Transcription
بسم الله الرحمن الرحيم
اعزائي الطلبه، ها نحن اليوم نلتقي في الفيديو البيداغوجي الثاني من محاضرات مقياس سياسه الدفاع في الجزائر، حيث سنتناول المقاربات المفاهيميه من المحور الاول لسياسه الدفاع في الجزائر. اذا، كما قلت، المحور الاول فيما يخص سياسات الدفاع الوطني، المقاربات والمفاهيم، سنتطرق الى تفسير العناصر الاساسيه بالشق الاول من هذا المحور، انطلاقا من تمهيد لهذا المحور. ثم سنتناول تطور مفهوم الدفاع ضمن السياق التاريخي، اي المراحل التي تطور خلالها مفهوم الدفاع ضمن كرونولوجيا السياق التاريخي. ثم سنعرج الى تفسير لاهم المقاربات المفاهيميه لسياسه الدفاع، والتي قسمتها الى اربع نقاط اساسيه. اولها، سنتناول مفاهيم البعد العسكري في سياسه الدفاع. ثم، كنقطه ثانيه، سنتناول البعد الاستراتيجي في سياسه الدفاع. ثم، كنقطه ثالثه، سنتناول البعد العملياتي في سياسه الدفاع ونفصل في جزئياته. ثم لنصل اخيرا الى النقطه الرابعه، وهي البعد المفاهيمي الاوسع في سياسه الدفاع. اي هذا البعد سيجمع كل من البعد العسكري، والبعد الاستراتيجي، والبعد العملياتي، وكيف تطور مفهوم سياسه الدفاع لتشمل كل المجالات او الابعاد المرتبطه بالدوله، من السياسي، البعد العسكري، البعد الاقتصادي، وصولا الى البعد الهوياتي او كذلك الامن الهوياتي. ثم كيف اصبح مرتبطة، سياسه اصبحت مرتبطه، عفوا، سياسه الدفاع ليس فقط بالفضاء او البيئه الداخليه للوطن، وانما تتمدد وتتوسع، يتوسع هذا المفهوم ليشمل كذلك مقتضيات تحقيق الامن القومي بالنسبه للدوله في كامل جوارها الاقليمي.
اذا هنا كمدخل يعني تمهيدي فيما يخص سياسه الدفاع، يمكن القول بصفه يعني مختصره، ان سياسه الدفاع الخاصه بالدول تنطلق اولا من التزاماتها السياديه بهدف المحافظه على مقتضيات الامن القومي للدوله. وحينما نتكلم هنا على الامن القومي للدوله، فهو كل المصالح العليا للوطن التي لا تقبل المساس ولا التنازل او التجزئه. وهذه المصالح العليا للوطن هي مرتبطه بالبيئه الداخليه للدوله وبيئه الجغرافيه، اي المحيط الجغرافي للدوله. كذلك هذه الالتزامات السياديه بغيه الحفاظ على الامن القومي، تضعوا في نصب عينها اولا مجابهه التحديات الامنيه الداخليه والخارجيه، اي مواجهه الفواعل، فواعل التهديد، سواء كانت على مستوى يعني البيئه الداخليه للوطن او كانت على مستوى المجالات الجغرافيه للدوله. كذلك سياسه الدفاع هي مجال مرتبط بالمجالات الاوسع لسياسه الامن القومي او استراتيجيه الامن القومي، حيث يرتكز هذا المفهوم، هذا المجال، في اطر بنائه الفكري والعلمي على نجاعه سياسه التخطيط الدفاعي للدوله وميكانيزمات ادارته. بحيث سياسه التخطيط وميكانيزمات اداره سياسه الدفاع تشكلان جوهر التنفيذ العملي لسياسه الدفاع، بما تضمه من تسطير للاهداف الاساسيه المراد تحقيقها، من اولا يعني الغايات الى يعني الطرائق، التفعيل الميداني، مع كذلك الالتزام بالقواعد والمبادئ المرسومه انفا في سياسه الامن القومي للدوله، والتي منبعها كذلك هو تحقيق مقتضيات سياسه دفاعيه ناجعه وفعاله. وتمثل سياسه الدفاع الوطني لكل دوله المحور الاساسي في الحفاظ على امن واستقرار الدوله من خلال مجابهه الفواعل، ولا فواعل التهديدات المعاديه، انطلاقا من الاعتماد على الكم الهائل من معلومات الاستخباراتيه لاجهزتها المختصه. كما تحدد سياسه الدفاع الاطار الاستراتيجي الامني العسكري فيما يخص التعامل مع مختلف التهديدات المحتمله للاقليم الوطني للدوله او الوطن، وتحدد الخيارات المتاحه لمجابهه الاخطار التي تهدد المصالح الوطنيه، سواء الواقعه داخل التراب الوطني او خارج المجال الجغرافي للدوله. اذا، سياسه الدفاع الوطني هي التزامات سياديه للحفاظ على الامن القومي للدوله، ومجابهه التحديات ولا التهديدات الامنيه، سواء الداخليه او الخارجيه.
فيما يخص تطور مفهوم الدفاع ضمن السياق التاريخي، اذا مفهوم الدفاع كسلوك مرتبط بالانسان ظهر منذ خلقه على وجه الارض، حيث تجلى ذلك من خلال صراع الانسان في بيئته الطبيعيه للحفاظ على استمراريه وجوده وحياته. اما مع ظهور مفهوم الدوله، اصبح مفهوم الدفاع مرتبط بالاساس بالجيش، بصفته المؤسسه التي تاخذ على عاتقها الحفاظ وحمايه امن شعبها من الاخطار التي تهدد وجودها. وكذلك مفهوم الدفاع بمدلوله الاستراتيجي، يمكن قول انه تطور بصفه اشمل منذ معاهده وستفاليا عام 1648، او 48 6، التي على اثرها تاسست المعالم البنيويه للدوله القوميه. وفي هذه النقطه زاد الاهتمام بهذا المفهوم حتى ادرج في خانه الاهتمام القانوني الدولي، لاسيما بعد الغاء ما يعرف بحق الدول المشروع في شن الحروب، وحل محله حق الدفاع المشروع من اجل حمايه الامن الوطني للدوله. ومع كذلك التطور الفكري الذي رافق تطور مفاهيم بناء الدوله الوطنيه، اصبح مدلول الدفاع الوطني يتجاوز الجوانب العسكريه التي ارتبط بها سابقا، ليرتبط بالمجالات او المخرجات المتعلقه ببناء المجتمعات وتكوينها والمساهمه في ازدهارها، اي المقومات الاخرى المرتبطه بتطور الدوله، خاصه بعد الحرب العالميه الثانيه، اين اعتبرت هيئه الامم المتحده ظاهره الحروب العسكريه ظاهره خارجه عن القانون، مما وضع مفاهيم السياسه الدفاع ضمن الاطر القانونيه الدوليه، بعد الغاء حق الدول المشروع من اجل حمايه الامن الوطني للدوله. وباعتبار ان سياسه الدفاع من بين المسائل المرتبطه بقضايا الامن والدفاع والتي تشكل اهميه قصوى لصناع القرار في الدوله، اصبح من الملاحظ ان قضايا الامن بمفهومها التقليدي لم تعد وحدها جوهر السياسات الامنيه للدول، بل اصبح هناك ما يعرف باهتمام متعلق بالمفهوم الاوسع للامن، بما يحتويه من مستويات مختلفه وابعاد متعدده مرتبطه بالقطاعات الجوهريه المكونه لاركان ومؤسسات الدوله، وبما يرتبط عموما بالمجتمع والفرد. حيث اتسعت هنا، كما تلاحظون، مجالات الدفاع الوطني لتشمل ضمان حريه العمل لانجاز المشروع السياسي بصفه عامه يعني للدوله، الذي يجمع ما بين نشاطات الدفاع المدني الذي يضمن في كل الاوقات وفي كل الظروف ما هو مخول له داخل التراب الوطني، من اولا حمايه النظام العام للدوله وحمايه الاملاك والمجتمع والاشخاص، كذلك الدفاع العسكري بما فيها فرض قوه السلام سواء داخل المجال الحدودي للدوله او خارجها، كذلك الدفاع الاقتصادي الذي يسعى لحمايه البنى الحيويه للدوله من منشات وموارد، وكذلك الدبلوماسيه النشطه التي مهمتها المركزيه الدفاع عن مقتضيات المصالح الوطنيه للدوله على الساحه الدوليه. اذا، مجال الدفاع في صورته الاوسع تجاوز المفهوم التقليدي ولم يعد مرتبط بالجانب العسكري فقط، بل اتسع نطاقه ليشمل مجمل النشاطات التي تعمل الدوله على تنفيذها لصالح امن وازدهار مجتمعها، انطلاقا من المستوى العسكري والامني الى تحقيق ما يعرف بالامن الاقتصادي والامن الهوياتي، ثقافي، وصولا حينما تتحقق هذه الابعاد، وصولا الى الحفاظ على ما يعرف بهيبه ومكانه الدوله في العالم او الساحه الدوليه.
اذا اعزائي الطلبه، هنا قد نصل الى نهايه هذا الجزء الاول من هذه المحاضره حول سياسه الدفاع الوطني، المقاربات والمفاهيم في جزئها الاول، حيث تناولنا مقدمه عامه حول مفهوم سياسه الدفاع الوطني، كما تناولنا بايجاز السياق التاريخي لتطور مفهوم الدفاع عبر مراحل مختلفه ضمن التطورات التي عرفتها العلوم السياسيه والعلاقات الدوليه. اذا في الجزء الثاني من نفس المحاضره سنتطرق الى المقاربات المفاهيميه لسياسه الدفاع في شقها وبعدها العسكري، وكذلك في بعدها الاستراتيجي، ثم بعدها العملياتي، لنصل الى التطرق الى البعد المفاهيمي الاوسع في سياسه الدفاع. هنا استودعكم الله، ولنا لقاء ان شاء الله في الجزء الثاني من هذه المحاضره، مع تمنيات لكم بالتوفيق، وشكرا.