Transcription
[موسيقى] بسم الله الرحمن الرحيم. الأحبة الكرام، نواصل الحديث في الحلقة السابقة. توقفنا عند نقطة مهمة جداً جداً، وهي الإجابات المقتضبة التي قدمها العلم عن الأسئلة الوجودية، التي يمكن اختصارها في أن هذا الكون قد نشأ من الانفجار العظيم، وتشكل عبر قوانين الفيزياء والكيمياء، وهو في حالة اتساع. وبس، وبالتالي كل ما هو موجود فيه يشترك في مصير واحد، خاصة الحياة. نحن هنا نتحدث عن الأحياء الموجودة بالكون، وحتى عملية نشأة الحياة في هذا الكون نتجت من تفاعل مواد غير عضوية، وأنتجت لنا مواد عضوية، وخلاص. بما في ذلك النبات، وبما في ذلك الإنسان، وبما في ذلك الدواب. هذا ما استقر عليه العلم. ولكن هنالك فئتان، قد يكون في ظاهر الأمر أنه في تضاد، في اختلاف لا يلتقيان: الداعية المسلم الذي يكتفي في الإجابات على هذه الأسئلة بمعض الإيمان. هذا الكون نشأ من عدم، خلقه الله ليختبر الناس في الخير والشر والصلاح وعبادته. سينتهي الكون، يتفرق الناس إلى جنة أو إلى نار، كمصير أبدي. محض إيمان.
وفي المقابل، هنالك الملحد المتشدد. يقابل طوالي المؤمن المتشدد، ويقابل الملحد المتشدد الذي لا يؤمن إلا بالمختبر. دي طرفين نقيضان. فالناضل إلى هذين الطرفين يعتقد أن الإيمان والعلم لا يلتقيان. فهذا ينفي إلا بما أثبته العلم، حاجة ما أثبت العلم قابلة للاختبار، وبالتالي هي ما في لا تصور ولا وجود، ما في، إنما هي خرافة. وفي المقابل، زي ما قلنا يا جماعة، المسلم الداعية الذي يعتمد على محض الإيمان، وخلاص، يعني من غير أن يدعم إيمانه بمفاهيم علمية. المحاولة التي نجريها في هذا البرنامج: هل يمكن الموافقة أو التوافق لنقطة التقاء بين النقيضين، ولا لا؟ فمثلاً، الملحد المتشدد لو أنه جاء إلى محطة "لا أدري"، لكان الحاد مقبولاً، وبالتالي لا ينفي مطلق الوجود. لا يمكن أن تنفي علة الكون، وأصلًا يا جماعة، نفي علة الوجود، أي العلة، القدرة التي أوجدت هذا الكون والوجود، تنفيها نفي مطلق، ولا يمكن أن تفكر فيها إلا إذا أثبتها العلم كمادة. هذه مشكلة.
فالسؤال اللي بيطرح نفسه: لماذا لا يلتقي المؤمن والملحد في محطة "لا أدري"؟ وأنا لما نقول يلتقي، مش هما يدينون بها الاثنين مع بعض، لا. ممكن تكون هي نقطة البحث، يعني خلاص. أنا كمؤمن، أنا كشخص مؤمن بوجود الله، ومؤمن بالاديان، مؤمن بالدين الإسلامي مثلاً، تعال أنت الملحد، نحن نلتقي في محطة "لا أدري"، من غير وجود علة نفي الكون، لأنه مسألة علة وجود الكل لا يمكن أن تنفي. يعني القدرة اللي أوجدت الكون أصلًا لا يمكن ننفيها. يا جماعة، هذه فطرة، يعني ما ممكن أنت تكون جيت عبثًا واعتباطيًا، وهذا الكون بهذا النسق المنظم لا يمكن أن يكون اعتباطية. لكن من حقك إذا سألتك عن هذه القدرة، ممكن تقول لي: والله لا أدري، أنا ما أعرف. فدي إيجابية، نوع من الإيجابية. العلة التي أوجدت هذا الكون، أنا أقول لك الله، أو أقول لك الخالق، أنت قول له: والله أنا ما أعرف، لكن ما تنكرها، ما تنكر وجودها، لأنه إنكار الوجود وتعليق هذه القضية على الإثبات العلمي، هذا الكلام يجافي المنطق، ويجافي الوعي الذي جعلك مختلفًا عن الحيوانات والدواب.
إذا، نحن من منطلق هذه النقطة الوسطية نريد أن نضع الإيمان الذي نؤمن به في مفاهيم علمية. وكلمة "مفاهيم" هذه مهمة يا جماعة، يعني ما معناها أنك تدخل المختبر، لا. في مفاهيم علمية، يعني تحتكم بالعقل والمنطق، وهي الإجابات على مثل هذه الأسئلة. وبالتالي سيكون السؤال الذي سنبدأ به: ما هو مفهوم الله الذي يؤمن به أهل الديانات الإبراهيمية؟ وانتبهوا جيداً، أنا لم أقل من هو الله، قلت ما هو مفهوم الله. إذا أردت أن أتعامل مع هذه الكلمة كمصطلح قرآني، لابد أن يكون لها مفهوم، ويكون لها معنى. ومن هنا، قبل الإجابة على مفهوم كلمة "الله"، أريد أن أُوطِّط لقضية مهمة جداً، وهي العلاقة ما بين المفهوم وما بين المعنى. أي مصطلح قرآني إذا أخرج خارج السياق يكون له مفهوم، والمفهوم هي عبارة عن صورة ذهنية يعبر عنها بمجموعة من الكلمات. هذا هو مفهوم الكلمة، ولابد أن تكون الكلمة خارج السياق، ليست في خطاب. بينما المعنى هو الجزء من المفهوم الذي اعتنى به السياق المحدد. يعني الكلمة لوحدها ليس لها معنى، وإنما لها مفهوم، بينما الكلمة داخل السياق ليس لها مفهوم، وإنما لها معنى. طيب، العلاقة بيناتهم شنو؟ العلاقة على أن المعنى للكلمة داخل السياق يجب أن لا يخرج عن إطار المفهوم العام للكلمة.
إذا نصل للقاعدة مهمة جداً في تدبر القرآن الكريم، وهي تعدد المعاني للكلمة وثبات المفهوم. ولو تلاحظوا يا جماعة في برنامج "وتلك حجّتنا"، كنت أنا بتكلم عن ثبات المعنى وتغير الدلالات، وطبعاً النتيجة واحدة. لكن عشان نعبر عن القاعدة دي بأكثر فهم، المفترض يكون ثبات المفهوم وتعدد المعاني. فالمعاني متعددة على حسب السياق، بينما المفهوم للكلمة خارج السياق لها مفهوم واحد، إطار مفهومي واحد، وهو الصورة المتخيلة في ذهنك. وكلمة "المعنى" نفسها، أنا عندما أقول معنى هذه الكلمة، كلمة "المعنى" من أين اشتقت؟ يعني ماذا تعني كلمة "معنى"؟ كلمة "معنى" هي مشتقة من مفهوم العناية. عندما يقال لك فلان في العناية المركزة، يعني في الاهتمام الشديد. وعندما أقول معنى الكلمة، إذا أنا أقصد ما هو الجزء من مفهوم هذه الكلمة الذي اعتنى به السياق. فالكلمة دي عندما وردت في السياق، هذا الخطاب، اعتنى أو ركز عليه جزئية معينة من المفهوم العام لهذه الكلمات. هذا هو المعنى من التركيز والاهتمام، بشرط أن لا يخرج هذا المعنى عن المفهوم العام. إذا هذه القاعدة، في الحلقة القادمة إن شاء الله سنعمل عليها تطبيقًا أو تطبيقين، ومباشرة نحمل هذه القاعدة ونضعها على مفهوم الله، كلمة "الله"، ما بين ثبات المفهوم وما بين تغير معانيها في السياق، وسنرى العجب العجاب، بعيدًا عن الكيان الذي يتصوره أهل الأديان. إلى أن ألتقيكم، أترككم في حفظ الله ورعايته. السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. [موسيقى]