Transcription
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمد الشاكرين. والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بين أيدينا اليوم سورة عظيمة من سور القرآن الكريم. نزلت على الحبيب صلى الله عليه وسلم ما بين فترة الهجرة الأولى إلى الحبشة وما بين حادثة الإسراء والمعراج. فترة حرجة صعبة في عمر الدعوة إلى الإسلام. والقرآن وجه فيها النبي صلى الله عليه واله وسلم بأشكال من المعارضة والصد والإعراض والتكذيب والجحود للرسالة التي جاء بها. واتخذت قريش في ذلك أشكالاً متنوعة وصوراً متعددة. ما بين السخرية والاستهزاء في بعض الأحيان. وما بين محاولات الضغط عليه صلى الله عليه وسلم مستعملة بذلك كل ما أوتيت من سلطة وقوة مادية.
وقريش والعرب الذين عرف عنهم قبل الإسلام في الجاهلية أنهم أناس يعملون حساباً لذوي القربى ومكارم الأخلاق. وعرف ذلك واشتهر عنهم. إلا أنهم حين جاءهم الأمين الصادق برسالة القرآن ما كانت تلك أبداً سمة تعامل مع هذه الرسالة العظيمة. والقرآن العظيم عاب عليهم ذلك في أكثر من موضع. ولكن في كل ذلك القرآن كان يتنزل بكبريات القضايا اليقينية التي سخروا منها واستهزأوا بها. هذه رسالة القرآن. ليس ذلك فحسب. ولكن أساليب البيان التي جاءت في القرآن العظيم بسورته المباركة كانت أساليب معجزة. كان الواحد منهم يقف أمامها عاجزاً. لا يستطيع أبداً إلا أن يستمع إلى هذه الآيات. كان يطرب لسماعها وترق الذائقة الحسية أمام تلك الآيات والكلمات والمفردات. ثم ما يلبث الجحود والعصيان والتمسك بدين الآباء والأجداد أن يصد هؤلاء عن القرآن والإقبال عليه.
هذه السورة المباركة سورة القارعة. جاءت كواحدة من النماذج العظيمة لسور القرآن العظيم التي حملت هذه السمات. حروف مفردات فيها من أشكال القرع الذي هو طرق وهز بشدة وقوة ما يقرع الآذان والقلوب والأفهام. ليس فقط من خلال الدلالة الصوتية. لكن نحن قلنا ونقول دوماً أن واحدة من أساليب القرآن العظيم أنه يعبر عن المعاني والمقاصد بمستويات دلالة مختلفة. دلالة صوتية. دلالة صرفية وفي اللغة. دلالة متعلقة بالسياق والأساليب. ولكن كل هذه الأشكال المتداخلة من الدلالات هي هادفة لتحقيق المقصد والمعنى وليست بخارجة عن فحوى. فحتى في مسألة المفردات التي تأتي في السور المباركة بأصوات الحروف والفواصل فيها هي تأتي لأجل أن تحقق ذلك الهدف وذلك المعنى والمقصد العظيم الذي جاءت به السورة.
القَارِعَةُ التي هي مكونة من كلمات معدودة وآيات محدودة تجاوزت العشر آيات بأية واحدة فقط تأكدت فيها كلمة القارعة ثلاث مرات. القَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا القَارِعَةُ. إذا قضية القارعة وورود هذه اللفظة في السورة هي جزء من بنية هذه السورة. هي جزء من أساليب ومقاصد تحقيق هذه المعاني التي نزلت بها. ولا وتنا في هذا السياق أن نربط ونبحث عن أوجه التناسب ما بين السورة التي قبلها في ترتيب المصحف وما بين السورة التي بعدها في الترتيب. السورة التي قبلها العاديات. والسورة التي بعدها التكاثر. والسورة التي نزلت قبلها أي في الترتيب النزول للقرآن سورة لآلاف قريش. لك أن تتساءل وأن نحن نقرأ هذه الآيات والسورة ما هو دخل موقع هذه السورة المباركة في هذه المعاني.
سورة العاديات التي جاءت تصور للإنسان ما يمر ويعرض له من عمليات الإغارة المختلفة. سواء كانت إغارة إبل وخيول ولا إغارة جوية ولا مشابه. كلها تغير حاله وتبدل وضعاً اعتاد عليه وألفه. وآخر الآيات في قوله جل شأنه: "إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ". تكلمت عن يوم القيامة. عن الحساب. عن المآل. عن المصير الذي كان يفر منه هؤلاء. سورة القارعة جاءت في تكامل تام مع هذه السورة المباركة. ونحن قلنا أن سورة الزلزلة وسورة العاديات وسورة القارعة جاءت كلها في بنية متكاملة منسجمة مع بعضها البعض متسقة. الحديث عن يوم القيامة. الحديث عما يعرض لهذه الأرض التي ألفناها واعتدنا المظاهر المختلفة التي نعيش فيها وما يحصل لها من اختلاف في نظام الكون. أما عهدناه في انتقال مباشر وسريع إلى الغاية والمقصد من كل تلك العلامات. بمعنى أن القرآن حتى حين يعرض للأرض إذا زلزلت وما يحدث حين تكون تلك الحادثة العظيمة التي تقع في وقع سريع كوقع الغارة. ثم في القارعة التي تحدث. القرآن لا يقف طويلاً عند تلك الظواهر الكونية. لا يقف طويلاً عند وصف دقائق الأمور والحوادث التي ستحصل للكون وتغير نظامه وتقلب ما اعتدنا عليه. ليس القصد هي قضية ما يحدث للكون. القصد ما الذي سيكون بعد ذلك. الكون اختل النظام فيه. الشمس كورت. السماء تصدعت. الجبال أصبحت كالعهن المنفوش. الأرض زلزلت زلزالاً كاملاً. ولكن ماذا بعد ذلك؟ يأتيك القرآن بالخلاص. "فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ".
حتى ما يحدث لهذا الكون من اختلال رهيب لا يستطيع الإنسان أن يقف عند تفاصيله لسرعته لهوله لشدة ما يحصل فيه. إلا أن القرآن لا يريد منك أن تقف عند ذلك فحسب. لأنك لا دخل لك في ما سيحدث. أنت لا دخل لك في السماء التي تتصدع ولا في الأرض التي تزلزل ولا في الجبال التي تسير ولا في شيء من هذا. أنت لا تملك أن تفعل شيئاً إزاء ذلك. هذا سيحدث سيحدث. ولكن ما هو مطلوب منك أن تفهم وتستوعب ماذا سيحدث بعد ذلك حتى تكون على أهبة الاستعداد. تدبروا معي في القرآن حتى تفهم وتستوعب ما سيأتي بعد ذلك. وفي ذات الوقت تدرك أن ما تراه من استقرار في نظام الكون اليوم على هذه الأرض التي ألفتها واعتدت عليها ليس بشيء دائم وليس بشيء مستمر. وإنما هو في واقع الأمر جزء من الاختبار والابتلاء. ومطلوب منك أن تعيش هذه الفترة من الاستقرار في نظام الكون لتحقق ما طلب منك وما أمرت به ليس إلا. وإلا فكل شيء سيتغير ويتحول.
آياته العظيمة تأتي بهذه الكلمات والمفردات القارعة. ونحن نعرف هذا الصوت لحرف القاف مع الراء والعين يحدث أثراً في نفس المتلقي والسامع. لأن بالفعل ما هو مقصود من هذه القارعة التي وردت في سور وآيات أخرى أن تبين لك وتنقل لك المعنى أن ما يكون يوم القيامة هو قارع بكل المعاني. اسم من أسماء يوم القيامة. والعرب تسمي نوائب ومصائب الدهر الهائلة قارعة. لأنها تقرع. لأنها تدق. لأنها تنبه. لأنها توقظ. لأنه لا يستطيع الإنسان إلا أن ينتبه حين تحل قريباً من داره أو تنزل به. كل هذه المعاني مجموعة في هذه المفردة العظيمة. إذا حتى في الصوت. حتى في الكلمة. بل حتى في الفاصلة. والقارعة. نحن نعلم أن التاء المربوطة إذا وقفت عليها نطقت هاء. والهاء أو حرف الهاء كما يقول العلماء حرف حتى في نطقه يدل على أن من ينطق به الهاء هو في حالة شكل من أشكال الاضطراب النفسي التي يعبر عنها بالصوت الهاء. ولذلك الإنسان حين يصاب بالدهشة أو الذل ها. الهاء. تدبر معي في اختيار الفواصل. تدبر معي في اختيار الحرف بصوته. كل ذلك مقصود لأجل إحداث ذلك الأثر النفسي في السامع والمتلقي. لأجل أي شيء؟ لأجل أن ترسم الصورة في ذهنك أن يا ناس يا عالم يا كفار قريش يا من تعيشون حياتكم دون أن تستوعبوا ما وراءكم وما أنتم مقبلون عليه شئتم أم أبيتم تنبهوا واستيقظوا. إنها القارعة. تدبروا في الكلمات العظيمة. هذا الأثر مطلوب. هذا المقصد مطلوب.
وقلنا في أكثر من مرة أن القرآن العظيم حين يؤثر على نفسية المتلقي والمتدفقة في قلب الواقع كانك تمشي بين عرصات يوم القيامة. كانك هناك. حين يخرجون من الأجداث إلى ربهم ينسلون. كانك تنظر إلى تلك الجبال التي تراها كالعهن المنفوش بعد أن كانت صامدة صلبة مستعصية على من حتى يحاول أن يقتلع منها بشيء. تغير كبير جداً. لأجل أي شيء؟ لأجل أن يحدث الأثر في نفسك فتستوفي استعداداً لهذه المسألة ولذاك الموقف. شيء طبيعي. ضربنا عدة أمثلة في مرات سابقة. قلنا الناس في الدنيا يعدون ليوم حفل تخرج. ويعدون لزفاف. ويعدون لكذا ولك ولك. وهي عبارة عن أحداث تحصل للإنسان مواقف لها ما بعدها. فكيف بك وأنت أمام يوم ليس له ما بعد. وليس ثمة أمر سيكون قبله. إذا ما استحضرت كل تلك المعاني والأجواء التي يريدك القرآن أن تعيشها. القارعة. ما القارعة. تهويلاً. تعظيماً. تفخيماً لشأنه. والقرآن حين يأتيك بقوله: "وَمَا أَدْرَاكَ مَا القَارِعَةُ". هذا يعني أنه سيبين ويوضح لك. ولذلك نحن قلنا أن صحيح يوم القيامة وتحديد الوقت بالضبط والميعاد من الغيب لا أحد يعلم به. لكن ما سيحدث في تفاصيل ذلك اليوم العظيم يوم القارعة. القرآن وصفه لك أيما وصف. أدق وصف. أوضح بيان بكلماتها وفواصلها وآياتها. أنت تراها كأنها ما عادت غيباً. لماذا كل هذا التقريب؟ حتى تعد العدة وتستوعب ما أنت مقبل عليه.
شيء عجيب في وجه التناسب بين سورة القارعة العظيمة وما فيها من آيات قارعة. وما بين ما بعدها سورة التكاثر. "الْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ". أيعقل أن امرؤ بعدما وقف وعاين ما جاء به القرآن في سورة القارعة يعود إلى حياته الأخرى العادية. حياة التكاثر والتفاخر بالأشياء التي لاقي مثلها. تدبروا معي في القرآن. عظمة القرآن في نظمه وتناسب آياته. وسورة القارعة. "القَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا القَارِعَةُ". قال: "الْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ". حتى زرتم المقابر. حتى تفهم بشاعة التكاثر الذي يتهافت عليه كثيرون اليوم. حتى تفهم إلى أي الإنسان فرداً أو مجتمعاً أو أمة يعيش حالة من حالات الغيبوبة الكاملة حين يعود وينشغل بالتكاثر والتفاخر في الأشياء المادية ويترك القارعة والاستعداد للقارعة. حتى يستوعب النتائج. أبعد القارعة تكاثر؟ أبعد ما نزل من هذه الآيات تكاثر وتفاخر حتى زرتم المقابر. تدبر في القران وما يحدثه من أثر لنستوعب ما معنى أن تقرأ القرآن متدبراً. تدبر يغير حياة الإنسان. يغير قرارات الإنسان. يغير مسار الحياة. أنت لست أنت كما كنت قبل أن تقرأ متدبراً. لا يمكن أن تعود إلى سيرتك الأولى. تكشفت لك الحقائق. القارعة. ما القارعة. وما أدراك ما القارعة.
في ذلك الوقت في تلك الأجواء التي كان يعيشها المسلمون من استضعاف قريش لهم ومزاولة سيطرتها وقوتها الغاشمة عليهم. حتى يفهم الإنسان ويستوعب. ستأتي الآيات بعدها في نهاية سورة القارعة: "وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ". من هؤلاء الذين كانوا يمارسون القوة الظالمة الغاشمة على المستضعفين من المسلمين الأوائل. أصحاب الوزن الثقيل. ونحن نعرف ونقول فلان له وزن في مجتمعه أو بيئته. سواء يعني ليس بمعنى أنه ثقيل في وزنه الجسدي. لا. في سلطته. في مكانته. في منته. في قوته. في ماله. في ثروته. له ثقل. تدبر معي في الكلمة. ليس هذا هو المهم. ليس المهم أن يكون له ثقل في المجتمع أو لا ثقل له. مكان أو لا مكان له. المهم ما يعمل. المهم الموازين. فقد يكون الواحد صاحب ثروة ومال وجاه وكأبي جهل وغيره. ويأتي يوم القيامة وقد خفتت موازينه. فماذا هو الحال والمصير؟ قال: "فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَ * نَارٌ حَامِيَةٌ". القارعة تجعل الإنسان يستوعب ويدرك أن ليست الإشكالية في أنك تملك أو لا تملك. قوي أو غير قوي. لديك أبناء ولديك أسرة ولا ما لديك أبناء. لا. ليس المهم. اقتنيت. المهم ماذا فعلت بما مكنك الله فيه. ثقلت موازينك أم خفت موازينك. تدبروا معي في هذه المعاني.
هذه معاني عظيمة. لذلك لا يمكن أبداً أن يتسق معها ما جاء في السورة التي بعدها التكاثر. "الْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ المَقَابِرَ". كلا سوف تعلمون. تعلمون ماذا؟ علم اليقين. القارعة. وما أنتم مقبلون عليه. تدبر في ترابط وتناسب سور القرآن. هذه آيات عظيمة. لأن الإنسان الذي يضع نصب عينيه القارعة لا يمكن أن يلهيه التكاثر والتفاخر. لا يمكن أن يضيع أوقاته ويهدر رأس ماله من الوقت والزمن والعمر في أشياء لا قيمة لها لا تثقل موازينه. ولك أن تقارن وتتخيل وتمضي بعيداً في عشرات الصور التي يمر بها الإنسان مضيعاً وقته. مهدراً لنفاس عمره الذي هو ثروته الحقيقية. خفت موازينه وثقلت موازينه. هذا الذي يجعل للأثر. هذا هو ما يهم. حتى ما يحصل للجبال وللناس التي جاء وصفهم في القرآن في سورة القارعة. "يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالفَرَاشِ المَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الجِبَالُ كَالعِهْنِ المَنفُوشِ". أم خفت موازينك. تدبر في عظمة القرآن. هذا هو الذي ينبغي أن تركز عليه. هذا الذي ينبغي أن تقضي فيه عمرك. هذا الذي ينبغي أن تبدأ فيه صباحك. هذا الذي ينبغي أن تنهي فيه يومك وليلتك. هذا الذي ينبغي أن تعول عليه. هذا رأس مالك. موازينك. ما هي موازينك؟ ما هو قدرك عند الله؟ ما قيمة أن يكون لك وزن عند الناس ويعملون لك ألف حساب وحساب. لأن الوزن يتعلق بالقدر. قدر الشيء وقدر الشخص ومكانة الإنسان. ما قيمة أن يكون لك قدر عند الناس يقفون لك ويرحبون بك. ولربما يفرشون لك كذلك ما يفرش للكبار وللناس عظماء من ذوي المكانة السامقة في المجتمع. ما قيمة كل ذلك إن لم يكن لك قدر عند الله عز وجل. كيف تعرف ما هو قدرك عند الله؟ انظر فيما تعمل. لأن عملك موازينك. انظر في ماذا تعمل. انظر ما الذي يشغل بالك. انظر ما الذي يؤرقك. انظر فيما تنفق مالك. انظر فيما تحمل همه. تدبر معي في المعاني. بعض الناس يحمل هماً فقط لمعاشه. فقط لما يعيش. فقط كيف سيخرج. فقط كيف سيراه الناس. فقط ماذا يقول عنه الناس. لا شيء غير هذا. تدبر في القرآن كيف يصحح المسار قبل فوات الأوان.
وهنا نفهم لماذا يقرب لنا القرآن صورة يوم القيامة كأنك تراها. لأن هذه الصورة المقربة حين تقربها هكذا هكذا هكذا حتى ترى الجزئيات والتفاصيل فيها. هذا أدعى أن يجعلك تعيش في تلك اللحظات. فإذا ما استحضرت وعشت وقربت إليك شمرت عن ساعد الاجتهاد والعمل الذي ينبغي أن يكون قبل فوات الأوان. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.