Transcription
بعد أن ينتقل الإنسان من حياته إلى المرحلة الثانية، وهي مرحلة البرزخ. البرزخ هو الفترة الانتقالية ما بين الحياة الدنيا والحياة الأخرى. وهذه الحياة لا تتعلق بالقبور، فهناك من يموت غريقًا، وهناك من يموت حريقًا، وهناك من يموت في حال لا يعلم ولا يدفن. فتبدأ حياة البرزخ بمجرد أن ينزل هذا الإنسان أو يموت.
ويمر بخمسة أحوال. الأولى اسمها الضجعة، وهي فترة انتقال الروح، خروج الروح. "كشفنا عنك غطائك فبصرك اليوم حديد". يرى الملائكة أمام عينيه تستل الروح، ترتفع إلى السماء، ما تنزل من السماء السابعة إلى الأرض، ثم بعد ذلك تعود إلى جسده. فيُحمل على الأكتاف. والمؤمن، كما ورد في الحديث الصحيح، يقول: "قدموني، قدموني، قدموني" لأنه سعيد بما هو مقبل عليه من حياة جميلة. رأى الملائكة بيض الوجوه ومعهم حنوط الجنة وكفن الجنة. فعندها يكون سعيدًا ويسعد بما هو قادم إليه.
بعد ذلك تأتي المرحلة الثانية من مراحل البرزخ، وهي مرحلة الضمة. وهي ضمة شديدة على غير المؤمنين، وضمة خفيفة على المؤمنين. لكن لا يسلم منها أحد. وقال عنها النبي عليه الصلاة والسلام: "لو سلم منها أحد لسلم منها سعد بن معاذ". وسعد هو الذي اهتز لموته عرش الرحمن. لا يسلم منها. هذه الضمة هي توطئة للمرحلة التي بعدها، لأن المرحلة ثقيلة جدًا، وهي مرحلة نزول الملائكة. تنزل الملائكة فيجلسان هذا الإنسان، ثم بعد ذلك يسألانه ثلاثة أسئلة: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ هناك يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. إنسان منقطع لا ذاكرة لديه إلا ما يذكره الله عز وجل. ولذلك المؤمن مباشرة: ربي ديني الإسلام، نبيي محمد، محمد. يكررها حتى لأنه سعيد بأنه عرف الإجابة.
عندها ننتقل إلى المرحلة التي بعدها. ما هي؟ وهذا في قبره جالس في قبره، أو المرأة جالسة في قبرها. فجأة ينزل عليها أو عليه رجل أو امرأة، المهم شخص يؤنسه في قبره. فهذا ينظر إليه، فإن كان شكله جميلًا ومنظره حسنًا، يقول: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يأتي بالخير، وريحك طيبة. من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح، أنا صلاتك، أنا صيامك، أنا قيامك، أنا ذكرك، أنا دعائك. فعندها يسعد ويفرح، ويلازمه هذا الذي شكل على شكل إنسان وهو عمله إلى أن تقوم الساعة. وإن كان عكس ذلك، نزل إليه رجل أو امرأة سيء الوجه، سيء الريح، كريه المنظر، كريه المعشر. فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يأتي بالشر. فيقول: أنا عملك السيء، ذلك بما قدمت يداك، وأن الله ليس بظلام للعبيد.
المرحلة الخامسة وهي الأخيرة في مراحل البرزخ. أن العبد يقال له: انظر. إذا كان من أهل الإيمان، انظر إلى شمالك. فينظر، فإذا النار يحطم بعضها بعضًا، فيخاف. فيقال له: لا، هذا مقامك لو أنك عصيت الله. انظر إلى يمينك. فإذا نظر، يرى الجنة. فيقال له: هذا مقعدك لأنك أطعت الله. عندها يصيح: يا رب، أقم الساعة كي أرجع إلى أهلي ومالي. أما الآخر، فإنه العكس. ينظر إلى يمينه، فيرى الجنة، فيفرح ويستبشر، مع أنه رأى العمل ورأى ولم يجب على الأسئلة. لكن يقال له: هذا مقعدك لو أنك أطعت الله. لكن انظر إلى يسارك. فإذا نظر، فإذا النار يأكل بعضها بعضًا، فيصيح ويخاف. فيقال له: هذا مكانك لأنك عصيت الله. ثم بعد ذلك يقول: يا ربي، لا تقم الساعة. لماذا؟ لأنه عالم بما سيحدث له في المستقبل.
هذه هي حياة البرزخ. كم يجلس فيها الإنسان؟ آلاف السنين، ملايين السنين، الله أعلم. لكنها سبحان الله هي عبارة عن نومة، نومة طويلة. ولذلك الناس، لكن نومة المؤمن نعيم، ونومة غير المؤمن عذاب. لأنه بعض الناس يعذب في قبره، يعذب في قبره مثل آل فرعون، يعرضون في قبورهم على النار ليلاً ونهارًا. وهناك من يعذب في حياة البرزخ بأن يمشط بأمشاط الحديد، ومنهم من يسبح في بحار الدم. المهم أنه العذاب. طبعًا العذاب قد يكون على الجسد والروح، ولكن في الغالب هو على الروح أكثر من الجسد. يجلس فترة طويلة حتى أن العباد إذا قاموا يوم القيامة يقولون: كم لبثتم؟ قالوا: يومًا أو بعض يوم. يعني يا يوم، يا أقل من يوم، مع أنه جلس ألف سنة في قبره.
البرزخ تنتهي فترته عند النفخ في الصور. والنفخ نفختان. النفخة الأولى هي التي يصعق فيها من في السماوات ومن في الأرض، ولا يبقى إلا الله جل جلاله. فكل شيء هالك إلا وجهه. يجلس الناس بين النفختين أربعين. لم يحددها النبي صلى الله عليه وسلم: أربعين يومًا، أربعين شهرًا، أربعين سنة، الله أعلم. ثم ينفخ النفخة الثانية. قبل النفخة الثانية، ينزل مطر غليظ، فننبت من جديد كلنا ننبت من جديد، وتعود أجسادنا، لكن في خلق آخر، ليس كخلق الدنيا. التشابه واحد، لكن في صفات مختلفة. المهم بعد أن تنبت الأجساد، ينفخ النفخة الثانية، فتنطلق الأرواح من حيث كانت. الله عز وجل وجل، أين وضعها الله أعلم. وتعود كل روح إلى جسدها. فيكون أول من ينشق عنه القبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم نقوم ننفض الغبار عن رؤوسنا ونقف، وكون حالنا كالفراش المبثوث، مبعثرين نحن وحولنا الوحوش. وكل أمة، كل طائر يطير بجناحيه، وكل دابة على الأرض هي أمم أمثالنا سيحشرون معنا في ذلك الموقف العظيم.
في اللحظة ذيك، وفي تلك الربكة، يأتي إسرافيل، فيكون هو الداعي الذي قال عنه الله: "يتبعون الداعي لا عوج له". عندما نرى إسرافيل، نمشي خلفه. أنا أقول عندما نرى، لأننا نحن سنكون في ذلك الموقف. نرى إسرافيل، فننمشي خلفه. فيتعدل وضع الناس بدل ما كانوا كالفراش، يصبحون كالجراد المنتشر، مهطعين مقنعي رؤوسهم، لا يرتد إليهم طرفهم، وأفئدتهم هواء. غرلى بهما، حفيا، عريا. نأتي والمقام مقام خطير، ونصل خلف إسرافيل إلى أرض عظيمة غير هاته الأرض، وتحت سماء غير هاته السماء. لأن الله بدلها. أرض المحشر التي كال أرض، لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا، صافية، ليس فيها ارتفاع ولا انخفاض. فنقف، وأول ما نبحث عنه نبحث عن الماء. فكل أمة ترى نبيها وحوله حوضه. ونرى هناك حبيبنا صلى الله عليه وسلم ومعه حوضه العظيم. فينادينا، يعرفنا كيف يعرفنا بجباهنا وأنوفنا وأيدينا وأرجلنا من آثار الوضوء. فنذهب إليه، فيشرب منه من مات على سنته صلى الله عليه وسلم. ويبعد أقوام نفاق، كفر، بدلوا الدين، يطردون من هذا الحوض. ولا يشترطون.
يقف الناس في ذلك المحشر. ما هي أحوالهم؟ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "يبعث كل إنسان على ما مات عليه". فتخيل أشكال الناس. واحد يبعث يقرأ القرآن، وآخر يبعث وهو يؤذن، وآخر يبعث وهو يصلي، وآخر يبعث وهو يسبح، وآخر يبعث وهو يشرب الخمر، وآخر يبعث وهو يغني، وآخر يبعث وقد حمل الأراضي التي ابتلعها من الناس وقد طوقها الله حول خلقه حول حلقه من تحت سبع أراضين. وآخر يبعث وقد حمل على ظهره ما غله من الناس. يوم القيامة، إنه يوم الفاضحة، وأيضًا هو يوم العز للمؤمنين الصادقين.
يقف الناس صفوفًا، ويبدأ أول الأمر الحساب بين الوحوش. فكل وحش ظلم، يأخذ حقه من الذي ظلمه. فبعد ذلك يتحولون كلهم إلى تراب. عندها يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابًا، يا ليتي كنت بهيمة ولم أكن إنسانًا، لأني سأخسر في ذلك المقام. الناس في هولهم، في خوفهم، في رعبهم. يأتي مناد ينادي: ينادي الناس، استروا هذا، استروا هذا. فيُكسى المؤمنون، وأول من يُكسى إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم. ثم ينادى أقوام الذين نشأوا في طاعة الله، الشباب: اذهبوا إلى ظل يوم لا ظل إلا ظله. الذين تعلقت قلوبهم في المساجد: اذهبوا إلى ظل الله. الذين تركوا الحرام لوجه الله، الذين أنظروا المعسرين، الذين خلفوا الغزات، الذين بكوا من خشية الله. أقوام أقوام يخرجون ويذهبون إلى ظل يوم لا ظل إلا ظله. فيمر عليهم فترة الخمسين ألف سنة التي هي يوم المحشر كصلاة ظهر أو صلاة عصر، كالصلاة المكتوبة دقائق تمر. أما القوم الآخرون، فتدنو الشمس من رؤوسهم، ليس بينهم وبينها إلا ميل. فيلجمهم العرق، أن يغطيهم، ويضرب العرق في بطن الأرض. كل هذا إهانة لهم.
ثم بعد ذلك تتبع كل أمة ما كانت تعبد. تتبع هناك كل أمة ما كانت تعبد. عباد الأصنام خلف أصنامهم، وعباد البقر خلف أبقارهم. وكل أمة كانت ضالة تتبع ما كانت تعبد. حتى إذا خف المحشر، تبدأ المرحلة التي بعده، وهي مرحلة الشفاعة. هذه المرحلة يتعب الناس من الوقوف. تخيل خمسين ألف سنة والناس واقفة في خوف، في ألم، في رعب، في تعب، في شمس، في حر، في عطش، في ضنك. ثم بعد ذلك تأتي مرحلة الشفاعة، وهي التي بإذن الله نتحدث عنها في درسنا القادم. أسأل الله أن يختم لنا بخير، وأسأل الله أن يجعلنا من المرحومين يوم المحشر. أسأل الله أن يرحمنا برحمته. والله إن الموقف خطب جلل.
عندما يكون الناس في أرض المحشر، ويأتي ربنا جل جلاله لفصل القضاء بين العباد. فالله تبارك وتعالى مجيئه عظيم. قال الله تعالى عن نفسه: "وجاء ربك والملك صفا صفا". تخيلوا ذلك المشهد العظيم. والله تبارك وتعالى يحمل عرشه ثمانية. يقول رسولنا صلى الله عليه وسلم: "أذن لي أن أتكلم عن أحد حملة العرش، ما بين شحمة أذنه ومنكبه يطير الطائر سبعمائة سنة". وربنا تبارك وتعالى طالما سمع من عباده، وطالما حلم عليهم، وأمد لهم في الأعمار، ووسع عليهم في الأرزاق، وأرسل لهم الأنبياء، وأنزل الكتب. ثم إذا بالخلق عندما يحشرون إليه، لا يدخل الجنة إلا واحد من كل. ولذلك يغضب الله عز وجل غضبًا عظيمًا في ذلك اليوم. الناس تقف في ذلك الموقف خمسين ألف سنة، فيملون ويضجرون، حتى أن قائلهم ليقول: اذهبوا بنا إلى النار، خلصونا من هذا المقام.
تخيلوا معي المشهد، والبشر كلها تجتمع. يذهبون إلى من؟ يذهبون إلى أبونا آدم. يذهبون إلى آدم: يا آدم، أنت أبونا، أنت أبو البشر، أنت أول الأنبياء، اشفع لنا عند الله، نريد أن نخلص من هذا اليوم الطويل، نريد الحساب، وبعد ذلك إما إلى جنة أو إلى نار. فيقول آدم: إن الله قد غضب غضبًا لم يغضب مثله، وإني قد أخطأت مرة واحدة في حياتي، أكلت من الشجرة، مع أن الله عفى عنه، لكنه يخشى أن يشفع للناس. اذهبوا إلى غيري. اذهبوا إلى نوح. فينطلقون إلى نوح، ذلك النبي الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم. أبو البشر الثاني، وثاني أولي العزم من الرسل، وأول الرسل. يذهبون إليه: يا نوح، اشفع لنا عند الله. فيرفض، لأنه دعا على قومه، ويخشى من عقوبة هذا الأمر. وربنا قد غضب غضبًا عظيمًا. اذهبوا إلى غيري. فينطلقون إلى إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم. خليل، ومن أعظم من رسول الله إبراهيم؟ أبو الأنبياء، الرجل الحليم، الحنفي، التقي. يصلون إليه: اشفع لنا عند الله. فيرفض، لأنه كذب ثلاث كذبات في حياته كلها، وهو الذي لبث العمر الطويل بين قومه. وكذباته ما هي؟ قال: فعله كبيرهم هذا عندما كسر الأصنام. وقال: إني سقيم عندما قالوا: اذهب معنا إلى العيد. ولما أرادوا أن يأخذوا منه زوجته، قال: هذه أختي. هذه كذباته معدودة. ومع ذلك يخاف الشفاعة. اذهبوا إلى غيري. فينطلقون إلى موسى عليه الصلاة والسلام. فيقول: إني قد قتلت نفسًا، ومع أن الله تاب عليه وأعطاه المراتب العلى بعد تلك الحادثة، إلا أنه يخاف أن يشفع. اذهبوا إلى غيري. فينطلقون. البشر كلهم يمشون، يركضون، كل منهم قد بلغ الخوف إلى حنجرته. يذهب، يذهبون إلى عيسى، إلى ذلك النبي المطهر. يا عيسى، يا نبي الله، اشفع لنا. فيرفض أن يشفع. ثم لا يعد ذنبًا، لأنه لا ذنب معه. اذهبوا إلى غيري. فيصلون إلى حبيبكم محمد صلى الله عليه وسلم. فيقول: أنا لها، أنا لها. ارفع رأسك برسول الله. هذا الذي يجعلك يجب عليك أن تحب رسول الله، هو الشافع لك في ذلك اليوم. كل الأنبياء أعطوا دعوة في الدنيا فاستنفذوها، إلا محمد صلى الله عليه وسلم ادخر لنا لي أنا وأنت دعوة لكي يشفع لنا بها عند الله عز وجل. أنا لها، أنا لها. هو سيد البشر، سيد ولد آدم. يقوم فيسجد تحت العرش سجودًا عظيمًا. فيفتح الله عليه من المحامد والتسبيح والتهليل الشيء العظيم. ثم يقول الله له: يا محمد، ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع. فيشفع الرسول صلى الله عليه وسلم شفاعتان عظيمتان. الأولى: أن يبدأ الحساب بين الخلائق. والثانية: شفاعة خاصة لنا. هذه أولها، وتستمر شفاعاته صلى الله عليه وسلم، لأنه لن يهنا له بال وموحد من أمته في النار. اللهم صل على رسول الله.
ثم بعد ذلك يأمر الله تعالى كل أمة أن تتبع ما كانت تعبد. فيبدأ عباد الأصنام وعباد الأشجار وعباد الأحجار يتبعون: "إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون". ثم يؤتى باليهود: من تعبدون؟ نعبد العزير. فيتمثل لهم شخص بصورة العزير فيتبعونه، وإلى جهنم. والنصارى، وإلى جهنم. ولا يبقى بعد ذلك إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم. ويبدأ بعد ذلك العرض والحساب والميزان والصراط. وهذا بإذن الله نتطرق في الدروس القادمة. أسأل الله أن يرزقنا شفاعة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم. اللهم إنا أحببنا رسولك وما رأيناه، فاجمعنا به، ولا تحرمنا شفاعته، صاحب المقام المحمود، عليه صلاة الله وسلامه.
بعد أن يقوم الرسول صلى الله عليه وسلم للشفاعة العظمى للخلائق ويسجد تحت العرش سجودًا عظيمًا، في يوم مهيب، يوم تشرق فيه الأرض بنور ربها، لا شمس هناك ولا قمر، وإنما نور الله عز وجل هو الذي يغشى الموقف العظيم. ويأتي ربنا جل جلاله في موكب مهيب عظيم: "وجاء ربك والملك صفا صفا". يأتي ربنا عز وجل ليفصل بين عباده. فالله تبارك وتعالى لا يمكن أن يعذب إنسانًا حتى تقوم عليه الحجة. وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا. هذا وعد الله عز وجل. ولذلك يأمر الله تعالى بعد شفاعة الحبيب صلى الله عليه وسلم أن تنصب محكمة عظيمة. محكمة جنودها ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. محكمة نحن المتهمون فيها. محكمة شهودها تشهد الجوارح والأرض وكل شيء يشهد. وقاضيها هو الله جل جلاله. فلا ظلم ولا رشوة ولا تزوير ولا كذب.
ثم بعد ذلك يأتي ربنا تبارك وتعالى بالملائكة، يأتي بالأنبياء. فيسألهم: هل بلغتم الرسالة؟ "وجئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا". فكل نبي يشهد أنه بلغ رسالة الله، وتشهد له الملائكة بأنه بلغ. قامت الحجة الآن من الأنبياء. ثم يأتي الملائكة، تأتي معك كل نفس سائق يسوقها وشهيد يشهد عليها أمام الله عز وجل، حتى لا يكون هناك ظلم على العباد. ويبدأ بعد ذلك الحساب. خمسة أصناف أذكرها لك في ذلك الموقف.
أما الصنف الأول: فمن ماتوا على الشرك وهو يعلمون أنهم مشركون. [موسيقى] من ماتوا على الشرك وهم لا يعلمون أنهم مشركون، لهم حكم. لكن من مات وهو مصر على الشرك، هذا لا يغفر الله له. "إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء". لذلك يأمر الله تعالى كل أمة أن تتبع ما كانت تعبد. فيخرج هبل ويتبعه من كانوا يعبدوه، وتخرج اللات ويتبعها من كان يعبدها، ويخرج كل مخلوق عبد من دون الله ويذهب به إلى جهنم. كما قال الله: "إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون". هذا الصنف الأول.
الصنف الثاني: هو الكافر. هذا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أو من الأمم السابقة وأدرك الرسالة لكنه كفر. يأتي به الله فيسأله الله تعالى: ألم أسودك؟ يعني ما جعلتك سيدًا في قومك؟ ألم أربعك؟ ألم أزوجك؟ ألم أسخر لك الخيل والبغال؟ ألم ألم؟ يسأله. وهذا يقر: يقول نعم يا رب، نعم يا رب، نعم يا رب. فيسأله الله: هل آمنت أنك ستقف أمامي؟ آمنت بي؟ فيقول: لا. فيقول: لا يا رب. فيقول: إذا أنا أنساك اليوم كما نسيتني في الدنيا، كما نسيتني أنت. ثم يأمر الله به فيذهب به إلى جهنم.
ثم يأتي الصنف الثالث: وهو المنافق. المنافق يقف أمام الله فيسأله الله أيضًا: ألم أسودك؟ ألم أزوجك؟ ألم ألم؟ وهو يقر. ثم يسأله الله: ما فعلت؟ فيقول: صليت وصمت وتصدقت وعملت. وهذا يظن أنه يخادع الله عز وجل. ونسي أن الله يقول: "قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير". عندها يقول الله له: إذا نأتي بشاهد عليك. فيستغرب من الذي يشهد؟ فيختم الله على فمه، وترتفع يده. اللهم يا ربي، إني أشهد أني قد كتبت وبعت ومنعت وأعطيت. ثم ترتفع اليد اليسرى وتشهد، ثم تشهد العين وتقول: وأنا رأيت. وتشهد الأذن وتقول: وأنا سمعت. وتشهد الرجل وتقول: وأنا مشيت. وتشهد الأرض وتقول: وأنا حملت. ويشهد الله ويقول: وأنا سترت، لكنك أبيت إلا الفضيحة. فيفضحه الله على رؤوس الأشهاد. ثم يأخذ كتابه بشماله، وإلى جهنم.
ثم يأتي الله تعالى بالعصاة. وهذا الصنف الرابع من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لكنهم ظلموا وبطشوا وسفكوا وقتلوا وأفسدوا في الأرض. وهذا هو المفلس عنه النبي صلى الله عليه وسلم. أتدري من المفلس؟ قالوا: من لا درهم ولا دينار عنده. قال: المفلس من يأتي بحسنات كجبال تهامة، لكن يأتي وقد أكل مال هذا، وشتم هذا، وسفك دم هذا. ثم يقتص تحت رحمة الله. قد يعذبه، قد يكتفى بالعذاب السابق، قد الله أعلم. لكنه لا نحكم عليه لا بنار ولا بغيره، لأنه موحد معه لا إله إلا الله. الكلمة التي تعصم دمه في الدنيا والآخرة. لا تظن كلمة لا إله إلا الله سهلة. له أما الصنف الخامس، أسأل الله أن نكون منه، قولوا آمين.
فهو العبد الذي يأتي به الله عز وجل أمام الناس، أو المرأة التي عبدت ربها في حياتها. فيتقدم أو تتقدم الناس أمامها، خلفها. والله تعالى يحكم أمامها أو أمامه. ثم يتقدم العبد حتى إذا وقف ف بين يدي الله وهو خائف، عنده شيء من الأمل، لأنه شرب من حوض رسول الله ورأى الجنة في قبره. لكن الموقف مهيب. فإذا وقف أمام الله، يستره الله بستره، فلا يراه أحد إلا الله. ثم يسأله الله. يبدأ ربي عز وجل يقول له: أتذكر اليوم الفلاني؟ يعني مثلاً تذكر يوم الأحد الموافق مثلاً في محرم لعام 1400 هجري؟ تذكرونه يا إخوان؟ ما نذكره. لكنه مكتوب عند ربي. فيقول: أتذكر ذلك اليوم؟ أتذكر يوم أن تذهب أنت وفلان وفلان وفلان وتفعلون الذنب الفلاني؟ تذكره؟ فيقول: نعم يا ربي. أذكره. لأنه يقرأ كتابه. والله يقول: "اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا". نعم يا ربي، أذكره. يقول: أتذكر الذنب الفلاني يوم كذا وكذا. ويبدأ يذكره الله بذنوب هو نسيها، لكنها في كتاب مسجلة، مدونة، مثبتة. وكلما ذكره بذنب، خاف، خاف حتى كاد أن يهلك. وربي لا يمكن أن يعذبه ويريد أن يرحمه. فيقول: لا عليك، لا عليك، سترتها عليك في الدنيا واليوم أنا أغفرها لك. الله أكبر. كم يسترنا الله يا أحبابي. كم ذنب فعلناه في الخلوات وربي يستره ولا يفضحه. المؤمن التائب الذي ذكر الله خاليًا ففاضت عينه، الذي عاش حياته تائبًا منيبًا إلى الله، والله لا يخذله الله عز وجل. لأنه قال: "إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون". "لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون". "لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون". اعمل لذلك اليوم. لا تظن صلاتك هذه تضيع عند الله. لا يضيع أجر المحسنين أبدًا. فاحسن وأقبل وتب. حتى إذا وقفت ذلك اليوم، وجدت أن الله تعالى يغفر ذنوبك. فماذا يقول الله له؟ "خذ كتابك". فيأخذه بيمينه. فيخرج يراه الناس وقد حمل الكتاب بيمينه. "هاؤم اقرؤوا كتابيه، إني ظننت أني ملاق حسابيه، فهو في عيشة راضية". هذا هو الصنف الخامس.
ماذا يحدث بعد ذلك؟ ينتقل هؤلاء إلى أرض مظلمة بعد أن ينتهي العرض، عرض الأعمال والحساب، ولإتمام العدل. لأن الله عز وجل وعد أن من يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره. لذلك العباد يأخذون صحائفهم معهم وينطلقون بعد الحساب إلى مقام عظيم. ورد في حديث حسنه بعض أهل العلم أن عائشة رضي الله عنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: يا رسول الله، في يوم القيامة لكم أهلون؟ أتذكرونهم؟ فقال: "أما في ثلاث مواضع فلا يذكر أحد". وذكر منها هذا الموضع، وهو موضع الميزان. ما هو الميزان؟ ميزان خلقه الله عز وجل، له كفتان. الميزان الحقيقي، له كفتان. الكفة الواحدة تسع السماوات والأرض من عظمتها. ووحدة قياس هذا الميزان ليست الجرام ولا أقل من ذلك. بل إنه من يعمل مثقال ذرة، ذرة، ولو خردلة، ولو أقل من ذلك، فهو موجود عند الله عز وجل. ما لك تأخذه، وما عليك تحاسب عليه.
الكفار إذا أقبلوا إلى ذلك المقام، يجعل الله عز وجل عملهم ضائعًا. "وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورًا". لا قيمة له. ولذلك لا قيمة لهم في ذلك المقام. لكن أهل الإيمان، أمة محمد التي نجت، يقفون بين يدي الله في ذلك المقام معهم صحائفهم. ثم بعد ذلك توزن. توضع. يبدأ يقرأ الكتاب: "اقرأ كتابك". ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون: "يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها". ووجدوا ما عملوا حاضرًا. "ولا يظلم ربك أحدًا". "اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا". فيبدأ يقرأ، يستعرض. في يوم كذا قمت الصباح صليت مع المسلمين الفجر، هذه حسنات، ضعوها في ميزان الحسنات. قرأت الورد الفلاني، حسنات. قرأت آية الكرسي، حسنات. خرجت من باب المسجد فوقفت أتكلم مع صديق لي فاغتبنا فلان، سيئات، اسحب من حسناته وضع في ميزان سيئاته. ثم بعد ذلك ذهبت إلى بيتي فنمت، قمت إلى عملي، جلست تكلمت، وكل شيء يستعرض حسنات توضع في ميزانك، سيئات توضع في ميزانك. وهكذا توضع الحسنات والميزان. ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئًا. لا يمكن أن يظلم أحد ولو مثقال الخردلة. لا إله إلا الله. ينجح أقوام فترجح حسناتهم، فيأخذون صحائفهم فيعطون نورًا على قدر أعمالهم نور. ثم يتجاوزون هذه المرحلة إلى التي بعدها وينتظرون. لا أحد يتجاوز. ينتظرون. وأقوام يرسبون وتضيع حسناتهم. قد يعذبهم الله عز وجل في النار فترة، أو المهم تحت مشيئة الله. هذا الموحدون طبعًا.
لكن يحدث موقف عجيب جدًا. انتبهوا يا إخوة. ينصب بين الجنة والنار سور. فيقف عليه أقوام. لا هم الذين دخلوا الجنة فتجاوزوا بحسناتهم، ولا هم الذين دخلوا النار. وإنما واقفون بسور. السور هذا اسمه الأعراف. يقف عليه هؤلاء الأقوام. إذا التفتوا يمينهم يرون أهل الجنة. وإذا التفتوا إلى يسارهم يلتفتون فيرون أهل النار. يعرفونهم بسيماهم. فيدعون الله عز وجل أن يخلصهم من هذا الموقف. يحبسون يا إخوة على هذا السور أيام. واليوم الواحد أن يومًا عند ربك كألف سنة مما تعد. يحبسون لماذا؟ لأنها تساوت حسناتهم مع سيئاتهم. إحنا إيش قلنا؟ قلنا أنه الحسنة أو الميزان في هذا الميزان بالذرة. يعني لو قال سبحان الله وبحمده فقط زيادة على الأعمال لرجحت كفة الحسنات وذهب مع أهل الجنة. أرايتم الآن قيمة الحسنة وقيمة العمل الصالح ولو كان يسيرًا في عينك، فهو عظيم عند الله. فقد يكون نجاتك من ذلك الموقف. هو صلاة تصليها على رسول الله، أو ركعتان تركعها بين يدي الله، أو آية تقرأها. فيا حسرة المفرطين! يا حسرة من تضيع عليهم الليالي والأيام وهم لا يذكرون الله إلا قليلاً! يا حسرة من يعيشون في مثل هاته الليالي. الناس تأتي إلى بيوت الله تصلي وتسبح وتهلل، وهم إما أمام العاب أو أمام تلفاز أو ضياع. والله ليتحسرون هناك في ذلك المقام على هاته اللحظات التي ضاعت عليهم. الليلة، الليلة ليلة الـ 27. نعي غدًا. أرجوكم يا كرام، لا تعبث بعقولنا موضوع الرؤى وما الرؤى. لا انتبهوا، انتبهوا واستثمروا كل فرصة تقربكم إلى الله عز وجل. كل لحظة تقربنا من الله استغلها، فوالله لا تدري أين نجاتك. فقد تكون سبب دخول الجنة هو صدقة تصدقت على إنسان. وليس هذا مقام الشرح، وإلا أذكر لكم بمواقف أشخاص عملوا كثيرًا من الصالحات، لكن كانت النية فيها ما فيها. وعملوا مرة واحدة عملاً صالحًا، فإذا بهذا العمل يدخلهم الجنة. صدقة أخفاها لا يعلم بها أحد، قد يدخل هو بسببها جنة الله. وجنة الله عز وجل هي رحمته التي يرحم بها من يشاء من عباده. إذا هذا هو الميزان. كفتان توزن الأعمال. "من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية ومن خفت موازينه فأمه هاوية". أمه يعني جبهته. "وما أدراك ما هي نار حامية".
وصلنا إلى الميزان وفهمنا منه أنه وزنت أعمال العباد بعد أن حوسبوا. ثم بعد ذلك يذهبون إلى أرض مظلمة. وهذه المرحلة التي يقبلون عليها هي من أصعب المراحل يوم القيامة. التي من نجى منها نجى من كل شر. أسأل الله تعالى أن ينجينا من كل شر. في هذه الأرض بعد أن وزنت الأعمال، يعطون أنوارًا على حسب أعمالهم. فكلما حسنت الأعمال، كلما زاد نور الإنسان في ذلك تلك الأرض المظلمة. وكلما قل فخيره وحسناته قل نوره. ولذلك بعضهم كالبرق، وبعضهم أقل من ذلك، وبعضهم لا يملك إلا مثل الشمعة. "ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور". ذلك اليوم الذي لا يؤتى نور من الله لن يستطيع أن يجلب النور. والأرض أمامه مظلمة. وبعد الأرض هذه المرور على الصراط. في الأرض هذه الله عز وجل يأمر أن يذهب بالكفار إلى جهنم. "ادخلوا أبواب جهنم فيدخلون فيها ويرمون فيها". أعاذنا الله وإياكم. فهم لا يمرون على الصراط.
فيبقى ثلاثة أصناف: المؤمنون المرضي عنهم، والمؤمنون العصاة، والمنافقون. هؤلاء يجلسون في أرض. فلما يشع نور أهل الإيمان، ولا يكون عند أهل النفاق نور. يقفون المنافقون ينادونهم. يعني: ألا تعرفوننا؟ ألسنا أهلكم؟ ألسنا منكم؟ أعطونا من النور الذي معكم. فيقولون لهم متهكمين: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورًا. فيرجعون إلى الوراء. المنافقون يبحثون عن النور. هنا يضرب سور بينهم وبين المنافقين. له باب باطنه فيه الرحمة يعني من قبل المؤمنين وظاهره من قبلهم العذاب. هناك يبدأون ينادون: ألم نكن معكم؟ ألم نكن أهلكم وإخوانكم وأقاربكم وبينكم؟ فعندهم يتبرؤون ويقولون: "لقد غركم بالله الغرور". ظننتم أنكم لن تأتوا إلى هذا الموقف. الآن اذهبوا ابحثوا إلى من كنتم تنافقون معهم يعطونكم النور. ثم بعد ذلك يؤتى بجهنم لها سبعون ألف زمام، سلسلة على كل سلسلة سبعون ألف ملك يجرونها. وتنصب هذه النار التي أوقد عليها ثلاثة آلاف سنة. ألف سنة حتى احمرت، وألف سنة حتى ابيضت، وألف سنة حتى اسودت. إذا هي سوداء مظلمة. ثم ينصب عليها صراط. هذا الصراط أدق من الشعرة، أحد من السيف، وله روغان، وحوله خطاطيف وكلاليب. والله قد أقسم في كتابه فقال: "فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا". يحضرون هؤلاء كلهم حول النار. ثم يقول تعالى: "وإن منكم إلا واردها". أي ورود على النار. هل تتخيل يا مؤمن ما معنى الورود على النار؟ يا إخوة، النار عبارة عن حفرة عميقة. عمقها وصفه لنا النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع صوت ضربة في الأرض. التفت الصحابة، سمعوا صوت شيء ضربة قوية. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "أتدرون ما هذا الصوت؟" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "هذا حجر ألقي في النار من سبعين سنة، الآن وصل إلى قعرها". هل تخيلتم عمق هذه الحفرة؟ عمقها سبعون سنة دركات يأكل بعضها بعضًا. ثم ينصب عليها الصراط. ويقولون لك: امش. لأن الله أقسم أن يرده كل الناس. هنا ينطلق أول شيء الأنبياء. ما في أحد يستثنى. ويصيحون: اللهم سلم سلم، اللهم سلم سلم. ثم بعد ذلك كل واحد منا بدون استثناء سوف يمر على هذه النار. هناك والله ما ينفعك إلا الله جل جلاله. ولذلك الله قال: "ثم ننجي". ما قال: ينجو، لأنه لو قال: ينجو معناه إحنا نجونا بقوتنا. لكن قال: نجي، أي أنه لن ينجو أحدًا إلا بإذن الله تعالى. "ثم ننجي الذين اتقوا". فيا من عشت حياتك لله طائعًا، وللفرائض مؤديًا، ولأوامر الله مستجيبًا، تركت الشهوات لله وضغطت على نفسك من أجل الله، والله لا يخزيك الله في هذا الموقف. هذا هو الموقف الذي قال الله فيه: "لا يسمعون حسيسها وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون". "لا يحزنهم الفزع الأكبر". هناك المؤمن من شدة نوره، بعض الآثار أنه إذا مر على النار تقول له النار: أسرع، فإن نورك أطفأ ناري. يا رب اجعلنا من أهل النور، النور التام.
ثم بعد ذلك يأتي هؤلاء أهل الإيمان الناجون. ثم ناج مسلم، هذا هو. ومخدوش، مكردس، مخدوش. هذا المخدوش هو الذي معه نور خفيف، حسنات قليلة. الهوى طاغي على حياته. ولما وقف في الميزان راحت حسناته. ظلم هذا وضرب هذا وسفك دم هذا. ما بقي معه إلا زاد قليل ونور قليل. ولذلك يمشي يحبو والكلاليب تخطفه من يمينه ومن يساره وجرح هنا ونار تشويه من تحت. لكنه ينجو بإذن الله تعالى. بس بعد إيش؟ بعد ما شاف الموت. والثاني المنافق مجرد ما أن يقف على الصراط، لا نور وصراط دقيق وأرض مظلمة ونار تحته، يتكردس. أعاذنا الله وإياكم في النار. ولذلك هؤلاء الذين يسقطون في النار، المنافقون مباشرة يذهبون إلى الدرك الأسفل من النار، أشد عذابًا من الكفار. ثم الذين عندهم معاصي وذنوب وسقطوا في النار، يسقطون في الدرجة الأولى من النار في الدرك الأول في العلي، لأن معهم ما زالوا لا إله إلا الله. وغدًا سنقول لكم ماذا يفعل معهم.
هؤلاء الرسول صلى الله عليه وسلم. وأما الذين نجوا، فإنهم ينجون إلى أين يذهبون؟ جاوبوني بسرعة. لا يروحون بالجنة لسه. يحبسون على قنطرة بين النار وما بين الجنة. المؤمن تبدأ رحلته من هذه الحياة الفانية إلى الحياة الباقية. عند الاحتضار يرى ملائكة بيض الوجوه على مد البصر يستبشر بهم. يثبته الله. تقول له الملائكة: لا تخف مما هو أمامك ولا تحزن على ما فاتك. ثم تستل روحه كما تخرج القطرة من في السقاء. تتلقاها الملائكة تصعد بها إلى السماء السابعة. تعود. فإذا عادت إلى مكانها وفي ذلك الجسد تصيح: قدموني، قدموني، فرحة بما هي مقبلة عليه. فإذا وسدت التراب، نزل إليه الملائكة. ثم بعد ذلك يسألانه الأسئلة الثلاث: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فيثبته الله عز وجل. ثم بعد ذلك يوسع له في قبره مد البصر. ثم بعد ذلك ينزل إليه عمله الصالح الذي عمله في الدنيا يؤنسه إلى قيام الساعة. ثم ينام نومة العروس في قبره. مهما اشتد الحر والبرد كالعروس نائم في قبره إلى أن تقوم الساعة. ثم بعد أن تقوم الساعة، يخرج على ما مات عليه. وغالب المؤمنين تكون ميتهم حسنة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله إذا أحب عبدًا استعمله". قالوا: وما يستعمله يا رسول الله؟ قال: "يهيئ له عملاً صالحًا يموت عليه". نسأل الله الكريم من فضله.
ثم بعد ذلك يحشر مع الذين حشروا، ويساق مع الذين سيقوا. فإذا وقف في أرض المحشر، يكسوه الله عز وجل، لأنه المؤمن طالما حافظ على عورته، وطالما المؤمنة حافظت على عورتها في الدنيا. فيكسوهم الله عز وجل. ثم بعد ذلك يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. لأن المؤمن غالبًا إما قلبه معلق في المساجد، أو نشأ في طاعة الله، أو يتذكر الله خاليًا فاضت عيناه. دائمًا قريب من الله عز وجل. والله يقول: "لا أجمع على عبدي خوفين ولا أمنين". من خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة. ثم يجلس في الظل، يأكل يوم يجوع الناس، ويشرب يوم يعطش الناس، ويأمن يوم يخاف الناس. وتمر الخمسين ألف سنة كما بين الظهر والعصر. ثم بعد ذلك يساق مع الذين يذهبون إلى الشفاعة. تنتهي الشفاعة. بعد ذلك يقف في العرض. العرض أمام الله عز وجل. وقلنا لكم أن المؤمن يستره الله عز وجل، فلا يرى أحد إلا الله، ولا يحاوره أحد إلا الله. لأن الله تعالى يريد أن يؤمنه. ثم بعد ذلك يقال له: خذ كتابك بيمينك. فإذا أخذ كتابه بيمينه، ينادي: "هاؤم اقرؤوا كتابيه، إني ظننت أني ملاق حسابيه". ثم بعد ذلك إذا جاء في الأرض المظلمة، أعطاه الله عز وجل من النور على قدر أعماله الصالحة التي كانت معه في الدنيا. ثم بعد ذلك المؤمنون ماذا يقولون؟ المؤمنون في ذلك الموقف ينادون الله: "ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير". النور أمامهم وعن أيمانهم، يتمنون النور حتى عن شمالهم.
فإذا ضرب بينهم وبين المنافقين سور، ينصب الصراط على متن جهنم. وهناك ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيا. وبعد أن ينجو المتقون، يذهبون إلى تلك القنطرة. والقنطرة جسر ما بين النار وما بين الجنة. فيصفي الله عز وجل ما بين المؤمنين من الحسد أو من الغل أو الخصومات. لماذا؟ لأن الله ينزع عن قلب كل منهم كل صفة رديئة. فهناك يقول تعالى: "ونزعنا ما في قلوبهم من غل إخوانًا على سرر متقابلين". بعد ذلك يقال لهم: ادخلوا إلى جنة الله عز وجل. فيدخلون. يدخل أهل الإيمان، نسأل الله أن نكون منهم. وأول ما يدخلون ضيافة مباشرة من الله عز وجل. ينحر لهم ثور كان يأكل آلاف السنين في الجنة، فيأكلون منه كلهم. وهم لا يأكلون أكل جوع، لأن الأجساد هناك الأكل أكل شهوة وليس أكل جوع ولا حاجة. ثم بعد ذلك يشربون من عين تسمى سلسبيل. ماؤها أحلى من العسل. فماء يشربون حتى تطهر بواطنهم. ثم يغتسلون فتتغير أشكالهم. ما هو حاله وشكله؟ أما الرجل، فمباشرة يتغير شكله حتى يكون طوله طول آدم ستين ذراعًا في السماء. هذا أنت طولك ستون ذراعًا في السماء، أمرد، أبيض، جمالك أشد من جمال يوسف الذي لما رأيناه النسوة أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرًا، أنت أجمل منه. ويعطيك الله قوة مائة رجل في كل شيء في أكلك وشربك وكل متعتك. ثم يعطيك الله عمرًا لا يزيد 33 سنة. ولو عشت آلاف السنين وطول عمرك وأنت بهذا العمر. هذا الرجل. أما المرأة، أرايتم المرأة؟ ماذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم عن الحوراء؟ قال عن الحوراء أنها لو اطلعت على الدنيا لحجب نور الشمس من جمال وجهها. هذه الحوراء. ولو أن خمارها الذي على رأسها مرت به بين السماء والأرض لملأت ما بينهما ريحًا. النساء نساء الدنيا أجمل بالأضعاف من هذه حور العين والحور كلهن. ما هن إلا خادمات عند نساء الدنيا. فالمراه يعطيها الله عز وجل الطول المناسب لزوجها. ثم يعطيها العمر 21 سنة لا تزيد أبدًا. ثم يعطيها الله عز وجل الصحة والعافية ويطهر كل ما في القلب. إذا دخلوا أهل الجنة، هناك يموت الحسد ويموت الغل وتموت الغيرة المذمومة ويموت الحقد ويموت الشر ويموت كل صفة رذيلة. بل إن الموت نفسه يموت. متى يموت الموت؟ بعد أن يشفع الشافعون ويشفع الأنبياء ويخرج الله عز وجل من النار كل الموحدين ويدخلون إلى جنة الله عز وجل. يطبق الله بقدمه على الأرض فتنزوي على النار، فتنزوي. ثم بعد ذلك يدخل أهل الجنة إلى الجنة. فيقال لهم: يا أهل الجنة، انظروا. فإذا بكبش عظيم. أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم. هذا الموت. فيذبحه الله. يأمر الله عز وجل بذبحه فيذبح الموت. فيقال لهم: خلود فلا موت. فيطمئنون أن النعيم الذي هم فيه لن ينقطع أبدًا.
وبينما هم في سعادتهم، تأتي أعظم لحظة على أهل الجنة. أجمل ما في الجنة. الصفة والميزة التي لا يحصل عليها إلا المؤمن. ينادي المنادي: يا أهل الجنة، قوموا إلى الوادي الأفيح. فتأتيهم النجائب والركائب، فيركبون على ظهورها، ثم تطير بهم إلى وادٍ عظيم، وادٍ على مد البصر. فإذا دخلوا إلى ذلك الوادي، نصبت منابر. كل يجلس على منزلته في الجنة. نصبت منابر من الفضة، ومنابر من النور، ومنابر من الذهب، ومنابر من الياقوت. ويجلسون، وأقلهم يجلس على كثبان المسك. فإذا هم جلوس يتسامرون بينهم. يغشاهم نور عظيم. فيرفعون رؤوسهم، فيسلم عليهم هذا النور: السلام عليكم. فيعلمون أنه الله جل جلاله. ويردون عليه: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام. فيقول الله: أين عبادي الذين خشوني بالغيب، الذين خافوا مني وما رأوني؟ أين هم؟ هم يا من صمتم هذا الشهر العظيم، أحسنتم في صيامكم، أحسنتم في قيامكم، أحسنتم في صلاتكم، راقبتم الله في كل ما فات. كل هذا مرصود عند الله العزيز الجبار جل جلاله. هنيئًا لنا والله بهذه الأعمال الصالحة. نسأل الله أن يكرمنا بقبولها. يناديهم الله عز وجل فيقول: سلوني ماذا تريدون؟ فيقولون: ارض عنا يا رب. فيقول: لولا رضاي ما بلغتم الذي بلغتموه. سلوا ماذا تريدون؟ فيقولون: أرنا وجهك الكريم يا الله. فيأمر الله تعالى أن تزال الحجب. فيأتيهم من نور وجه الله عز وجل ما لولا أن الله عصمهم لاحترقوا عن بكرة أبيهم. ويرون الله. يرون الذي سبح له الحوت في بطن البحر والدودة في بطن الصخر، وسبح الكبير والصغير، وما رآه جل جلاله سبحانه وتعالى. ولا يبقى أحد في ذلك المقام إلا كلمة الله كفاحًا بلا ترجمان. هذه هي رحلة المؤمن. حتى إذا وصل هناك، أصبحت الوجوه ناظرة إلى ربها ناظرة. واكساهم من نور وجه الله ما زادهم بهاء وجمالًا. ثم يقال لهم: تنعموا في جنة الله.
فيا أيها المؤمنون، هذه رحلة المؤمن. فاستثمر دائمًا مع الله، لأنه هو الاستثمار الصحيح. اجعل علاقتك دائمة مع الله. رمضان كان فرصة عظيمة أن تتعرف إلى الله. في رخائك الآن، لا بد أن تستمر على ما يرضي الله. لا تلتفت لشيء غير الله. كافيك عن كل شيء، وعنده كل شيء جل جلاله. أسأل الله تعالى أن يختم لنا هذا الشهر برضوانه، وأن يجعلنا من الفائزين بالعتق من نيرانه، وأن يثبتنا على دينه حتى نلقاه وهو راض عنا. وجزاكم الله خيرًا وصلى الله وسلم على نبينا.