📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

د العريفي خطبة الجمعة حلب عين الارض

مقاطع الشيخ محمد العريفي alarefe27:52

Transcription

[موسيقى] نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله تعالى من شرور انفسنا وسيئات اعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه والمثيل والند والنظير. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه. أرسله ربه رحمة للعالمين، وحجة على العباد أجمعين. فهدى الله تعالى به من الضلالة، وبصر به من الجهالة، وكثر به بعد القلة، وأغنى به بعد العيلة. فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطيبين، وأصحابه الغر الميامين، ما اتصلت عين بنظر، ووعت أذن بخبر. وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد، أيها الإخوة المؤمنون.

أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، وإن الله على نصرهم لقدير. الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله. لا تزال دماء إخوتنا وأهلنا وأطفالنا وآبائنا وأمهاتنا في بلاد الشام لا تزال تنزف منذ سنين. ولا يزال الأمر يشتد عليهم سنة بعد سنة، بل شهرا بعد شهر، ويوما يوما بعد يوم. ولا يزال الخذلان يشتد في الغفلة عنهم وعدم الالتفات إليهم. لا نزال نرى الدماء والأشلاء، والمستشفيات التي تهدم على رؤوس الجرحى والمرضى. ولا نزال نرى الأطفال اليتامى الذين يسيرون في الطرقات لا يكفلهم أحد، بل لا يستطيع أن يلتفت إليهم أحد. لا نزال نرى المهجرين الذين يغرقون في البحار محاولين أن ينجوا بأنفس أنفسهم وأطفالهم، أو أنهم ربما استغلوا واستذلوا في عدد من البلدان. لا نزال نرى أمثال هؤلاء نراهم في بلاد الشام، ونرى أحوالهم في خارجها. ونتذكر أن الله جل وعلا أمرنا بنصرة أهلنا في كل مكان. نتذكر أن الله تعالى جعل في الشام من الفضائل ما لم يجعل في كثير من البلدان غيرها، إلا ما كان من مكة والمدينة.

تلك البلاد العظيمة، الشام هي الأرض المباركة التي أمر الله تعالى بإكرام أهلها. وجعل الله تعالى أنبياءه يهاجرون إليها. فقال الله تعالى عن إبراهيم ولوط عليهما السلام: "ونجيناه ولوطًا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين". يعني إلى الشام. وقال الله تعالى عن موسى عليه السلام: "يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين". يعني ادخلوا إلى أرض الشام. وقال سبحانه وتعالى عن سليمان عليه السلام: "ولسليمان الريح تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها". يعني إلى بلاد الشام. وقال سبحانه وتعالى عن قصة سبأ: "وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير". والقرى التي بارك الله فيها هي قرى الشام.

الإيمان إذا وقعت الفتن فهو في الشام. قال عليه الصلاة والسلام: "إني رأيت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي، فنظرت فإذا هو نور ساطع عمد به إلى الشام. ألا وإن الإيمان إذا وقعت الفتن في الشام". رواه أحمد. وقال عليه الصلاة والسلام: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم. لا تزال طائفة من أمتي منصورين، لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة". رواه الإمام أحمد.

أرض الشام هي الأرض المقدسة، هي الأرض المباركة، هي خيرة الله من أرضه، هي أرض الرباط والجهاد. فيها الطائفة المنصورة، فيها أهل العلم وأهل الحديث والآثار. الشام هي أرض العلم والإيمان. قال عليه الصلاة والسلام: "إني رأيت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي، فعمد به إلى الشام". يعني أن العلم والإيمان والاهتمام بالحديث والأثر يكون في تلك البلاد ظاهرا في بلاد الشام. وقال عليه الصلاة والسلام: "ستكون هجرة بعد هجرة بعد هجرة، فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم، ويبقى في الأرض ويبقى في الأرض شرار أهلها تلفظهم أرضهم". رواه أبو داود. وإبراهيم عليه السلام إنما هاجر إلى الشام في أول أمره.

وقال صلى الله عليه وسلم: "لا تزال من أمتي عصابة قوامه على أمر الله عز وجل، لا يضرهم من لا يضرها من خالفها، يقاتلون أعدائها، كلما ذهب حرب نشب حرب قوم آخرين". حتى قال: "هم أهل الشام، هم أهل الشام". ونكت صلى الله عليه وسلم بإصبعه يومئ بها إلى الشام حتى أوجعها. الشام على موعد مع أحداث الساعة العظمى. فإن الله تعالى يحشر الخلق جميعا إلى أرض في الشام، إلى أرض بيضاء نقية كقرصة نقي. ثم ينزل الله تعالى جل وعلا بعرشه. هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة، فيتنزل ربنا جل وعلا لفصل القضاء بين عباده. ويحمل عرشه يومئذ ثمانية. ينزل بعرشه جل وعلا حتى يقضي القضاء بين عباده ويفصل بينهم خصوماتهم. عندما ينفخ في الصور النفخة الثانية، ويكون هذا في أرض الشام. أرض الشام هي أرض المحشر والمنشر، وهي التي ينزل فيها عيسى بن مريم عليه السلام، وهي التي يقتل فيها الدجال. وهي الأرض التي باركها الله تعالى. فيا طوبى للشام، يا طوبى للشام، يا طوبى للشام. هكذا كررها نبينا صلى الله عليه وسلم ثلاثا. قيل: لما يا رسول الله؟ بما ذلك؟ بما ذلك؟ قال: "تلك ملائكة الله باسطوا أجنحتها على الشام". رواه الإمام أحمد.

واليوم ننظر إلى الشام عامة، فنرى فيها القتلى الذريعة على أهلنا هناك. نرى المساجد عطلت من جمعتها وجماعتها. نرى مدارسها عطلت. نرى أهلها شردوا. وهذا في الشام عامة، وفي حلب خلال هذه الأيام خاصة. ننظر إلى حلب اليوم، فنبحث عن مساجدها، عن مدارسها، عن حلقات العلم والقرآن فيها. ننظر إلى جامعاتها، أين ذهبت؟ إلى أسواقها، لما أغلقت؟ ننظر إلى أطفالها، إلى أيتامها. ننظر إلى أحوالها ومستشفياتها، فلا ترى إلا خرابا ودمارا. لا ترى إلا بلادا كأنما زلزلت الأرض من تحتهم زلزالها، حتى فجرت البيوت وهدمتها على رؤوس أصحابها.

حلب هي عاصمة سوريا الثانية، وهي في شمالها، تبعد عن دمشق 300. هي ظاهرة على غيرها، هي ثاني أكبر مدينة في سوريا. فيها العلماء الأولون، وقد دخلها الصحابة الأكرمون. وفيها حلقات العلم والمؤلفات والجامعات والأذكياء. وما تجد أحدا من أذكياءها إلا وقد برز في علم من علومها. واليوم تسبح حلب في دمائها.

دموع عينيك في وجداننا تثب، ومن دماء بنيك النصر يكتسب. عظيمة أنت يا شهباء صامدة، والموت يحدق والارجاء تلتهب. عز المصاب ولكن لا عزاء لنا إلا بأن يهدم الرجس الذي نصب. خمسون عاما وكأس الذل مترعة، وقد تردى إلى الأعماق من شربوا. وصيروا الشعب عبادا لطائفة، فكم أذلوا وكم عاووا وكم نهبوا. إنها مدينة حلب. إذا ذكرت حلب اهتز التاريخ لذكرها. تختال حلب على مثيلاتها من المدن. حلب العلم، وحلب القرآن، وحلب الطب، وحلب الهندسة، هي حلب التجارة، هي حلب المساجد، هي حلب المستشفيات. سل حلب إن زرتها، سلها عن الصحابة الكرام الذين مروا بها وصلوا في مساجدها. سلها عن أئمة الفقه الذين دخلوها وتعلموا فيها وعلموا. سلها عن الإمام أحمد بن حنبل، دخل حلب وأقام في جامعها الأموي أياما يكتب من علمائها العلم، ثم خرج ينشر العلم إلى غيرها. سلها عن الإمام الزركشي الحنبلي، إمام من أئمة الحنابلة في العلم والفقه. سلها عن الإمام الزركشي، سلها عن الإمام السخاوي، سلها عن قاضيها وهو ابن الإمام الشافعي، أقبل إليها وصار قاضيا بين أهلها. سلها عن الإمام البقاعي. سل حلب عن أئمة المؤرخين. سلها عن الإمام الذهبي وعن كتابه "سير أعلام النبلاء" الذي ألفه وهو فوق 30 مجلدا. سل حلب عن الذهبي، فتعرف أنه من أبنائها. سلها عن الإمام ابن خلكان، الإمام المؤرخ الذي لا تكاد تمر على حديث من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنظر في سنده إلا رجعت إلى كتب ابن خلكان. سلها عن الشعراء، عن أبي العلاء المعري وغيره. سل وجد حلب لما سكن فيها. سل عنها الحافظ ابن حجر العسقلاني، شارح البخاري، الذي خرج من مصر وسكن في حلب وتزوج من أهلها وأعجب بها. فلما فارقها حن قلبه إليها وألف كتابا سماه "جلب حلب" من شدة عشقه لأهلها والسكني بينهم. عاش فيها ياقوت الحموي، الإمام المؤرخ صاحب كتاب "معجم البلدان" و"معجم الأدباء". وعاش فيها العماد الأصفهاني وابن النقيب والصفدي وابن ناصر الدين وعبد الحليم بن تيمية.

كانت مساجدها مليئة بالعلماء والفقهاء. كانت مكتباتها زاخرة منذ أكثر من 700 سنة. في عام 694 للهجرة، قبل أكثر من 700 سنة، ألف كتاب اسمه "المنتخب مما في خزائن الكتب بحلب". "المنتخب مما في خزائن الكتب بحلب". وذكر فيه المؤلف 914 كتابا من كبار المؤلفات التي محفوظة في ذلك المكان. حلب العلم والإيمان. سلها اليوم عن مساجدها، فتحدث. حدثك أنه وفد إليها العلماء والفقهاء والأئمة والصحابة. سلها كم خرجت للأمة من عالم؟ وكم حفظت الحديث لمحدث؟ وكم تفقه في مساجدها من فقيه؟ وكم ألف فيها مؤرخ من كتاب؟ سلها عن حلقاتها في القرآن، كم عددها؟ وكم خرجت من حفاظ؟ سلها عن الطب والأطباء. من أشهر المستشفيات في العالم في ذلك الزمن، المارستان النوري، نسبة إلى نور الدين زنكي. المارستان هذا المجت، المستشفى الذي كان في حلب وكان متطورا لدرجة أن الناس يفيدون إليه إلى حلب لأجل العلاج فيه. حلب عين من عيون الدنيا. ولذلك ألفت فيها عشرات المؤلفات: كتاب "بغية الطلب في تاريخ حلب"، وكتاب "نهر الذهب من تاريخ حلب"، وكتاب "زبدة الحلب من تاريخ حلب"، وكتاب "كنوز الذهب في تاريخ حلب" إلى غير ذلك. كانوا العلماء يفتخرون أن يكون لأحدهم مؤلف عن حلب. نعم، ما أمتعت جارتها، ما أمتعت جارها بلدة كما أمتعت حلب جارها. هي الخلد تجمع ما تشتهي، فزرها، فطوبى لمن زارها.

وننظر اليوم إلى حلب، فنرى المجازر والبراميل التي تلقى من غير تمييز على رؤوس الناس في الشوارع والطرقات وفي البيوت. حتى أصبح الطفل يأوي فراشه فلا يدري إلا وبرميل يقع على رأسه فيفضخه ويهلكه، وربما كان فمه على ثدي أمه. نرى الجرحى يحملون على الأكتاف إلى المستشفيات، فما يكاد يصل إلى المستشفى إلا ويهدم المستشفى على هذا الجريح ومن جاء به. نرى الجنائز تحمل على الأكتاف ثم ترمى عليها البراميل. وتأتي طائرات السوخوي الروسية وغيرها من الطائرات لتدكهم دكا وتقتلهم قتلا. فإذا نظرت إلى صورهم وهم في فزعهم وقد ذهلت كل مرضعة عما أرضعت، ووضعت كل ذات حمل حملها، وصار الناس كالسكارى من كثرة الموت الذي يرون، فلا يمشون إلا على أشلاء. اجتمع عليهم النصارى والنصيريون، الصفويون الرافضة. والرافضة لهم ثأر يزعمونه مع أهل الشام عموما. يرون أن الشام إذا قتلوا أهلها وأهلكوهم فهو علامة لخروج قائمهم المنتظر. يرون أن الشام أنها زعموا ظلمة أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنه. يرون أن الشام هي لأحفاد بني أمية الذين فعلوا ما فعلوا. يرون أن الشام يستحق أهلها القتل والتخريب.

ولقد كادوا للشام من القديم من قبل أن تقع هذه الأحداث. فكانوا قد أغروا طاغية الشام ومكن لهم من الدخول فيها. فصاروا يفتحون، يفتح الصفويون الرافضة يفتحون فيها في الشام المدارس ويبنون الحسينيات ويشيعون أهلها. ولقد زرت الشام قبل الأحداث الأخيرة ومررت ببعض أنشطة الرافضة التي كانوا يصرفون رواتب، راتب شهري لمن يرضى أن يتحول من السنة إلى الرافضة. يصرفون الأموال لأجل تشييع أهل الشام. فلما عجزوا عن ذلك وتنبه أهل الشام إلى هذا، أخذوا يدكونهم قتلا ودكا وجرحا وتشريدا.

أيها المسلمون، إذا قلبت تاريخ الشام وتاريخ حلب خاصة، تاريخ حلب خاصة، رأيت أن الصفويين، أن الصفويين والنصيريين العلويين منذ القديم وهم يفتكون بأهلها، أهل السنة بالذات، فتكا. ذكر كاتب تاريخ النصيريين العلويين كتاب موجود مطبوع، ولا يستحق هذا الكاتب أن أذكر اسمه، لكن الكتاب موجود. رجل نصيري كتب عن تاريخ حلب وعن عمل النصيريين العلويين في أهلها، فكتب مفاخرا بأفعال بأفعال تيمور لنك أيام التتار وغزو التتار. وقال ما نصه: "ونحن نقول إن تيمور لنك كان علويا محضا من جهة العقيدة". وذكر له أشعارا دينية تدل على ذلك. وذكر أن عساكر دمشق لما أقبل التتر لأجل غزو حلب، وكان نائب حلب، الرئيس الوالي على حلب، كان علويا رافضيا على المذهب الباطني عموما. فلما أقبل التتار تحرك الولاة المسلمون من المناطق التي حولهم، عساكر دمشق وطرابلس وحماة وصف وغزة وبقية الجيوش من كل بلدة توافدوا لحماية حلب من السقوط في أيدي التتار. وكل نائب بلدة أقبل على عساكرها. فذكر هذا المؤرخ النصيري قال: "فلما وصلوا، كاتب نائب حلب الوالي النصيري، كاتب التتار أن أقبلوا علينا الآن وجهزوا من الجيوش كذا وكذا، وعدد من جاءني لنصرة عددهم كذا وكذا، وخان من كانوا عنده وأمرهم بالبقاء عنده حتى تفرغ بلدانهم من جيوشهم". فاقبل التتار وقبضوا على هؤلاء القادة وقاتلوهم وفعلوا في حلب فعلا ذريعا. اسمع إلى شيء من ذلك. يقول: "ودخل التتار حلب عنوة، فأمعن صاحبها في، فأمعن رأسهم يعني رأس التتار في القتل والنهب والتعذيب والهدم مدة طويلة حتى أنشأ من رؤوس البشر تلة عظيمة، وقد قتل جميع القواد وانحصرت المصائب بالسنيين". هذا كلام المؤرخ النصيري العلوي. يقول: "وانحصرت المصائب بالسنيين". انتهى كلامه. لم يتعرضوا لمن كان موجودا من النصيرية أو من النصارى، وإنما اقتصرت المذابح على أهل السنة. وقد تحدث المؤرخون عن ذلك، تحدثوا عما فعله التتار بتنسيق من النصيريين والصفويين الرافضة عما فعلوه بحلب، وذلك في أوائل القرن التاسع الهجري. يقول: "اقتحم عساكر تيمور مدينة حلب في الحال، وأشعلوا فيها النيران، وأخذوا في الأسر والنهب والقتل، فهرب سائر البلد والأطفال إلى جامع حلب وبقية مساجدها، فمال أصحاب تيمور عليهن وربطوهن بالحبال أسرى، ثم وضعوا السيف في الأطفال فقتلوهم بأثرهم، وشرعوا في تلك الأفعال القبيحة على عادتهم، وصارت الأبكار يوقع عليهن من غير تستر بفعل الفاحشة والمخدرات". يعني النساء المختمرات يفسق بهن من غير احتشام في المسجد الجامع بحضرة الجمع الغفير من من الناس ومن أهل حرب فيراها ومن أهل حلب فيراها أبوها وأخوها وزوجها وولدها ولا يقدر أن يدفع عنها لقلة مقدرته ولشغله بنفسه مما هو فيه من العقوبة والعذاب. قال: "ثم بدلوا السيف في عامة حلب وفي أجناده حتى امتلأت الجوامع والطرقات بالقتلى وجافت حلب يعني انتنت من الجيف وصار الناس يمشون على الجيف". وذكر الإمام مما فعله الصفويون في ذلك الزمان بأهل حلب من سوق نسائهم سبايا. وقال: "وقد صنع من جماجم الناس مئذنة برجا وجعل وجوه الناس على الخارج ليراها من يمر بها ويعلم أن هذا فلان وفلان".

القتل الذي يقع في حلب اليوم والتشريد الذي يقع يذكرنا بالتاريخ الذي مضى وما وقع على أهلنا هناك. إلا أن الفارق أن المسلمين في ذلك الزمان في خارج حلب كانوا فقط يسمعون بالأخبار، فلا يسمعون صراخ امرأة تغتصب، ولا يرون طفلا يذبح، ولا يرون مسلما يضطهد ويسجن. كانوا فقط المسلمون يسمعون الأخبار. اليوم نحن نرى ونسمع ونرى المقاطع التي تنشر. وقد كانت الفضائيات الإخبارية تتحرج سابقا عن نشر بعض الآلام، وأصبحت في الفترة الأخيرة تنشر ذلك لأن الناس تعودوا عليه. صار من الطبيعي أن ترى مسنا يخرج من تحت الأنقاض وهو يبكي على أولاده الموتى تحت الأنقاض. صار من الطبيعي أن ترى طفلا مقطوعة رجله وهو يقفز على رجل واحدة والدم يجري منه يبحث عن من يحمله. صرنا نرى هذه المناظر ومع الأسف صرنا لا نتأثر بها لكثرة ما نراها. إنها مؤامرة عالمية على أهل السنة والجماعة. ينبغي أن نفهم هذا. إنها مؤامرة عالمية تبتدئ ببلد بعد بلد، وهي اليوم نراها بأعيننا ضد الشعب السوري المسلم. الكل يعلم أنه لا مستقبل للشام بطاغية الشام، ومع ذلك لا يزالون يتخذونه مسمارا لأجل أن يجدوا حجة للقتل الذريع في أهلنا في حلب وفي غيرها. حتى أنك لما تسمع عن اتفاقيات إطلاق النار تراها اتفاقيات إطلاق نار في شمال اللاذقية، في كذا وكذا. وأين مناطق أهل السنة عن الاتفاق على إطلاق النار؟ والعجيب أنه في الاتفاقية تستثنى حلب، تستثنى إلا حلب، لا يشملها وقف إطلاق النار، يشمل غيرها. لماذا؟ الدعاوي التي تدعى لحقوق الإنسان العالمية تبين كذبها اليوم في حلب. الأنظمة والدساتير التي تنادى بها تنادي بها المجالس العالمية وتحتج بها على المسلمين لو طالبوا بحقهم يوما، كل هذه الأنظمة توضع اليوم تحت الأقدام. عندما تنظر إلى حال أهلنا في حلب، مات الضمير الإنساني وفشلت كل هذه الأنظمة ولم يلتفت إليها. حقد طائفي صفوي على أهلنا أهل السنة في حلب مع تخاذل المسلمين. مع الأسف، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يسلمه ولا يحقره. قال الإمام النووي: "لا يخذله". قال العلماء: "الخذل هو ترك الإعانة والنصرة". ترك الإعانة والنصرة خاصة إذا كان المسلم قادرا على ذلك. وقال المناوي: "خذلان المؤمن حرام شديد التحريم، مثل أن يقدر على نصرته فيقصر في ذلك". نسأل الله تعالى أن يكون مع أهلنا في حلب، ونسأل الله لكم يا أهل حلب أن ينصركم الله تعالى وأن يشفي صدوركم ممن ظلمكم. يسرنا يا أهل حلب اجتماع كلمتكم ووحدة صفكم. يسرنا ألا يفلح الشيطان في التحريش بينكم. يسرنا أن تتعاونوا جميعا على البر والتقوى وعلى التناصر وأن تتناسوا خلافاتكم. الأمة تؤمل فيكم اليوم أن تنصروها وأن تقفوا معها.

ولا أنسى والله من باب ذكر الفضل لأهله، ولا أقوله والله رغبة ولا رهبة، وليس هذا من شأني. لا ننسى والله مواقف المملكة العربية السعودية وقادتها مع أهلنا في الشام عموما، ومع أهلنا في حلب خصوصا، من الإغاثة، من النصرة السياسية، من أنواع من أنواع النصرة، من التنسيق مع عدد من البلدان لأجل نصرة أهلنا هناك. فنسأل الله تعالى أن يوفق كل من ينصر المسلمين في أي مكان، وأن تجتمع الدول الإسلامية، المملكة وغيرها من الدول، أن تجتمع لنصرة أهلنا في حلب وفي غيرها. يا رب العالمين.

قولوا ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله على إحسانه، وشكره على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه. صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وإخوانه وخلانه، ومن سار على نهجه واقتفى أثره وسن بسنته إلى يوم الدين. اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم. ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم. اللهم وفقنا لفعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين، وأعذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم وفق ولي أمرنا لما تحب وترضى، خذ بناصيته للبر والتقوى. اللهم وفقه لهداك واجعل عمله في رضاك. سائر ولاة أمور المسلمين يا رب العالمين. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. وأقم.