Transcription
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمد الشاكرين. والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بين أيدينا سورة عظيمة من سور القرآن الكريم. سورة اختلف المفسرون في مكيتها أو مدنيتها. إلا أننا وبتطبيق قواعد التدبر التي أكدنا في أكثر من مرة يتكشف لنا أن هذه السورة مكية. ليس فقط بسبب تلك العلامات المميزات لهذه السور المكية عن المدنية. ولكن كذلك من حيث الكشف عن أوجه التناسبات.
واحدة من أعظم قواعد التدبر أنك تنظر في التناسبات. موقع السورة موقع السورة في المصحف وفي ترتيب المصحف التوقيفي. ما بين ما قبلها وما بعدها. والنظر في تلك الموضوعات التي جاءت في السورة التي قبلها وبعدها. وفي خواتيم السورة التي قبلها ومفتتح السورة ذاتها. وخواتيم ومفتتح السورة في نفسها. وما مناسبات ما في السورة في خواتمها وفي مفتتح ما بعدها. هذا النوع من أنواع الربط والكشف عن التناسبات يكشف لنا فيما إذا كانت هذه السورة مكية أو مدنية.
السورة التي بين أيدينا اليوم سورة العاديات. المفسرون اختلفوا فقال البعض منهم إنها مكية. قوة العبارات. الحديث عن قضية البعث والآخرة. وبعثرة ما في القبور. الورة بمقاطع وفواصلها القارعة. القصيرة القوية الإيقاع في ذات الوقت. قال البعض منهم مدنية. تحدثت عن الخيل العاديات. خيل الجهاد. والجهاد لم يكن قد فرض في مكة. وبالتالي فالسورة مدنية.
ولكننا حين نطبق قاعدة التدبر في الكشف عن التناسبات يتبين لنا أن السورة مكية. ليس ذلك فحسب. لكن هذه السورة نزلت في الفترة ما بين بدايات الوحي وما بين الهجرة إلى الحبشة. الهجرة الأولى. هجرة المسلمين للحبشة. شيء آخر أن طبيعة الظروف التي عاشها المسلمون حين تنزلت عليهم هذه السورة المباركة ظروف عصيبة. ظروف كان يجادل فيها الكفار في كل شيء. وأعظم قضية جادلوا فيها قضية البعث. قضية النشر. قضية الحياة بعد الموت. التي وقف القرآن عندها طويلاً. ليس فقط نظراً لأهميتها. وليس فقط لمحور الجدل والجدال حولها قديماً وحديثاً. ولكن كذلك لمحور أهميتها في التعامل. بمعنى أن الإنسان قد يؤمن بأن هناك يوم للبعث. يؤمن بهذا. ولكن لا يعمل حساباً لذلك اليوم. سائر تصرفات ذلك الإنسان وقراراته كأنه لا يؤمن بالبعث. هذه إشكالية خطيرة يتعرض لها الكثير من المسلمين اليوم. الذين يؤمنون بالبعث.
من هنا حين ننظر في التناسبات السورة المباركة هي نزلت في الحقيقة في ترتيب النزول كما قلنا سورة العاديات بعد سورة العصر. ولكن في ترتيب المصحف. انظر إلى الترتيب. السورة التي قبلها سورة الزلزلة. والسورة التي بعدها سورة القارعة. سورة الزلزلة وسورة القارعة تحدثتا عن أحداث يوم القيامة. ليس من حيث المواقف المختلفة فقط أشارت إليها إشارة. ولكن من حيث ما يقرع القلوب والعقول والأفهام ليوقظها من غفلتها ورقدتها. من هنا السورة سميت الزلزلة. والتي بعدها القارعة. وما أدراك ما القارعة. والقصد في استعمال المفردة واللفظ حتى بحروفها وأصوات حروفها التأييد لمقصد السورة. القرع. الإيقاظ. أحداث القرع المقصود. نحن نقول قرعنا الباب. ونقول قرع الباب بقوة حين يكون ذلك الذي يقرع وذاك الطارق جاء لأمر مهم. وليس ثمة أمر أهم من هذه القارعة وهذه الزلزلة. لك أن تتخيل سورة توسطت ما بين الزلزلة والقارعة. ترى ماذا يكون موضوعها وعن أي شيء تتحدث. شيء طبيعي جداً أنها تكون وكأنها تتم وتكملة لما جاء قبلها وما جاء بعدها. يوم القيامة. القرع. الإيقاظ.
تسألني ولكن ما العلاقة بينها وبين العاديات التي عرفت في تفاسير كل التفاسير تقريباً قديماً وحديثاً أشارت إلى أنها الخيل العادية. فالخيل هي التي تجري بسرعة. وهذا معنى العدو. العادية. فلان عداء يجري بسرعة. والعاديات معروفة هي الخيل كما فسرها كثير من المفسرين. أقول لك ولكن النظر في تناسبات السورة يكشف عن شيء أشمل. عن شيء لا ينحصر فقط في قضية خيل أو غير خيل. ما القصد؟ القصد المباغتة. سورة الزلزلة تكلمت عن يوم القيامة. إذا زلزلت الأرض زلزالها. تكلمت عن قضايا وصور وأحداث مباغتة مفاجئة تحدث. وتحدث زلزلة في واقع الحياة والإنسان. الأرض. الأرض التي تشكل مسرح الأحداث تزلزل. ليست كما عهدنا ولا كما ألفنا ولا كما نشاهد واعتدنا. ثم سورة القارعة. القارعة. وما أدراك ما القارعة. هذه السور الثلاث الزلزلة والعادية والقارعة جاءت لتشكل منظومة واحدة. منظومة تتكلم عن يوم القيامة. سورة العاديات شكلت الحلقة المهمة في هذه السور. ما هي؟ عنصر المباغتة والمفاجأة. عنصر الإغارة. بمعنى أنكم يا من تكذبون في يوم البعث وتجادلون في وقوعه وإمكانية وقوعه وتستبعدون على الخالق جل شأنه الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء أن يعيد الحياة بعد الموت. احذروا. فالقيامة لا تأتي إلا بغتة وفجأة.
ثم ربط ذلك كعادة القرآن العظيم بقضية ملموسة حسية كان يتعرض لها العرب. والقرآن لم ينزل للعرب فقط. نزل لكل العالمين في كل وقت وزمن. وكلنا نشهد وخاصة في مثل هذه الأيام الغارات. الإغارة التي تحمل معاني المباغتة والمفاجأة. الناس قد يمشون في أسواقهم. قد يسيرون إلى أعمالهم. قد يذهبون لأجل أن يأخذوا طعامهم أو شرابهم أو مشابه. وإذا بتلك الغارات تفاجئهم وتداهم. ونحن أهل هذا العصر والزمن الذي نعيشه نرى ونشاهد على شاشات التلفزة مختلفة هذه الصور. صور المباغتة والمفاجأة. أفراد. جماعات. مجتمعات تباغته الحروب والطائرات والصواريخ والمسيرات. تباغته وتفاجئه في غارة تغير عليهم فتقلب حياتهم إن لم تنهي حياتهم. في واقع الأمر في ثوانٍ وأقل من الثواني. هذا من عمل الإنسان. وهذا ما استطاع الإنسان بالعلم الضار الذي تعلمه أن يفعله بأخيه الإنسان. ولله المثل الأعلى. كيف تستبعدون على الخالق جل شأنه الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء أن يبغتكم وتباغتكم القيامة. قيامة ستقوم ستقوم. آمنتم بها أم لم تؤمنوا. فاحذروا. لأنها لا تأتي إلا بغتة. ولا تأتي إلا من خلال المفاجأة. وعنصر المباغتة والمفاجأة وعدم المعرفة بحدوثها مقصود لذاته. حتى يعمل الناس وفق ما عاشوا عليه لكي يموتوا على ما عاشوا عليه. تدبر معي في هذه المعاني. من عاش على شيء مات عليه. فكيف ستكون ويكون العيش لكي تعرف كيف ستكون الوفاة وكيف سيكون الفراق. الموت وفراق هذه الدنيا والخروج منها.
هذه العناصر بأكملها بأكملها في سورة العاديات. التي على ما أن آياتها محدودة معدودة كعادة السور المكية. إلا أنها جاءت كذلك تحوي فرائد من القرآن. ما جاءت إلا فيها فرائد. القرآن التي في سورة العادية تتصل اتصالاً عظيماً بمقاصد هذه السورة. تقول لي ولكنه ماذا تريد؟ تريد أن تقول لك استعد. استعد قبل فوات الأوان. أنت تجمع وتحصل وتركض وتجري وراء ماذا؟ حب الخير الذي جبلت عليه الذي هو موجود فيك. ولكن المطلوب منك أن تجعل من ذلك الحب لا يصل لمرحلة التعلق. شيء آخر. أن تجعل ذلك الحب للمال يسوقك لأجل أن تقدمه لآخرتك. لأنك أنت لا بد أن تفهم. إذا أحببت شيئاً وتريد أن تأخذه معك. قدمه لآخرتك. ولكن إذا أحببت شيئاً وتريد وتتوهم أنك ستحتفظ به في الدنيا. فاعلم أنك فاقده. لماذا؟ لأن الدنيا ليس فيها حفظ. الدنيا ليس فيها محافظة على شيء. الدنيا بأسرها ستكون هباء منثوراً. تدبر معي في هذه المعاني. الحل العملي. وتدبر في الربط. سورة الزلزلة قالت: فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره. ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره. سورة القارعة قالت: فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية. وأما من خفت موازينه فأمه هاوية. سورة العاديات قال: أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور. وحصل ما في الصدور. إنهم بهم يومئذ لخبير. سور متصلة مع بعضها البعض. تحل عشرات الإشكاليات في واقع الأمر. تحل الإشكاليات التي اختلف فيها المفسرون قديماً وحديثاً. القضية ليست مجرد ما اعتاد عليه العرب من غارات الخيول. كانوا يغيرون على بعضهم البعض لا. المسألة أكبر. المسألة عنصر الإغارة. سواء ما عهدتم من خيل أو إبل أو ما شابه تغيرون ببعضكم على بعض بها. أو ما ستجدونه في قادم أيامكم من مسيرات وغيرها. عنصر الجري. عنصر السرعة. عنصر المباغتة. عنصر المفاجأة موجود فيها كلها. لكن ليس القضية المفاجئة والسرعة وما شابه. المفاجأة أن ما سيحصل أن حياتكم ستتغير. ستقلب رأساً على عقب. فإذا أنتم ترون فيما تغيرون فيما بينكم وما يحصل من غارات كيف تتغير الحياة ومعالم الحياة. وقد تتحول الحياة إلى موت. كيف تستبعد البعث؟ كيف تتباعدون الآخرة؟ كيف فلا تضعونها في حسبان؟
ثم هذه الفرائد العظيمة كنود. ما ذكرت في القرآن إلا هنا. التي هي في الأصل كما سنأتي عليه تتكلم عن أرض بور لا تنتج شيئاً ولا تعطي شيئاً ولا تقدم شيئاً. في قرع واضح قوي للإنسان وكيف يحول المال والخير الذي أطلق عليه القرآن الأشمل لكي يشمل كل أشكال التملك المختلفة والماديات والحسي المختلفة. كيف تقف حائلاً ومانعاً وعائقاً بينك وبين ممارسة إنسانيتك. تقول لي كيف؟ أقول لك لأن وقت نزول هذه السورة المباركة كفار قريش خرجوا من أبسط ما كانت تفرضه عليهم إنسانيتهم. كانوا يفعلون الأعاجيب للمسلمين لمجرد أنهم خالفوهم في المعتقد وخرجوا عن دين الآباء والأجداد. قتل. تجويع. استضعاف. تعذيب. ضغط نفسي وضغط جسدي وإهانة. هذه كلها ما كانت هكذا ولا ذهبت هكذا. جاء القرآن ليعالجها في واحدة من أعظم سور القرآن. آيات وفواصل وقواطع قصيرة قوية الإيقاع. قوية الأثر. عالجت أكبر قضيتين ليس فقط في ذلك الوقت ولكن في كل وقت وزمان. قضية البعث واستبعاد البعث من الحسابات المختلفة والقرارات الإنسانية المختلفة التي يتخذها البشر أفراداً وجماعات. وشدة تعلق الإنسان بالماديات والحسي أكبر عائق يحول بينه وبين يوم القيامة والاستعداد له. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.