📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

الشاهنامه (كتاب ملوك الفرس ) ملخص شامل – من الاسطورة الى التاريخ حتى سقوط الساسانيين

قناة ورق1:05:09

Transcription

تبدأ ملحمة الشهنامه بفجر التاريخ الأسطوري لإيران، عندما حكم أول ملوك البشر. يرى الفردوسي كيف ظهر كَمِيرُوش كأول ملك على وجه الأرض. يرى الفردوسي كيف ظهر كَمِيرُوش كأول ملك على وجه الأرض. عاش كَمِيرُوش في الجبال مع قومه، وكانوا يرتدون جلود الحيوانات اتقاءً للبرد. علم الناس صنع الطعام واللباس في زمن كان كل شيء فيه جديد. حكم العالم من عرشه 30 عامًا في عدل وازدهار، حتى أن الحيوانات بمختلف أنواعها كانت تخضع له وتتألف حول عرشه بخشوع.

كان لكميروش ابن وسيم نبيل الروح اسمه سيامك. أحبه الملك حبًا جمًا وجعله أمل المستقبل. لكن هذا الشاب البهيء لم يسلم من الشر، فقد ضغن أهريمان على كَمِيرُوش وابنه، فأرسل ابنًا له على هيئة مارد أسود ليجمع جيشًا من الشياطين وينقض على الملك. لم يكن كَمِيرُوش واعيًا للمؤامرة، لكن ملاكًا سماويًا وهو سيروش تمثل لسيامك وأخبره بالخطر. اشتعل قلب الأمير غضبًا وجمع جيشًا من البشر والوحوش لمواجهة العدو. في تلك الأيام لم يكن للبشر دروع تحميهم، فلبس سيامك جلد نمر وخاض المعركة بشجاعة. لكن المارد الأسود انقض على سيامك بمخالبه الحادة ومزق جسده. فقد قتل الأمير الشجاع وأطرحه صريعًا على التراب.

عم الحزن جميع الكائنات عند مصرع الأمير. نزل كَمِيرُوش من عرشه باكيًا، يلطم صدره ووجهه من شدة الأسى. سالت الدموع والدم على وجنتيه. لبس الجيش حلّة الحداد الزرقاء، وحتى الحيوانات والطيور اجتمعت وهي تولول حزنًا. واسودت الدنيا في عيني الملك المفجوع. قضى كَمِيرُوش عامًا كاملاً في الحداد والبكاء، حتى ظهر له الملاك سيروش برسالة من عند الله يبلغه فيها أن يكف عن البكاء ويستعيد صوابه ويستعد للانتقام من هذا الشيطان الآثم.

استجمع كَمِيرُوش قواه واستنهض عزيمته للثأر. وكان لابنه المقتول سيامك ابن صغير اسمه هونشك، وقد أحبه الجد ورباه كابنه حيث رأى فيه صورة أبيه الراحل. وعندما آن الأوان للانتقام، عهد كَمِيرُوش إلى هونشك بقيادة الجيش قائلًا له إن أيامه قوة باتت معدودة، وإن حفيده الشاب هو من سيقود الأمة من بعده. حشد الملك جيشًا عجيبًا قوامه الجن والبشر والوحوش الكاسرة معًا، وتقدم لحرب الشياطين. كان كَمِيرُوش في مؤخرة الجيش، يتقدم الجيش الأمير هونشك المقدام. التحمت الشياطين بجموع الحيوانات الكاسرة والبشر. دارت معركة رهيبة انتهت بفوز. انقض هونشك بنفسه على المارد الأسود الذي قتل أباه وقبض عليه كالأسد المصور وشقه نصفين وقطع رأسه الوحشي. لذلك أخذ بثأر أبيه وأشفى صدر جده الملك. تحقق لكميروش الانتقام الذي ابتغاه، وهناك أسلم الروح وانتهت أيام حكمه. ترك الملك الأول للدنيا بعد أن علم البشر أسس الحضارة. وكما يقول الفردوسي في حكمته البالغة: إن دنيا البشر حكاية عابرة، فلا يدوم في الأرض شر ولا مجد.

وهكذا بدأت سيرة الملوك على الأرض. اعتلى هونشك العرش وأصبح ملكًا على العالم. كان ملكًا عادلًا وحازمًا يعمر الأرض بإحسانه ويزرع العدل أينما حل. وينسب له أنه أول من اكتشف النار بالصدفة، حيث خرج يومًا يصطاد في الجبال فرآه مخلوق أسود يشبه التنين فرماه بحجر فاصطدم الحجر بصخرة فانقدحت منه شرارة أشعلت الحشائش اليابسة. شهد هونشك ومن معه لرؤية النار لأول مرة، وعدها نورًا من عند الله. جمع الناس وأقام احتفالًا أسماه سده تخليدًا لاكتشاف النار التي صارت نعمة للبشر في التدفئة والطبخ. كما علم هونشك قومه صهر المعادن وصنع الأدوات وأرسى قواعد الزراعة، فكان عصره عصر ازدهار وتعلم.

بعد هونشك جاء الملك طهمورث ليواصل نهج أجداده. كان طهمورث صارمًا وشجاعًا ويلقب بـ "جيوبند" أي كابح الشياطين، حيث روّض الشياطين ووضعهم في خدمته. وقيل إنه استخدم أحد الشياطين تدابه يركبها محل الفرس. وفي حكمه تعلم الناس الكتابة بأمره، فقد أجبر الشياطين الأسرى على تعليم البشر حروف الكتابة الأولى. عم الأمن والسلام في زمن طهمورث، ولم يجرؤ عدو على التحدي.

ثم بزغ نجم حفيد طهمورث الرابع الملك جمشيد. كان جمشيد أعظم ملوك عصره. في أيام جمشيد تقدمت الحضارة البشرية أشواطًا كبيرة، واخترعت صناعة الملابس المنسوجة بدلًا من الجلود. وقسم الناس طبقات تؤدي كل منها دورها في المجتمع كالكهنة والمحاربين والعمال. شيدت المدن العظيمة واستخرجت الجواهر والمعادن النفيسة من باطن الأرض. وصنع عرشًا مرصعًا بالجواهر جلس عليه في احتفال مهيب. ويروى أنه في أول يوم من فصل الربيع حملت الجن والطيور عرش جمشيد في الجو، فأضاءت أشعة الشمس تاجه الذهبي وبهر العالم من عظمته. واعتبروا ذلك اليوم فاتحة لعالم جديد، ومنه جاء عيد النيروز رأس السنة الفارسية. نعم جمشيد بالفرح الملكي وهي الهيبة الإلهية والعظمة المقدسة، ودام ملكه قرونًا في رفعة ورخاء.

لكنه بعد حوالي 300 عام من المجد استكبر على نفسه واغتر بإنجازاته، وبدأ ينسب الفضل لنفسه في كل ما تحقق. وزعم أنه سيد الكائنات وأن البشر مدينون له بالتقدم، بل قيل إنه ادعى الألوهية لنفسه. وعندها غضب الرب ونزع عنه الفره الإلهي، فتحول حاله سريعًا وضعفت هيبته في أعين الناس.

في تلك الحقبة ظهر في بلاد العرب أب شرير يدعى الضحاك. حمل الضحاك في روحه لعنة الشر وجشع التسلط. خدعه إبليس اللعين متنكرًا بهيئة ناصح، فأغواه لقتل أبيه والاستيلاء على مملكته. ونتيجة لخطئته الكبرى التصق إبليس بكتفي الضحاك وقبلهما، فانبت في كل كتف ثعبانًا مخيفًا لا يمكن نزعه. عانى الضحاك من الثعبانين اللذين نميا في جسده وصارا يلتويان من الجوع، حتى عاد إليه إبليس متنكرًا كطبيب وادعى أن عليه إطعام الثعابين أدمغة البشر يوميًا حتى تهدأها. وهكذا تحول الملك الضحاك إلى طاغية يقتات على أرواح الشباب كل يوم. كان يقتل اثنين من خير الشباب من رعيته ويطعم أدمغتهما للتعابين اتقاءً لشرّهما.

ومع تدهور حال جمشيد في إيران بسبب غروره، وجد الضحاك فرصته. فهاجم بلاد فارس بجيش جرار مستغلًا ضعف ولاء الناس لملكهم المغرور. ففر جمشيد هاربًا لاجئًا إلى أنحاء الأرض وتوارى عن الأنظار 100 عام تجنبًا لبطش الضحاك. إلى أن عثر عليه جنود الطاغية في أرض بعيدة. أسر جمشيد أخيرًا، ولم يشفع له مجده الغابر، فقد أمر الضحاك بهلاكه بأبشع صورة، فقطعه نصفين بمنشار أمام الملأ. فعَمَّ الرعب في البلاد من هول ما حل بملكها العظيم، وزال ملك جمشيد الذي عمر طويلاً وزال معه كل ما بناه من مجد وكبرياء.

حكم الضحاك إيران 1000 عام ظلمًا وطغيانًا. وفي عهده استتر أهل الحكمة والصلاح، وارتعشت الفضيلة كمصباح في مهب الريح، بينما ساد الشياطين وأتباع الشر. كان الضحاك ينكل بكل من يخالفه، ولم يستسلم من قبضته حتى بنات جمشيد نفسه، اللواتي سباهن وعلمهن السحر. ورغم تسلطه المرعب، تذكر الروايات أن بعض الخيرين حاولوا تخفيف مصائبه. فيُحكى أن طباخين شجعان في قصره تظاهرا بخدمة الثعابين، فكانا يقتلان شابًا واحدًا في كل ليلة ويستبدلان الآخر بخروف، ثم يهربان هذا الشاب الناجي سرًا إلى الجبال، حيث تكون من أولئك الناجين نسل عاش طليقًا في الجبال وعرف بعد ذلك بالأكراد.

بينما أوغل الضحاك في جبروته، رأى ذات ليلة حلمًا أثار الرعب في قلبه: ثلاثة فرسان أشداء برزوا أمام عرشه، أصغرهم سنًا كان أبْهَى من البقية ويحمل هراوة على هيئة رأس ثور. هاجم هذا الفارس الشاب في حلمه الضحاك وضربه بالمطرقة الثورية على هامته، ثم أوثق الملك بالأغلال وقاده أسيرًا إلى قمة جبال ديماوند وصد حشدًا من الناس.

انتفض الضحاك من نومه مذعورًا واستدعى الحكماء والمنجمين ليفسروا الرؤيا. أخبروه أن شابًا من سلالة الملك جمشيد سيولد وسيكون هو من يخلص العالم من طغيانه. وحدد له وقت ميلاد هذا المنقذ القادم واسمه المتوقع: فريدون ابن أَبْتين. تضاعف هلع الضحاك فأمر أعوانه بالبحث عن أي مولود يشتبه به في ذلك التاريخ المشؤوم ليقتلوه في المهد.

وفي ذلك الأثناء كانت زوجة أَبْتين، إحدى أحفاد جمشيد، قد وضعت مولودها المنتظر. أدركت الأم فرانك خطر الضحاك، فهربت بطفلها إلى أعماق الغابة تحمله على صدرها. وهناك وجدت ملجأً أمينًا لدى راعي بقر يملك بقرة عجيبة مباركة اسمها برمايا. كانت تلك البقرة السحرية آية من الجمال بألوانها المتعددة ولم يكن لها مثيل في الدنيا. توسلت فرانك إلى الراعي أن يحمي طفلها ويرضعه من هذه البقرة النادرة، فقبل الرجل الصالح وضمن رعاية الصغير كابنه.

ترعرع فريدون في الكهف يتغذى من حليب برمايا وينمو يومًا بعد يوم عن أعين أعوان الملك. ظل الضحاك ساهرًا يبحث عن الطفل الموعود وانتشرت أخباره حتى وصلته أخبار البقرة برمايا ومعها إشاعة عن طفل مختبئ. انطلق كالجنون إلى المرأة التي ترعى فيه البقرة ورأى بنفسه تلك الأعجوبة، فقتل برمايا البريئة دون رحمة وقتل كل ما وجد حولها من حيوانات. ثم تتبع آثار المأوى الذي ربما كان الطفل فيه. وحين وصل إلى الكهف لم يعثر على شيء، حيث كانت الأم فرانك قد شعرت بالخطر وحملت رضيعها بعيدًا قبل وصوله بلحظات. جن جنون الضحاك إذ لم يجد الطفل، فدمر المسكن وعاد يائسًا محملاً بجريمة أخرى في عنقه.

مرت أعوام وفريدون ينمو سالمًا برعاية أمه في الخفاء. ولما اشتد ساعده وبلغ أشده صار شابًا نبيلًا قويًا يسمع قصص الظلم الرهيب الذي يعاني منه الناس تحت حكم الضحاك. ففي تلك الفترة كان الضحاك قد بلغ ذروة طغيانه. وهنا تحركت الأقدار، حيث خرج كَاوه الحداد على الناس صائحًا بثورة. كان كَاوه رجلاً من عامة الشعب ابتُلي بفقد أبنائه الواحد تلو الآخر في مذابح الضحاك اليومية. لم يبق له سوى ولد واحد، فجن جنونه من فرط الأسى. اقتاده جنود الملك إلى القصر ليمضوا بولده إلى المذبح، فصرخ كَاوه في وجه الطاغية صرخة هزت أركان القصر، حيث قال: "لقد قتل هذا الظالم 13 من أبنائي ولم يتبق لي سوى هذا الأخير، فاقتلني بدلًا من أن كنت تستمتع بسفك دماء الأبرياء". حاول الضحاك أن يهدئ من ثورته بالكلام المعسول ووعده زيفًا برحمة ابنه، بل طلب منه أن يوقع على وثيقة يشهد فيها برضاه عن حكم الملك وعدله. لكن كَاوه أدرك الخديعة فانتزع تلك الوثيقة الكاذبة ومزقها أمام أنظار الحاشية وصرخ معلنًا أن الضحاك طاغية وكاذب. ثم اندفع خارج القصر غاضبًا لا يلوي على شيء. فالتفت حوله الجموع من أهل المدينة يهتفون مطالبين بالثورة والقصاص. رفع كَاوه مزرته الجلدي على رأس رمحه وصار يلوح به عاليًا، فاتخذه الجموع راية للحرية والصمود. أصبحت تلك الراية المعروفة في الأسطورة بـ "درفش كاويني" راية كَاوه رمزًا لانتفاضة الشعب ضد الطغيان.

قاد كَاوه الجماهير الغاضبة خارجين من المدينة باتجاه جبل البرز، حيث سمع عن مكان اختباء فريدون الوريث الشرعي للملك جمشيد. وهناك التقى الثائر بالفتى وطلب منه أن يقودهم لتحرير البلاد من الظلم. فوافق فريدون الشجاع على الفور وشعر أن ساعة القدر قد حانت. استعد فريدون للمعركة الفاصلة وصنع لنفسه صولجانًا حديديًا على شكل رأس ثور، نفس السلاح الذي رآه الضحاك في كابوسه، وتجهز للحرب. انضم له رجال كثر من الذين كانوا يختبئون خوفًا من الضحاك أو نجوا من مجازره. سار الجميع تحت راية كَاوه نحو مقر حكم الضحاك. وفي الطريق أخذ جيش الثورة يكبر يومًا بعد يوم بانضمام القبائل والشبان المستعدين للقتال، حتى صارت قوة هائلة. وصل فريدون وقواته إلى العاصمة وهاجموا قصر الضحاك. لم يصمت حرس الطاغية أمام موجة الغضب الشعبي، فاقتحم الثوار القصر وانهزم أعوان الملك. ووجد فريدون الطاغية الضحاك نفسه فواجهه وجهًا لوجه. رفع فريدون صولجان الثور وضرب به الضحاك ضربة قوية طرحته أرضًا. لم يجز عليه بالقتل، بل تذكر حلمه العجيب وإشارة السماء، فحجم عن سفك دمه الملكي على الأرض. بدلًا من ذلك، أوثقه بالسلاسل الثقيلة وشد وثاقه واقتاد فريدون سجينه المكبل إلى جبل داموند الشاهق في سلسلة جبال البرز. وهناك في قمة الجبل قيد الضحاك بصخور الكهف بسلاسل مسحورة ليبقى حيًا في عذابه الأبدي، فلا يفر ولا يموت عبرة للأجيال القادمة. وهكذا خلص فريدون البلاد من شر الضحاك للأبد، وارتفعت راية كَاوه الحداد رمزًا لانتصار العدل على الظلم.

أصبح فريدون ملكًا على إيران وعم السلام والرخاء من جديد تحت حكمه العادل. دام حكم فريدون 500 عام اشتهر خلالها بالحكمة. وفي أواخر أيامه قرر أن يقسم مملكته الواسعة بين أبنائه الثلاثة. وكان لفريدون ثلاثة أبناء شباب هم: سَلْم الكبير، وتُور الأوسط، وأَيْرَج الأصغر والأحب إليهم إلى قلبه. أراد الملك أن يضمن لهم مستقبلًا ويجنبهم الفتن، فقسم الملك بينهم وأعطى ابنه البكر سَلْم الغرب بما فيه من بلاد الروم وآسيا الصغرى وأوروبا، وجعل تُور حاكمًا على أرض تُوران في الشرق، السهوب وسط آسيا. أما الأصغر أَيْرَج فخصه بأجمل قسم وهو إيران بكل ما فيها من مجد العرش الملكي. ظن فريدون أنه بهذا يرضي أبناءه جميعًا، لكن التقسيم أشعل نار الحسد في قلبي الأخوين الكبيرين، فقد اعتبر سَلْم وتُور أن أباهما فضل أَيْرَج ومنحه قلب المملكة وأرض الأجداد، بينما نفاهما على أطراف بعيدة وأقاليم ثانوية. تآمر سَلْم وتُور من نصيبهما وتآمر في الخفاء على أخيهما الأصغر لقتله وانتزاع الملك. كتب رسالة مليئة بالخداع لأَيْرَج يدعوانه فيها لزيارتهما بغرض التشاور وتقسيم الأمور بسلام. كان أَيْرَج مسالمًا طيب القلب، فأبى أن يصدق أن الدم سيسفك بين الأخوة. لبى الدعوة رغم تحذيرات أبيه العجوز، بل تخلى طوعًا عن مظاهر الحماية وذهب وحده على أمل إصلاح النية. وقبل أن ينطلق ناوله فريدون تاج الملك ووضع على رأسه رمزًا لشرعيته ورضاه، وكأنه أحس أنه قد لا يراه مجددًا.

وصل أَيْرَج إلى مخيم أخويه حاملًا غصن الزيتون على يديه والتاج في رأسه. استقبله سَلْم وتُور في خيمتيهما بوجوه تعلوها المكر. حاول الأخوان بادئ الأمر استدراجه بالكلام، فعاتبا بحسد على ما نال، وعرض عليه أَيْرَج أن يتنازل لهما عن ملكه ويسكن راضيًا على أي ركن بعيد إذا كان ذلك يحقق السلام بينهم. لكن قلبيهما كانا أقسى من الحجر ولم ترضيا إلا بإنهاء وجوده. هجم تُور على أخيه الأصغر بغتة ورفع سيفه على رأسه فقطع رأس أَيْرَج بسيف الغدر وهو أعزل بين يديه، بينما وقف سَلْم ينظر بمزيج من الشماتة والراحة. قتل الأخوان الأمير البريء ومزق جسده، ثم قطع الأخوان رأس أَيْرَج ووضعاه على طبق وأرسلاه مع رسول إلى أبيهما الملك فريدون في قصره كرسالة تحدٍ وقسوة لا مثيل لها.

وصلت الرسالة الدموية إلى فريدون الشيخ فانهار باكيًا وانقلب سروره حزنًا قاتلًا. علت صرخاته المدوية أرجاء القصر وبكى بحرقة وهو يمسك بالرأس المفصول بين يديه. لبس السواد حزنًا على ولده وغطى الرماد وجهه من أثر نيران الغضب الذي أشعله في قصره رمزًا لانطفاء السعادة في حياته. لعن فريدون ابنيه العاقين ودعا الله أن يرى فيهما قصاص السماء عما اقترفت أيديهما. تمنى الموت مرة على أن يرى رأس ولده المظلوم بهذا المشهد المروع.

ومع ذلك، وسط ظلمات اليأس ومهما اشتد الألم، بقى في قلب فريدون بصيص أمل يتيم، أمل في المستقبل المتمثل في ذرية أَيْرَج. فقد حملت زوجة أَيْرَج قبل مقتله ونجت هي نفسها من بطش الأخوين. وعندما وضعت طفلتها أخفتها كي لا يصل إليها أذى وربتها في عزلة. كبرت الابنة الأميرة وتزوجت سرًا بأحد النبلاء من أسرة فريدون دون علم عميها، ورزقت بمولود ذكر من دم أَيْرَج الملكي. وعندما وضعت الأم وليدها أرسلته إلى جدها الأكبر فريدون. تلقفت فريدون الطفل فرحًا ورعاه بحب عظيم وسماه "منوجهر" ومعناه روح الجنة لما رأى في وجهه من نور ونبالة. تربى منوجهر تحت رعاية الملك الشيخ ونهل من حكمته وتعلم فنون الفروسية وعلوم الملك استعدادًا ليوم الانتقام الموعود لدم أَيْرَج.

علم الأخوان سَلْم وتُور بولادة الحفيد منوجهر وبلوغه مبلغ الشباب، فأدركا أن سيف الثأر المسلول سيسعى إليهما يومًا ما. دب الرعب في قلبيهما وأخذا يتحينان الفرصة للخلاص منه قبل أن يشتد عوده. لكن فريدون أخفاه جيدًا وسرًا للمهمة العظيمة التي ينتظره بها التاريخ. ولما بلغ منوجهر مبلغ الرجال وصار فارسًا باسلاً يشق له غبار، طلب من جده الإذن بأخذ الثأر. كان قلب فريدون يغلي على ولده الشهيد، فأعطى حفيده سيف البطل أَيْرَج ودرعه، ووكل إليه قيادة الجيش. جمع فريدون لمنوجهر فرسان إيران المخلصين وصفوة الأبطال، وفي مقدمتهم القائد د العجوز سام بن نِرْمان جد والده منوجهر وبطل يدعى قارن وغيرهما من الشجعان. زحف منوجهر بجيشه صوب حدود ممالك أخواله الأعداء. وعندما بلغهم خبر تجهيزات منوجهر، جمعت سَلْم وتُور جيوشهما أيضًا استعدادًا للمواجهة الحاسمة.

دارت رحى الحرب بين منوجهر وخصميه في معركة مصيرية على أرض واسعة. أظهر منوجهر شجاعة منقطعة النظير واندفع يخترق صفوف جيش تُور حتى واجهه وجهًا لوجه. اشتبك منوجهر وتُور في قتال رجل لرجل، ثم تمكن الشاب من طعن خاله برمحه طعنة قاتلة مزقت صدره وأردته صريعًا على الفور. وحين رأى سَلْم مصرع شقيقه ارتاح وحاول الفرار بحياته. لحقه جنود منوجهر حتى لجا إلى حصن في أرض الروم. هناك لم يستطع الإفلات من قبضة المنتقم الشاب، حيث أسره رجال منوجهر من داخل حصنه بعد حصار قصير. وبعد جدال حول مصيره، اقتص منوجهر منه وقتله شر قتلة هو الآخر. لذلك تحقق وعد العدالة وأخذ بثأر أَيْرَج بعد سنوات طويلة من وقوع الجريمة.

عاد منوجهر إلى إيران ظاهرًا يحمل رأسي الغادرين سَلْم وتُور، كما حملاهما يومًا رأس أَيْرَج البريء. استقبله فريدون استقبال الأبطال واحتضنه والدموع في عينيه فرحًا بأن عدالة السماء اقتضته. وبعد أيام قليلة أسلم فريدون الروح بسلام بعد أن رأى بعينيه القصاص يتحقق. وكان قد عهد بالملك في حياته إلى حفيده المنتصر منوجهر وأوصاه خيرًا بشعبه وبتقوى الله والعدل. وهكذا تولى منوجهر عرش إيران رسميًا لتطوى صفحة العصر الأسطوري الأول، ذلك العصر الذي شهد نشأة الملكية والصراع بين الخير والشر في صورها البدائية. وتبدأ تحت حكم منوجهر مرحلة جديدة، ففي ظل هذا الملك الشعب ستظهر أجيال من الأبطال العظام الذين سيصنعون أمجاد إيران في عصرها البطولي الملحمي التالي.

ومع ابتلاء منوجهر العرش، بدأ عصر جديد يعج بالأبطال الأسطوريين والمغامرات الملحمية. برز في بلاط منوجهر بطل شجاع من النبلاء اسمه سام بن نِرْمان، وهو قائد جيشه وأقوى رجاله آنذاك. رزق سام بولد بشعر أبيض كالثلج في ظاهرة غريبة اعتبرها الناس نذير شؤم. أطلق على الرضيع اسم زال، لكن سام خشية أن يكون الطفل ملعونًا أو أنه جلب غضب الآلهة، تحت ضغط الخرافات ورغبة في تجنب العار، صمم سام بقلب منفطر على التخلي عن مولوده. فصعد إلى قمة جبل شاهق وترك الرضيع على صخرة في العراء وعاد وقلبه يتلظى حزنًا وتأنيبًا للضمير.

لم يقدر الله أن يهلك الطفل زال، إذ سرعان ما اكتشفته منقذته غير المتوقعة: السيمرغ، وهو طائر أسطوري هائل الحكمة والجناحين يعيش في أعلى الجبل. رأى السيمرغ الرضيع الضعيف يصرخ جوعًا وبردًا، فرق قلبه له، فحمله بمخالبه بلطف إلى عشه الدافئ في قمة جبل البرز. وهناك أحاطته فراخ السيمرغ بجناحيها وأنسته فقدان أمه وأمل له الطائر العظيم الغذاء والدفء. نشأ زال في عش السيمرغ سنوات تحت رعايته، فاكتسب شيئًا من حكمة الطائر وقوته الأسطورية.

وفي تلك الأثناء ظل سام بن نِرْمان يعاني الندم على فعلته. رأى في منامه رؤيا أن ابنه لم يمت وأن مصيره عظيم، كما جاءه رسل من الملك منوجهر يلومونه على ترك نسله لأن الدم الملكي يجري في عروق الصبي. حسم سام تردده وقاد رحلة إلى جبل البرز بحثًا عن ابنه الضائع. وحين بلغ القمة شاهد منظرًا عجيبًا: طار السيمرغ الأسطوري يرفرف بجناحيه الهائلين على عش فوق شجرة شامخة وفتى يافع جميل ذو شعر أبيض يجلس في العش سالمًا. تقابلت عيناه الأب والابن بعد طول فراق، ففاضت عينا سام بالدموع وانحنى شاكرًا لله الذي حفظ ابنه. أدرك السيمرغ أن ساعة الفراق لابنه بالتبني قد حانت، وقبل أن يستودع زال لأبيه، اقتلع ريشة ذهبية من جناحه وأعطاها للفتاة وقال: "احمل هذه الريشة معك إذا ألمت بك شدة، فأوقدها لتحترق، وساحضر لنجدتك". وهكذا أعاد السيمرغ زال إلى أبيه ونال السام مغفرة الرب على قسوته السابقة وعاد الابن إلى أحضان قومه محترمًا محفوفًا بالرعاية.

كبر زال وأصبح شابًا وسيما وحكيمًا مميزًا بشعره الأبيض المبكر الذي صار علامة على قدره الفريد. ولم يلبث أن تولى مكانة رفيعة بناءً على أبطال إيران بفضل تربيته السماوية وحكمة السيمرغ التي تجسدت في شخصيته. أرسله الملك منوجهر لاحقًا حاكمًا على أرض زابلستان في الشرق، فتوجه زال جنوبًا ليباشر حكم تلك المقاطعة. وفي الطريق مر بمملكة كابل القريبة، وهناك سمع بأمر فتاة فائقة الجمال والذكاء اسمها رودابا ابنة الملك مهراب حاكم كابل. كانت رودابا ذات نسل نبيل من جهة أمها سندخت، لكن والدها مهراب يقال إنه من نسل الضحاك نفسه، ما جعل نسبها مخيفًا للإيرانيين.

رغم ذلك، وقع الشاب زال في حب رودابا من مجرد الوصف الذي سمعه عن حسنها وخصالها. وتبين أن الأميرة أيضًا كانت قد سمعت عن بطولة زال ووسامته وشعره الفضي المميز، فمال قلبها إليه من قبل أن تراه. دبر زال ورودابا لقاءً سريًا بمساعدة وصيفات الأميرة. تسلل البطل إلى حديقة قصر كابل ليلاً، وهناك أطلت رودابا من شرفتها كالبدر المنير. رأت الفتاة حبيبها المنتظر عند أسفل البرج، فأرسلت جدًا شعرها الطويل تدلى كالحبال على شرفتها ليستعين بها في صعود الجدار. تردد زال في البداية خشية أن يؤذيها ثقل جسده، ثم رمى بحباله وتسلقها إلى أعلى.

التقى الحبيبان لأول مرة وجهًا لوجه تحت ضوء القمر، فتعارفا وتعاهدا على الزواج والوفاء مهما كلف الأمر. تبادل أزال ورودابا عهود الحب وأهدى كل منهما الآخر تذكارًا. وقيل إن رودابا أعطته عقدًا نفيسًا من شعرها الحريري، بينما قدم لها زال خاتمه الثمين عربونًا لوعده. عاد زال من ليلته سعيدًا، لكن قلقه فحبه لأميرة من نسل الضحاك قد يجلب غضب الملك منوجهر. وعند وصوله إلى زابلستان أرسل إلى والده سام يستشيره في الأمر. استاء سام في البداية واعتبر زواج ابنه من بنت تنحدر من سلالة عدو إيران اللدود أمرًا غير مقبول، وخشى أن تجلب هذه المصاهرة لعنة أو خيانة. لكن عاطفة الأب غلبت، فقرر سام مخاطبة الملك منوجهر نفسه وطلب موافقته.

شرح سام للملك منوجهر حكمته الأمر قائلًا إن رابطة المصاهرة قد تحول العدو صديقًا وتطفئ ثارات الماضي، وإن ابنه زال يدير بأي عروس كريمة النسب. تردد منوجهر بداية واشتعلت في صدره ذكرى جرائم الضحاك، لكنه استدعى المنجمين والحكماء يستشيرهم، فجاءته البشارة والتي تقول: "سينجب زال ورودابا بطلاً نظيرًا له يكون درعًا لإيران وعونًا لملوكها". أمام نبوءة كهذه، قرر الملك الموافقة مباركًا هذا الزواج بشرط أن يتعهد سام وزال بحسن السيرة مع عائلة مهراب. حمل سام بار السعادة إلى ابنه وسار مع زال بموكب رسمي إلى كابل لخطبة الأميرة. وعلى الجانب الآخر توسط سندخت والدة رودابا بحكمة بين زوجها مهراب والملك منوجهر لضمان رضا الجميع وتبديد المخاوف القديمة. وفي النهاية اجتمعت الوفود في كابل وتصالح الملك مهراب مع الإيرانيين وأقسم بالوفاء لمنوجهر. أقيم حفل زفاف أسطوري جمع بنزال ورودابا بحضور الآباء والفرسان وتبارك الجميع بهذا الرابط الذي محى الضغائن القديمة بين سلالة الضحاك وبيت فريدون.

وبعد فترة من الزواج حان وقت ولادة ثمرة هذا الحب. حملت رودابا واشتد مخاضها بشكل غير معتاد، كان الجنين منتظرًا أن يكون ضخم البنية وفق نبوءات المنجمين. وبالفعل عانت الأميرة آلامًا فاقت طاقة الاحتمال وعجزت عن الولادة. خشي زال أن يفقد زوجته وطفله معًا، فلم يجد بدا من الاستعانة بالريشة السحرية التي أعطاها إياه سيمرغ. أحرق زال الريشة شه فظهر السيمرغ كفجأة كأنه غيمة ذهبية. وقف بجناحيه العريضين فوق سطح المنزل وأوعز الطائر الحكيم لزال أن يقوم بشق بطن رودابا بخنجر حاد بطريقة دقيقة ليخرج الطفل حفاظًا على حياة الأم. وكانت تلك أول عملية جراحية من نوعها تعرف في الأسطورة. امتثل زال بحذر شديد وفعل ما أمر به، فولد الطفل بين يديه ثم قام بخياطة جرح زوجته ووضع ريشة السيمرغ على الموضع الملتئم فاندمل بلطف. تعافت رودابا من آلامها بمعجزة وحملت مولودها البكر بين ذراعيها بفرح. كان المولود صبيًا عجيب الهيئة ضخمًا قويًا كالطفل عمره عامان رغم أنه للتو ولد. أسماه الوالدان رستم أي البطل المطعم بالقوة.

وسرعان ما ظهر على رستم الصغير ملامح غير اعتيادية، ففي الشهر الأول بدأت قوته كمن بلغ السنة، وفي الثالثة من عمره كان يلعب بالصولجان والقوس، وفي الخامسة صار يسرع الوحوش الصغيرة بيديه. وضع صيد الطفل المعجزة في الآفاق وتنبا الجميع أنه البطل الموعود التي تحدثت عنه النجوم. وحين اشتد عوده وصار غلامًا يانعًا حان الوقت ليختار رستم فرسه بنفسه يليق بقوته الهابطة من السماء. جمع زال أفضل خيول الأسطبل الملكي وعرضها على ابنه ليختبرها. كارستم فتى عملاق بقوة عشرات الرجال، فتقدم من كل حصان وجعل يمتحن صلابته. جرب بعض جياد قوية فلم تصمد تحت قوته، حتى لمح مهرًا بريًا عجيبًا ذا لون مبقع متوهج. استطاع ترويض هذا المهر الذي لم يقدر عليه أحد سواه واتخذه جواده وأسماه رخش أي البرق.

كبر رستم وأصبح أعظم أبطال إيران بلا منازع. وحين بلغ منوجهر نهاية حياته وسلم العرش لمن بعده، مرت السنوات وجاء ملوك ضعاف من نسله مثل نودر، والذي قتله الملك التوراني يفرسياب في حرب الغزو. احتاج الإيرانيون لملك جديد من دم فريدون لتقوية صفوفهم، فاهتدوا إلى الملك كيقباذ حفيد فريدون البعيد المقيم في جبال البرز. تطوع الشاب لتولي المهمة الصعبة، صعد جبال البرز وحده حتى اهتدى إلى كهف الأمير كيقباذ. أقنعه بالعودة لتولي العرش وإنقاذ إيران من خطر يفرسياب. وافق كيقباذ ونزل معه، وما إن وصل كيقباذ إلى معسكر الإيرانيين حتى بايعه القادة ونصبوه ملكًا. قاد كيقباذ جيوش إيران ومعه رستم لملاقاة يفرسياب الطامع.

التحمت جيوش فارس وتوران في حرب كبرى أظهر رستم بطولات هائلة في الميدان، فقتل شم أحد إخوة يفرسياب. دب الرعب في قلب يفرسياب وتراجع جيشه مهزومًا ورجحت الكفة لإيران وعاد يفرسياب إلى توران. أعاد الإيرانيون رسم الحدود وتنفسوا بعد سنوات من الحرب. وبعد كيقباذ حكم ابنه الملك تيكَاوس، والذي كان طموحًا ولكن متهورًا. حيث سمع بجزيرة بعيدة في بحر مازندران شمالًا تسكنها غيلان الشياطين ويحكمها الديف الأبيض ملك السحرة. تجاهل كيكاوز نصائح مستشاريه وعلى رأسهم زال ورستم بعدم مهاجمة تلك الأرض العجيبة. قاد جيشه واحتل جزءًا من مازندران، لكن الديف الأبيض أطلق سحرًا مظلمًا جعل جيش كيكاوز يتخبط وأسره مع قادته كما أصابهم بسحر أعْمَى أبصارهم.

بلغ الخبر رستم فتجهز لإنقاذ الملك. انطلق البطل وحده على صهوة رخش لخوض سلسلة من التجارب الخطيرة تعرف بالمخاطر السبعة. ففي الوادي الأول اعترضه السبار فانقض عليه رستم وقتله بقبضته. وفي الوادي الثاني هاجمه تنين مخيف يختفي ويظهر بالمكر، لكن رستم بجسارته وبمعونة جواب واده رخش قطعه نصفين بسيفه. وفي الوادي الثالث اعترضت طريقه ساحرة ماكرة تمثلت على هيئة امرأة فاتنة لتخدعها، فذكرستم اسم الله فعادت لصورتها الشيطانية ثم أرداها قتيلة. أما في الوادي الرابع فقد واجهوا فيه جيشًا من الجن يقوده مارد هائل اسمه أرثنك، فصرعه رستم وبدوحه.

وصل رستم أخيرًا إلى كهف الديف الأبيض ملك مازندران نفسه. تقاتلا وجهًا لوجه في مبارزة رهيبة وتمكن رستم ببطولته من قتل الشيطان الهائل وقطع رأسه. أخذ رستم من دم الشيطان ومسح به عيون الملك تيكَاوس وقادة إيران، فعاد إليهم بصرهم وزال السحر. وهكذا حرر رستم الملك وجيشه وعادوا منتصرين إلى إيران.

لم تنته مغامرات ملك كيكاوز عند هذا الحد، فكثيرًا ما عرض نفسه وبلاده للمخاطر بطيشه. ومن مغامراته الطائشة أنه حاول ذات مرة أن يطير في سماك النسر، فصنع لنفسه عرشًا خشبيًا وربط جوانبيه بأربعة نسور ضخمة ووضع قطع لحم فوق العرش لتحفيز النسور على الطيران. ارتفعت النسور بالملك المغرور عاليًا، ولكن سرعان ما أتت على طعامها فضعفت وتوقفت عن الطيران. تهاوى العرش وسقط كيكاوز من علياء السماء ليهوي في أدغال بعيدة، ولم ينقذ حياته سوى البطل رستم، والذي سرعان ما حمله عائدًا إلى قصره. وبخه رستم قائلًا إن ما فعله ليس من أفعال الملوك الحكماء.

ورغم طيش كيكاوز، كان له ابن نبيل أحبه الجميع وهو الابن سياوش. ربّاه رستم بنفسه صغيرًا، فعلمه الفروسية ومكارم الأخلاق. صار سياوش شابًا جميلًا وعفيفًا يتجنب مواطن الشبهة. وكانت زوجة أبيه الملكة سودابه تنظر إليه نظرات مريبة، فوقعت في غرامه وأرادت استدراجه بفعل الحرام. حاولت سودابه إغواء سياوش في غياب الملك، لكنه صدها لها بعنف وحافظ على شرف أبيه. اغتاظت سودابه وقررت تلفيق تهمة مخزية لسياوش واتهمته أمام الملك أنه راودها عن نفسها. ثار الملك كيكاوز غضبًا، لكنه كان حائرًا بين حب زوجته والثقة بابنه، فقرر إخضاع سياوش لاختبار النيران. أضرمت نار عظيمة وأمر سياوش أن يمتطي جواده ويعبر خلالها. فعل ذلك وخرج سالمًا ولم تمسه النار بسوء، فبانت براءته وظهر كذب سودابه الأثيمة. اعتذر كيكاوز لابنه وعاقب سودابه بالحبس في قصرها بعيدًا.

شعر سياوش بالإهانة رغم ظهور الحقيقة وقرر أن يبتعد عن البلاط ليريح قلبه. جاءته فرصة حين جددت توران الحرب على إيران بقيادة الملك يفرسياب. قاد سياوش جيش إيران وتقدم إلى أراضي العدو وانتصر في عدة مواقع، لكنه حقنًا للدماء عقد صلحًا مع يفرسياب بعد أن تعهد له الأخير بالولاء وزوجه ابنته الأميرة برانكيس توثيقًا للعهد. لكن الملك كيكاوز غضب غضبًا شديدًا عند سماعه نبأ الصلح واتهم ابنه بالتخاذل والخيانه. رفض سياوش أن يخرق بوعده وينقض عهده، وفضل أن يترك وطنه على أن يعرض شرفه للمهادنة. خرج الأمير من إيران ملجأً إلى بلاط يفرسياب في توران، حيث لاقى استقبالًا حسنًا في البداية ومنحه الملك أرضًا واسعة ليقيم فيها. استقر سياوش في توران تحت حماية حميه الملك يفرسياب، بنى لنفسه مدينة سماها سياوش كورد وبدأ يعيش بسلام مع زوجته فرانكيس ورزق منها بابن.

يفرسياب بتأثير الوشاة والحاسدين، فراح يظن بسياوش السوء وينتابه هاجس أن يشكل خطرًا. انتهز فرصة وغدر بصهره الوفي للعهد، هاجم قصر سياوش في حين غره مع جنوده وتمكن من أسره وقتله بدم بارد في ساحة القصر. سالت دماء الأمير المظلوم وزهقت روحه وهو في عز شبابه دون أن يخرق بوعده. عم الحزن إيران عند وصول نبأ مقتل الأمير سياوش غدرًا. ندم الملك كيكاوز أشد الندم لأنه دفع ولده للابتعاد ثم لم يهب لنجلده وأقسم الأبطال على الثأر من يفرسياب مهما طال الزمن. تولى روستون بنفسه راية الحرب وأعاد جمع جيوش إيران في حملات دامت سنوات لأخذ ثأر سياوش.

وبعد فترة كبر ابن سياوش كيخسرو في توران وترعرع فارسًا شهماً في كنف جده يفرسياب دون أن يعرف نسبه الحقيقي. ولكن الوزير الحكيم بيران والذي رعاه أخبره بحقيقة أبيه الشهيد ودبر له وسيلة للهرب. تمكن كيخسرو مع أمه فرنكيس من الفرار سرًا إلى إيران. استقبله جده الملك كاوس بفرح واعترف بنسبه الشريف وولاه وليًا للعهد. ثم صار ملكًا بعد وفاة جده. وهكذا تجددت الحرب الضروس بين إيران وتوران تحت راية الملك الشاب كيخسرو للانتقام من قاتل أبيه. وحقق الإيرانيون انتصارات كثيرة تحت قيادة ملكهم الجديد وبسالة أبطالهم، وفي مقدمتهم رستم.

لكن الحرب حملت مأساة أخرى. أساء القائد طوس تقدير أوامر الملك، فاشتبك مع فروذ ابن سياوش الآخر الذي كان متحصنًا في قلعة على الطريق. أساء القائد طوس تقدير أوامر الملك، فاشتبك مع فروذ ابن سياوش الآخر الذي كان متحصنًا في قلعة على الطريق وقتل فروذ ووالدته دون أن يعلم هويتها. غضب الملك خسرو وحزن بشدة لمقتل أخيه سدا وبخطوس وبقية القادة على تهورهم. استمرت الحرب سنوات طويلة حتى أدرك كيخسرو ثأره وقتل يفرسياب وجده القاتل بيديه. وبعد أن أخذ كيخسرو بثأر أبيه كاملاً وسفك دماء قاتليه، شعر أن مهمته في الحياة قد أنجزت ولم يعد لديه مطمع دنيوي آخر. فقد حكم بالعدل وأعاد المجد لبني فارس وكفر عن خطايا جده. لذلك اتخذ قرارًا عجيبًا أن يتنازل عن الملك ويغادر العالم الفاني قبل أن تفسده السلطة ويختبر تقلباتها. عهد بعرشه لجده هيرسراب وتخلى عن الحكم. ثم سار إلى جبل مقدس مصطحبًا بعض رفاقه المخلصين. نصحهم بالعودة خوفًا على حياتهم، فاستجاب أغلبهم وعادوا أدراجهم. أما هو فمضى مع قلة وأصروا على مرافقته. وبعد عاصفة ثلجية فقد الملك خسرو واختفى أثره إلى الأبد. ويعتقد أن الرب رفعه إلى السماء حيًا جزاءً لورعه وعدله. حزن الناس على فراق مالكهم الصالح وبغيابه انطوت آخر صفحة من العصر الملحمي المفع بالعجائب.

ولكن بعد غياب كيخسرو، آل العرش إلى جده هيرسراب ثم ابنه كشتاسف من سلالة كيكاوز. وفي عهد كشتاسف ظهر النبي زرادشت حاملًا رسالة التوحيد، فاعتنق الملك الدين الجديد ونشره. وكان لزرادشت داعمون أقوياء مثل الأمير أسبنديار ابن كشتاسف الذي أصبح بطل إيران الأول في زمانه. أظهر أسبنديار ولاءً كبيرًا لأبيه ودينه وقام بمغامرات بطولية تشبه ما فعله رستم في مخاطره السبعة لترسيخ الملك والدين. وعده الملك بتوليه العرش بعد إنجازه المهام، لكنه أخذ يماطل في الوفاء بوعده. وأخيرًا بعد انتصارات أسبنديار على أعداء الخارج، أراد كشتاسف اختبار طاعة ابنه المطلقة، فامره بأمر ظالم أن يتجه إلى سيستان ويعتقل البطل العظيم رستم ويحضره مكبلًا إلى البلاط. كان كشتاسف غاضبًا لأن رستم لم يظهر حماسًا للدين الجديد ولم يحضر لتقديم فروض الولاء، فأراد إذلاله بوضعه في الأغلال أمام الناس.

تردد الأمير في تنفيذ هذا الأمر الجائر، لكنه في النهاية فضّل طاعة أبيه. خرج بجيشه نحو زابلستان وواجه رستم وجهًا لوجه. حاول رستم تفادي القتال احترامًا لمكانة الأمير، فعرض عليه حلولًا وسطى ألا يهان أمام الناس بسلسلة، لكن أسبنديار أصر على تنفيذ أوامر أبيه حرفيًا. وهكذا وقع صدام مؤلم بين البطلين الكبيرين. قاتل رستم والأمير بعضهما في مبارزة رهيبة استمرت يومين. كان جسد الأمير متحصنًا بحماية سحرية بفضل تعاويذ زرادشت فلا تؤثر فيه السيوف والرماح. أمطر الأمير رستم بوابل من سهامه الحديدية فمزقت جسده وأوشك الملك العجوز على الهلاك.

وفي الليلة الفاصلة ظهر السيمرغ مجددًا لنصرة حليفه القديم رستم. دعى جرحه وهمس في أذنه بسر نقطة ضعف الأمير: عينيه. صنع رستم سهامًا مخصوصة من غصن ورشه في دم التنين الذي قتله سابقًا. وفي اليوم التالي صوب السهم نحو عيني الأمير الشاب. انطلق السهم مصيبًا هدفه بدقة، فصرخ الأمير وسقط عن فرسه يتخبط بالدم. أسرع رستم إليه باكيًا نادمًا، فابتسم الأمير رغم ألمه وقال: "لا تبك يا أبي، فما حدث كان لابد أن يحدث". ثم لام والده على هذا المصير وأسلم الأمير روحه بين يدي رستم ومات قرير العين لأنه حفظ شرفه وطاعة أبيه حتى النهاية.

حمل رستم جثمان البطل الشاب إلى الملك وهو يلعنه على فعلته التي أثنت زهرة شبابه وأغرقت إيران بالحزن على أميرها الشهم. لم يمض وقت طويل حتى تحققت نبوءة السيمرغ بمقتل رستم على يد الغدر والخداع، حيث دبر أخوه غير الشقيق شَغَاد مكيدًا مع ملك كابل للقضاء على البطل الشيخ. فحفروا حفرة عميقة ثبتوا في قاعها رماحًا مسمومة ودعوا رستم إليها بحيلة صيد ووليمة. مر رستم فوقها على جواده فسقطا معًا واخترقت أجسادهم الرماح المسمومة. أيقن البطل أن أجله قد حان، لكنه أبى أن يموت قبل أن ينتقم ممن غدر به. رأى شَغَاد يختبئ خلف شجرة غريبة يراقب المشهد، فطلب رستم قوسه الأخير وباخر ما تبقى له من قوة صوب سهمًا خارقًا شطر جذع الشجرة فقتل أخاه الخائن المسمر خلفها. وهكذا ابتسم رستم بمرارة وأسلم الروح قرير العين لأنه اقتنص من عدوه. عم الحزن أرجاء إيران بموت بطلها الأعظم وحامي حماها. وبموته انتهى العصر البطولي الأسطوري للشهنامه، إيذانًا ببزوغ عهد جديد.

بعد انقراض جيل رستم والابطال العظام، تدخل الشهنامه عصرًا جديدًا يقوم على سرد الملوك والأحداث التاريخية القريبة من الواقع. يبدأ العصر التاريخي بقصة تجمع بين الأسطورة والتاريخ عن الملك دارا الأول وأبنائه وصولًا إلى سقوط الإمبراطورية الفارسية على يد العرب في القرن السابع الميلادي. يحكم إيران بعد وفاة كشتاسف ابنه بهمن أو يسميه بعض المؤرخين أردشير، لكن الروايات الأسطورية تضطرب في فترة ما بعد رستم وتذكر في هذه الفترة الملكة هُمَاي بنت بهمن والتي حكمت لفترة قصيرة وكانت حاملًا بابنها عند وفاة أبيها. ولما وضعت الطفل خافت عليه من دسائس القصر، فقررت أن تخفي نسبه الملكي حتى يكبر. وضعت المولود في صندوق خشبي محكم الإغلاق ومعه بعض الجواهر والرسالة، ثم ألقته ليلاً في مياه نهر الفرات الجاري ليلتقطه القدر.

عثر على الصندوق في صباح اليوم التالي رجل فقير يعمل غسالة للثياب، ففوجئ برضيع وسيّم ملفوفًا في حرير مع ذهب وجواهر. حمل الغسال الطفل إلى بيته فرحًا إلى زوجته التي لم ترزق بأولاد، فقررت تربيته سرًا كابنته وسمياه داراب نسبة إلى مياه النهر الفارسية. نشأ الصبي دارا في كنف هذين الزوجين الطيبين ونعم بما وجدناه معه من ثروة على قلة عيشهما. كبر داراب تحت رعاية الغسال وزوجته كابنته، وكان صبيًا ذكيًا قويًا تظهر عليه ملامح النبل، شعره أسود فاحم ووجهه كالبدر في تمامه. لاحظ الغسال أن الصبي يختلف عن أبناء عامة الشعب في طباعه وهمته، فكثيرًا ما كان يرى داراب يتدرب على استخدام عصا كانها.

سيف أو يمتطي عصا كأنه فرس. ومع مرور الأيام، بدأ يتساءل عن نسبه الحقيقي لشعوره بأنه مولود لأمر عظيم. وعندما بلغ سن الشباب ولم تصارحه الأسرة بحقيقته، واجه أمه بالتبني مطالباً بالحقيقة.

أرته زوجة الغسال الصندوق الخشبي والجواهر ورسالة الملكة التي وجدوه معها. واعترفت له أنه ليس ابنهما بل طفل التقطته الأقدار. تأثر داراب بالقصة وأدرك أن دمه ملكي وأن عليه السعي لتحقيق القدر.

بعد معرفته بأصله، طلب دراب من أبويه بالتبني مالاً يكفيه لشراء حصان وسلاح، فقد عزم أن يلتحق بخدمة الملك ويبرز بين الفرسان. أعطته الأم ما تبقى من الجواهر، فاشترى جواداً أصيلاً وتدرع بسيف ورمح بسيطين.

وفي تلك الأيام، كان الجيش الملكي يحشد لمواجهة هجوم من ملك اليونان، والذي استغل ضعف إيران. كانت الملكة هيماي لا تزال تحكم وتدافع عن العرش حتى يجد الوريث الشرعي، ولم تكن تعلم أن ابنها حي يرزق.

انضم داراب إلى الجيش كفارس متطوع مغمور، لكنه سرعان ما برز نجمه في ساحات التدريب لما أظهره من مهارة في الفروسية والرماية. تولى قيادة مقدمة الجيش أحد القادة الكبار واسمه روشند. والتفتت نظره هذا الشاب الغريب القوي.

سار الجيش الفارسي إلى الحدود الغربية حيث واجه جيش اليونان المحتل. وفي إحدى المعارك، أبلى داراب بلاءً عظيماً. حمل راية الفرس وتقدم وقاتل بالشجاعة، فتحرج جنود العدو وأعاد الكفة للإيرانيين. أُعجب هذا الأداء القائد فقربه إليه وجعله من حرسه الخاص.

وبعد دحر الغارة اليونانية بنجاح، عاد الجيش إلى العاصمة منتصراً. خرجت الملكة مع حاشيتها لاستقبال الجنود وللاطلاع على وجوه الأبطال الجدد. وقع بصرها على الشاب داراب يمتطي جواده رافعاً رأسه بشموخ، وعلى كتفه صولجان ثقيل. ورأت في وجهه شبهاً عجيباً بملامح العائلة المالكة وشعرت وكأن قلبها يهتف: "إن هذا الفارس قد يكون ابنها التي ضاعت".

استدعت الملكة القائد روشندوان وطلبت منه تحري حقيقة الشاب داراب ومن يكون. وفي مجلس خاص، سألت الملكة الفتى عن نشأته وقصته. فروى لها دراب بالتفصيل ما يعرفه، وكيف ربّاه الغسال وزوجته، وما وجداه معه من صندوق ورسالة وجواهر.

وحين أخرج لها المشبك المرصع الذي كان ملفوفاً معه، وهو مشبك ذو علامة ملكية معروفة، لم تتمالك الملكة نفسها وارتمت عليه باكية. عرفت أنه ابنها التي ألْقَتْهُ في الفرات حفاظاً له من الأذى، وضَمَّتْهُ إلى صدرها وأعلنت للحضور أنه أمير البلاد الشرعي.

وهكذا عاد داراب، ابن دارا الأول، وهو في الأساطير حفيد فريدون، إلى عرشه وانتقم من الأقدار التي جعلته يكبر بعيداً عن المجد. سلمت الملكة هيال الحكم لابنها فوراً، وتوجه القادة ملكاً وسط احتفالات عظيمة في عموم إيران.

بدأ الملك داراب عهده بإصلاح ما أفسده غيابه الطويل. استقرت إيران في عصره، لكنه ربط توطيد حكمه عبر تحالفات خارجية. فأرسل إلى ملك الروم يعرض المصاهرة للصلح. فوافق الملك اليوناني وأرسل ابنته الجميلة ناهيد إلى إيران. تزود داراب من الأميرة ناهيد بموكب مهيب.

لكن هذا الزواج لم يدم طويلاً. قيل إن الملك داراب وجد في زوجته رائحة كريهة لا تطاق كانت تفوح من فمها بسبب علة معينة، فعجز عن احتمالها. لم يرغب في جرح مشاعرها مباشرة، لكنه قرر تطليقها وإعادتها إلى أبيها مع تكريمها بالذهب والجواهر.

أُعيدت الأميرة ناهيد إلى بلادها وهي حبلى بطفل في بطنها من داراب. أنجبت هناك ولداً سمته الإسكندر، لكنه نشأ في بلاد الروم كأمير يوناني دون أن يعلم نسبه الفارسي من جهة أبيه.

وبعد سنوات، توفى الملك داراب وخلفه ابنه الشرعي دارا، والذي ورث عرش فارس. في تلك الأثناء، كبر الأمير الإسكندر في بلاط ملك الروم وعرف من أمه ناهيد سر نسبه وأنه ابن دارا ملك إيران السابق. طمع الإسكندر في كل العرشين الفارسي والرومي، وزادت لديه دوافع الانتقام لأمه المطلقة، فأعلن عزمه على غزو إيران لتوحيد المملكتين.

تحدى حكمه. تقدم الإسكندر ذو القرنين، كما لُقِّبَ، بجيش ضخم نحو فارس. فاستنفر الملك دار كل قواته ودعا ملوك الهند والترك لمؤازرته. فالتقى الجيشان في معارك هائلة. ورغم شجاعة دارا، تفوق الإسكندر بده العسكري واستخدامه التكتيكات الجديدة.

ويروى أن الفيلة الحربية التي أحضرها دار من الهند أخافت جنود اليونان في البداية، لكن الإسكندر أمر جنوده بإشعال النيران ورميها على الفيلة، فاجفلت وتراجعت. فاضطر دار للانسحاب ترتيباً لصفوفه بعد خسائر فادحة.

لم يستسلم الملك دار، بل جهز جيشاً آخر والتقى بالإسكندر مجدداً. لكن بعض قادة دارا خانوه بتحريض من الإسكندر، حيث وعدهم بمناصب وثروة إن تخلصوا عن ملكهم. وانتهز الفرصة أثناء إحدى المعارك وطعنوا الملك دارا من الخلف طعنات قاتلة وفروا.

ولما علم الإسكندر بذلك، غضب غضباً شديداً لأنه كان يرغب في أسر دارا حياً كملك مهزوم لا أن يُقتل غدراً. وصل الإسكندر إلى دارا الملك وهو يحتضر. تحدث الملكان للحظات، وطلب دارا من الإسكندر أن يرعى بناته وأهله وأن لا يؤذيهم، وسلمه خاتم الملك علامة على انتقال الحق له.

مات دارا بشرف على يد الغدر، وترك الإسكندر حزيناً على ملك شريف قُتِلَ بيد خائنة. وفى الإسكندر بوعده، فأحسن معاملة أسرة دارا وتزوج إحدى بناته، وقيل هي روشنك المعروفة بالغرب باسم روكسانا، لتوثيق العلاقات.

وهكذا سقطت دولة فارس بيد الإسكندر المقدوني، وأصبح الإسكندر حاكماً على إمبراطورية شاسعة تمتد من اليونان إلى حدود الهند. وعلى الرغم من أنه غريب على الفرس، تبنى الإسكندر الكثير من عادات ملوك فارس وحاول كسب ود الشعب.

تذكر روايات أنه بحث عن ينبوع الخلود ليستطيع حكم العالم بشكل أبدي. فقاد حملة نحو ظلمات أقصى الشمال يصحبه الحكيم الخضر. عثر الخضر على ماء الحياة وشرب منه فحصل على الخلود، أما الإسكندر فلم يحالفه الحظ، حيث ضل الطريق ولم يصل للنبع.

وصل إسكندر فتوحاته حتى بلغ الصين وأقصى الشرق. وينسب إليه بناء سد حديدي شمالي بلاد فارس لحماية التخوم من هجمات قبائل يأجوج ومأجوج المتوحشة، وهو السد الذي ذكر بالقرآن في قصة ذي القرنين.

وأخيراً، وبعد أن دانت الدنيا للإسكندر، عاد إلى بابل حيث باغته الحمى ومات شاباً دون الـ 33 من عمره. فقُسِّمَتْ إمبراطوريته بين قادته وسرعان ما زال ملكه. لكن الإيرانيين حفظوا ذكراه في الحكايات كأسطورة عجيبة جمعت بين الفتح وطلب الحكمة.

دخلت إيران عهداً مضطرباً بعد الإسكندر، وحكمتها أسر من ملوك اليونان السلوكيين ردحاً من الزمن. لكن روح الاستقلال ظلت حية في نفوس الفرس، فنهض أحد النبلاء، لا الفرسان، واسمه أشك أو أرشاك لتجميع الإيرانيين وطرد بقايا حكم الأغريق. أسس هذا القائد سلالة جديدة وهي الأشكانية أو ملوك الفرثيين، الذين أعادوا لإيران شيئاً من قوتها وملكوا نحو أربعة قرون.

تخللت عهدهم حروب مستمرة مع إمبراطورية روما، والتي خلفت اليونان في الغرب. وكانت سجالاً بين الكر والفر، ولم يُنقل إليها من أخبارهم الكثير في الشاهنامة، حيث يكتفي الفردوسي بذكر أسماء ماء بعض ملوكهم دون تفاصيل كثيرة.

ومن أبرز ملوكهم الملك أردوان، والذي واجه ثورة عارمة قادها مؤسس السلالة الساسانية الفارسية الجديدة. وقد ظهر القائد أردشير بابكان في مطلع القرن الثالث الميلادي كقائد محلي في فارس في جنوب إيران. كان أديشر من سلالة كهنة النار ويرتبط نسبه بأسرة الملوك القدماء، فتطلع إلى إعادة إحياء أمجاد فارس وإحياء دينها وتقاليدها.

خاض أردشير حرباً ضروساً ضد الملك الأشكاني أردوان الأخير. انتصر أديشر في معركة حاسمة وأسقط أردوان وقتله. وبهذا انتهى حكم الأشكانيين وأُنشئت الدولة الساسانية القوية في عام 224 ميلادية.

توج أرديشير الأول نفسه شاهنشاه ملك الملوك على إيران، وعاد تنظيم الإمبراطورية بشكل مركزي وفق تراث الفرس القديم. اتخذ من المدائن (طاق كسرى) عاصمة له، وأشاع الشعار الزرادشتية من جديد وجعلها دين الدولة الرسمي. واستعادت إيران في عهد أرديشير هيبتها الإقليمية، وبدأت حقبة الصراع الندي بين روما ومن بعدها بيزنطة.

تولى العرش بعد أرديشير ابنه البطل شابور الأول في عام 241 ميلادية. كان شابور ملكاً طموحاً وواصل سياسة أبيه في التوسع غرباً واشتبك مع الإمبراطورية الرومانية في معارك كبرى على حدود الشام والأناضول. وحقق انتصاراً تاريخياً على الجيش الروماني في معركة الرها وأسر الإمبراطور الروماني فالريان في عام 260 ميلادية. ويقال إنه أذله بأن جعله يركع ليكون موطئاً لقدمه كلما امتطى حصانه.

حمل شابور لقب ذي الأكتاف، وقيل إنه سمي بذلك لأنه كان يثقب أكتاف الأسرى ويعلقهم من حلوقها. امتد ملك شابور إلى أجزاء من سوريا وآسيا الصغرى، وبنى مدينة جيجي سابور في خوزستان، والتي أصبحت لاحقاً مركزاً علمياً مزدهراً.

وبعد شابور الأول، تعاقب بعض الملوك أقل شأناً حتى وصل الحكم إلى شابور الثاني، والذي لُقِّبَ أيضاً ذي الأكتاف كجده. ويبدو أن اللقب التبس بينهم. ويُحكى أن شابور الثاني، والذي حكم بين عام 309 إلى 379 ميلادية، ولد بعد وفاة أبيه، فتويجه وهو جنين في بطن أمه بوضع التاج على بطنها. نشأ ملكاً منذ ولادته وحكم طويلاً زهاء 70 عاماً.

وقام بحملات تأديبية على القبائل العربية في الجنوب ممن كانوا يغيرون على تخوم إيران. وينسب إليه أنه كان يشق أكتاف الأسرى العرب انتقاماً منهم، وربما هو خلط مع جده شابور الأول. عموماً، استعاد في عهده شيء من قوة الإمبراطورية.

ومن ملوك الساسانيين أيضاً الملك يزدجرد الأول، والذي حكم بداية القرن الخامس الميلادي وعرف بلقب "الأثيم" أو "الظالم"، ربما لأنه كان متساهلاً مع الأقليات الدينية كالمسيحيين، فاعتبره الكهنة المجوس كافراً، أو لأنه أساء معاملة النبلاء فكره. وتقول روايات إنه قُتِلَ دعساً بحافر حصان وهو في رحلة صيد كعقاب سماوي على أعماله السيئة.

تولى بعده بهرام الخامس المشهور بلقب بهرام كور حوالي عام 420 ميلادية. لقب "كور" يعني الحمار الوحشي بالفارسية، وقد سمي بذلك لولعه الشديد بصيد هذا الحيوان. اشتهر بهرام كور بأنه ملك محب للترف واللهو، لكنه كان شجاعاً وعادلاً في رعيته. تربى في صغره في بلاد العرب عند النعمان ملك الحيرة واكتسب هناك فروسية وفنوناً شتى. عاد وانتزع العرش من أخيه بمساعدة أصدقائه من العرب والفرس.

وما يُحكى أنه عندما تنازع ورثة يزدجرد على العرش، وضع التاج بين أسدين شرسين وحاول الأمراء أخذه فعجزوا. فجاء بهرام كور وواجه الأسدين وقتلهما وأخذ التاج بسهولة، فبايعه الجميع كملك. وفي عهد بهرام، ازدهرت الموسيقى والشعر في بلاطه، وتُروى عنه قصص حب ومغامرات عديدة، منها أسطورته مع الأميرات السبع في قصره التي خلدها الشاعر نظامي فيما بعد. قيل إن بهرام اختفى في نهاية حياته أثناء رحلة صيد في مستنقع ولم يُعثر على جثته، فكأنما ابتلعته الأرض تاركاً ذكرى عطرة في قلوب الشعب.

وبعد بهرام، جاءت فترة مضطربة إلى أن صعد عرش فارس الملك قباد الأول في أواخر القرن الخامس. في عهد قباد، ظهر رجل دين غريب الأطوار اسمه مزدك. ادعى أنه نبي مرسل بإصلاح اجتماعي. نادى مزدك بمبدأ المشاركة التامة في الأموال وحتى النساء، وزعم أن سبب الشقاء هو التملك الشخصي. لقيت دعوته رواجاً بين الفقراء والعامة لأنه رأوا فيها نوعاً من العدالة، وسانده الملك قباد نفسه ربما ليضعف نفوذ النبلاء والكهنة.

عمت الفوضى المجتمع الإيراني بسبب الحركة المزدكية، فاقتحم الأتباع مخازن الأغنياء ووزعوا الأقوات المخزنة في الشوارع وشاركوا أصحاب الثروات في نسائهم أيضاً، مما عُدَّ خروجاً عن الفطرة والنظام. وحين اشتد خطرهم، قرر الأمير كسرى أنوشروان ابن قباد القضاء عليهم بحيلة. تظهر كسرى، وهو كسرى الأول لاحقاً، باعتناق أفكار مزدك ودعاه مع مريديه إلى مأدبة كبرى في سهل خارج العاصمة. ثم في يوم الاحتفال، أمر جنده فحفروا خنادق عميقة وأخفوها، ودعوا مزدك وأبرز أتباعه للنزول في السهل لاستقبال الهدايا والوعود. وفجأة، أحاطهم جنود كسرى وألقوا بهم في الخنادق ودفنوهم أحياء ورؤوسهم خارج التراب، ثم جعلوا رؤوسهم هدفاً لسهام الرماة حتى قتلوه عن بكرة أبيهم. وبذلك استتب الأمر لكسرى وقضى على واحدة من أوائل حركات الشيوعية في التاريخ.

تولى الأمير كسرى العرش بعد أبيه قباد في عام 531 ميلادية بلقب كسرى أنوشروان، أي كسرى ذو الروح الخالدة. ويعرف في الكتب العربية باسم كسرى أنوشروان العادل لعدله وحكمته. ويُعد عهد أنوشروان في أزهى فترات الدولة الساسانية ازدهاراً وقوة. أعاد تنظيم الإدارة والجيش واهتم بحال الفلاحين وضرب أروع مثال للحاكم. ومن نوادره أنه بلغه أن رجلاً من الرعية اشتكى ظلماً من أحد قادته، فاستدعاه الملك واستمع إليه وأنصفه من القائد بالرغم من علو شأنه. كما اشتهر بحبه للعلم، ففي عهده تُرجمت كتب كثيرة من الهند واليونان إلى البهلوية (الفارسية الوسطى)، ومنها كتاب كليلة ودمنة في الحكمة التي نقلها الملك روزيه بأمره من الهندية، ولعبة الشطرنج التي بعث بها ملك الهند هدية إلى كسرى، ففك الحكماء أسرارها وردوا على الهنود بلعبة النرد المبتكرة. وكان وزيره الشهير بزرجمهر ساطعاً في سماء الحكمة، حيث ينسب له أنه تفوق على فلاسفة الروم في المناظرات.

دانت لكسرى الأول الممالك وتوسعت في أيامه حدود إيران شرقاً وغرباً. وفي عهده أيضاً ورد وفد من العرب على بلاطه وفيهم سيف بن ذي يزن يطلب العون لطرْدِ الأحباش عن اليمن، فساعده كسرى بجيش من الفرس حقق له النصر وأعاد النفوذ الفارسي على جنوب الجزيرة العربية.

توفى أنوشروان ودفن في قصره العظيم في المدائن، وخلفه ابنه هرمز الرابع في عام 579 ميلادية. كان هرمز على نقيض أبيه، فضاً متعجرفاً مع النبلاء ورجال الدين، ومعنى في قتل كبار القادة والوزراء ظناً منه أنه يحمي ملكه، فثار عليه الناس بعد فترة قصيرة من القمع. استغل أحد قادة الجيش الكبار هذه الفرصة واسمه بهرام جيوين، فقاد تمرداً على هرمز وخلعه من العرش واعتقله. فظهر على المسرح ابن لهرمز وهو كسرى الثاني برويز، أي كسرى المظفر.

هرب برويز إلى بلاد الروم مستنجداً بالإمبراطور موريس. حصل برويز على جيش من قيصر الروم واستعاد به المدائن، فهزم بهرام وأنقذ أباه هرمز، لكن هرمز كان قد قُتِلَ أثناء الفوضى. انتقم برويز من قتلة أبيه وتولى الحكم في عام 591 ميلادية.

سُمِّيَ كسرى الثاني بلقب برويز أي المنتصر، وبدأ حكمه بحياة مترفة لم يعرف البلاط الفارسي مثلها. كان ملكاً مفرط الترف محباً للموسيقى والجمال، حتى قيل إن قصوره كان فيها 160 نافورة من الذهب والفضة تملأها الخمور الفاخرة. تعلق قلبه بحب فتاة أرمينية فائقة الحسن اسمها شيرين، فخطبها وتزوجها بعد جهد حتى صارت ملكته المحبوبة.

وفي عهده بلغت فارس أقصى اتساعها العسكري، حيث استغل كسرى برويز اضطراب دولة الروم بعد اغتيال صديقه القيصر موريس، فاجتاح قادته مصر والشام وآسيا الصغرى حتى وصلوا إلى أسوار القسطنطينية. لكن سرعان ما ظهر إمبراطور رومي جديد وهو هرقل، والذي قاد بنفسه حملة مضادة جريئة قلبت موازين الحرب. وصل هرقل بجيشه حتى عمق فارس وهدد المدائن.

وسط هذه الأزمات، قام شرويه ابن كسرى برويز بالانقلاب على أبيه في عام 628 ميلادية. أسر شرويه أباه كسرى وسجنه، ثم أمر بقتله رمياً بالسهام انتقاماً منه، حيث كان شرويه ناقماً على أبيه لإفراطه في قتل إخوته وأعمامه خوفاً منهم. ويروى أن شيرين المفجوعة بحبيبها كسرى لم تلبث أن قتلت نفسها حزناً عليه. وهكذا فارق كسرى برويز الحياة بعد أن شاهد انهيار أحلامه وإمبراطوريته.

في أواخر أيامه، وقبيل ختام الملحمة، أفرد الفردوسي بضعة أبيات مؤثرة يندب فيها ابنه الذي فقده شاباً. يقول الحكيم مخاطباً ابنه الراحل: "كان الأجدر أن أرحل أنا قبلك، لكنك رحلت أنت أولاً يا ولدي، وتركت أباك العجوز معدم الفرح. سنوات طويلة مرت، فلا بد أن تنتظريني هناك بلهفة". بهذه الأبيات الموجعة صب الفردوسي جام حزنه الشخصي على فقدان ابنه الوحيد، مذكراً أن نوائب الدهر لا تفرق بين ملك وشاعر فقير.

بعد مقتل كسرى، عمت الفوضى أنحاء فارس مع تغيير الملوك عدة مرات خلال سنوات قليلة. ضعفت الدولة الساسانية وتفككت أوصالها الداخلية. وأخيراً، صعد على العرش فارس شاب صغير هو يزدجرد الثالث في عام 632 ميلادية، وكان حفيدا لكسرى برويز.

وفي عهده بزغ نجم الإسلام في جزيرة العرب، وخرجت جيوش المسلمين الموحدة تحت رايات الدين الجديد لفتح العراق وفارس. اصطدم العرب بجيش الفرس في معارك طاحنة، أهمها معركة القادسية في عام 636 ميلادية، حيث قُتِلَ قائد الفرس رستم وانهارت معنويات الجيش. توالت الهزائم حتى فُتِحَت المدائن، عاصمة الفرس، في عام 637، وسقطت أعظم كنوز الساسانيين بيد المسلمين.

هرب يزدجرد إلى أقصى الشرق محاولاً تجميع جيش جديد دون جدوى. وأخيراً، قُتِلَ على يد في مدينة مرو في عام 651 ميلادية أثناء فراره. وبذلك سقطت الإمبراطورية الفارسية العظمى وانتهى عهد ملوك إيران.

وبهذا تختتم ملحمة الشاهنامة عند هذه النهاية الحزينة. فقد امتدت قصة إيران منذ عهد كيمروث، أول البشر، مروراً بكل الأزمنة والأسرات حتى وصلت إلى يزدجرد الثالث، آخر ملوك الفرس قبل الإسلام. وخلال ما يقرب من 60,000 بيت من الشعر، خلد الفردوسي أمجاد الفرس وبطولاتهم وحكمتهم ومآسيهم جيلاً بعد جيل. وكما قال في ختامه مفتخراً: "سأنظم شعراً يحيا به اسمي واسم البلاد، وأبقي به ذكر فارس مصوناً لا يطاله الفساد".

أنهى الفردوسي كتاب الملوك، وقد قدم للعالم كنزاً خالداً من قصص البطولة والحكمة. وبملحمته الخالدة ضمن الشاعر الحكيم أن اسمه واسم وطنه فارس سيبقيان ما بقي الدهر. شاركنا في التعليقات حول رأيك في هذه الحلقة، وإذا أعجبك محتوانا ادعمنا من خلال الاشتراك. وتجد في الوصف رابطاً لقناة "شيء" المتخصصة بالتقنية والبودكاست والبودكاست. وراكاست، ممكن تشوف فيديوهات أخرى من قناتنا والتي تطرح مواضيع حول التاريخ والثقافة.