📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

الجزائر تضرب بيد من حديد.. حقيقة "المعركة" على حدود موريتانيا ومن يحرك الفتنة الآن؟

صوت الجزائر8:45

Transcription

العالم لا يحتاج إلى حرب كي يشتعل. أحيانًا تكفي رصاصة تحذيرية في صحراء بعيدة، ثم عنوان متوتر على شاشة هاتف، لتتحول الحدود إلى فتنة.

خلال أيام نهاية ديسمبر من عام 2025، قفز اسم الشكات مجددًا إلى الواجهة، ليس لأن الذهب زاد هناك، بل لفتنة بدأت تطبخ بسرعة. من يشعل التوتر بين الجزائر وموريتانيا؟ ولماذا الآن؟

القصة، كما وثقتها الحكومة الموريتانية في بيان مشترك لوزارات الخارجية والدفاع والداخلية، ونقلته وكالة الأنباء الرسمية، بدأت صباح الأحد 28 ديسمبر من عام 2025، داخل الجانب الجزائري من الحدود، بعد عبور موكب لمنقبين عن الذهب السطحي يتألف من ست مركبات باتجاه الجزائر. تقول نواكشوت إن الجيش الجزائري أطلق أعيرة نارية تحذيرية باتجاه الموكب، لكنه واصل التقدم، ثم جرى تعطيل أربع مركبات، بينما عادت مركبتان إلى موريتانيا. وأسفر ذلك عن إصابة شخصين، توفي أحدهما لاحقًا.

البيان الموريتاني خاتم بتحذير واضح لمواطن من الاقتراب من المناطق الحدودية، لأنها مناطق عسكرية حساسة. لكن هنا يبدأ الجزء الأخطر: كيف تتحول واقعة حدودية مرتبطة بالتنقيب غير المنظم إلى أداة ضغط بين بلدين؟

أولًا، لأن منطقة الشكات نفسها ليست مجرد كثبان صحراء. "ميديا" تشرح أن الشكات كانت لعقود منطقة عسكرية مغلقة، تدور فيها مطاردات شبه يومية بين الجيش وشبكات التهريب، ثم فتحت لاحقًا أمام المنقبين، فتدفق إليها عشرات الآلاف، قبل أن تعود التوترات مع تضارب المصالح والتراخيص. المعنى بسيط: أنت تتحدث عن مسرح حساس أصلًا، فيه ذهب، وفيه تهريب، وفيه حدود، وفيه أطراف تبحث عن فرصة داخل الفوضى.

ثانيًا، لأن الأخبار لا تنقل فقط، بل تعاد صياغتها. في 29 ديسمبر من عام 2025، ظهرت تقارير في منصات إعلامية تتحدث عن رصاص حي قرب الشكات، مع التأكيد على غياب توضيحات رسمية. بعض العناوين كتبت: "كان الحكم صدر وانتهى". وبعضها زاد في التوتر ليصنع غضبًا جاهزًا للاستهلاك. هنا يجب أن نتوقف: هل الهدف فهم ما حدث، أم خلق صورة ذهنية ثابتة؟ عندما يقال لك "اعتداء" قبل أن تعرض عليك تفاصيل البيان الرسمي نفسه، فاعرف أن هناك من يريدك غاضبًا أكثر مما يريدك واعيًا.

ثالثًا، لأن الحدود الجزائرية الموريتانية ليست خطًا على الخريطة فقط، هي شريان أمن للساحل كله. "القدس العربي" يذكر أن طول الحدود البرية بين البلدين يقارب 460 كم، وأن المنطقة تنشط فيها شبكات التهريب والتجارة غير المشروعة، بينما سمحت موريتانيا منذ عام 2018 بالتنقيب اليدوي عن الذهب في مناطق شمالي البلاد.

عندما تتجمع هذه العناصر، تتشكل معادلة واضحة: منقبون يتحركون في فضاء معقد، وجيشان يحاولان منع الفوضى، وشبكات تستفيد من أي ارتباك، وإعلام يترصد بأي شرارة. الآن، اسأل السؤال الذي يخشاه صانع الفتنة: من المستفيد من تحويل حادثة مرتبطة بمنقبين دخلوا منطقة عسكرية حساسة إلى أزمة سياسية؟

المستفيد الأول هو السوق السوداء نفسها. التهريب لا يعيش في الهدوء، يعيش في الفوضى، في التوتر، في انشغال الحكومات بالاتهامات المتبادلة بدلًا من تضييق الخناق على المسارات السرية. والمستفيد الثاني هو صناع السردية الذين يبحثون عن عنوان يغبط جنوبًا، في لحظة يعيد فيها الساحل ترتيب خرائطه، وتتحرك فيه جماعات وشبكات عبر الحدود، ويصبح أي خلل صغير فرصة ذهبية لمن يريد خلط الأوراق.

لكن ماذا عن الجزائر نفسها؟ هنا يجب أن نكون دقيقين. البيان الموريتاني يتحدث عن طلقات تحذيرية ثم تعطيل مركبات. هذا في منطق حماية الحدود ينسجم مع فكرة أن أي اختراق لمنطقة عسكرية قد يقابل بإجراءات ردع لمنع التقدم. وفي الوقت نفسه، وفاة شخص وإصابة آخر حدث خطير ومؤلم، ولا يجوز أن يدفن تحت الشعارات أو يستغل لتصفية حسابات سياسية.

الطريق الوحيد الآمن هنا هو التحقيق والتنسيق بين الدولتين، لا تبادل الاتهامات عبر عناوين متشنجة تغلق باب الحل وتفتح باب السجال الكلامي. ومن زاوية موريتانيا، الرسالة في البيان واضحة: الدولة تقول لمواطنيها إن الحدود مناطق حساسة وتطلب الابتعاد عنها. هذا يعني أن نواكشوت تدرك خطورة التنقيب العشوائي حين يتحول إلى عبور فعلي لحدود دولة أخرى. وهو أيضًا اعتراف ضمني بأن حمل الذهب لم تعد قضية معيشية فقط، بل قضية أمن قومي، لأن المنقب الذي يظن نفسه يبحث عن رزق قد يجد نفسه وسط مسارات تهريب أو قرب نقاط عسكرية لا تسمح بالخطأ ولا تفهم لغة الأعذار.

عندما يبدأ التحذير، الجزء الذي لا يقوله كثيرون بصوت مرتفع هو أن الشكات ليست وحدها، وأن نمط الحوادث المرتبطة بالمنقبين عند الحدود ظهر سابقًا. "صحراء ميديا" وثقت في فبراير من عام 2023 واقعة إطلاق نار أصيب فيها منقب موريتاني بعد عبور الحدود، ما يعني أن المشكلة ليست حدثًا مفاجئًا، بل احتكاكًا متكررًا كلما تقاطعت الجغرافيا مع الذهب ومع ضعف التنظيم. وهذا بالضبط ما يجعل حادثة أواخر ديسمبر من عام 2025 قابلة للاستغلال، لأنها تأتي فوق أرضية قابلة للاشتعال أصلًا.

إذا، من يشعل الفتنة؟ الفتنة لا يشعلها سؤال عن الحقيقة، ولا يشعلها بيان رسمي يحذر من الاقتراب من منطقة عسكرية. الفتنة يشعلها من يحول التفاصيل إلى سلاح نفسي، من يقص من الرواية ما يخدمه ويضخم ما يثير ويترك ما يهدئ. الفتنة يشعلها من يريد ضرب الثقة بين الجزائر وموريتانيا، لأن هذه الثقة هي أحد مفاتيح الاستقرار في غرب الصحراء والساحل، وأي شرخ فيها يعني مساحة أوسع للحركة أمام شبكات التهريب ومن يقايض الأمن بالربح.

الخطوة الأذكى الآن ليست الصراخ، بل تثبيت ثلاث حقائق: حادثة وقعت داخل الجانب الجزائري بحسب البيان الموريتاني. موكب من ست مركبات عبر الحدود ونتيجة مأساوية تستحق تحقيقًا وتنسيقًا. بعد ذلك فقط تبدأ الأسئلة: من رافق هؤلاء المنقبين؟ لماذا استمروا في التقدم بعد طلقات تحذيرية؟ من يضخ العناوين التي تشعل الغضب قبل أن تهدأ الوقائع؟ والأهم: هل نسمح لذهب الشكات أن يتحول إلى رصاصة سياسية في صدر العلاقة بين بلدين جارين؟

ولكي لا يبقى الملف معلقًا، هناك مسار عملي يعرفه الدبلوماسيون قبل اليوتيوبر: قنوات اتصال عسكرية، تحقيق مشترك، وتحديد واضح لمناطق التنقيب المسموح بها وخطوط التحذير. حتى لحظة نشر هذا الخبر، لم يصدر تعليق رسمي جزائري على البيان الموريتاني، وهذا الصمت قد يكون انتظارًا لقنوات الاتصال المباشر بعيدًا عن الضجيج. وعندما تدار الملفات بهذه الطريقة، يصبح الهدف حماية الأرواح أولًا، ثم حماية العلاقة ثانيًا، وإغلاق الباب أمام أي توظيف خارجي.

والخلاصة التي يجب أن تبقى أمام العين هي أن الفتنة لا تحتاج دبابة كي تبدأ، يكفيها تضليل ذكي، حسابات تبيع غضبًا، وعناوين تسبق التحقيق، وشبكات تهريب تقتات على الارتباك. لذلك، إن كان هناك درس قاسٍ من حادثة الشكات، فهو أن حماية الحدود لا تنفصل عن حماية السردية نفسها. بيان واضح، تنسيق سريع، وضبط عملي لمسارات التنقيب حتى لا يتحول رزق الناس إلى وقود لمعارك وهمية. عندها فقط يعزل المحرض الحقيقي، وتبقى العلاقة بين الجزائر وموريتانيا خارج لعبة من يشعلها الآن، لأن من يشعلها لا يبحث عن الحقيقة، بل يبحث عن شرخ واحد يكفي لفتح الصحراء على فوضى أكبر.