📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

كيف بدأ العد التنازلي لحرب الخليج الكبرى بسقوط فنزويلا؟ | حلقات مجمعة

أحمد مبارك قناة الحلقات المجمعة1:03:39

Transcription

ازاي بدا العد التنازلي لحرب الخليج الكبرى بعد اسقاط فنزويلا؟

في 3 يناير 2026، طهران صحيت على خبر نزل عليها زي الصعقة، باعتباره رابع أكبر ضربة استراتيجية بتتعرض ليها في الـ 40 سنة اللي فاتت، بعد الضربات الجوية الأمريكية لمنشأة فردو النووية، واغتيال جيش الاحتلال لحسن نصر الله في لبنان، وسقوط بشار الأسد في سوريا. المرة دي المفاجأة ما جتش من الشرق الأوسط، لكن جت من قلب الكاريبي، لما الولايات المتحدة الأمريكية أعلنت نجاح عملية "العزم المطلق" والقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلورس، وترحيلهم فوراً للأراضي الأمريكية لمحاكمتهم هناك بتهمة الاتجار في الممنوعات.

الحدث ده ما كانش مجرد تغيير سياسي داخلي في كراكاس، لكنه كان زلزال جيوسياسي هد المعبد على دماغ الكل. العملية العسكرية اللي نفذتها واشنطن، رغم ضخامتها، إلا أنها كانت جراحية ودقيقة جداً، استخدمت فيها أحدث ما عندها من مقاتلات شبحية وقوات عمليات خاصة علشان تشل حركة النظام في ساعات معدودة.

بالنسبة للجمهورية الإسلامية الإيرانية، المشهد ده كان بيمثل كارثة عسكرية واستراتيجية متكاملة الأركان. إحنا بنتكلم هنا عن علاقة تحالف استمرت أكتر من 20 سنة، علاقة تكافلية معقدة اتبنت على العداء المشترك لأمريكا، وعلى شبكات ضخمة للالتفاف على العقوبات المفروضة على البلدين، وتكامل عسكري وصناعي عميق جداً.

إحنا النهارده هنغوص في تفاصيل الكارثة دي، ونرسم خريطة للتحالف اللي كان قايم، ونوثق إزاي الانهيار ده حصل لحظة بلحظة. لأنه خلي بالك، اللي ته في زحمة اعتقال مادورو إن العملية العسكرية الأمريكية ما وقفتش عند اعتقال الرئيس وزوجته، لكن الضربة طالت كمان البنية التحتية العسكرية اللي إيران استثمرت فيها مليارات الدولارات داخل فنزويلا، زي مجمع فيورتي تيونا العسكري ومصانع المسيرات التابعة لشركة "إيانسا" اللي الطيران الأمريكي سواها بالأرض.

الخسارة هنا مش بس فلوس واستثمارات راحت في الهواء، دي خسارة لشبكات سرية تابعة لحزب الله، وانهيار نفسي واستراتيجي لما يسمى بـ "محور المقاومة" اللي فجأة لقى نفسه مكشوف ومعزول مالياً. والأخطر من ده كله كمان إن وضع أمريكا إيديها على نفط فنزويلا حرق كارت إيران الأهم في الضغط بغلق مضيق هرمز. علشان كده السؤال المنطقي هنا: إزاي قدرت أمريكا خلال العملية دي تدمر كل المصانع العسكرية الإيرانية داخل فنزويلا وسط دوشة اعتقال مادورو؟ هل نقدر نقول إن عقيدة "الجبهة الخلفية" اللي كانت إيران بتهدد بيها أمريكا في عقر دارها انتهت للأبد؟ هل اسقاط فنزويلا بدء العد التنازلي لاسقاط النظام الإيراني ودخول المنطقة إلى المجهول؟

وطبعاً كل المصادر اللي استخدمناها علشان نجاوب على الأسئلة دي هتلاقيها في أول تعليق علشان لو عايز تفاصيل موسعة أكتر.

علشان نفهم حجم الكارثة اللي نزلت على دماغ طهران، لازم نسيب السياسة شوية ونبص على الأرض، وتحديداً على التعاون العسكري وانتشار الأنظمة غير المأهولة اللي كان هو العصب الحقيقي للتحالف ده، والهدف الأول للضربات الأمريكية. وهنا الحكاية هتبدأ تاخد شكل مرعب وجدي جداً، لأن الجانب الأكثر خطورة وتهديد في العلاقة بين إيران وفنزويلا كان الانتشار السريع للطائرات المسيرة الـ "يو إيه في" وإنشاء قدرات تصنيع محلية جوه فنزويلا نفسها. والقطاع ده بالذات كان هو الهدف الرئيسي للعقوبات الأمريكية في أواخر سنة 2025، وهو اللي اتضرب بالحديد والنار في أوائل أيام 2026.

الموضوع مش وليد اللحظة، إيران بتستخدم فنزويلا كمركز لإنتاج الطائرات المسيرة من سنة 2006، لكن البرنامج ده داس بنزين جامد جداً واتسرع بشكل مخيف بعد سنة 2020. التعاون كان مبني أساساً على نقل التكنولوجيا من شركة "قدس" لصناعة الطيران، ودي تابعة لوزارة الدفاع الإيرانية. والواجهة الأساسية للقصة دي في فنزويلا كانت الشركة الوطنية للملاحة الجوية "إيانسا"، ودي كيان مملوك للدولة الفنزويلية هو اللي كان ماسك ملف المسيرات.

وهنا بيطرح سؤال منطقي نفسه في وسط الأحداث: ليه وزارة الخزانة الأمريكية استنت لحد يوم 30 ديسمبر 2025، يعني قبل الضربة العسكرية بحوالي أربعة أيام بس، علشان تدرج شركة "إيانسا" ورئيسها خوسيه جونزاليس على قوائم العقوبات لدورهم في انتشار المسيرات الإيرانية؟ الإجابة ببساطة، لأن "إيانسا" ما كانتش مجرد مشتري بيستلم بضاعة جاهزة، دي كانت بتدير خطوط تجميع كاملة، وبتتفاوض بشكل مباشر مع الإيرانيين، وبتدمج المكونات الإيرانية في سلسلة الإمداد الفنزويلية. والهدف كان إنهم يعملوا عملية تمويه تخلي البرنامج مضاد للعقوبات عن طريق استيراد مكونات وقطع غيار بدل ما يستوردوها هياكل طيارات كاملة، وبكده يقدروا يخفوا حجم النقل الحقيقي ويبنوا سلسلة توريد محلية تقدر تعيش وتكمل حتى لو في حصار.

لما نيجي نفصص المنصات والقدرات اللي كانوا شغالين عليها، هنلاقي إن الجدول كان مليان بلاوي. عندنا نظام "مهاجر 2" الإيراني، اللي اتعمل منه نسخة فنزويلية اسمها "آر بيير" أو "إي إن إس يو 100"، ودي كانت في الأصل للمراقبة، لكن النسخة الفنزويلية اتطورت وبقت مسلحة، وكانت هي حمار الشغل اللي بيستخدموه لمراقبة الحدود. والأخطر منها بقى كانت "مهاجر 6" اللي اتسمت في فنزويلا "إي إن إس يو 200"، ودي طائرة قتالية "يو سي إيه في" متطورة جداً، قادرة تشيل الذخائر موجهة بدقة زي قنابل جو-أرض، وعندها مدى وقدرات استخباراتية أعلى بكتير من اللي قبلها. وكل ده كان بيتصنع في منشآت محلية، وتحديداً مصنع المسيرات في ماراكايا ومواقع التجميع في مجمع فيورتي تيونا العسكري.

الطموحات الإيرانية ما وقفتش عند المسيرات، التحالف كان وصل لمرحلة نقل تكنولوجيا الصواريخ البالستية. والعقوبات اللي فرضتها الخزانة الأمريكية في أواخر 2025 كانت بتستهدف شبكات لشراء مواد زي بيركلورات الصوديوم والنيترو سليلوز، ودي المواد الدافعة الأساسية للوقود الصلب للصواريخ، وكان ليها صلة بشركة "بارشين" للصناعات الكيماوية في إيران. ودخول مجموعة "رويان فان"، ودي تكتل دفاعي بينتج مكونات لبرنامج الفضاء التابع للحرس الثوري، كان مؤشر خطير إن فنزويلا كانت بتتحرك ناحية امتلاك أو تجميع صواريخ بالستية متوسطة المدى. وده اللي خلى أجراس الخطر تضرب في واشنطن خوفاً من احتمال إن فنزويلا تستضيف صواريخ قادرة إنها تضرب البنية التحتية الحيوية في قناة بنما أو حتى في البر الرئيسي للولايات المتحدة، وتتحول بكده فنزويلا بالنسبة لأمريكا زي اليمن بالنسبة لإسرائيل، منصة إطلاق للمسيرات والصواريخ على الأراضي الأمريكية خارجة عن السيطرة. والسيناريو ده كان بيتم التعامل معاه على إنه خط أحمر بيفكرهم كمان بأزمة الصواريخ الكوبية، وكان الحصار الأمريكي والغزو اللي حصل بعده مبنيين جزئياً على منع القدرة الصاروخية دي من إنها تكتمل وتنضج.

نيجي بقى لليلة الكبيرة، عملية "العزم المطلق" في 3 يناير 2026، اللي استهدفت تدمير البنية التحتية للتعاون العسكري ده. وهنا لازم نسأل نفسنا: إزاي الضربات دي كانت بالدقة اللي تخليها تدمر مباني معينة وسط مجمعات عسكرية ضخمة من غير ما تمسح المنطقة كلها؟ الإجابة بتكمن في حجم الاختراق الاستخباراتي. لأن صور الأقمار الصناعية وتقييمات الأضرار، وتحديداً الصور اللي قدمتها شركة "فانتور" يوم 3 يناير 2026، أكدت دمار واسع النطاق في مجمعات عسكرية رئيسية كانت بتقوى هو الأصول الإيرانية في مجمع فيورتي تيونا العسكري في كراكاس، اللي هو مقر وزارة الدفاع الفنزويلية، وفي كمان مقر إقامة الرئيس.

الصور كشفت إن في ثلاث مباني طويلة ناحية الجزء العلوي من المجمع تم تحديدها على إنها قاعات تجميع لسلسلة مسيرات "إي إن إس يو". المباني دي اتدمرت بالكامل، وده معناه قطع راس قدرة الإنتاج المحلي وتدمير المعدات والمخزون، وبنسبة كبيرة مقتل المستشارين التقنيين الإيرانيين اللي كانوا موجودين في الموقع. ومش بس كده، في مبنيين بسقف أحمر في منطقة مشجرة جزئياً اتمسحوا من على وش الأرض، والتحليلات بترجح إنهم كانوا بيحتووا على أصول دفاع جوي متحركة وعربات دعم، غالباً تم تحديثها برادارات تكنولوجيتها إيرانية علشان تقدر تواجه القدرات الشبحية الأمريكية. الدقة في الاستهداف وصلت لمباني أمن البوابات اللي بتؤدي لمخابئ قيادة تحت الأرض، ودي كمان اتدمرت، والهدف كان غالباً محاصرة القيادة أو قطع روابط القيادة والسيطرة "سي 2" أثناء عملية القبض عليهم.

وحتى الأصول المدرعة ما سلمتش. كتيبة الفرسان المدرعة 312 المعروفة بـ "آيالا" اتعرضت لخسائر كارثية، ومعظم مدرعاتها بما فيها "دراجون 300" اتدمرت وهي مكانها في العنابر. واستخدام مقاتلات زي الـ "إف 22" والـ "إف 25" وقاذفات الـ "بي 1" في تنفيذ الضربات دي بيشير لدرجة عالية جداً من المعلومات الاستخباراتية الدقيقة بخصوص أماكن الأجهزة والمعدات اللي وردتها إيران بالظبط.

بس اللي جاي بعد كده كان أخطر من كل اللي فات، لأنه لو كانت الضربات العسكرية دمرت الدروع والمصانع، فالضربة الاقتصادية قطعت النفس تماماً عن اقتصاد المقاومة اللي بنته طهران وكراكاس علشان يتحدوا بيه العقوبات الأمريكية ونظام "سويفت" المالي العالمي. اللعبة كانت ماشية بنظام المقايضة، وشرايين الحياة الاقتصادية للدولتين كانت معتمدة على النفط والذهب والتمويلات غير المشروعة وبس. وبسقوط مادورو، الغطاء اللي كان بيحمي المليارات دي طرف هوا.

أصل الحكاية بيبدأ من عند آلية "النفط مقابل الذهب"، وده كان قلب العلاقة الاقتصادية النابض. فنزويلا عندها مشكلة جيولوجية إن النفط بتاعها في حزام أورينوكو، يعني ثقيل جداً ومحتاج مواد تخفيف معينة أو مكثفات علشان يقدر يمشي في الأنابيب ويتصدر. وإيران كانت هي اللي بتوفر المكثفات دي، وفي المقابل فنزويلا كانت بتشحن سبائك ذهب وبتوديها طيران لطهران بعيد عن أي رقابة بنكية. وهنا حد ممكن يسال سؤال: يا ترى حجم التعامل ده كان واصل لفين وإزاي كانوا بينقلوا الكميات دي من غير ما حد يمسكه؟ الإجابة بتكشف حجم الكارثة، لأن التقارير بتقول إنه في سنة 2020 لوحدها تم نقل حوالي 9 طن ذهب قيمتهم وقتها كانت بحدود المليار دولار من فنزويلا لإيران عبر جسر جوي اتسمى في التقارير الأمريكية بـ "آيرو تيرور" أو "إرهاب الجو".

النقل البحري كمان كان شغال الله ينور، من خلال أسطول ظل ونقلات إيرانية زي "فورتشن" و"فورست" و"ستارلا"، كانت بتلعب دور البطولة. الناقلات دي كانت بترسي في موانئ في فنزويلا زي البالتيو وخوسيه، تفرغ المكثفات وتشحن الخام، وغالباً كانت بتطفي أجهزة التعرف الآلي "AIS" علشان تختفي من على الرادارات، زي ما حصل مع الناقلة "ستارلا" اللي وصلت أكتر من 2 مليون برميل مكثفات من أول 2022 واختفت عن الرادار لأكتر من شهر كامل.

الحصار الأمريكي الشامل اللي اتفرض في ديسمبر 2025، قبل الغزو بأيام، كان قاصد يقطع الشريان ده بالتحديد، وفعلاً نجح في عزل الخط البحري ده تماماً. لكن القصة ما بتخلصش عند شحن النفط، دي كانت واصلة لمشاريع إعادة تأهيل المصافي اللي كانت متهالكة. اتفاقية التعاون الاستراتيجي في 2022 خلت إيران تلتزم بتصليح البنية التحتية المنهارة للمصبات في فنزويلا، وشركات حكومية إيرانية زي الشركة الوطنية الإيرانية لتكرير وتوزيع النفط مضت عقود بـ 110 مليون يورو لتصليح مصفاة الباليتو، وكانوا بيتفاوضوا على صفقة أكبر بكتير بـ 460 مليون يورو لمركز تكرير باراجوانا.

الوضع على الأرض كان إن مئات المهندسين والفنيين الإيرانيين نزلوا المواقع دي وأخذوا أماكن العمالة الفنزويلية، وبدأوا يشغلوا وحدات التكسير المائع الضرورية لإنتاج البنزين، لدرجة إن فنزويلا بقت معتمدة تكنولوجياً على قطع الغيار الإيرانية. طيب ودلوقتي بعد ما مادورو وقع في إيد الأمريكان، والأمريكان أعلنوا إن شركاتهم هتدير قطاع النفط، إيه مصير الفلوس والناس دي؟ الواقع بيقول إن إيران بتواجه خسارة كاملة لرأس المال اللي استثمرته والديون المستحقة ليها مقابل الخدمات اللي قدمتها، واللي المعارضة بتقدرها بأكثر من مليار دولار، غالباً مش هترجع لأن الحكومة الانتقالية هتعتبرها ديون غير شرعية لنظام ديكتاتوري. ده غير الرعب اللي عايشه الفنيين الإيرانيين هناك اللي بقوا محاصرين ومعرضين للاعتقال أو الطرد والتحقيق معاهم بتهم التهرب من العقوبات.

وعلى المستوى المالي البحت، إيران كانت مؤسسة عملية التهرب دي من خلال بنوك واجهة وعلى رأسها "البي آي دي" في كراكاس. البنك ده، اللي هو فرع من بنك التنمية بتاع الصادرات الإيراني "آي دي بي آي"، وكان شغال كغرفة مقاصة مالية لحركة الأموال بين الكيانات الحكومية الفنزويلية والحسابات الإيرانية من غير ما يلمس النظام المالي الأمريكي، وكان مدرج على قوائم العقوبات من 2008. سقوط النظام ده معناه، معناه إن القوات الأمريكية أو السلطات الجديدة هتستولى فعلياً على مكاتب وسيرفرات البنك ده، وده الكنز الاستخباراتي اللي هيفضح سجلات دقيقة للتمويل الإيراني غير المشروع، وممكن يجر رجل شبكات ثانية في أمريكا اللاتينية وأوروبا.

وأخيراً، لازم ما ننساش مصدر الذهب نفسه اللي كان بيجي من قوس تعدين أورينوكو، وهي منطقة مليانة مناجم غير شرعية بتسيطر عليها جماعات مسلحة زي جيش التحرير الوطني "إي إل إن" ومنشقين من "فارك" بتواطؤ من جيش فنزويلا. الذهب ده كان بيتغسل عبر آليات الدولة في فنزويلا قبل ما يتشحن لطهران علشان يسدد ديون النفط. التدخل الأمريكي والحملة على التعدين غير القانوني هتجف المنابع دي تماماً وهتحرم إيران من مصدر عملة صعبة كان بعيد عن الرقابة.

بس بعيد عن الكواليس دي، كان في حاجة ثانية أكبر بتطبخ في الجو، لأن النقل الجوي كان بيلعب دور محوري ومصيري في الحفاظ على شريان الحياة بين طهران وكراكاس. وكالات الاستخبارات ما كانتش بتسمي الرحلات دي رحلات تجارية عادية، دي أطلقت عليها زي ما قلنا من دقيقة واحدة اسم "شبكة الآيرو تيرور" أو "إرهاب الجو"، لأن العمليات دي كانت بتستخدم خطوط طيران مملوكة للدولة علشان تنقل بضايع قيمتها عالية جداً ومعدات حساسة وأفراد مهمين، وكل ده كان بيتم من ورا ظهر العالم ومن غير ما يعدوا على إجراءات الجمارك والهجرة التقليدية.

اللاعبين الأساسيين في اللعبة دي كانوا شركة الطيران الفنزويلية "كونفياسا" وشركة "ماهان إير" الإيرانية ومعاهم فرعها اللي اسمه "امترا سور". والرحلات دي كانت جاية رايحة بشكل متكرر على خط سير محدد: كراكاس-دمشق-طهران. وده كان بيخدم كقناة آمنة ومقفولة تماماً للي بيسموه "محور المقاومة". وهنا بيطرح سؤال نفسه بقوة: يا ترى إيه اللي كان بيطير في الجو وبيخلي الرحلات دي سرية وخطيرة لدرجة إنهم سموها رحلات إرهابية؟ الإجابة مرعبة، لأن الرحلات دي غالباً ما كانش ليها أي بيانات حمولة منافذته ولا قوائم ركاب رسمية. الطيارات دي كانت بتستخدم علشان تهريب سبائك الذهب بره فنزويلا، وفي المقابل كانت بتجيب معاها أسلحة متطورة ومكونات طائرات مسيرة وحتى عملاء تابعين لفيلق القدس.

الطبيعة الاستراتيجية للأسطول ده انكشفت للعالم كله في يونيو 2022، لما طيارة شحن بوينج 747 تابعة لـ "امترا سور"، وكانت في الأصل مملوكة لـ "ماهان إير"، اتحجزت في الأرجنتين. الطاقم اللي كان عليها كان بيضم خمس إيرانيين، واحد منهم كان اسمه غلام رضا قاسمي، وده مش مجرد طيار، ده شخصية كبيرة جداً في شبكة طيران فيلق القدس التابع للحرس الثوري.

والسؤال الثاني اللي لازم نسأله هنا: ليه حادث واحد زي ده في الأرجنتين كان كفيل إنه يفضح المخطط كله ويغير نظرة العالم للطيارات دي؟ الإجابة إن الحادث ده كشف الحقيقة اللي حاولوا يخبوها سنين، وهي دمج العسكريين بشكل مباشر جوه أطقم الطيران المدني. يعني الطيارة اللي شكلها مدني دي هي في الحقيقة غرفة عمليات عسكرية بتنقل ضباط ومعدات حرب تحت غطاء تجاري. لكن بمجرد ما بدأت عملية "العزم المطلق" في 3 يناير 2026، إدارة الطيران الفيدرالية الأمريكية "إف إيه إيه" والسلطات المحلية قفلوا المجال الجوي الفنزويلي تماماً قدام أي حركة مرور مدنية. الحركة دي قطعت الجسر الجوي فوراً وحبست أي طيارات إيرانية أو أطقم أو بضايع كانت موجودة في البلد وقتها.

والأخطر من ده كله كانت الخسارة الاستخباراتية الفادحة، لأنه عدم قدرتهم على إطلاق رحلات إخلاء طارئة كان معناه إن الوثائق الحساسة وأجهزة الاتصالات المشفّرة والعناصر البشرية كلهم محبوسين وما عرفوش يهربوا قبل ما القوات الأمريكية تسيطر.

اللي حصل بعد سقوط نظام مادورو بقى خلى الصورة تتقلب تماماً، لأن دي ما كانتش مجرد خسارة حليف سياسي، ده كان كارثة استراتيجية غير مسبوقة للجمهورية الإسلامية، لأن التبعات هنا كانت متعددة الأبعاد وضربت إيران في اقتصادها وقدرتها الاستخباراتية ووضعها الجيوسياسي في مقتل.

أول حاجة لازم نتكلم عنها هي النزيف المالي والاقتصادي اللي حصل، لأن فنزويلا كانت مديونة لإيران بمبالغ ضخمة جداً مقابل شحنات الوقود وأعمال المصافي، والتقديرات بتقول إن ديون النفط لوحدها عدت المليار دولار، ومع رحيل النظام احتمالية السداد بقت صفر تقريباً. ومش بس كده، قطع حلقة الذهب مقابل الوقود شال آلية حيوية كانت إيران بتعتمد عليها علشان توصل للعملة الصعبة بعيد عن النظام البنكي الأمريكي. وده طبعاً هيزود الطين بله في الأزمة الاقتصادية الداخلية في إيران في وقت الريال الإيراني وصل فيه لمستويات قياسية من الانخفاض، وصل لحوالي مليون ونص قصاد الدولار الواحد.

كمان المليارات اللي اتصرفت كاستثمارات في مشاريع مشتركة زي مصنع سيارات "فينير أوتو" وعملية الإصلاح الضخمة لمصافي الباليتو راحت عليها خلاص. المنشآت دي غالباً هيعاد طرحها لمناقصات لشركات غربية أو هيتم تأميمها تحت إدارة جديدة.

أما بقى على المستوى السياسي والاستخباراتي، إيران فقدت موطئ قدمها الوحيد والموثوق في نص الكرة الغربي الجنوبي. عقيدة الدفاع الأمامي اللي كانت قايمة على تهديد الولايات المتحدة من جوه فنائقها الخلفي بقت مالهاش وجود. إيران ما عادتش تقدر تهدد بأي رد انتقامي غير متماثل في الأمريكيتين. وطرد الدبلوماسيين وضباط المخابرات الإيرانيين هيفكك محطات التنصت وشبكات الاستخبارات البشرية بتاعتها هناك تماماً. وجهاز المخابرات الفنزويلي اللي كان شريك وحليف غالباً هيتم تطهيره وإعادة هيكلته بواسطة مستشارين أمريكان، وعلشان كده هيتحول من حليف لتهديد معادٍ لمكافحة التجسس.

ده غير إن صوت فنزويلا في الأمم المتحدة والمحافل الدولية اللي كان مضمون وموالي تماماً لإيران بقى عقدين ضعاف خلاص، وده ضعف الدرع الدبلوماسي لإيران بشكل كبير.

كمان التأثير وصل للداخل الإيراني بشكل مرعب. نجاح عملية قطع الرأس لنظام مادورو عمل زلزال جوه طهران اللي سموه "سابقة مادورو". وصورة القوة العسكرية الأمريكية بتشيل حليف استبدادي لطهران بعتت رسالة رعب للقيادة الإيرانية. الحدث ده جه وسط احتجاجات داخلية في إيران غير مسبوقة وضرب رواية النظام عن تراجع القوة الأمريكية في مقتل. وكمان فنزويلا كانت طول عمرها بتعتبر الملاذ الأخير أو المظلة الذهبية اللي ممكن المسؤولين الإيرانيين يهربوا ليها لو النظام في طهران وقع، وإزالة مادورو لغت خيار المنفى ده تماماً وزودت القلق الوجودي عند النخبة الإيرانية.

والأخطر بقى من كل ده، إن وضع أمريكا إيديها زي ما قلنا على النفط الفنزويلي حرق أهم كارت عند إيران اللي هو غلق مضيق هرمز. وفي النهاية، انهيار المحور ده ساب إيران معزولة تماماً على المسرح الدولي. ورغم إن روسيا والصين طلعوا بيانات إدانة شكلية للعملية الأمريكية، ما فيش ولا قوة فيهم اتدخلت بشكل قوي علشان تنقذ مادورو، وده إشارة واضحة لطهران عن حدود دعم القوى الكبرى.

في النهاية، في اللحظة اللي الكل كان بيظن فيها إن الأزمة خلصت، كانت بتبدأ من جديد، لأن اللي حصل في 3 يناير 2026 ده بيعتبر نقطة فاصلة وشرخ حقيقي في النظام الجيوسياسي للعالم كله. لو بصينا للمشهد من فوق، هنلاقي إن الموضوع بالنسبة لفنزويلا هو طريق عنيف ومحتمل تحصل فيه صراعات داخلية وممكن نشوف نموذج العراق من جديد. أما بالنسبة لأمريكا، فهو إعادة إحياء لمبدأ مونرو، بس المرة دي مش بالكلام الدبلوماسي، لأ، بقوة عسكرية ساحقة. إنما بقى بالنسبة لإيران، الحكاية مختلفة تماماً، دي كارثة استراتيجية مالهاش أي توصيف ثاني. طهران صحيت لقت نفسها خسرت أهم حليف ليها خارج المنطقة بتاعة الشرق الأوسط، وخسرت المركز الرئيسي اللي كانت بتلعب منه علشان تلتف على العقوبات. ده غير مليارات الدولارات اللي راحت كأصول غارقة. تفكيك مصانع المسيرات وقفل الجسر الجوي وكشف الشبكات المالية، كل ده ساب إيران معزولة ومكشوفة أكتر من أي وقت فات في الـ 20 سنة اللي فاتت.

ومع تحرك أمريكا علشان تثبت الوضع في فنزويلا وتستغل قطاع الطاقة بتاعها بعد ما ترجعه للحظيرة الغربية، هينتهي عصر النفوذ الإيراني في كراكاس تماماً. وبالتالي محور المقاومة خسر المرسى الغربي بتاعه، والارتدادات العنيفة للحدث ده، سواء كانت مالية أو استخباراتية أو عسكرية أو حتى نفسية، هتفضل تتردد أصداءها في طهران لسنين قدام. الخلاصة إن نموذج مادورو للنجاة انهار، ومعاه انهار آخر خط دفاع إيراني متقدم، ومن قبله تم قطع أذرعها في لبنان وسوريا، وبقت وحيدة محاصرة في الداخل بتحارب من أجل البقاء بعد ما كانت بتحارب من أجل توسيع نفوذها في الخارج. وزاد وغطى إنه كمان ظهرها مكشوف بسبب اشتعال الجبهة الداخلية بانتفاضة غير مسبوقة في الداخل. يعني دي اللحظة اللي ممكن نقول فيها إنها كانت إعلان بداية العد التنازلي لحرب إيران الكبرى اللي ممكن تفتح أبواب الجحيم في الشرق الأوسط كله، لأن إيران ما بقاش عندها حاجة تخسرها. يعني مع بداية الحرب دي، غلق مضيق هرمز وضرب القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج العربي شبه يقيني. وبالتالي اللي حصل في فنزويلا مش مجرد حدث معزول بعيد عننا، ولكن هو كان إشارة البدء لسلسلة أحداث من المحتمل تغير شكل منطقتنا للأبد.

لو مهتم بالأمور العسكرية، أحدث الأسلحة، الخطط الحربية، عالم الجاسوسية، تكتيكات المخابرات، وكواليس الحروب، وأحدث التطورات، فأنت في المكان الصح. خفايا مع أحمد مبارك، أكبر منصة سياسية وعسكرية في الشرق الأوسط. اشترك الآن في القناة من هنا وانضم لـ 5 مليون متابع.

أمريكا بجبروتها بتخطف رئيس دولة مع زوجته من غرفة نومهم وهو في الحكم. إيه القصة؟

في 3 يناير 2026، صحي العالم على خبر زلزل العالم، لما الرئيس ترامب أعلن بنفسه إن القوات الأمريكية نجحت في إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. الإعلان ده جه بعد ساعات قليلة من بداية تنفيذ عملية عسكرية واسعة وهجمات دقيقة ومكثفة هزت العاصمة الفنزويلية كراكاس. العملية اللي اتعرفت باسم "الرمح الجنوبي" هي تحول جذري في استعراض القوة الأمريكية في نص الكرة الجنوبي، واعتمدت على عقيدة عسكرية جديدة اسمها "الصدمة والصمت"، لأنها ركزت بشكل أساسي على شل حركة القيادة وقطع رأس النظام بسرعة خاطفة بدل الدخول في دوامة تدمير شامل.

التحرك العسكري ده كان الذروة لحملة الضغط الأقصى اللي رجعت بقوة مع بداية ولاية ترامب الثانية، وكانت نتيجة لكسر ثلاث خطوط حمراء وفقاً للرواية الأمريكية: تحول فنزويلا لمحطة رئيسية لتهريب المخدرات، التوغل العسكري الصناعي الإيراني في منطقة الكاريبي، وتزوير انتخابات 2024 اللي همشت المعارضة الديمقراطية. بس خد بالك، ده المعلن، لكن غير المعلن بنك أهداف ثاني خالص أخطر بكتير زي ما هنعرفه النهارده. المهم، في اللحظات اللي كانت فيها عناصر قوة دلتا فورس الأمريكية الخاصة بتنفذ عملية خطف رئيس الدولة، كانت منظومات الدفاع الجوي الروسية وهيكل القيادة للقوات المسلحة الفنزويلية بيتعرضوا لانهيار دراماتيكي كامل. ده غير الزلزال الجيوسياسي الفوري اللي ضرب المحور الإيراني-الروسي-الفنزويلي.

في الحلقة دي هنقدم تشريح استراتيجي دقيق عسكري وسياسي للي حصل في الليلة دي، وبتحليل أسباب السقوط الكارثي لأنظمة الدفاعات الجوي، والتأثيرات العميقة المتوقعة على أسواق الطاقة العالمية. وهنجاوب على كل الأسئلة دي: ليه أمريكا كانت عاوزة تتخلص من مادورو بأي ثمن؟ وإزاي الأمريكان قدروا ينفذوا عقيدة "الصدمة والصمت" ويخطفوا رئيس دولة من قلب عاصمته وسط جيشه والحرس الجمهوري في ساعات معدودة؟ هل كان فيه خيانة داخلية سهلت العملية والموضوع كله كان مسرحية انقلاب عسكري من إخراج البيت الأبيض؟ طيب راحت فين العيون الروسية ومنظومات الدفاع الجوي المرعبة؟ وليه وقفت عاجزة تماماً وقت الجد؟ وليه اللي حصل ده بيمثل ضربة لإيران وروسيا في نفس الوقت؟

عشان نفهم اللي حصل للثلاثة من يناير 2026، لازم نرجع بشريط لورا سيكا، لأن عملية "الرمح الجنوبي" دي ما كانتش حدث معزول وليد اللحظة، لا، دي كانت الذروة العسكرية لسلم تصعيد معقد ومحسوب بدقة استمر لشهور طويلة بهدف تغيير النظام في فنزويلا. ليه؟ أولاً، اللي كتير ما يعرفوهوش إن فنزويلا فيها أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، أكبر حتى من السعودية وروسيا. والنفط ده كان مجمد ما حدش عارف يستفيد بيه بسبب توجهات مادورو وقابيل تشافيز ناحية المعسكر الصيني-الروسي. فتم فرض عقوبات غربية صارمة على فنزويلا علشان تحرم المعسكر الشرقي من الثروة دي وتضغط على فنزويلا لتغيير ولائها. ولكن مع فشل سياسة العقوبات واقتراب المواجهة الشاملة مع إيران اللي ممكن تتسبب في غلق مضيق هرمز وحرمان العالم من النفط الخليجي، وده هيعمل صدمة اقتصادية خصوصاً لأمريكا، أصبح تغيير النظام في فنزويلا بالقوة دلوقتي بنظام موالي ليها أو حتى بالفوضى هيسمح لأمريكا إنها تحط إيديها على الثروة المدفونة دي.

وبالتالي، السبب الثاني هو حرمان روسيا والصين من الحليف الفنزويلي اللي بتعتبره في الحديقة الخلفية لأمريكا، وإفشال مخطط تطويق الولايات المتحدة من الجنوب. أما السبب الثالث وهو عسكري وخطر ثاني جاي من إيران: التحالف الفنزويلي-الإيراني بلغ ذروته بشكل غير مسبوق مؤخراً، وصل لمشاريع عسكرية مشتركة ومصانع درونز في قلب فنزويلا ممكن تطول أمريكا بنفس الطريقة اللي طالت بيها إسرائيل من اليمن. كل الأسباب دي خلت أمريكا تبدأ تتحرك في خطة اتصممت بذكاء شديد علشان تشل قدرات النظام الفنزويلي الحسية والقيادية وتمهد الأرض قانونياً وعسكرياً للضربة القاضية اللي حصلت دي.

التحركات الجدية بدأت فعلياً بعد انتخابات يوليو 2024، لما اتهمت أمريكا مادورو بتزوير النتيجة، وبدأت من هنا السياسة الأمريكية في مرحلة عسكرة ما شفناهاش في المنطقة من وقت غزو بنما سنة 1989. الحكاية بدأت تاخد شكل الجد في أغسطس 2025، لما القيادة الجنوبية الأمريكية "ساوث كوم" بدأت أكبر مناورة لحشد القوات في مسرح الكاريبي من 30 سنة. وشفنا نشر مجموعة حاملة الطائرات "يو إس جيرالد فورد" ومعاها مجموعة "يو إس إيوجيما" البرمائية وغواصات نووية من فئة "لوس أنجلوس"، وتم نشر أسراب طائرات الـ "إف 35 سي" في بورتوريكو. التحركات دي كانت رسالة واضحة بإنهاء دوريات مكافحة الممنوعات الروتينية والدخول في وضع استعداد للحرب وفرض الطوق البحري علشان يخنق اقتصاد النظام ويمنع تصدير أي نفط.

ومع دخولنا في شهر سبتمبر وأكتوبر 2025، دخلنا في المرحلة الثانية اللي اتسمت بالاستنزاف. في الفترة دي، القوات البحرية والجوية الأمريكية نفذت حملة لا هوادة فيها ضربوا خلالها أكثر من 20 هدف بحري، أغلبهم سفن وقوارب اتصنفت إنها بتنقل مواد إدمان. وهنا ممكن حد يسال سؤال منطقي: هو إيه المغزى العسكري من ضرب شوية مراكب تهريب قبل عملية عسكرية ضخمة لاستهداف رئيس دولة؟ الإجابة هنا ببساطة بتكشف خبث التخطيط، لأن الضربات دي ما كانتش بس علشان الممنوعات، دي كانت بروفات بالذخيرة الحية لاختبار سلسلة القتل المتكاملة، والأهم من كده إنها كانت اختبار لزمن استجابة البحرية الفنزويلية ورد فعلها، وعملت عملية تطبيع للنشاط العسكري علشان تخلي النظام يتعود على الضربات دي ويعتبرها روتين يومي وما يتوقعش إنه في حاجة أكبر جاية. ومش بس كده، إغراق السفن دي فرض حصار أمر واقع أكبر للنظام إنه يسحب اللي باقي من قطعه البحرية علشان يدافع عن السواحل، وده خفف الطوق الأمني حوالين العاصمة كراكاس وكشفها بعد كده.

في نوفمبر 2025، دخلنا في مرحلة العزل، لما أمريكا فرضت عقوبات قاسية على شبكة الطائرات المسيرة الإيرانية-الفنزويلية، وعلى رأسها أسطول الظل من الناقلات الصينية. وده كان هدفه قطع شريان الدعم اللوجيستي والمالي الخارجي تماماً. لكن اللعب الكبير بجد بقى بدأ في ديسمبر 2025 مع مرحلة التحضير، لما فنزويلا غرقت في سلسلة من انقطاعات الكهرباء الكارثية، تحديداً في ولاية زوليا والعاصمة كراكاس. والنظام وقتها صرخ وقال إن ده تخريب سيبراني أمريكي. وهنا هنا بيطرح السؤال نفسه: هل قطع الكهرباء ده كان مجرد وسيلة ضغط علشان يضايقوا المدنيين ويزودوا الغضب الشعبي، ولا كان فيه هدف تكتيكي عسكري أخطر؟ ولا الضلمة دي؟ التحليلات اللي جت بعد كده أثبتت إن الانقطاعات دي كانت نتيجة عمليات للقيادة السيبرانية الأمريكية اللي اخترقت أنظمة التحكم الصناعي في سد جوري والشبكة الوطنية كمان. والهدف كان مرعب للقادة العسكريين الفنزويليين: الأمريكان بيجربوا قدرتهم على قطع الكهرباء عن محطات الرادار ومخابئ القيادة عن بعد. الحركة دي حطت الجيش الفنزويلي في مأزق سموه "معضلة الاتصال": يا إما تسيبوا الأنظمة شغالة وتتعرضوا للاختراق السيبراني، يا إما تفصلوها وتفقدوا الوعي بالموقف تماماً وتبقوا عميان.

وأخيراً، في الأول والثاني من يناير 2026، قبل التنفيذ بساعات، دخلت الخطة مرحلة التشكيل، لما إدارة الطيران الفيدرالية "إف إيه إيه" منعت الطيران الأمريكي فوق فنزويلا وأصدرت أوامر للمواطنين الأمريكيين هناك بالاحتماء في المكان. والخطوة دي كانت علشان يفضوا مسرح العمليات من أي حركة مدنية ويقللوا المخاطر الجانبية قبل ما تبدأ العاصفة. كل الخطوات دي كانت بتمهد للحظة الصفر في 3 يناير 2026، يوم تنفيذ عملية "الرمح الجنوبي".

والضربات الجوية وغارات القوات الخاصة اللي طيرت رأس النظام بعد ما خلصت كل مراحل الخنق والتمهيد اللي اتكلمنا عليها، جت لحظة الحقيقة والتنفيذ الفعلي لعملية "الرمح الجنوبي" في الساعات الأولى من فجر يوم 3 يناير 2026، واللي اتسمت بدقة جراحية وسرعة خيالية تحت عقيدة عسكرية سموها "الصدمة والصمت"، وده كان تغيير كبير في العقيدة القديمة المعروفة بـ "الصدمة والرعب".

الساعة دقت 51 دقيقة الصبح بتوقيت فنزويلا، وسكان العاصمة كراكاس سمعوا صوت طيارات بتطير على ارتفاع منخفض جداً ومعاها سلسلة انفجارات. الضربات دي ما كانتش عشوائية ولا مجرد قصف وخلاص، دي كانت ضربات مركزة بتستهدف الجهاز العصبي المركزي للدولة الفنزويلية. أول وأهم هدف كان "فورت تيونا"، وده مش مجرد معسكر، ده العقل المدبر للجيش في وزارة الدفاع وقيادة الجيش ومساكن القيادة العليا. الضربات هنا استخدمت ذخائر خارقة للتحصينات علشان تدمر مخابئ القيادة والسيطرة الموجودة تحت الأرض وتقطع الاتصالات تماماً مع مناطق الدفاع المتكامل في باقي البلد.

وهنا ممكن حد يسال سؤال مهم: ليه الأمريكان خاطروا وضربوا قاعدة لاكارلوتا الجوية وهي موجودة في قلب المناطق السكنية وسط العاصمة كراكاس؟ الإجابة هنا بتوضح إن العملية كانت محسوبة بالملي، لأن ضرب القاعدة دي بالذات كان هدفه إجبار الطائرات المروحية التابعة للنظام إنها تفضل على الأرض، وبكده يمنعوا أي قوة رد فعل سريع من إنها تتحرك وتعترض فرق القوات الخاصة الأمريكية اللي بتنفذ عملية الاعتقال. وفي نفس التوقيت، الضربات اللي طالت "الفولكان" فوق الجبال المحيطة بكراكاس ودمرت منشأة لقط استخبارات الإشارة هناك، فعمت العيون والودان الإلكترونية للنظام ومنعته من تنسيق أي دفاع أو التواصل مع حلفائه بره البلد. وكمان ميناء لاجويرا انضرب وتحديداً مقر "زوديمين" للدفاع البحري والمخازن اللي كان مشكوك إن فيها صواريخ إيرانية مضادة للسفن ومكونات طائرات مسيرة.

ولما القوات الجوية كانت بتشل حركة الجيش النظامي، كان الجهد الحقيقي والحاسم بيحصل على الأرض بعملية مداهمة مباشرة نفذتها قوة دلتا فورس التابعة للجيش الأمريكي على القصر الرئاسي. المعلومات بتقول إن العناصر دي اتسللت للعاصمة باستخدام طائرات هليكوبتر متعدلة بتقنية التخفي، وغالباً كانت من طراز "شنوك 47" و"إم إتش 60" اللي بتستخدم في العمليات الحساسة جداً. والهدف كان الرئيس نيكولاس مادورو شخصياً، سواء كان في القصر الرئاسي أو في مخبأ أمني تابع ليه. بس هل العملية دي كانت مغامرة غير محسوبة زي محاولة الانقلاب الفاشلة اللي قدها مرتزقة في 2020 واللي اتعرفت بعملية جدعون؟ الفرق هنا كان السماء والأرض، لأن المرة دي الهجوم اتنفذ بأعلى قدرات المستوى الأول بدعم استخباراتي لحظي ومراقبة بالأقمار الصناعية وتفوق كاسح في معارك الأماكن المغلقة. وعلشان كده الحرس الرئاسي ورغم ولائهم لمادورو ما قدروش يصمدوا قدام تدريب وتجهيزات قوة دلتا، وتم تحييدهم بسرعة.

وبمجرد ما قبضوا عليه، الرئيس ترامب أعلن إن مادورو تم اعتقاله وتسفيره بره البلد. وده بيأكد إن عملية الإخراج تمت فوراً، وغالباً لسفينة زي حاملة الطائرات "جيلرد فورد" أو قاعدة متقدمة في الكاريبي. السرعة الرهيبة دي في النقل كان هدفها منع تكرار سيناريو فيلم "بلاك هوك داون" (سقوط الصقر الأسود) ووضع العالم كله قدام أمر واقع قبل أي ضغوط دبلوماسية دولية تلحق تتحرك.

وبعد ما نجحت الغارة والخطف زي ما حكينا، ودخان الانفجارات بدأ يهدى شوية فوق كراكاس، السؤال اللي كان بيدور في دماغكم للمحللين العسكريين هو: إزاي ده حصل؟ فنزويلا على الورق بتمتلك واحدة من أعقد شبكات الدفاع الجوي في أمريكا اللاتينية، والعمود الفقري بتاعها هو المنظومة الروسية المرعبة "إس 300 في إم" المعروفة باسم "أنتي 2500". المنظومة دي المفروض إنها بتصطاد الصواريخ البالستية والطيارات من على بعد بيعدي الـ 250 كم. ومع كده، الليلة دي الشبكة كلها وقفت عاجزة تماماً وفشلت إنها حتى ترصد أو تشتبك مع أي طيارة أمريكية. وده بيمثل انهيار تقني وعقائدي كامل.

علشان نفهم سر السقوط المدوي لمنظومة زي دي، لازم ندخل في التفاصيل التقنية للمعركة اللي دارت. السنة القصة قصة، ما كانتش مجرد صاروخ ضرب رادار، الموضوع كان أعقد بكتير واستخدمت فيه أمريكا استراتيجية قمع متعددة الطبقات. البداية كانت مع الحرب الإلكترونية البحرية الأمريكية، نشرت طيارات التشويش الإلكتروني "إي إيه 18 جي" اللي أغرقت المجال الكهرومغناطيسي بضجيج واسع النطاق. التشويش ده استهدف بالتحديد رادارات الاشتباك الخاصة بمنظومة "إس 300"، تحديداً ترددات النطاق "إكس" والنطاق "سي". وده أكبر الرادارات دي إنها تدخل في وضع اسمه "الحرق عبر التشويش"، يعني بتحاول تعلي طاقتها لأقصى درجة علشان تشوف من ورا التشويش. والنتيجة كانت إن المستقبلات في الرادارات الروسية حصل لها إشباع كامل واتعمت تماماً.

وهنا حد ممكن يسال سؤال منطقي جداً: طيب لو الرادارات الحديثة اتعمت، مش فنزويلا عندها رادارات قديمة موجاتها طويلة ممكن تكشف الطيارات دي؟ الإجابة هنا بتوضح الفرق بين إنك تشوف وبين إنك تضرب فعلاً. فنزويلا بتشغل رادارات قديمة من نوع "في إتش إف" اسمها "بي 18 سبون ريست"، بس المشكلة الكبيرة هنا إن الرادارات دي دقتها ضعيفة جداً. هي ممكن تقول للمشغل إن في حاجة موجودة في الجو هنا، بيسموها "تأثير الشبح"، لكن مستحيل تقدر تدي إحداثيات دقيقة لمنظومة "إس 300" علشان توجه الصاروخ ناحية الهدف. يعني الرادار بيقول: "في حد هنا"، بس مش عارف يقول للصواريخ: "اضربي فين بالظبط".

كمان وزيادة في التأمين، الطيارات الأمريكية أصلاً ما قربتش من دوائر الاشتباك الخطرة دي، لأنها استخدمت ذخائر بمدى بعيد جداً زي صواريخ "إيه جي إم 158" اللي ممكن تنضرب من مسافة بتعدي الـ 500 ميل. التكتيك ده سمح لمنصات الهجوم إنها تدمر بطاريات الدفاع الجوي في أمان تام بعيد عن أي خط.

بس هل التكنولوجيا الأمريكية دي هي السبب الوحيد في الكارثة دي، ولا كان فيه عوامل ثانية من جوه فنزويلا نفسها ساعدت في الانهيار؟ الحقيقة المرة للنظام إن الانهيار الاقتصادي اللي عاشته البلد كان له تأثير مدمر على الجاهزية العسكرية. تقارير الاستخبارات من نص سنة 2025 كانت بتأكد إن أكثر من 50% من رادارات المراقبة بعيدة المدى في فنزويلا، بما فيها الأنظمة الصينية "جي واي إل 1" و"جي واي 11 بي"، كانت عبارة عن خردة غير صالحة للعمل. السبب كان ببساطة نقص قطع الغيار. والأخطر من كده هو هجرة العقود والمهندسين والفنيين المؤهلين. سابوا البلد وسابوا الجيش بأسلحة متطورة بس فاضية من جوه ومش لاقية اللي يشغلها أو يصينها.

والنقطة الأخيرة والحاسمة في ليلة السقوط دي كانت العامل البشري وشلل القيادة والسيطرة. نظام الدفاع الجوي الفنزويلي متصمم بشكل مركزي جداً، يعني قائد البطارية اللي على الأرض لازم ياخد إذن من فوق علشان يضرب. لما الضربات الأمريكية الأولى قطعت رأس القيادة، فالسلسلة اتقطعت تماماً. وفي نظام حكم بيسيطر عليه الشك وجنون الارتياب زي نظام مادورو، القادة المحليين في البطاريات غالباً اترددوا وخافوا ياخدوا قرار الاشتباك من غير أوامر مباشرة خوفاً من الانتقام الأمريكي، والأكثر رعباً بالنسبة ليهم خوفاً من إن النظام نفسه يحاسبهم بتهمة التصرف بدون إذن أو الخيانة. فكانت النتيجة شلل تام.

بعد ما اتكشف العجز التقني الرهيب للدفاعات الأرضية، بدأت تهتز تحت رجلين المؤسسة العسكرية نفسها، لأن اعتقال مادورو حط القوات المسلحة الوطنية البوليفارية تحت ضغط وجودي وكشف الشروخ العميقة بين القيادة العليا وبين الجنود اللي تحت اللي بيعانوا من الفقر. مع حديث إن عملية بالحجم ده علشان تتم بالشكل ده، أكيد كان فيه تنسيق مع خونة من الداخل. كل العيون دلوقتي مركزة على وزير الدفاع فلاديمير لوبيز، اللي بيعتبر هو رمانة الميزان في الأزمة دي. الراجل ده مطلوب رسمياً من الولايات المتحدة الأمريكية بتهم تجارة ممنوعات، وده بيحطه في موقف لا يحسد عليه. وهنا بيطرح سؤال نفسه بقوة: هل لوبيز لسه عنده مساحة للمناورة، ولا هو محشور في زاوية الاختيار بين السيء والأسوأ؟

الواقع بيقول إن الراجل قدام خيارين: يا إما يسلم نفسه ويواجه العدالة، يا إما يدخل في حرب خسرانة 100% ضد الجيش الأمريكي، يا إما بقى كان فيه تواطؤ من الأول أو صفقة لتسهيل تسليم الرئيس مقابل الإعفاء عنه وتصعيده. رد فعله الأول كان فيديو ظهر فيه بيعلن الولاء لأوامر مادورو السابقة وبيدين الغزو، لكن المحللين شايفين إن دي مجرد مناورة لكسب الوقت أو وضع انتظار. ولاء لوبيز هنا هو ولاء نفعي أو صفقة، هو بيحاول ينقذ مؤسسة الجيش وينقذ رقبته هو شخصياً، مش بيحاول ينقذ أيديولوجية التشافيزية اللي بتنهار.

الخطير في المشهد ده إنه الجيش نفسه بقى مهدد بالتفكك بعد اللي حصل، لأن سنين الأزمة الاقتصادية خلت الرتب الصغيرة والجنود في حالة يرثى لها. ما فيش أكل، معنويات في الأرض، وغالباً بيتورطوا في جرائم صغيرة بس علشان يعرفوا يعيشوا. الأرقام هنا بتتكلم بوضوح.

لما نعرف إن فيه أكتر من 1400 جندي هربوا لكولومبيا في السنين اللي فاتت، بنفهم إن ما فيش أي رغبة حقيقية للقتال دفاعًا عن الوطن أو النظام. يعني في مواجهة التدخل الأمريكي، السيناريو الأقرب للواقع هو انشقاقات جماعية للوحدات أو لجوء الجنود للمقاومة السلبية. يعني ببساطة، يرفضوا يخرجوا من ثكناتهم.

علشان كده، لو الجيش النظامي قرر يقعد في السكنات وما يحاربش، مين اللي هيملأ الفراغ ده ويشكل الخطر الحقيقي في الشارع؟ علشان كده، العنصر الأخطر في المشهد بعد الضربة مش الجيش، لكن "الكوليكتي فولس". ودي مجموعات شبه عسكرية مسلحة وموالية للنظام بتسيطر بالحديد والنار على أحياء الباريوس الفقيرة في كراكاس. المجموعات دي بتشتغل كأنها دولة موازية، معاهم سلاح ثقيل ومتشبعين بالأيديولوجيا الراديكالية. الفرق بينهم وبين الجيش إن الجيش ممكن يلاقي له مكان في فنزويلا الديمقراطية، لكن المجموعات دي عارفة إن مالهمش مستقبل وهيخافوا من الإبادة والمحاسبة.

وعلشان كده، لما النظام صرخ وقال "الناس للشوارع"، ده كان أمر تعبئة مباشر للعصابات دي. دول بيمثلوا تهديد حقيقي بحرب مدن غير متكافئة، وممكن يقوموا بأعمال نهب وانتقام عنيف ضد المدنيين. وده هيخلي أي محاولة لفرض الاستقرار مهمة صعبة جدًا ومعقدة.

في النهاية، عملية "الرمح الجنوبي" دي مش مجرد سطر جديد في كتب التاريخ. دي علامة فارقة ومفصلية بتفصل بين زمنين في تاريخ أمريكا اللاتينية للقرن الـ 21. أمريكا لما قررت تلعب القمار ده وتنفذ ضربة "قطع الرأس" اللي فيها مخاطرة كبيرة ومكسب أكبر، نجحت إنها تفكك بالقوة نظام ما دوره وتضرب روسيا والصين وإيران بحجر واحد.

لكن الخطر لسه قائم، لأن الهدم أسهل من البناء. لأنه لو عايزين نتكلم بجد عن النجاح، فالمقياس الحقيقي مش هيكون في الليلة اللي اتقبض فيها على ما دوره واتحسمت عسكريًا. المقياس الحقيقي هو اللي هيحصل في الشهور الصعبة والثقيلة اللي جاية. هل هتنجح أمريكا في تعيين نظام مستقر موالي ليها، ولا الصراع بالوكالة والتدخلات الخارجية وانتشار الميليشيات الإجرامية اللي انتشرت زي السرطان هينقل فنزويلا من فوضى لفوضى أكبر؟

لكن الأكيد، سواء في الحالتين، إن اللي حصل ده خلى أمريكا تحط إيديها على أكبر خزان نفط في العالم.

لو مهتم بالأمور العسكرية، وأحدث الأسلحة، والخطط الحربية، وعالم الجاسوسية، وتكتيكات المخابرات، وكواليس الحروب، وأحدث التطورات، فأنت في المكان الصح. "خفايا مع أحمد مبارك" أكبر منصة سياسية وعسكرية في الشرق الأوسط. اشترك الآن في القناة من هنا وانضم لـ 5 مليون متابع.

"جاسوس في غرفة نوم الرئيس كان بيوصل للأمريكان أدق تفاصيل نمط حياته، من مواعيد دوائه، توقيتات نومه، لحد نوع الأكل اللي بيفضله، وحتى أسماء وحركات حيواناته الأليفة. الراجل ده هو اللي سلم مفاتيح قصر مادورو للأمريكان بالمسطرة. قصة أغرب من الخيال."

في اللحظة اللي كانت فيها سماء العاصمة الفنزويلية كراكاس بتتحول لمسرح لأسطول جوي أمريكي مرعب بيتجاوز الـ 150 طيارة، والكهرباء والاتصالات مقطوعة تمامًا عن البلد، العالم كله كان فاكر إن دي مجرد عملية عسكرية تقليدية. لكن اللي حصل كان أعمق وأخطر بكتير من صوت الانفجارات.

اللي أسقط نظام التشافيزية بعد 27 سنة ما كانش بس صواريخ قوات دلتا، لكن كانت خيانة من نوع خاص. خيانة من جوه أوضة النوم. العملية دي انتصار كاسح للاستخبارات البشرية، ولعبة شطرنج طويلة النفس اتلعبت في الخفاء لشهور طويلة، حسب صحيفة نيويورك تايمز اللي نشرت التفاصيل كاملة. 4 يناير 2026.

إحنا مش بنتكلم عن معلومات عامة، إحنا بنتكلم عن جاسوس كان مزروع وسط الدايرة الضيقة للرئيس مادورو، وهو اللي سلمه "تسليم أهالي". إحنا هنا هنشرح إزاي المخابرات الأمريكية استغلت الخيانة من الداخل كسلاح أقوى من الصواريخ، ومين هو الخاين اللي كان عايش مع الرئيس وبينقل للأمريكان أدق تفاصيل نمط حياته ونفسيته بالثانية، وإزاي قدروا يبنوا نسخة طبق الأصل من بيته ويقتحموا غرفة نومه المحصنة بالدقة المرعبة دي، وكأنهم كانوا عايشين معاه.

وبعدين بقى، ليه الجيش القوي ده كله وقف يتفرج لحظة القبض عليه؟ هل جنرالاته الكبار باعوه في صفقة سرية علشان يحموا نفسهم؟ والأخطر، ماذا بعد سقوط رقعة فنزويلا في قبضة الأمريكان؟ بتقول إن النقلة اللي جاية هتبقى إزاي في لعبة الأمم على رقعة الشطرنج الكبيرة اللي اسمها الشرق الأوسط.

إذا كنا اتكلمنا عن الخيانة كعنوان عريض، فالتفاصيل اللي تحت العنوان ده هي اللي حسمت المصير النهائي لعملية خطف مادورو كلها. العملية كانت معتمدة كليًا على الحصول على معلومات استخباراتية حية في الوقت الحقيقي، لحظة بلحظة. وصلت ليها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) عن تحركات وعادات والموقع الجسدي لنيكولاس مادورو، بحسب مصادر متعددة اطلعت على العملية، بما فيهم مسؤولين كبار في هيئة الأركان المشتركة الأمريكية.

الـ CIA نجحت إنها تزرع مصدر جوه الحكومة الفنزويلية وفر بيانات عن نمط حياة الرئيس مادورو بتفاصيل غير مسبوقة في عالم استخراج الأهداف عالية القيمة، وخصوصًا لما يكون الهدف رئيس دولة عايش في بيئة حضرية معادية ومحصنة زي كراكاس. المعلومات العامة ما بتاكلش عيش.

وهنا بيطرح سؤال نفسه: وسط كل التكنولوجيا دي، هو ليه الأقمار الصناعية وأجهزة التنصت ما كانتش كافية لتحديد مكانه؟ ومحتاجين نغامر بعنصر بشري؟ الإجابة ببساطة إن صور الأقمار الصناعية واستخبارات الإشارات ممكن تديك مؤشرات واسعة عن المكان، لكنها سهلة الخداع. والأنظمة المقفولة اللي زي نظام مادورو بتلعب لعبة "الاستغماية" وبتستخدم تكتيكات التمويه علشان تخفي الموقع الحقيقي الدقيق للزعيم.

وعلشان كده، المخططين للعملية كانوا محتاجين معلومات دقيقة جدًا، أو زي ما وصفها دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة للجيش الأمريكي، بلفظ "جرانيولر"، يعني معلومات بتمسح المكان سنتي سنتي. وده اللي اتحقق فعلًا قبل الغارة. هدف الـ CIA كان تجاوز مرحلة تتبع الجداول العامة المعلنة لمادورو، وتدخل في مرحلة مراقبة تحركاته البيولوجية واللوجستية.

المعلومات اللي قدمها المصدر الداخلي تضمنت تفاصيل شخصية دقيقة لدرجة خلت القوات الأمريكية تتوقع تحركاته بشبه يقين. المصدر ده نقل معلومات تفصيلية عن جداول نوم مادورو، وتوقيتات أدويته، وحتى تفضيلاته المحددة في الأكل. ولما تكون عارف إمتى هدفك نايم، أو إمتى بالضبط بيقعد علشان ياكل، ده بيبقى حيوي جدًا علشان تحديد لحظة الضعف اللي تقدر تنفذ فيها الغرض.

المعلومات كمان تجاوزت مجرد تحديد المبنى، دي حددت الغرف المعينة اللي بيستخدمها جوه مقر إقامته في فورت تيونا وقصر الرئاسة. وده سمح لفريق الهجوم إنهم يعملوا خريطة لداخل المبنى ويعرفوا بالضبط أنهي أبواب المفروض يقتحموها ويتحركوا إزاي جوه. مش بس كده، المصدر حدد كمان جداول نوبات الحرس الرئاسي.

والأخطر من ده، إنه حدد البصمات الإلكترونية الخاصة بأجهزة الاتصال الشخصية لمادورو، واللي وكالة الأمن القومي (NSA) قدرت بعد كده تحدد موقعها الجغرافي. التقارير الحقيقة كانت بتنقل حتى الحالة النفسية ومستويات البارانويا أو جنون الارتياب عند مادورو للمسؤولين عن تشغيل الجاسوس. التقييم النفسي ده كان هو اللي بيحكم تحركاته المترددة بين البيوت الآمنة، وسمح للمخططين الأمريكان إنهم يتوقعوا رد فعله في المراحل الأولى للضربة العسكرية.

المعلومات وصلت لدرجة من العمق إنها شملت تفاصيل عن حيوانات مادورو الأليفة. وده بيأكد إن المصدر ده كان عنده وصول جسدي مرئي مباشر للحياة الخاصة للرئيس. وبالرغم من إن الهوية المحددة للجاسوس لسه سرية لحماية الأساليب والمصادر، إلا إن التقارير، خصوصًا بتاعة نيويورك تايمز وسكاي نيوز عربية ومنابر تانية، حددت الشخص ده بصفته "جاسوس واشنطن" أو "مصدر الـ CIA"، وشغال بفاعلية من شهر أغسطس في السنة اللي فاتت.

التوقيت ده مهم جدًا لفهم سرعة العملية، لأن تجنيد العميل ده تزامن مع تصعيد كبير في الضغط الأمريكي. وده بيوحي بوجود علاقة بين تشديد العقوبات وفتح ملفات اتهام جديدة، وبين نجاح عملية التجنيد. وهنا بقى بنوصل لنقطة تانية بتخلي الواحد يقف ويفكر: مين هو الشخص اللي يقدر يجمع بين القرب الشديد ده من الرئيس، وفي نفس الوقت يهرب من شبكة الاستخبارات المضادة المعقدة دي؟

تحليل الاستخبارات بيطرح ثلاث احتمالات لملف العميل ده بناءً على طبيعة المعلومات اللي قدمها:

الاحتمال الأول: إن يكون "خاين من أهل البيت"، يعني حد من طاقم الخدمة المنزلية أو مساعد شخصي. لأن المعرفة المحددة بالحيوانات الأليفة والوجبات ومواعيد النوم بتشير بقوة لشخص هو جزء من البنية التحتية المنزلية للرئاسة. وفي الأنظمة السلطوية، الموظفين المنزليين دول غالبًا بيبقوا غير مرئيين لفرق الأمن اللي بيبقى كل تركيزها على التهديدات الخارجية، مع إنهم بيمتلكوا أخطر المعلومات عن نقاط ضعف الرئيس.

الاحتمال الثاني: إن يكون "منشق أمني" من ضباط الحرس الرئاسي. وده شخص هيكون عنده وصول للتحركات الدقيقة ونوبات الحراسة، والقدرة على نقل المعلومات دي من غير ما المستشارين الكوبيين للاستخبارات المضادة، اللي هما تاريخيًا مسؤولين عن أمن مادورو الشخصي، يكتشفوه. بتشير الحاجات دي كلها لمهارة عالية في العمل السري، واحتمالية استخدام أجهزة اتصال مشفرة ومتقدمة وفرتها الـ CIA.

أما الاحتمال الثالث بقى، فهو "الموالي السياسي الساخط". شخصية من الحرس القديم للتشافيزية شاف إن استمرار حكم مادورو بيمثل تهديد وجودي للحركة البوليفارية نفسها. والبروفايل ده بيتماشى مع انشقاقات سابقة لمسؤولين كبار زي كريستوفر فيجيرا، الرئيس السابق للمخابرات، اللي انشق في 2019.

الطبيعة الثالثة لعملية القبض، زي ما وصفها مسؤولي الـ CIA، بتشير إن المصدر ده كان نشط وبيبعت معلومات لحد اللحظة اللي قوات دلتا اقتحمت فيها المجمع الرئاسي. وده معناه إن المصدر ده ما اتحرقش أثناء العملية، وممكن يكون لسه موجود في فنزويلا، أو تم استخراجه بالتزامن مع الهدف.

لكن القصة ما بتنتهيش عند الجاسوس الوحيد ده، لأنه تم الكشف كمان إن الـ CIA نشرت فريق سري صغير على الأرض في فنزويلا بداية من شهر أغسطس. الفريق ده ما كانش شغال تحت غطاء دبلوماسي، لأن السفارة الأمريكية في العاصمة الفنزويلية كراكاس كانت مقفولة. وده خلى وجودهم عملية تحت غطاء غير رسمي "NOC"، وده أعلى تصنيف للمخاطر في عالم التجسس.

الدور الأساسي للفريق ده كان غالبًا التأكد من صحة المعلومات اللي بيقدمها المصدر الداخلي، لأنه في دورة الاستخبارات، نادرًا ما بيتم التصرف بناءً على مصدر بشري واحد من غير تأكيد. الفريق الأرضي ده غالبًا عمل مراقبة "كسادية" للتأكد من بيانات نمط الحياة، علشان يضمنوا إن المصدر مش عميل مزدوج بيديهم معلومات مضللة علشان يستدرج القوات الأمريكية لفخ يعني. نهج "ثق ولكن تحقق". وده اللي دمج بين بيانات الجاسوس والتحقق المستقل من ضباط الـ CIA على الأرض. ده اللي خلق حزمة الاستهداف اللي عليها الثقة اللي كانت مطلوبة علشان الرئيس ترامب يدي الضوء الأخضر للعملية.

وبعيد بقى عن الكواليس دي، كان فيه حاجة تانية أكبر بتطبخ في الضلمة. لأنه لما كان جاسوس واشنطن جوه القصر الرئاسي بيظبط الإحداثيات النهائية لمكان مادورو، كانت حرب الاستخبارات اللي سبقت يوم 3 يناير 2026 شغالة بضراوة في حملة تجنيد أوسع وأشرس بكتير بتستهدف قدرات النظام اللوجستية نفسها.

وأكثر فصل موثق ودرامي في المجهود ده كانت محاولة تجنيد الجنرال "بيتنر" في "جاس" التيار الخاص لمادورو. ودي عملية، رغم إنها منفصلة عن لحظة القبض الأخيرة، إلا إنها متشابكة تمامًا مع قصة الجواسيس وبتورينا لأي مدى الوكالات الأمريكية كانت مستعدة تروح علشان تخترق الدائرة الضيقة لمادورو.

المهندس ورا المخطط ده ما كانش ضابط حالة في الـ CIA زي ما الناس متخيلة، لكنه كان "إدوين لوبيز"، عميل خاص عنده 50 سنة شغال في تحقيقات الأمن الداخلي. لوبيز ده كان جندي سابق في قوات "رينجرز" بالجيش الأمريكي، وله تاريخ طويل في تفكيك الشبكات الإجرامية في الكاريبي، وكان بيدير عملياته من السفارة الأمريكية في جمهورية الدومينيكان. وبيتوصف أسلوبه بأنه "مهووس وفعال جدًا". وده بيوضح الطبيعة اللامركزية للهجوم الاستخباراتي الأمريكي على فنزويلا.

وهنا الواحد لازم يسأل نفسه سؤال مهم: إيه اللي يخلي أمريكا تعتمد على ضابط شرطة ومحقق جنائي في عملية جيوسياسية حساسة زي دي، بدل ما تسيبها بالكامل للمخابرات؟ الإجابة ببساطة إن تاريخ لوبيز بيسلط الضوء على استراتيجية أمريكية رئيسية وهي "عسكرة إنفاذ القانون" لتحقيق أهداف سياسية. يعني إيه؟ يعني أمريكا قررت تتعامل مع نظام مادورو مش كدولة، لكن كمنظمة إجرامية أو "كارتل". وده سمح لوكالات زي الـ "HS" ومكافحة المخدرات إنها تستخدم أدوات زي المخبرين السريين، والتسليم المراقب، وعقود تخفيف الأحكام اللي بتستخدم عادة ضد تجار الممنوعات، وتطبقها المرة دي على ممثلي دولة ذات سيادة.

الجنرال فيجاز كان بيمثل أصل عالي القيمة في الشبكة الفنزويلية، يكون عضو في الحرس الرئاسي وعقيد في القوات الجوية، والأهم إنه كان ماسك مفاتيح حركة مادورو الجسدية. هو التيار المؤتمن على قيادة الأسطول الرئاسي، بما في طيارات "داسولت فالكون 2000 EX" و"900 EX" اللي كانت بتنقل مادورو للملاذات الآمنة في إيران وروسيا وكوبا.

العملية كانت قايمة على فرضية بسيطة جدًا، لكن جريئة جدًا في نفس الوقت: لو قدروا يقلبوا الطيار، ممكن يسلموا مادورو "تسليم أهالي" للسلطات الأمريكية وهو في الجو، في واحدة من رحلاته الدولية. وبكده يتفادوا الحاجة لاجتياح عسكري محفوف بالمخاطر في كراكاس.

لحظة المواجهة حصلت في مايو 2024، في حظيرة خاصة في مطار تنفيذي في سانتو دومينجو بجمهورية الدومينيكان. الفرصة جت لما طيارات مادورو راحت الجزيرة علشان أعمال صيانة. وده كان خرق للعقوبات الأمريكية، واداهم الحجة القانونية اللي خلت لوبيز يتدخل.

لوبيز أخد إذن من السلطات في الدومينيكان لاستجواب الطيارين الفنزويليين اللي وصلوا يستلموا الطيارات. وفي اجتماع سري جوه غرفة اجتماعات الحظيرة، وحواليه عملاء أمريكان كانوا تانيين، لوبيز قدم عرضه. الحوار اعتمد على إطار كلاسيكي لتجنيد الجواسيس: بدأ بالمال، وكان العرض صريح بأن فيجاس هيبقى راجل غني جدًا، واستخدموا بعد كده ورقة المكافآت الضخمة اللي قيمتها 50 مليون دولار اللي وزارة الخارجية رصدتها لـ "رسمة" مادورو.

بعدين لعبوا على الأيديولوجيا والـ "أنا" لما لوبيز صور الخيانة دي مش كجريمة، لكن كعمل وطني سامي، وعرض عليه فرصة إنه يكون البطل اللي حرر بلده من الديكتاتورية. وأخيرًا استخدموا الإكراه، لأن قعدة التحقيق وسط عملاء أمريكان في بلد أجنبي، وهم مسيطرين على الطيارات، كان فيها تهديد ضمني بإجراءات قانونية أو مصادرة أصول أو فضح أمره لو رفض التعاون.

لوبيز استخدم تطبيقات رسائل زي الواتساب والتليجرام علشان يفضل على تواصل مع فيجاس لشهور بعد الاجتماع الأول، واستمر في محاولات التجنيد حتى بعد ما فيجاس رجع فنزويلا، في إصرار وصفته المصادر بالهوس. بس في النهاية، الجنرال فيجاس ما انشقش ورجع كراكاس، وظهر بعد كده على التلفزيون الرسمي جنب وزير الداخلية علشان يعلن ولاءه للثورة، ووصف لوبيز بأنه "جبان"، وفضح العملية. وفشلت المحاولة كلها.

وهنا بنوصل لسؤال تاني بيطرح نفسه بقوة: طالما الطيار رفض العرض وفضح الدنيا كلها على التلفزيون، هل ده معناه إن العملية فشلت وانتهت القصة على كده؟ الحقيقة إن الإجابة لأ. لأن المخابرات الأمريكية هنا عملت نقلة تكتيكية سريعة من التجنيد للتعطيل والتخريب. لما سربوا تفاصيل الاجتماع السري والمحادثات اللي اتوصفت بالخيانة، ونشروا حتى صورة للاجتماع مع لوبيز.

العملاء الأمريكان هدفهم حرق فيجاس كعنصر موثوق فيه في عين مادورو. التكتيك ده المعروف بـ "تسميم البئر" هو شكل من أشكال الحرب المعرفية. مجرد إنه يقعد مع عملاء أمريكان وكان على تواصل بينهم، زرع بذرة شك مالهاش مثيل في البيئة المصابة بالبارانويا جوه دايرة مادورو الضيقة. اللعبة دي أكبرت النظام إنه يشكك في ولاء أكثر حراسه ثقة، وده كان ممكن يؤدي لتصفيات داخلية أو منع الأسطول الرئاسي من الطيران. وبكده شلوا حركة الزعيم، وحدة من خيارات هروبه.

وحقيقة إن مادورو اتقبض عليه في غارة برية مش في عملية جوية، بتأكد إن خطة الطيار، وإن كانت فشلت في هدفها الأساسي وهو تسليم مادورو بالطيارة، إلا إنها نجحت بامتياز في هدفها الثانوي: عزل الهدف وتدمير شبكة الثقة حواليه تمامًا.

السؤال هنا بقى: ليه دلوقتي؟ وليه بالطريقة دي؟ ليه أمريكا قررت تحشد كل الموارد دي من قوات دلتا الخاصة لمجموعة قتالية كاملة بحاملة طائرات علشان عملية قبض على واحد؟ والأهم، ليه قبضوا على زوجته كمان معاه؟

علشان نفهم الإجابة، لازم نبص للهدف من وجهة النظر اللي أمريكا روجت ليها، واللي خلتها تبص لمادورو مش بس باعتباره رئيس دولة، لكن باعتباره الزعيم المزعوم لمنظمة إجرامية عابرة للحدود. وزارة العدل الأمريكية بقى لها فترة طويلة بتوصف جهاز الدولة الفنزويلي تحت حكم مادورو بأنه "كارتل الشموس". والاسم ده إشارة للنجوم الذهبية أو الشموس اللي بيعلقها الجنرالات الفنزويليين على أكتافهم.

الإطار القانوني لعملية "الحزم المطلق" ما اتبناش بين يوم وليلة. ده علشان العملية تبقى قانونية، كانت مبنية على سلسلة من لوائح الاتهام الفيدرالية اللي تم الكشف عنها لأول مرة في مارس 2020، واتحدثت في 2026. الاتهامات دي عملت نقلة نوعية في الموقف القانوني الأمريكي تجاه فنزويلا، وحولته من مجرد ضغط دبلوماسي أو غزو دولة لتحرك إنفاذ قانون صريح.

الاتهام الرئيسي كان "إرهاب المخدرات". وده تهديد هجين بيجمع بين تهريب المخدرات على نطاق واسع، وبين تقديم الدعم المادي لمنظمات مصنفة كإرهابية زي القوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك). والأخطر من ده إن الاتهام بيشوف إن "كارتل الشموس" سخر أصول الدولة الفنزويلية كلها، من قواعد جوية عسكرية وموانئ تجارية وحتى النظام المصرفي، علشان يسهل نقل مئات الأطنان من الممنوعات من كولومبيا لأمريكا الشمالية. التهريب ده ما كانش دافعه الطمع والفلوس وبس، لكنه كان سلاح استراتيجي ومحاولة متعمدة لإغراق الولايات المتحدة لضرب الصحة العامة والتماسك الاجتماعي الأمريكي.

لوائح الاتهام دي رسمت صورة لمنظمة إجرامية بقت هي والدولة الفنزويلية حاجة واحدة. الهيكل القيادي للكارتل المزعوم ده، والاتهامات المحددة ضد كل واحد فيهم، هي اللي وفرت قائمة الأهداف للعملية الأمريكية وأدتها غطاء قانوني. على رأس القايمة دي كان نيكولاس مادورو نفسه، المتهم بزعامة الكارتل والتفاوض على شحنات بوزن أطنان مع فارك وتزويدهم بأسلحة عسكرية. وتحته جه "دادو كابيلو"، وزير الداخلية، اللي بيتوصف دايما بالجلاد أو منفذ أوامر الكارتل، والمسؤول عن إدارة حلقات التهريب المباشرة وتأمين الشحنات. ومعاهم "فلاديمير لوبيز"، وزير الدفاع، المتهم بالسماح للطيارات المحملة بالممنوعات بعبور المجال الجوي الفنزويلي واستخدام الجيش لحماية لوجستيات الكارتل.

بس القبض على "سيليا فلوريس" جنب جوزها كانت تفصيلة عملياتية ليها دلالة كبيرة جدًا. الست دي، اللي بيسموها في دعاية النظام "المقاتلة الأولى"، هي قوة جبارة وليها نفوذ مستقل. وكالات الاستخبارات الأمريكية بتشوفها شخصية مركزية في الشبكة المالية غير المشروعة للنظام. وده بيخلينا نطرح سؤال تاني مهم: وسط المعمعة دي، ليه زوجة الرئيس تكون هدف عالي القيمة لدرجة إن القوات تخاطر علشان تقبض عليها هي كمان؟

السبب إن أمريكا وجهت لها اتهامات بالتآمر في إرهاب الممنوعات واستيراد الممنوعات وحيازة مدافع رشاشة، بيشير إن المدعين الأمريكان شايفينها مشاركة نشطة في قيادة العصابة اللي بتوصفها أمريكا. مش مجرد واحدة مستفيدة من فلوس جوزها. فمن وجهة نظرهم، القبض عليها بيحرم النظام من أكتر مشغل سياسي مؤثر فيه، وغالبًا هيوفر كنز من المعلومات الاستخباراتية عن أصول النظام المخفية بره البلد.

على حد قوله، هتقول لي يا أحمد، إنت عاوز تقول إن أمريكا حلوة وبسمسم وبتنظف العالم من تجارة الممنوعات و بتهدف للعدالة؟ هقول لك لأ، أنا بوريك هم استلفوا أوراقهم إزاي، بغض النظر عن حقيقة اللي بيقولوه وحقيقة تجارة مادورو في الممنوعات من عدمه. وهزيدك من الشعر بيت وأقول لك إنه حسب تقارير مكتب الأمم المتحدة للجريمة (UNODC) وتقييمات إدارة مكافحة الممنوعات التابعة لوزارة العدل الأمريكية، بتقول إن الجزء الأكبر من الممنوعات اللي بيوصل للولايات المتحدة بيمر من المحيط الهادي وأمريكا الوسطى والمكسيك، مش من فنزويلا.

من ناحية تانية، تقرير الـ DEA في نهاية العقد الماضي قال إن أقل من 10% فقط من الممنوعات المتجهة للسوق الأمريكي بيمر من فنزويلا، مع ترجيح استمرار انخفاض أهمية المسار بعد كده، وإن الجزء الأكبر بيجي من المكسيك وكوبا وكولومبيا. فاشمعنى فنزويلا؟ الموضوع إذا مالوش علاقة بالممنوعات في ذاتها، وإن كان بيتاخد كذريعة ومبرر، بقدر ما له علاقة بالسيطرة على فنزويلا نفسها للأسباب اللي ذكرناها امبارح الخاصة بالسياسة والاقتصاد ولعبة الأمم، وعلى رأسها خزانها الضخم من النفط.

وزي ما قلنا، أمريكا بتأمن ضهرها النهارده اقتصاديًا بالنفط الفنزويلي تحسبًا للمواجهة الكبرى مع إيران اللي غالبًا هتتسبب المرة دي في غلق مضيق هرمز.

في النهاية، لو بصينا للمشهد بعيد عن دوشة الـ 150 طيارة والتشويش الإلكتروني اللي غطى كراكاس، هنلاقي إن العملية دي بتأسس لمرحلة جديدة ومرعبة في لعبة الأمم. مرحلة ما فيهاش مكان للصدفة. اللي حصل مش مجرد استعراض عضلات أمريكي، ده كان انتصار كاسح لما يعرف بالذكاء البشري على كل منظومات الدفاع الروسية والكوبية اللي النظام كان مسنود عليها بقاله سنين. الرهان الحقيقي ما كانش على القوة النارية، قد ما كان على "تستيف الأوراق" والقانون واختراق أضيق الدوائر، لدرجة إن المعلومات اللي وصلت للأمريكان ما وقفتش عند التحركات العسكرية دي، وصلت لتفاصيل مرعبة عن نمط الحياة اليومي، زي مواعيد النوم والأكل، وحتى تفاصيل عن الحيوانات الأليفة للرئيس. كل ده بيكشف إن الاختراق كان في أوضة النوم، مش بس في قاعات الاجتماعات.

اللعبة دي بتكشف لنا إن إسقاط الأنظمة ما بقاش محتاج اجتياح بري تقليدي مكلف، قد ما هو محتاج "تسميم" لشبكات الثقة جوه النظام نفسه. لما تشوف قصة محاولة تجنيد التيار الخاص للرئيس، هتفهم إن الهدف ما كانش بس الخيانة المباشرة، الهدف كان زرع الشك في كل اللي حوالين الرئيس. بمجرد ما تطلع تفاصيل عن لقاءاته السرية وعروض بملايين الدولارات، النظام بيبدأ ياكل في بعضه، والحراس اللي المفروض يحموا الرئيس بيتحولوا لمصدر تهديد. وده بيخلي راس النظام معزول تمامًا ومستني لحظة النهاية اللي بتيجي بدقة العملية الجراحية في توقيتات محسوبة بالثانية، بناءً على خيانة من أقرب الناس.

الأكثر من عملية القبض نفسها هو اللي هيحصل بعدها، لأننا قدام سابقة تاريخية بتعلن فيها أمريكا بصراحة نفسها إنها هتدير البلد علشان تستغل موارد النفط. وده بيرجعنا لزمن الوصاية المباشرة بشكل فج. لكن المفارقة هنا إنه رغم القبض على الراس الكبيرة، الدولة العميقة في فنزويلا والمتمثلة في قيادات الجيش والمخابرات لسه موجودة وما اتحركتش للدفاع عنه. وده بيطرح سؤال كبير عن الصفقة اللي تمت في الخفاء. هل إحنا قدام عملية عسكرية نظيفة، ولا قدام عملية تسليم وتسلم ضحوا فيها بالرئيس علشان باقي النظام يضمن بقاه؟ الإجابة دي هي اللي هتحدد شكل الصراع في أمريكا اللاتينية للقرن الـ 21.

قول لنا في التعليقات إنت شايف إيه؟ القصة فعلاً عدالة، ولا مجرد صراع على أضخم خزان نفط في العالم؟

>> لو مهتم بالأمور العسكرية، وأحدث الأسلحة، والخطط الحربية، وعالم الجاسوسية، وتكتيكات المخابرات، وكواليس الحروب، وأحدث التطورات، فأنت في المكان الصح. "خفايا مع أحمد مبارك" أكبر منصة سياسية وعسكرية في الشرق الأوسط. اشترك الآن في القناة من هنا وانضم لـ 5 مليون متابع.