Transcription
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا ومولانا محمد وعلى اله واصحابه اجمعين.
أصحاب الفضيلة السادة الأساتذة، السادة الطلبة، الحضور، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مرة أخرى، موضوع هذه الكلمة خلق الطبيب في نفسه استرشادا بالهدي النبوي: التواضع، والورع، والصبر، والحلم. هكذا حدد لهذه الأقول، أيها السادة، المجال الطبي اليوم في حاجة ماسة إلى استقراء الهدي النبوي الشريف والاسترشاد به في بناء منظومة طبية متكاملة تمتزج فيها الصناعة والكفاءة بالأخلاق الكريمة والخصال الجميلة، فتخرج للناس الطبيب النموذج، الطبيب القريب من الناس بتواضعه وورعه وصبره وحلمه. الطبيب الذي يتغار شرف مهنته بإفادة مجتمعه ومساعدة قومه، وهو في كل ذلك يستحضر أنه طبيب مسلم يؤدي وظيفته وفق مبادئ الإسلام وأخلاق المسلمين، كما هي في كتاب ربه الكريم، وكما هي في سنة نبيه الأمين صلى الله عليه وسلم.
وهو في كل ذلك يقدم النموذج العملي للطبيب المسلم بكفاءته المهنية وأخلاقه الإسلامية، الذي يستغيث الناس اليوم بحثا عنه رجاء أن ينقذهم مما أثبتته أو أثبته واقع المنظومة الطبية المعاصرة من فصل واضح بين ما نراه جميعًا بين الصناعة الطبية وبين الأخلاق الطبية. فكان، كان من نتائج هذا الفصل وجود طبيب يهمه بالدرجة الأولى والأخيرة ما يجمع من مال أو يراكم من أرباح. وإنما نجح الطب ونجح الطبيب ونجحت المنظومة الطبية في الحضارة الإسلامية لأنها لم تغفل جانب الأخلاق، خصوصًا جانب الاحتساب.
قال إسحاق بن علي الرهاوي، المتوفى في أوائل القرن الخامس الهجري، طبعًا، قال رحمه الله في كتابه "أدب الطبيب": "فحق على من أنعم الله عليه بالمعرفة ووفقه لتأمل هذه الصناعة أو جلها، يقصد صناعة الطب، والوقوف على ما فيها من لطيف التدبير وصواب التقدير، ألا يقصر في إظهار ما بلغه علمه من ذلك، بل يجتهد في نشره، وإذا ليقوي به نفوس أهل الحقائق، ويتجنب به سوء العمل في تدابير الأصحاء والمرضى، محتسبًا للثواب في ذلك، واثقًا بمعونة الله تعالى وتدبيره إياه". انتهى كلامه.
ولقد أدرك علماء الإسلام أهمية الأخلاق في صناعة الطب من قديم، فخصوها بكثير من العناية، وأولوها مزيدًا من الاهتمام والرعاية، وأفردوها بالتأليف والتصنيف، من ذلك "أخلاق الطبيب" لأبي بكر الرازي، و"أدب الطبيب" لإسحاق بن علي الرهاوي. كل ذلك اهتداءً منهم بكتاب الله، واسترشادًا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم تغير الحال في الزمن الحاضر، وفرق بين المجال الطبي باعتباره علمًا وتقدمًا ووجهًا حضاريًا، ومجال الأخلاق المنبثق من الوحي باعتباره وعظًا وإرشادًا ودروشة. وزعم أنه لا علاقة للطب بالوحي لا من جهة الأحكام ولا من جهة الأخلاق، ولا حاجة له به لا اهتداء ولا استرشادًا. والأمر بخلاف ذلك تمامًا، فلا طب بدون أخلاق. وما هذا الجمع المبارك وهذا المؤتمر الدال إلا صرخة في إعادة التذكير بهذه الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها ولا إغفالها، وهو ما سأحاول أن أنبه عليه باختصار واقتضاب في أربعة عناوين تبعًا لما ذكر في موضوع هذه الكلمة.
أولها: خلق التواضع عند الطبيب استرشادًا بالهدي النبوي. التواضع أيها السادة هو أول أدب يجب أن يتأدب به الطبيب، وأول خلق يلزمه أن يتحلى به، إذ هو مفتاح العلاقة بين طبيب يمتلك المعرفة والسلطة المهنية والقوة المعنوية، ومريض لا يملك شيئًا من ذلك، بل هو شخص ضعيف جسديًا، ضعيف نفسيًا، يتاوه ويئن من شدة الألم، ولا يدري عن حالته المرضية ولا ما يمكن أن تؤول إليه شيئًا. فأما أن يتواضع الطبيب ويشعر المريض بأنه قريب منه وبأنه منكسر لحاله، فيحصل التوازن في العلاقة بينهما. وأما أن يستعلي، فيتسع الخرق وتزداد متاعب المريض الجسدية والنفسية. ولا يطلب من الطبيب إلا أن ينزل قليلاً من عليائه، ويكسر الحواجز التي أحاط بها نفسه، ويتجاوز الهالة المصطنعة من حوله، ويكون هيناً ليناً قريباً من مرضاه.
ومن أوجه التواضع المطلوبة من الطبيب: الاعتراف النفسي الباطني الصادق بأن ما عنده من علم هو أولاً علم قاصر، أي أنه ما أحاط بعلم الطب، فكيف بعلوم الدنيا كلها، بل ربما ما أحاط بتخصصه، بدليل أن الطب علم تجريبي يتجدد كل يوم. ما عنده من علم الطب مع قلته إنما هو من فضل الله تعالى عليه الذي خلقه وأودع فيه أدوات التعلم وهيأ له أسباب ذلك. ثم هو ثالثًا يحتاج في نفسه وأهله إلى غيره من الأطباء في أمراض كثيرة تنزل به. وهكذا ثانيًا: تبسمه وبشاشته في وجه المريض. ثالثًا: إصغاؤه للمريض واستماعه له بصدر رحب. رابعًا: إجابته عن أسئلته ومخاطبته بلغة بسيطة يفهمها. رابعًا أو خامسًا: لا يحوج مريضه إلى البحث عن الوساطات والتدخلات من أجل أن يكلمه أو يستمع إليه أو يجيبه.
ومن فضيلة التواضع في الطب أن الطبيب المتواضع يعترف لمن هو أقوى منه من زملائه فيستفيد منه فيرتقي بصنعته فينتفع مرضاه. بل إن ذلك يجعله دائم المطالعة والبحث والمتابعة. والتواضع أيها السادة من هدي النبي صلى الله عليه وسلم كما هو معلوم. ومنه في مجال الطب ما أخرجه أبو داود وغيره من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: "مرضت مرضًا أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني، فوضع يده بين ثديي حتى وجدت بردها على فؤادي، فقال: إنك رجل مفؤود، ائت الحارث بن كلدة أخا ثقيف، فإنه رجل يتطبب". النبي صلى الله عليه وسلم جاءه زائراً، وهو النبي وهو الرسول وهو الحاكم وإلى آخره، ثم لم يأنف من إحالته على رجل من أهل الخبرة وأهل المعرفة وأهل الاختصاص، ولم يكن يومئذ مسلمًا.
وقريب منه ما أخرجه مالك في الموطأ مرسلاً عن زيد بن أسلم أن رجلاً في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابه جرح، فاحتقن الجرح الدم، وأن الرجل دعا رجلين من بني أنمار، فنظرا إليه، فزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما: "أيكما أطب؟" يعلمهما الإقرار بعدم المعرفة أو بالتسليم لمن هو أقوى في الطب. وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحرجهما، ولكن ليبين لهما أن الطب نفسه علم، وكل العلم درجات، فلزم التواضع والاعتراف والإقرار بالنقص والتسليم لمن هو أعلم وأمهر وأطب من غيره.
ثانيًا: خلق الورع. والحديث عن الورع في مجال الطب أو في المجال الطبي هو حديث عن المسؤولية الطبية في أعلى درجاتها. هو حديث عن تصرف الطبيب وعن أمانة الطبيب وعن قوة الطبيب وعن كفاءة الطبيب. بمعنى هل يستطيع الطبيب بورعه أن يقول: لا أدري فيما لا يدري؟ هل يستشعر الطبيب بورعه أن الله تعالى هو الذي ولاه تلك الوظيفة، وأنه يراقبه فيها، وأنه سيحاسبه عليها؟ فإن لم يكن مؤهلاً منعته نفسه وزجره ورعه. وفي الحديث: "من تطبب ولم يعلم منه طب قبل ذلك فهو ضامن". لأنه أتى ما لا يجوز له، لأنه أتى حتى ما لا يحل له. ومن معانيه أنه أو أن يتجرأ على ما يحسنه وأن يقتحم ما لا يتقنه.
ومن أعظم أبواب الورع التي يجب أن يتخلق بها الطبيب حفظ أسرار الناس وكتمانها عن أقرب المقربين. وأكثر من ذلك وأشد حفظ نفسه وجوارحه عمومًا، وحفظ بصره خصوصًا عن عورات مرضاه، وأن لا يصيب من ذلك ولا يمس ولا ينظر إلا لما تدعو إليه الضرورة الشرعية. وهذا باب، للأسف، مفتوح اليوم في مجال الطب، قل من ينتبه له. ومن ورع الطبيب أن يتعلم أحكام ذلك وما يجوز له منه وما لا يجوز.
وفي هدي النبي صلى الله عليه وسلم أصول وقواعد في هذا الباب، منها ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث جابر رضي الله عنه أن أم سلمة رضي الله عنها استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحجامة، فأذن لها، فأمر أبا طيبة أن يحجمها. وفي مسلم أيضًا أنه عندما أصيب سعد بن معاذ رضي الله عنه بسهم في موقعة الأحزاب في أكحله، لاكحل عرق في اليد كما هو معلوم، جعل له الرسول صلى الله عليه وسلم خيمة في المسجد، وأوكل تمريضه إلى رفيدة الأسلمية، ثم جعل معه بعض الجرحى وأوكل تمريضهم إليها جميعًا.
ومن الورع أن يترفع الطبيب عن استغلال مرضاه، خصوصًا في الجانب المادي، كان يجري لهم فحوصًا غير ضرورية أو يستمر في التردد على حالات ميؤوس منها. وهكذا، فإن من ورع الطبيب بدلاً من ذلك أن يخفف عن المريض تكاليف العلاج ما استطاع، وأن يقدم له المساعدة قدر الإمكان. ففي الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر في الدنيا يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر على مسلم في الدنيا ستر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه".
ثالثًا: خلق الصبر عند الطبيب استرشادًا بالهدي النبوي. الصبر أيها السادة خلق الأنبياء وخلق الصالحين والاتقياء. وإنما ينجح من الأطباء من صبر وصابر، من صبر على التحصيل، وصبر على التشخيص، وصبر على المعالجة، وصبر على المرضى وأحوالهم ومعاناتهم، وصبر على ما يصدر منهم مما تسببه لهم أمراضهم، وربما يحملهم عليه فقرهم وخصاصتهم. فلا بد أن يصبر الطبيب، ثم يصبر، ثم يصبر. فقد يتطلب تشخيص مرض زمنًا طويلاً وتفكيرًا عميقًا وبحثًا مضنيًا واستشارة واسعة. وقد تتطلب عملية واحدة ساعات وساعات مع التركيز والتدقيق. وربما يتطلب إنقاذ نفس ترك نوم الطبيب أو قطع إجازته. ولذلك وجب تذكير الطبيب بهذا الخلق وبما أعده الله للصابر المحتسب من مثل قوله تعالى: "إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب".
وتذكيره بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الصبر في دعوته وفي حياته وفي مرضه. فقد صبر واحتسب ورق للمرضى ودعا. ورق المرضى ودعا. وكان من هديه صلى الله عليه وسلم في زيارة المريض أن يرقيه ويدعو له بالشفاء. فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أتى مريضًا أو أوتي به إليه قال: "اذهب البأس رب الناس، اشف وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما". ودخل عليه أو دخل على أعرابي يزوره لمرضه، فقال: "لا بأس عليك، طهور إن شاء الله". وكان كل سيرته صلى الله عليه وسلم صبر واصطبار وتحمل واحتساب. فقد صبر على مداواة القلوب ومعالجة الأرواح، وصبر على جفاء الأعراب، وقابل الإساءة بالإحسان، والأذية بالغفران. ومداواة الأرواح أشد وأشق من مداواة الأشباح، فلزم أن يقتدي به كل لبيب ويسلك طريقه في الصبر كل طبيب. خصوصًا أن الصبر يكتسب كما تكتسب الأخلاق كلها. فقد قال صلى الله عليه وسلم كما في البخاري ومسلم: "ومن يتصبر يصبره الله". "ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن بما كانوا يعملون".
رابعًا: خلق الحلم عند الطبيب استرشادًا بالهدي النبوي. الحلم ضد الغضب، والغضب لا يأتي بخير. ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه، فقال لمن جاء يسأله أن يوصيه: "لا تغضب، لا تغضب، لا تغضب". في المقابل، كان النبي صلى الله عليه وسلم حليمًا، يكظم غيظه ويعفو عمن ظلمه ويتجاوز ويصفح. وهديه في ذلك مشهور، ووقائع سيرته وأحداثها الناطقة بحلمه مما لا يستطاع حصره ولا يمكن عده. وقد قال الله تعالى: "فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك".
والحلم أصل في كل تعامل، ومنه تعامل الطبيب مع المرضى. فإن المرضى أحوج إلى حلم الطبيب وسعة صدره ورحمته وجميل قوله من حاجتهم إلى دوائه وعلاجه. وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قص عليه أصحابه اجتهادهم في تطبيب مريض وأخذ الأجرة على ذلك، انبسط لهم وتلطف في العبارة معهم، وارتقى بحلمه وجميل خلقه، فنزل نفسه منزلة الشريك لهم. ففي البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري قال: "بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية، فمررنا على أهل أبيات فاستضفناهم، فأبوا أن يضيفونا، فنزلوا بالعراء، فلدغ سيدهم، فأتونا، فقالوا: هل فيكم أحد يرقي؟" إلى آخر الحديث كلنا نعرفه. فلما جاؤوا وقصوا خبر ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، قال لهم طيبًا لخاطرهم: "كلوا واضربوا لي معكم بسهم".
فلا يليق بالطبيب إلا أن يكون حليمًا، لين الجانب، طيب الكلمة، صادق العاطفة، يسمع مرضاه بحلمه قبل أن يسعهم بعلاجه. اشتكى سعد بن عبادة رضي الله عنه شكوى، فاتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده مع ثلة من أصحابه، فلما دخل عليه ووجده في غاشية أهله يعاني من شدة المرض، غلبته عيناه صلى الله عليه وسلم فبكى. ولما رأى القوم بكاءه عليه الصلاة والسلام بكوا تأثرًا. فلينظر الطبيب المسلم إلى هذه الرقة النبوية والعاطفة المصطفوية وهذه الرحمة المحمدية بين يدي هذا المريض، وكيف نزلت عليه بردًا وسلامًا، فأحيت روحه وأنعشت نفسه ودفعت جزءًا كبيرًا من علته.
وإذا كان الأطباء جميعًا في حاجة إلى هذا الخلق، خلق الحلم، وإلى سابقه خلق الصبر، فإن أطباء المستعجلات وأطباء الطوارئ وأطباء العناية المركزة وأطباء الجراحات المعقدة وأطباء الأمراض المزمنة أشد حاجة لهذين الخلقين. فليذكروا حلم النبي صلى الله عليه وسلم في سيرته وبين يدي صحابته، فإنه الذي يقتدى به في ذلك كله.
أخيرًا أيها السادة، هذه إشارات بنيت على التواضع الذي يحفظ الطبيب من آفة الغرور وبلية الادعاء، فيجعله في معزل عن المرضى والضعفاء. وسقيت بماء الورع الذي يقي من داء التكاسل الذي تضيع معه المسؤوليات والتساهل الذي تذهب معه المروءات. وأحيطت بفضيلة الصبر، والصبر ضياء، "ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور". وحملت في مركب الحلم، والحليم من يسع بحلمه الفقراء والضعفاء بالقدر الذي يسع به الأغنياء والأقوياء.
أيها السادة، لعل المريض اليوم في حاجة إلى طبيب يداويه بنظرة فيها عطف وشفقة ومحبة وصدق، ولمسة فيها رحمة وحلم وتواضع، في حاجة إلى طبيب يحس ويشعر أنه قريب منه أكثر من حاجته إلى شيء آخر. والله أعلم. بارك الله جمعكم ورفع أقداركم ونفع بعلمكم. "ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا". والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.