات وفق مساطر معينة، ابتداءً من تقديم مقترح القانون أو مشروع مقترح القانون من طرف البرلمانيين أنفسهم، أو مشروع القانون الذي تقدمه الحكومة من طرف الوزارات أو القطاعات الوصية المعنية، ثم مروراً بالمصادقة، بالمناقشة، ثم المصادقة، ثم النشر. فهذا هذا المسطرة وهذا من القوانين، أي القانون المكتوب أو ما نسميه بالتشريع، هذا هو الأصل، وهذا هو الغالب على القوانين المعاصرة.
وهناك أيضاً بعض الجوانب من التشريع يصدر عن الحكومة في بعض الحالات الاستثنائية، كما هو الشأن بالنسبة للحالات التي يكون فيها البرلمان متوقفاً في عطلته، ما بين الدورتين كما يقال. ففي هذه الحالة يمكن للحكومة أن تصدر بعض بعض التشريعات. وكذلك جلالة الملك له مجال في تشريع، سيما ما يتعلق بالجانب الديني، باعتبار جلالة الملك بصفته أمير المؤمنين. فهناك مجموعة من القوانين التي لها علاقة مباشرة بالشان الديني تصدر عن جلالة الملك مباشرة. إذاً، هذا هو الجانب الأول، ويحدده الدستور.
ولكن هناك جوانب أخرى في في من المصادر الرسمية للتشريع، مثلاً الشريعة الإسلامية. ويمكن أن نعطي أمثلة على ذلك، مثلاً من مدونة الحقوق العينية ومن مدونة الأسرة. فالما الأولى من مدونة الحقوق العينية تنص على أن هذا القانون، أي مدونة الحقوق العينية، تطبق على العقارات وعلى المعاملات العقارية التي لم ينص قانون خاص على عليها. بمعنى أنه إذا كان هناك قانون خاص ينطبق على معاملات عقارية معينة، مثل مثلاً الأوقاف، مثل الأملاك الدولة العامة وأملاك الدولة الخاصة والعقارات في طور الإنجاز إلى غير ذلك، لها قوانين تؤطرها. ولكن إذا لم يكن هناك قانون خاص، فإن القانون المطبق في المجال العقاري هو مدونة الحقوق العينية.
لكن ماذا لو وجدنا فراغاً في مدونة الحقوق العينية؟ تنص المادة الأولى على أنه يرجع في ذلك إلى قانون الالتزامات والعقود. فإذا لم نجد في قانون الالتزامات والعقود، نرجع إلى الشريعة الإسلامية وإلى الفقه المالكي، عملاً بقاعدة ما جرى به العمل والمشهور والراجح وما جرى به العمل. فهنا نجد أن مدونة الحقوق العينية تحيل على الفقه الإسلامي باعتباره مصدراً رسمياً للتشريع. أيضاً، إذا ما ذهبنا إلى مدونة الأسرة، نجد المادة 400 تتحدث عن أنه إذا لم يوجد نص، إذا إذا وجد فراغ في مدونة الأسرة، فإنه يرجع إلى الفقه المالكي، والذي يراعي المصلحة والعدل والمساواة إلى آخره. فتحيل المادة 400 على الفقه المالكي باعتباره مصدراً رسمياً، أي أن القاضي يعتمد عليه ويطبقه مباشرة، وليس مصدراً مادياً. وهكذا نجد هذا التكامل بين التشريع المكتوب وكذلك الشريعة الإسلامية.
وينضاف إلى ذلك مثلاً العرف، باعتبار العرف هو من أهم القوانين، من أهم من أهم القوانين السائدة الذي ينطبق في حالة وجوده، وحالة عدم معارضته للتشريع. ولذلك نجد مجموعة من القوانين تحيلنا على العرف في تحديد بعض الأمور التي هي في مقام المسكوت عنه. فمثلاً عند التنازع بين الرجل والمرأة مثلاً في أمتعة البيت أو كذا، فنقول ما يجري به العرف أنه للمرأة فهو للمرأة، وما يجري به العرف أنه للرجل فهو هنا اختلاف ما بين المناطق. أستاذي الفاضل، يعني ما بين منطقة ومنطقة في مسألة الأعراف. نعم، هذه من الفروق بين التشريع المكتوب والتشريع والقانون العرفي وما يجري به العمل وما وما هو من قبيل الأعراف، لأن الأعراف قد تختلف من مكان إلى مكان، في حين أن التشريع هو في الغالب يكون يسوي بين المناطق وينطبق على البلد ككل. هذه من الفروق.
ومما يدل على ذلك في التشريع الإسلامي وفي فقهنا المالكي على الخصوص، أننا نأخذ بما جرى به العمل. هذا زائد على العرف، لأن العرف هو ما ذاب عليه الناس، ولكن ما جرى به العمل هو ما جرى به العمل عند القضاة. فنجد مثلاً بعض الكتب تتحدث عن العمل الفاسي والعمل الرباطي والعمل السوسي. فهنا لا شك أنه يختلف بين بلد وبلد. فلربما يجري العرف بفاس مخالفاً لما يجري به العمل في سوس. ولهذا نجد أن بعض الأحكام الفقهية تستمد مرجعيتها من هذه الأعراف. فناخذ مثلاً ما نسميه بحق الكد والسعاية، الذي أقرته المادة 49 من مدونة الأسرة. حق الكد والسعاية نجد له أساساً واضحاً في الأعراف وفي ما جرى به العمل، وذلك أن المرأة مثلاً كانت تخدم مع زوجها في الحقول وفي الفلاحة وغير ذلك وتسهم في تنمية ماله، ولكن لا تأخذ عن ذلك أي أجر. فافت العلماء كابن عرضون وكذلك علماء سوس بأن للمرأة حقاً في ذلك المال بقدر مساهمتها في تنميته. وهذه القاعدة هي قاعدة عرفية، وذلك مصدر من مصادر التشريع كما تعلمون. نعم.
تفضلتم أستاذي، يعني في إشارة مهمة على أن الش أن للشريعة الإسلامية دور مهم كمصدر رسمي للقانون في الدول التي تتبنى النظم القانونية الوضعية. وبعبارة أخرى، ذلك التفاعل ما بين النظام القانوني الرسمي مع أحكام الشريعة الإسلامية. هنا أستاذي الفاضل، قبل أن نتحدث عن كيف يتم تحديد القوانين الرسمية في الدولة، أود ما دمنا تكلمنا عن هذا التكامل ما بين الدين والقانون خدمة للأفراد والمجتمعات، أن نتحدث عن كيف يمكن تفسير النصوص الشرعية، يعني وتطبيق هذه النصوص على القضايا والمستجدات في السياق المعاصر. يعني وما دور الاجتهاد الشرعي والقانوني في هذا السياق؟
هو القانون طبعاً، الأصل هو أن يكون القانون شاملاً ومستحضرات التي يمكن أن تحدث. وبالتالي فمن ضوابط القاعدة القانونية وصياغتها القانونية القدرة على التوقع، القدرة على التوقع ما قد يحدث. أولاً، وثانياً، الوضوح، بأن تكون واضحة. لكن هذا التوقع وهذا الوضوح قد لا يكون متوفراً في في صياغة القاعدة، مما يجعل من الضروري العودة إلى تفسيرها وإلى تكميل ما نقص فيها.
فأولاً، تكون هناك قواعد قانونية ناقصة، لأن أن يكون هناك فراغ قانوني، نظراً لأنه كما أشرنا إلى ذلك، الواقع يتجدد وهو يسبق القانون. فيحدث للقاضي أن تعرض عليه نازلة لا يجد لها نصاً صريحاً وواضحاً في القواعد القانونية. ولكن القاضي، القاضي ليس من حقه أن يقول: لا أعرف، أو هذه المسألة ليست في القانون. سيما في المجال المدني. نعم، هذا في المجال الجنائي. نعم، لأن تحكمه قاعدة شرعية: الجرائم والعقوبات. وبالتالي إذا ما عرض على القاضي مثلاً فعل ما يعتبر الناس مخالفاً للقواعد الاجتماعية، فالأصل هو البراءة، فيطبق قاعدة البراءة، لأنه تحكمه قاعدة: لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص. ولكن في المجال المدني، ينبغي للقاضي أن يفصل، ولا يجوز له أن يقول: لا أعرف، أو هذا غير موجود. بمعنى أنه ينبغي أن يجتهد. الاجتهاد في سد الفراغ، الفراغ إذا كان القانون غير موجود، أو الاجتهاد في بيان وتفسير النص الغامض. فهناك بعض النصوص تكون في بعض الأحيان غامضة، ويعتمد القاضي على مجموعة من الضوابط من أجل تفسيرها. هذه الضوابط هي ضوابط أصول الفقه، وضوابط لأن القانون مصاغ باللغة العربية، والقواعد اللغة العربية التي هي جزء مهم من محاور علم أصول الفقه هي الوسيلة لتفسير تلك القاعدة، من قبيل العام والخاص، وأن الخاص يقدم على العام، والمطلق والمقيد، وغير ذلك من القواعد المعروفة.
فمثلاً، إذا أردنا أن نعطي بعض الأمثلة على ذلك، مثلاً مدونة الأسرة تنص على أن المرأة في مرحلة الطلاق لها حقوق تترتب عن الطلاق، حقوق حقوق مالية، أولها الصداق إذا كان كما يقال ما زال مؤجلاً، الصداق، وكذلك نفقة العدة، وكذلك المتعة. فنجد هذا في الطلاق بشكل عام. ولكن حينما نذهب إلى التطليق، تطليق للشقاق، نجده يتحدث عن نفس الحقوق. ولكن القضاء المغربي ومحكمة النقض على الخصوص أعطت تفسيراً لهذه المواد التي تحيل على المادة 33 و 84 التي تتحدث عن هذه الحقوق الثلاثة التي هي الصداق، وال ونفقة العدة، وكذلك المتعة. ولكن أعطت تفسيراً بأن المتعة لا تستحقها المرأة في هذه الحالة. ولعل القضاة رأوا في ذلك أن المرأة هي المبادرة للتطليق، وينبغي أن لا نمنع بحقوق مالية، ربما تشجع النساء على المطالبة بالتطليق. وأن الرجل إذا كان هو المبادر للتطليق يعطي المتعة، وإذا كانت المرأة هي المبادرة لطلب التطليق لا تستفيد من المتعة. هذا نموذج. وهناك نماذج أخرى يكون فيها يعني تفسير النص القانوني أو أو سد الفراغ في القاعدة القانونية. وهذ الأمور هي موكلة للقضاء، لأن القضاء له ضوابط وقواعد للاجتهاد. نعم.
أستاذي الفاضل، وهنا سوف نختم هذه الحلقة بسؤال يعني بالغ الأهمية، هو كيف يمكن توعية المجتمع بأهمية الشريعة ودورها في تنظيم الحياة الاجتماعية، وكيف يمكن تجاوز ربما بعض المفاهيم الخاطئة؟
صحيح، هناك الكثير من المفاهيم الخاطئة التي تقصر الشريعة الإسلامية على الجانب التعبدي، وأن المسلم حينما يؤدي الصلاة والزكاة والصيام والحج يعتبر نفسه قد وفى بالشريعة الإسلامية وبالدين الإسلامي، ولكنه يغفل على جانب أهم وهو جانب المعاملات. فالله عز وجل يقول: "إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات". فالعمل الصالح هو مفهوم عام يشمل جانب التعبد ويشمل جانب المعاملات، بل إن التعبد نفسه ينبغي أن نربطه بثمرات على مستوى السلوك وعلى مستوى الأخلاق والمعاملات.
أما باب المعاملات، فهو باب واسع في الشريعة الإسلامية. فالبيع والشراء وسائر العقود التي نجريها كلها لها فوائد ولها ثمرات. فالأحكام المتعلقة بهذه المعاملات هي يعني ليست عبثاً، وإنما لها مقاصد. ولذلك عدد من العلماء يركزون على مقاصد العقود ومقاصد العبادات ومقاصد هذه المعاملات. فإذا ما استحضرنا مثلاً البيع، فهو محاط بمجموعة من الضوابط الأخلاقية والضوابط الفقهية التي إذا نحن طبقناها، فإننا سنكون في معاملة واضحة، ومعاملة يحترم فيها حقوق المستهلك الذي نتحدث عنه اليوم، من قبيل الصدق والأمانة والإعلام وغير ذلك. فهذه القوانين ما جاءت إلا لبيان هذه المبادئ وهذه الأخلاق التي جاءت بها الشريعة الإسلامية. سواء وكذلك الأمر إذا ذهبنا إلى جانب التبرعات من وصية وهبة وغير ذلك. فهذه العقود كلها لها مقاصد، والغاية الأساسية منها هي تحقيق مصالح العباد. والقوانين إنما تؤطرها وتسهر على تنزيلها على أرض الواقع في حماية للحقوق وحماية للحريات وتحقيق الصالح العام. نعم.
شكراً لكم أستاذي الفاضل على هذه الإشارات التي تبرز هذا التكامل ما بين الأحكام الشرعية والقوانين لتحقيق العدالة وتنظيم السلوكيات. وأذكر على أن الأستاذ سيد عبد الرحيم الأمين، مدير معهد محمد السادس للقراءات والدراسات القرآنية، أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق جامعة محمد الخامس بالرباط. شكراً لكم مرة أخرى مشاهدينا الكرام. كانت هذه حلقتنا حول المصادر الرسمية للقانون وعلاقتها بالشريعة الإسلامية. ناقشنا ضمن محاورها كيفية تأثير الشريعة الإسلامية على تشريعات القوانين الرسمية في الدول، وكيف يمكن أن تتكامل المبادئ الشرعية مع الأنظمة القانونية الحديثة. في الحلقة القادمة بحول الله تعالى سنتناول موضوعاً جديداً، وهو دور العقل البشري في أحكام الدين والقانون. إلى ذلكم الحين، دمتم في رعاية الله والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.