Transcription
[موسيقى] بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الإخوة الكرام لكم التحايا العاطرات، وأهلاً وسهلاً بكم على امتداد حلقات هذا البرنامج، والذي يحدث في المقام الأول لرفع الاستحقاق في تدبر كتاب الله سبحانه وتعالى، بعيداً عن قيود السابقين.
وبعد أن فرغنا في الحلقات المتسلسلة السابقة عن قصة العبد الصالح مع موسى عليه السلام، وكيف اصطحبه في مسيرة تتحدث عن كيفية عمل القدر الإلهي في محيط حياة الإنسان، دعونا الآن نعرج قليلاً لنلقي نظرة على بداية خلق الإنسان. وهذه من المواضيع التي ترسخت في عقل المسلم الجامعي، وهو أن آدم، أو بداية خلق الإنسان، كانت من خلق آدم في شكل البناء الصوري، يعني كتمثال من طين، ثم نفخ الله فيه الروح التي تمثل الحياة، وبلغت الروح إلى الحلقوم، وبلغت الروح إلى الأرجل. هذا كله من الإسرائيليات التي ليست من كتاب الله سبحانه وتعالى في شيء، لأن القرآن يحمل من الدقة الشيء العجيب، وبالتالي لا يمكن أن تتطابق ألفاظه على معانٍ واحد، فلابد أن نفرق ما هو الفرق بين البشر، ما هو الفرق بين الإنسان، وهل الأصل هو الإنسان؟ وهل البشر هي مرحلة؟ أم أن الإنسانية هي مرحلة؟ زد على ذلك، على امتداد التاريخ البشري الحديث كانت هنالك مصادمة صارخة جداً بين علماء المسلمين من جهة، وعلماء الكنيسة من جهة، حول نظرية داروين في الخلق والتطور.
ودعونا نقر أولاً بأن مسألة البحث في بداية خلق الإنسان يجب أن تكون على مستوى السفر والسير، والأحوريات، والبحث العلمي. قال تعالى: {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدا الخلق}. فبداية الخلق تحتاج إلى سير في الأرض، وتحتاج إلى بحث، وتحتاج إلى أحوريات وغيرها، وهذا ما فعله داروين بالضبط. وعندما حصل إلى نتيجته في أصل الخلق، وأصل الأنواع، ونظرية التطور، وقعت له مصادمة عنيفة جداً مع الكنيسة التي كانت تحتكر المفاهيم الدينية، ثم تَابع المسلمون على ذلك باعتبار أن القرآن حسب مسألة الإنسان بالبناء التمثالي الصوري لسيدنا آدم، وكما ذكرت لكم هذا ليس من كتاب الله في شيء.
وسنتطرق إلى هذه القضية بنظرة، بلحمة من غير تدقيق ولا تعمق، لأن هذه القضية من القضايا التي استفاض فيها المرحوم الصديق، المرحوم الدكتور عماد حسن محمد بابكر، وشقيقه الباشمهندس علي الدين حسب محمد بكر في الكتاب أو المؤلف الضخم المعروف بنظرية أذان الأنعام في الخلق والتطور. ومن أراد الاستفادة في هذا الباب بشيء من التفصيل العجيب، فعليه أن يبحث عن هذا المؤلف وهو موجود بالمكتبات وبالأسواق الآن.
دعونا لابد أن نفرق يقيناً بين مفهوم البشر وبين مفهوم الإنسان. فالسؤال: هل آدم كان من البشر أم كان من الإنسان؟ مع أننا يقيناً يجب أن نؤمن أن هنالك فرقاً في المعنى والدلالة بين مفهوم البشر وبين مفهوم الإنسان. أولاً: جميع الآيات في كتاب الله التي تحدثت عن بداية الخلق كبشر لم تذكر سيدنا آدم لا من بعيد ولا من قريب، يعني ما في أي ربنا قال: إني خالق آدم من طين، ماضي، ما في كلام يا جماعة، دونكم كتاب الله سبحانه وتعالى، وإنما الآيات تتحدث عن البشر. {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ مِنْ طِينٍ فَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَاقْعُدُوا لَهُ سَاجِدِينَ}. تتحدث عن بشر، فهل هذا البشر الذي خلقه الله سبحانه وتعالى من طين هو آدم عليه السلام؟ الجواب: لا. آدم كان هو بداية الإنسان وليس بداية البشر. إذن البشر هي مرحلة سبقت مرحلة الإنسنة، مع أن الأصل هنا واحد وهو من طين، ولكن البشرية مرحلة والإنسانية مرحلة. البشرية تشتق من المباشرة، والمباشر هو فعل الشيء. عندما قال الله تعالى: {إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ}، يتحدث عن مخلوق سيكون أصله من الطين، سيباشر فعلاً من المباشرة. أما الإنسانية أو الإنسنة فهي اشتقاق من الاستئناف والانس وهو ضد الاستحاش. إذن الطور البشري الذي سبق أو بدا منه الخلق كان طوراً متوحشاً غير متانس، لأن الله سبحانه وتعالى لم ينفخ فيه الروح.
إذن نصل إلى نتيجة خطيرة جداً على أن سر الحياة ليست هي الروح إطلاقاً، فالانسان حي بنفسه وليس بالروح، والتي تخرج من الإنسان عند الموت هي النفس وليست الروح. وبالتالي كل ما توارثناه أن الروح تخرج من الجسد عند الموت، وأن النفخ في الصور ثم تنطلق الأرواح وتذهب الأرواح، كل هذا ليس في كتاب الله بشيء، لأن حتى كلمة الأرواح بالجمع أو التثنية لم ترد في كتاب الله سبحانه وتعالى إطلاقاً، لأن الروح تنتمي إلى عالم الأمر وليست إلى عالم الخلق، فالروح ليست مخلوق، الروح إنما هي من عالم أمر الله سبحانه وتعالى وليست من عالم الخلق. إذن الروح ما مخلوق هي، والنور النور والروح هذه من عالم الأمر، ولذلك لا يمكن أن نجد في كتاب الله أن الروح جاءت بالتثنية أو الجمع، يعني مصطلح الأرواح، مصطلح روحان، روحين، ما صحيح، وكذلك النور، النور ينتمي إلى عالم الأمر، لا يمكن أن يأتي في القرآن مرتبط بالفعل خلق، وإنما يأتي مع الفعل جعل. وضرورة هنالك فرق ما بين مفهوم الجعل وما بين مفهوم الخلق، فالخلق هو تصنيع وتقدير، أنا أخلقه من الطين، أما الجعل هو تقدير أو تغيير وظيفي لمخلوق أصلاً. فانا عندما أقول: جعلت فلان، جعلت ضياءً، أو جعلته عماراً، أو جعلته سيم من الناس مديراً على الشركة، هذا لا يعني أنني قدرته أو صنعته، إنما غيرته في الوظيفة. ولذلك وقع هنالك خلط ما بين مفهوم الخلق وبين مفهوم الجعل. فعندما قال الله: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً}، يتحدث عن مخلوق موجود أصلاً، وإنما هنا رفعت درجته الوظيفية ليمارس عملاً آخر غير الذي كان يفعله.
إذن لابد أن نفهم ما هي طبيعة البشر وما هي طبيعة الإنسان، وأن الإنسان حي بنفسه وليس حي بالروح، والتي تخرج من الإنسان عند الموت هي النفس وليس الروح. {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً}. اخرجوا انفسكم، الله يتوفى الانفس حين موتها، والتي لم تمت في منامها. هذا مدخل لدراسة هذه القضية في الحلقة القادمة بإذن الله، سنبحر في بحر هذا الموضوع الذي أراه من الأهمية بمكان. إلى أن ألتقي بكم أحبتي الكرام أترككم في حفظ الله ورعايته، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. [موسيقى]