Transcription
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم.
والفضل الصلاة وأزكى التسليم على سيد الأنبياء وخاتم المرسلين حبيب إله العالمين أبي القاسم محمد. اللهم صل صل على محمد وآل محمد. صلى الله عليه وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين. اللهم صل على محمد وآل محمد في الأولين، وصل على محمد وآل محمد في الآخرين، وصل على محمد وآل محمد في الملأ الأعلى. اللهم صل على محمد وآل محمد.
السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته. الشكر الجزيل للإخوة والأخوات على هذا الحضور، ونخص بالشكر القائمين والمسببين والمنظمين لهذا المحفل خصوصاً ونحن في هذه الأيام التي أحوج ما نكون فيها بحاجة إلى ذكر أبي عبد الله الحسين والاستقاء من نهضته المباركة.
هذه الليلة، أو كل هذه الليالي، تمر بنا ذكرى. وإن كانت هي حدثاً تاريخياً عابراً، لكننا نحتاج أن نقف عندها وقفات مطولة. في مثل هذه الليالي، ترك الحسين عليه السلام أعظم فريضة من فرائض الإسلام وأعظم شعيرة في هذا الدين، وهو الحج. خرج من مكة وتوجه إلى كربلاء.
نحن في كل عام نتناول قضية كربلاء ونقف عندها ونسعى في كل عام لتعميق فهمها. هذه القضية، أو هذه السويعات التي حصلت في يوم عاشوراء، العاشر من المحرم من سنة 61 للهجرة، باعتقادي أن فهمها يتوقف على فهم مقدماتها. يعني هذا الحدث الذي حصل في يوم عاشوراء هو نتيجة تسلسل مجموعة من الأحداث تبدأ منذ إعلان وفاة معاوية، أو قد تكون تبدأ لا منذ صلح الإمام المجتبى عليه السلام، بل يمكن أن نرجعها إلى صدر الإسلام. كل ما تأخرنا في الحدث سنجد فهماً أعمق لقضية عاشوراء.
ولذلك، زيارة وارث لما أرادت أن تعرض لنا قضية عاشوراء، بماذا بدأت؟ "السلام عليك يا وارث آدم". لأننا نتحدث عن معركة الحق والباطل التي بدأت من آدم إلى أن وصلت لسيد الشهداء أبي عبد الله الحسين عليه السلام. على كل حال، نحن الليلة سنقف عند مقدمة من مقدمات الحدث، وهي خروج الحسين عليه السلام من مكة.
جيد. عادة إذا نريد أن نفهم حركة أو ثورة أو نهضة، يبنى الفهم على بيانات الثوار. لذلك لما تحصل في أي دولة ثورة أو حركة، الكل يتطلع إلى بيان رقم واحد. البيانات تعطي أو توضح الأهداف، الغايات، الوسائل التي ستستعمل، وغيرها من هذه الأمور. سيد الشهداء، إذا نقرأ عاشوراء من بدايتها، نجد أنه قدم مجموعة كبيرة من البيانات. بيانات الحراك الحسيني منذ أول يوم تحرك فيه الحسين، وهي قضية امتناعه عن بيعة معاوية في المدينة: "أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة، ومثلي لا يبايع". هذا يعتبر بيان رقم واحد. واستمرت البيانات إلى يوم عاشوراء. في يوم عاشوراء، الإمام الحسين عليه السلام خطب تقريباً أربع أو خمس خطب. هذه البيانات من المهم جداً الوقوف عندها للوصول إلى الفهم الحقيقي لقضية كربلاء.
جيد. خروج الحسين عليه السلام من مكة أيضاً صاحبه بيان حسيني. في الخروج، لا نتحدث عن حدث فقط، نتحدث عن حدث وبيان. البيان الحسيني عند خروجه من مكة يعتبر أعجب وأغرب وأفضل بيان لقضية كربلاء. كل من تعرض لهذا البيان الحسيني، بيان خروجه من مكة، أشار إلى هذه القضية. إما قال هو الأفضل، أو قال هو الأبدع، أو قال هو الأغرب والأعجب. جيد. نبدأ بقراءة البيان ثم نحلل.
سيد الشهداء سلام الله عليه، قبل خروجه، خطب في الناس قال: "الحمد لله وما شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله. خط الموت على ولد آدم، خط القلادة على جيد الفتاة. وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخير لي مصرع أنا لاقيه. كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء، فيملأن مني أكراشاً جوفاً وأجربة سغباً. لا محيص عن يوم خط بالقلم. رضى الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه ويوفّينا أجور الصابرين. لن تشذ عن رسول الله لحمته، وهي مجموعة له في حظيرة القدس تقرّ بهم عينه وينجز بهم وعده. فمن كان باذلاً فينا مهجته، وموطناً على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا، فإني راحل مصبحاً إن شاء الله".
جيد. ما هو وجه الغرابة في هذا البيان؟ بيان جميل، وأدبياً يعتبر في أرقى درجات البلاغة والفصاحة. جيد. عادة القائد السياسي أو الزعيم الثوري لما يخطب في الجماهير، لابد أن يعطيهم طاقة إيجابية، لابد أن يحفزهم، أن يعبئهم. فلذلك، عاداة بيانات الثوار تتحدث عن مكاسب، تتحدث عن نتائج، تتحدث عن معركة سهلة سيحسمها الثوار بسهولة. صحيح أو لا؟ يعني أي بيان لأي ثائر لابد أن يتحدث فيه عن النصر، وعن قوة الثوار، وضعف العدو، وعن الهزيمة النكراء التي سيتعرض لها العدو. جيد. الإمام الحسين عن ماذا تحدث؟
أولاً، بدأ الخطبة بالحديث عن حتمية الموت: "خط الموت على ابن آدم، خط القلادة على جيد الفتاة". جيد الفتاة لا يخلو من قلادة، كذلك الإنسان لا بد له من الموت. الموت هو قضاء محتوم. عجيب! أنت تخاطب ثواراً لتعبيتهم، بدأت الخطبة بذكر الموت، وأن الموت أمر حتمي. هذا واحد.
ثانياً، تحدث حدث فيه عن مصرع قائد الثورة: "وخير لي مصرع أنا لاقيه". بل تحدث عن وحشية الأعداء: "كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات". عسلان يعني ذئاب. ذئاب الفلوات يعني ذئاب الصحاري. بل حدد حتى الموضع بين النواويس وكربلاء. هنا العجب في هذه الخطبة. قائد، فليكن قائد عسكري، سياسي، ثوري، قائد حراك، لما يتحدث عن يقدم بيان لمن سيخرج معه، يحدثه عن ماذا؟ عن الموت، وعن مقتل القائد، وعن توحش العدو. كيف نفهم هذه القضية؟ كيف نفهم هذا الخطاب؟ إذا أردنا أن نحلله سياسياً، الذي يخالف ألف باء الحركات الثورية والحركات الإصلاحية اليوم. جيد.
أولاً، لابد أن نرجع إلى التفصيل لأي حراك أي حراك موجود، لابد أن يكون عنده ماذا؟ أهداف. أي حركة، أي ثورة، أي نهضة، أي تجمع، لابد أن تكون عنده أهداف واضحة. والنصر يتحقق بتحقق أهدافه. متى نقول هذا الحراك نجح؟ هذه الثورة نجحت؟ متى إذا حققت أهدافها؟ هذا الميزان. الميزان الموجود هو أن تحقق الثورة أهدافها. الإمام الحسين عليه السلام في بياناته الأولى حدد ماهية الأهداف. قال: "ما خرجت أشراً ولا بطراً ولا مفسداً، إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله صلى الله عليه وآله، وأن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر". جيد. إذا هدف هذا الحراك هو الإصلاح. جيد.
الآن، بعد تحديد الهدف، في الحركات، في الثورات، في النهضات المختلفة، من المهم جداً البحث، حث عن الوسائل التي بها يتحقق الهدف. لأنه لا يمكن أنا أن أرفع شعاراً وأقول هذا الشعار هو هدفي لهذا الحراك، وأنا لم أرسم آليات حصول هذا. جيد. شعار الإصلاح، كلنا بالإصلاح، لكن ما هي أدوات، آليات تحقيق هذا الشيء؟ هنا ندخل في كلام الإمام الحسين عليه السلام. الإمام بدأ بالحديث عن الموت، للإشارة لهذه القضية، وهي أن هذا الهدف الذي عنون بالإصلاح هو عظيم لدرجة أن هذا الهدف من شأنه أن تبذل فيه كل آلية وكل أداة لتحقيقه، وإن كانت هذه الآلية هي الدماء. يعني من الآن الإمام الحسين يخاطب الناس: هذه الثورة وهذا الحراك مكسبه تحقيق الإصلاح. هذا الإصلاح سنسعى لتحقيقه بكل شيء، ولو كان بماذا؟ بالدماء. يعني هنا ليس كما قرأ بعض المستشرقين، هذا الخطاب خطاب انهزامية. لا، بالعكس، هو خطاب نصر من جهة أنه ينبئ الإمام ويخبر بالأدوات المستعملة في تحقيق عملية الإصلاح. أعظم هذه الأدوات هو ماذا؟ بذل الدم. بذل الدم لأجل تحقيق الإصلاح. وهذه الآلية نجدها أيضاً حاضرة في خروج الحسين عليه السلام من المدينة. لما ذهب إلى قبر جده المصطفى صلى الله عليه وآله وقال: "يا جداه، القضية معروفة". ماذا كان جواب النبي؟ "شاء الله أن يراك قتيلاً". شنو يعني؟ الله يحب قتل الحسين؟ لا، وإنما هذه المهمة التي أنت ذاهب إليها، الأدوات التي تتحقق بها هو دمك. هذا معنى "شاء الله أن يراك قتيلاً".
الشهيد الصدر عنده تعبير هنا يقف يقول: الأمة وصلت إلى حالة من السبات ومن الخمول، شبيهة بالموت السريري. الذي يموت موت سريري يحتاج إلى ماذا؟ لإنعاشه. صدمة. اليوم الصدمة الكهربائية. في ذلك الزمان لم تكن الصدمة الكهربائية. صدمة ذلك الزمان أن يسفك دم مقدس طاهر لإيقاظ هذه الأمة التي تموت. هذا الدم هو دم من؟ سيد الشهداء سلام الله عليه. لذلك هنا الإمام ليس بصدد نعي نفسه، خطاب انهزامي. لا، هذه الثورة خاسرة وستمت. لا، هو يخبر أن هذا الإصلاح، الطريق لتحقيقه هو دمي. ولذلك، رغم علمه بمقتله، استنصر. "صر الناس". "فمن كان باذلاً فينا مهجته، موطناً على لقاء الله نفسه". فليرحل معنا.
فال هنا، كما يعبرون، نواة الحقيقة. اليوم الحديث كثير، لا سيما في خضم هذه الأحداث، عن الشهادة والشهداء. وبمرورنا بأيام صعبة وظروف صعبة، القتل حصل في كل مكان. جيد. هل الشهادة هي حالة عابرة؟ حدث عابر بمعنى الإنسان يسقط عليه صاروخ أو قذيفة أو رصاصة، يموت. هذا مقام الشهادة؟ أو هي شيء آخر؟ طيب، لا نتحدث نحن عن الشهادة الفقهية الآن. نتحدث عن الشهادة، ذلك المقام الذي تحدث عنه القرآن الكريم وتحدثت عنه الأحاديث.
الإمام الحسين سلام الله عليه، رغم علمه بمقتله ومقتل من معه، وضع شرطين للالتحاق بهذا الركب، بهذا المعسكر. الشرط الأول: "من كان باذلاً فينا مهجته". يعني الاستعداد للتضحية. ثانياً: "موطناً على لقاء الله نفسه". من اجتمعت فيه هذه الشروط، أو من اجتمع فيه هذان الشرطان، فليلحق بنا. فإني هنا، الإمام ينقلنا إلى مفهوم آخر للشهادة، وهي أنها ليست الحدث العابر الذي يطرأ على حياة الإنسان. لا، هنا ينقلنا إلى شهادة أشبه ما يكون بالمشروع. هذا المشروع، أو هذه النتيجة، ينالها من توفرت فيه قابلية التضحية، قابلية الاستعداد للتضحية، وتوفرت فيه حالة الاستعداد للقاء الله جل جلاله.
هذه الأشياء، الاستعداد للتضحية والاستعداد للقاء الله، هذه الأمور هل هي أمور حياتية؟ أمور موتية؟ حياتية. نتحدث عن حياة الإنسان، لا عن موته. إذا الإمام يخبرنا أن من أراد الوصول إلى الشهادة، عليه أن يعيش حاملاً لهذه الصفات: صفة الاستعداد للتضحية والفداء، وصفة الاستعداد للقاء الله جل جلاله. إذا أصبحنا لا نتحدث عن الشهادة كحدث عابر، أصبحنا نتحدث عن الشهادة كـ ماذا؟ كمشروع حياة، وليس مشروع موت. يعني من أراد النتيجة وهي الموت في سبيل الله، لابد أن يعيش شهيداً. كيف يعيش شهيداً؟ إذا توفرت فيه هذه الأمور: "موطناً على لقاء الله نفسه"، "باذلاً فينا مهجته".
إذاً، هنا نتحدث عن مشروع الشهادة الذي يبدأ بحياة الإنسان. مشروع الشهادة ليس الانضمام لجبهة القتال، أو حمل السلاح، أو تعريض الصدر للرصاص. لا، مشروع الشهادة يبدأ بأن يعيش الإنسان شهيداً. كيف يعيش شهيداً؟ أهم عنصر في هذه الحياة أن يكون في كل آن مستعداً للقاء الله جل جلاله. جيد. قد يقول الإنسان باللسان: أنا مستعد للقاء الله. هذه باللسان سهلة، سهلة تقال. نحن نتحدث بالفعل. اليوم، هل أنت مستعد للقاء الله؟ اليوم، لو الإنسان يأتيه استدعاء من المحكمة لقاضٍ بشر، ماذا يفعل؟ طبعاً هو سيخاف. استدعاء من المحكمة، توجد مشكلة. سيبدأ في تصفية كل الأمور، في حلحلة كل القضايا، في إرجاع حقوق الناس، في كل شيء. ثم يحمل ملفاً كبيراً ضخماً ويتوجه للقاضي: سيدي القاضي، أنا لا يوجد عندي أي مشكلة. نفس القضية.
"موطناً نفسه على لقاء الله". يعني استقامة الإنسان على جادة الشريعة طيلة حياته، في كل سكنة من سكنات حياته، في كل حركة من حركات حياته، في كل قول يلفظه بلسانه، في كل نظرة يطلقها من عينه. كل هذه الأمور تدخل تحت عنوان "موطناً نفسه على لقاء الله". ولقاء الله، لا نتحدث عن لقاء مكاني. بعض المجسمة يفهم هذا المعنى. لقاء الله يعني تطلع في السماء للسماء السابعة وتلتقي بذلك الإله الذي تخيلوه شاب أمرد جعد قطط. أو تنتظر الإله ينزل للسماء السابعة. والسيد نعمة الله الجزائري ينقل هذه القضية يقول: ذهبت إلى بغداد فوجدت أحد ذكر مذهب من المذاهب حنبلي. ذكر شخص حنبلي. قال: وجدته في كل يوم يجعل العلف على سطح داره. قلت له: لماذا؟ ما الغاية؟ قال: ويحك، ربنا ينزل في المن في الثلث الأخير من الليل إلى السماء السابعة. أي شنو العلاقة؟ قال: مو ينزل على حمار المطي مال الله. شنو بياكل؟ فهذا قربه لله تعالى، حط علف. ما نتحدث عن هذه العقل.
لقاء الله ليس لقاء مكانياً ولا لقاء زمانياً. هي حالة يعيشها الإنسان. أمير المؤمنين يصور هذه الحالة: "ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله معه". تعدد كل شيء. حال يعيشها الإنسان، فيجعل الإله محور حياته. كيف؟ أي فعل أنا سأقوم به؟ الإنسان العادي كيف يقيم الأفعال؟ هذا يعجبني، أو يعني إذا رجل سيذهب إلى هذا المكان، أنا أرتاح في هذا المكان مثلاً أو ما أرتاح؟ أتسلى؟ ما أتسلى؟ المرأة تلبس ملابس، تقف أمام المرأة، تعجبني هذه الملابس أو لا؟ هذا الإنسان العادي. الإنسان الذي يجعل الله عز وجل محور حياته، من مصاديق "موطناً نفسه على لقاء الله". لا يذهب لمكان يسأل: هذا الذهاب يرضي الله أم لا؟ امرأة تلبس ملابس، قبل المرأة، هذه الملابس ترضي الله أم لا؟ لماذا؟ ما علاقة هذا بـ "موطناً نفسه على لقاء الله"؟ ذهبت إلى ذلك المكان وقبضت روحك، الله يرضى أن تكون في هذا المكان أو لا؟ أنت أيتها المرأة لبست هذه الثياب، أطال الله في عمر الجميع، قبضت روحك، الله يرضى هذا اللباس أو لا؟ وهكذا. الله يرضى هذا القول أو لا؟ يرضى أن أسمع هذا الشيء أو لا؟ يرضى هذه النظرة؟ هذا معنى أن يجعل الله ماذا؟ محور حياتنا.
الإمام جعل، الإمام الحسين عليه السلام جعل هذا الشرط، بالإضافة إلى الشرط الأول الذي ذكرناه "موطناً نفسه"، عفواً "باذلاً فينا مهجته"، جعلها هي ماذا؟ شروط الالتحاق بقافلة الإمام. عجل الله تعالى فرجه. يعني لا ينضم لمعسكر الإمام الحسين إلا من كانت فيه هذه الشروط.
جينفعنا هذا الكلام؟ إحنا عندنا معسكر كامل بدأ من سنة 260 للهجرة، أو من سنة 320. وفي كل يوم، وفي كل شهر، وفي كل عام، الأنصار يزيدون وينقصون. معسكر ماذا؟ معسكر إمامنا صاحب العصر والزمان. ما شاء الله تعالى، معسكر قائم، فسطاط قائم مثل فسطاط أبي عبد الله الحسين عليه السلام. حركة الإمام الحجة سلام الله عليه عملياً وليس نظرياً هي نفس حركة الإمام الحسين. الإمام الحجة سيخرج من المدينة إلى مكة. أحداث الظهور، الخسف ذي الحجة، يقتل النفس الزكية بين الركن والمقام. الإمام يخرج من المدينة، يذهب إلى مكة، يعلن نفسه في مكة، في العاشر من المحرم، ثم بعدها يخرج إلى العراق وإلى كربلاء. نفس مساء الإمام. يرفع نفس الشعارات. أصلاً هو لما يعرف نفسه يقول: "أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني، عرفت نفسي أنا..." إلى أن يقول: "إن جدي الحسين ذبح عطشان".
الآن نحن نضيف نفس الشروط التي وضعها الإمام الحسين عليه السلام لمن سيلتحق بركبه، بقافلته، هي نفس الشروط موجودة لقافلة مولانا صاحب العصر والزمان. اليوم ما هي الإجازة؟ ما هي الرخصة؟ ما هي الشهادة التي يحتاجها الإنسان ليسجل في سجل وديوان أنصار الإمام المهدي؟ هي هذه القضية: "من كان باذلاً فينا مهجته، موطناً نفسه على لقاء الله عز وجل". اليوم أنت تريد أن تسجل في ضمن أنصار الإمام المهدي، وطن نفسك على لقاء الله. كيف توطن نفسك على لقاء الله؟ تجعل الله محور حياتك، وتجعل كل أعمالك وسكناتك تدور مدار تكليفك الشرعي. ذاك الذي يسأل عن المكان، يونس أو لا؟ وذاك اللباس جميل أو لا؟ الصنف الأول. ذاك ما جعل الله محور حياته. جعل من نفسه. "أرأيت من اتخذ إلهه هواه". هواه نفسه تصبح معبوده. معبود النفس تصبح، فيجعلها هي محور حياته.
وهذا اليوم الذي يحصل في مجتمعنا. أن الذي يحركنا هو الهوى، هي النفس، هي الشهوات، هي الغرائز. لا يحركنا تكليفنا الشرعي. نحن لما نستيقظ في الصباح، لا أسأل: ماذا يريد مني الله اليوم؟ ما هو تكليفي اليوم في هذا اليوم؟ في هذه المرحلة؟ في هذه الحالة؟ لا، نحن تحركنا الغرائز، تحركنا الموضة، يحركنا الترند. أنت تحركنا الطشة. صحيح أو لا؟ هذه الأمور اليوم التي تحركنا. اليوم الإنسان لما يلبس، لا يسأل: هذا اللبس يرضي الله ورسوله أو لا؟ يسأل: هذا اللبس موافق للموضة؟ آخر الموضة؟ آخر براند موجودة أو لا؟ لما يريد أن يسمع شيء، لا يسأل: هذا محرم أو لا؟ يشوف شنو الشيء اللي ضارب، اللي طاش. شو اسمه؟ حتى في سلوكياتنا، في القضايا العامة، نحن لا نسمع عن تكليف الشرع. يا أخو، أنا لا أعمم الآن، نتحدث بصورة عامة كظاهرة موجودة. لا نسأل عن تكليفنا الشرعي. نحن مع الناس، مع القطيع. أين سيذهب الناس، نحن معه. خطأ. هذا خطأ.
اليوم من حيث لا ندري، أصبحت هذه الخوارزميات الموجودة في السوشيال ميديا، في الفضاء الافتراضي، تتحكم في وعينا. هي تدفعنا لفعل هذا، افعل، لا تفعل، وافق، لا توافق، اقبل، لا تقبل. هي تتحكم فينا. وطبعاً هذه الخوارزميات ليست من نفسها تتصرف. هناك أيادٍ تحركها، وأيادٍ يقيناً ليست بريئة. اليوم، للأسف، ممكن منشور في الفيسبوك، أو صورة في الإنستغرام، أو فيديو في التيك توك، مستعد يحرك الشارع بالكامل. يندفع الناس. زين، قبل ما تندفع، أما سألت عن تكليفك الشرعي؟ أما سألت عن ما ينبغي وما لا ينبغي؟ لا. هذه أمور يصير الواحد يأخذها بعين الاعتبار.
مهم جداً الإنسان يلتفت أن أي عمل خارج التكليف الشرعي قد يكون داخلاً في باب المعصية. وإذا نرجع إلى موضوع إمامنا صاحب العصر والزمان، أكثر شيء يبعدنا عنه هو المعصية. هو يقول: "ولولا اجتماع قلوب شيعتنا لما تأخرت عنهم اليمن بلقائنا، ولتعجلت لهم السعادة بمشاهدتنا". فما يمنعنا عنهم إلا ما يتصل بنا سوء عملهم. عشي الإمام يقول: أنا موجود، الذي يحجبني عنكم عملكم. يعني الإنسان قد يرتكب معصية. والآن الشباب شوية مثقف، تقول له: شاب، هذه معصية. لا تفعل. يقول لك: أي، صغيرة من الصغائر. جيد. صغيرة، ولكن هي معصية. يقول لك: أي، تفعل هذا الشيء. الله بياخذ كل الناس. شوف، مهم جداً الإنسان يلتفت. هذه المعصية، وإن كانت صغيرة، هي خطوة في الاتجاه المعاكس لصاحب العصر والزمان. إذا معصية كبيرة، لا نتحدث عن خطوة أكبر. احسب أنت يومياً كم تبتعد عن صاحب العصر والزمان؟ يومياً كم معدل المعاصي؟ ها؟ أعطونا رقم. يلا، واحد يتطوع يعطينا رقم. في اليوم مئات؟ لا. مصيبة. هذا لا فرعون هذا. لا. الفرد كم يرتكب في اليوم؟ عشرة؟ زين، عشرة. نظرة من هنا، شيء من هنا، مجلس غيبة منهم. تخيل يومياً الإمام موجود في هذا المكان. أنت يومياً تبتعد عنه. تبتعد عنه بمعدل عشر خطوات. في الشهر كم؟ 300 خطوة. في السنة كم؟ مع امتداد العمر ستجد بينك وبين الإمام صرنا نتحدث عن ممكن عشرات، بالمئات الكيلومترات. في هذا الزمن لسهولة المعاصي ومثل ما تفضل الأخ، الموجودة تحصلها مشكلة. كل هذا لأننا لم نوطن أنفسنا على لقاء الله. لم نربي أنفسنا على مبدأ "من كان باذلاً فينا مهجته".
شوف التعبير الدقيق في الخطبة. لم يقل: "من كان باذلاً فينا نفسه". المهجة: الكبد. أغلى ما في الإنسان. لذلك العربي لما يخاطب ابنه ماذا يقول؟ "يا قرة عيني ويا مهجة فؤادي". يعني مستعد أن تبذل أغلى ما تملك. قضية الإمام الحسين عليه السلام هي تدور مدار هذه الفكرة: أني لاجل المبدا، ولاجل القيمة، ولاجل الحق، أنا أبذل كل شيء، وإن كانت حياتي، وإن كانت روحي. هو هذا اليوم الذي العالم لا يفهم. اليوم يأتي البعض: أنتم كم أعطيتم شهداء في سبيل قضية فلسطين؟ وماذا ربحتم؟ ماذا كسبتم من هذه القضية؟ ويحسب القضية حساباً مادياً. يظن أن العطاء لأجل المبدا، نحن نبحث من ورائه عن المكسب الدنيوي المادي. لا. نحن نقاتل لأجل الحق، لأن الله عز وجل أمرنا بهذا، وبيّن لنا هذا الطريق. قضية غير مرتبطة بمكاسب دنيوية. لا. هذه حروب أهل الدنيا وصراعات أهل الدنيا تحسب القضية بصفقات معادن تحت الأرض وفوق الأرض، مثل ما حصلت الحروب الإلهية. لا. أنت تحارب لأنك مؤمن بهذا المبدا، ومؤمن بهذه القيمة، وترى أن هذا الهدف يستحق أن يبذل فيه كل شيء، وأن يجود الإنسان بكل ما يملك، ولو كانت نفسه التي بين جنبيه، في سبيل ماذا؟ في سبيل هذا المبدا وهذا الهدف.
جيد. أنا أستشهد. أي عادي. نفس هذه الشهادة هي نصر، لأنها ستكون وقوداً لمن سيأتي بعدي ويكمل على نفسي الطريق. هذا الفارق. من الذي بين الذي وطن نفسه على لقاء الله، وبين الذي جعل الدنيا هي هدفه وغايته؟ لذلك نختم بما بدأنا. قضية الشهادة، قبل أن تكون موتاً وانتقالاً للحياة الأخرى، هي ماذا؟ هي مشروع حياة. والإنسان قبل أن يكون شهيداً في الآخرة، لابد أن يعيش في الدنيا شهيداً. كيف يعيش شهيداً؟ "من كان باذلاً فينا مهجته، موطناً على لقاء الله نفسه".
وصلى الله على محمد وآل محمد. اللهم صل على محمد وآل محمد.