Transcription
اسمعوني جيدا. الدبلوماسيه لا تعلن الحرب دائما بالميكروفونات. أحيانا الحرب الحقيقية هي أن تطفئ الأنوار غرفة غرفة. لا تسمع صوت انفجار ولا ترى دخانا يتصاعد، لكنك فجأة تكتشف الحقيقة المرعبة: الهاتف الأحمر توقف عن الرنين، الزيارات الرسمية ذبلت وماتت، والابتسامات الدبلوماسية اختفت تماما من الكادر.
نحن اليوم لا نتحدث عن خلاف عابر ولا عن سحابة صيف. نحن أمام ما يسمى في علم السياسة بالقطيعة البطيئة. وتذكروا هذا المصطلح جيدا، لأنه أخطر ألف مرة من إعلان الحرب الصريح، لسبب بسيط: لأنه يدار بالعقل البارد، لا بردات الفعل الغاضبة.
نحن في يناير 2026، والحدث ليس في باريس ولا في واشنطن. الحدث في محور الجزائر-أبو ظبي. اسم أبو ظبي عاد ليضرب بقوة في أروقة القرار الجزائري. لكن هذه المرة ليس في مشاريع استثمارية ولا في برقيات تهنئة. التقارير القادمة من الكواليس المظلمة تتحدث عن خطوة جراحية دقيقة ومحسوبة بالمليمتر: تخفيض التمثيل الدبلوماسي الجزائري في الإمارات إلى الحد الأدنى. نعم، سمعتم صح. الحد الأدنى، يعني ما يشبه الحبر على الورق.
يوم 26 من يناير 2026، فجرت أفريكا إنتلجنس القنبلة. التقرير يقول إن الرئيس عبد المجيد تبون حسم الأمر وقرر تقليص التواجد الجزائري في أبو ظبي في مسار لا يمكن قراءته إلا كقطع للجسور، لكن بذكاء. ليس بضربة فاس واحدة، بل بتفكيك الجسر قطعة قطعة حتى يسقط من تلقاء نفسه. وهنا السؤال الذي يجب أن يطرحه كل جزائري حر يفهم في السياسة: لماذا تختار الدولة الجزائرية هذا الأسلوب الآن؟ لماذا هذا التوقيت؟ ولماذا الحد الأدنى؟
ركزوا معي، لأن ما سيقال الآن لا يقال في نشرات الأخبار التقليدية. لماذا لم تخرج الخارجية ببيان ناري تقول فيه: قطعنا العلاقات وانتهى الأمر؟ الجواب بسيط ومرعب في نفس الوقت. لأن القطيعه الصاخبة هي هدية للطرف الآخر. تعطيه فرصة ليلعب دور الضحية ويحشد حلفائه ضدك. أما القطيعه البطيئة فهي سلاح نفسي فتاك. هي تحول الخصم إلى متهم حائر يبحث عن دليل، وتجعل مراكز القرار في الطرف الآخر في حالة ارتباك. ينتظرون التفسير الرسمي فلا يجدونه. يجدون فقط الصمت. والصمت في السياسة أحيانا أقسى من الصراخ.
موقع أتلایار التقط الإشارة بذكاء وقال بوضوح: لا يوجد تأكيد رسمي، والساحة تركت مفتوحة للتسريبات. وهذا هو المطلوب تماما. ترك الطرف الآخر يغلي في غرف مغلقة، يختبر ردود الفعل، ولا يعرف من أين ستأتيه الضربة القادمة.
دعونا نشرح جثة هذه العلاقة لنفهم ما معنى خفض التمثيل. في لغة الأقوياء، ليست مجرد جملة بروتوكولية. معناها أن الدولة الجزائرية تسحب أدواتها من على الطاولة. السفير يصبح طيفا، الطاقم يتقلص، الاجتماعات تصبح نادرة، والملفات القنصلية تتحرك ببطء السلحفاة. السفارة قد تبقى مفتوحة، نعم، وربما يبقى قائما بالأعمال. لكن الرسالة واضحة كالشمس: أنا لا أغلق الباب في وجهك، لكني لن أفتح لك نافذة تتنفس منها. إنها علاقة لا ثقة. علاقة تقول لك: أنت موجود على الخريطة، لكنك لم تعد موجودا في أجندتي.
لكن لحظة، النار لا تشتعل بدون وقود. ما الذي أوصلنا إلى نقطة لا عودة هذه؟ هنا يجب أن نفتح الصندوق الأسود ونكشف المستور. في الأسبوع الأول من يناير، بدأت الصحف الجزائرية المقربة من دوائر القرار تدق ناقوس الخطر. الحديث لم يعد تلميحا، الحديث أصبح عن تصرفات عدائية. موقع الإمارات 71 نقل في الخامس من يناير عن صحيفة الخبر كلاما خطيرا جدا. كلاما عن معلومات رسمية تتحدث عن تحقيقات تجري الآن في فرنسا حول ماذا؟ حول شبهات تمويل إماراتي لحركة ماك الانفصالية، الحركة المصنفة إرهابية في الجزائر. هل فهمتم الآن حجم اللعبة؟ نحن لا نتحدث عن خلاف حول سعر النفط. نحن نتحدث عن الأمن القومي، عن وحدة التراب الجزائري. عندما يصل الأمر إلى تمويل حركات تهدف لتقسيم البلاد، هنا تسقط الدبلوماسية وترتفع البنادق. وحتى لو لم تكن هناك وثيقة قبضائية منشورة على الملأ، الدولة لا تنتظر حكم المحكمة لتتحرك. الدولة تقيم الخطر وتتعامل مع النية. وفي العقيدة السياسية الجزائرية، أي يد تمتد لتمس وحدة البلاد يجب أن تقطع سياسيا ودبلوماسيا.
أتلایار قالها بصريح العبارة: ما ينظر إليه كدعم لماك "أحمر بالدم العريض". والجزائر سبق وأن قلبت الطاولة على دول كبرى بسبب هذا الملف، فما بالك بغيرها. لكن القصة ليست فقط ماك. لا تكن سطحيا في تحليلك. انظر للخريطة الكبرى. انظر للجيوسياسية. الجزائر ترى المنطقة بنظرة الممرات: ممرات النفوذ في الساحل، ممرات الطاقة في المتوسط. وفي كل زاوية من هذه الزوايا تجد ظل أبو ظبي: في ليبيا، في مالي، في السودان. هناك شعور بأن هناك من يحاول تطويق الجزائر. هناك من يلعب في الحديقة الخلفية للأمن القومي الجزائري. والجزائر التي صبرت طويلا، يبدو أن صبرها قد نفد. التقارير تتحدث عن اصطفافات تعتبرها الجزائر معاكسة تماما لمقاربتها الأمنية. وعندما يتعارض الأمن القومي مع تحركات شقيق مفترض، يسقط لقب الشقيق ويبقى حساب المصالح.
ثم تأتي الضربة القاضية الرمزية: العربية وفلسطين. الجزائر التي تعتبر فلسطين بوصلة لا تخطئ، ترى في قطار التطبيع خروجا عن السكة. أتلایار يذكرنا بأن معارضة الجزائر لاتفاقات أبراهام التي قادتها الإمارات في 2020 لم تكن مجرد موقف إعلامي. كانت شرخا حقيقيا في جدار الثقة. بالنسبة لصانع القرار في الجزائر: أنت لم تختلف معي في ملف سياسي، أنت نسفت الأرضية التي نقف عليها. أنت غيرت معايير الأخوة والموقف العربي. وهذا ليس تفصيلا، هذا هو الأساس.
ولا ننسى الجرح المفتوح في المغرب العربي: التقارب الإماراتي المغربي. الاستثمارات والرمزية السياسية التي تميل بوضوح لطرح الرباط في قضية الصحراء الغربية. الجزائر تقرأ هذا كجزء من الضغط المركب. ليست مجرد علاقات ثنائية بين دولتين، بل هو اصطفاف ضد مصالح الجزائر في ملف تصفية الاستعمار. هنا تتشابك الخيوط لتشكل حبل مشنقة للعلاقة الثنائية.
والآن، الجزء الذي يدار في الظلام: الحرب، حرب القذرة، حرب الإعلام. عندما تغلق السفارات أبوابها، تفتح أبواب الجحيم الإلكتروني. منصات مشبوهة، ذباب إلكتروني، حسابات وهمية، تسريبات مفبركة. الجزائر تدرك جيدا أن هذه الحرب تستهدف الوعي وتستهدف الجبهة الداخلية. وتخفيض التمثيل الدبلوماسي هو أيضا محاولة لقطع الطريق على هذه الألاعيب. هو تقليل للاحتكاك الذي يولد الشرارات. سحب البساط من تحت أقدام من يريدون تحويل الخلاف السياسي إلى فتنة شعبية.
نعود للسؤال الذي يحبس الأنفاس: لماذا الآن؟ التوقيت ليس صدفة. في السياسة لا توجد صدف، توجد فقط إشارات ورسائل. في أول يناير ظهرت إشارات الإنذار، وفي 26 من يناير جاءت رواية التقليص للحد الأدنى. هذا تسلسل زمني لقرار يتحرك على سكة حديدية. قطار انطلق ولن يتوقف إلا بمحطة جديدة.
لكن، واسمعوا هذه جيدا: السيناريو الأخطر ليس القطيعه ذاتها، بل ما بعدها. ماذا يعني أن تخنق القنوات الرسمية؟ يعني أنك تفتح المجال للحروب الرمادية، صراع السرديات، كسر العظام في الخفاء. خفض التمثيل قد يكون مجرد المرحلة الأولى، مرحلة العزل السياسي. رسالة تحذير أخيرة، مع إبقاء الباب مواربا قليلا. ليس حبا، بل دهاء. لترك خط للرجعة إذا عاد الطرف الآخر لرشده، ولتجنب صدمة للمواطنين والمصالح اليومية. هذا ما نسميه الضغط المتدرج. أنت تعطي خصمك فرصة للتراجع، وتحتفظ لنفسك بهيبة القرار. إنها رصاصة مؤجلة. الجزائر تقول بصوت هادئ ومخيف: لست مضطرة لإطلاق الرصاصة الآن، لكن مجرد أنني وضعت يدي على الزناد، يجب أن يغير سلوكك. السيادة عندنا ليست شعارا للمناسبات. عندما تمس الخطوط الحمراء، سأقلب ميزان العلاقة رأسا على عقب. والعودة من تخفيض التمثيل ممكنة، لكن العودة من القطيعه الكاملة شبه مستحيلة. لذلك الجزائر تلعب بذكاء. تترك مساحة صغيرة للمناورة، لكنها مساحة تضيق يوما بعد يوم.
فهل نحن أمام قطيعه حقيقية؟ الجواب البارد والمهني: لا يوجد بيان رسمي حتى هذه اللحظة يعلن الطلاق البائن. وهذا ما تؤكده كل التقارير الغربية والعربية. لكن يوجد مسار. يوجد مؤشر أحمر يضيء في غرفة العمليات. ويوجد قرار فعلي بتقليص التمثيل إلى هيكل عظمي. في لغة الجيوسياسية، هذا اسمه الخنق البطيء. لا ترفع صوتك، لا تلوح بالسكين، فقط اسحب الأكسجين من الغرفة واترك الطرف الآخر يختنق.
قراراته. السؤال الذي سيبقى معلقا في سماء الجزائر والخليج هذا الأسبوع: هل ستكتفي الجزائر بهذه الرسالة القاسية لتثبيت قواعد اشتباك جديدة مع أبو ظبي؟ أم أن رصاصة الدبلوماسية المؤجلة ستنطلق مدوية إلى العلن عند أول خطوة تعتبرها الجزائر تجاوزا جديدا؟ الأيام القادمة حبلى بالمفاجآت، والسيناريو مفتوح على كل الاحتمالات. لكن الأكيد شيئا واحدا: الجزائر قررت أن تضرب الطاولة. ومن كان يظن أن الصمت الجزائري ضعف، عليه أن يعيد حساباته فورا، لأن القادم قد يكون أصعب مما يتخيلون.