Transcription
[موسيقى] بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. الأخوة الكرام، طابت أوقاتكم بكل خير. نلتقي مجدداً في هذا التسلسل عن السلطة التشريعية للروايات، السنة النبوية. ونصل إلى هذه النقطة من أن النبي عليه الصلاة والسلام كان تصدر منه بعض التصرفات والموجهات كقائد دولة، وكريس دولة، وكقاضي، وكقائد جيوش، لا تكون متوافقة مع مراد الله سبحانه وتعالى. فيأتي الوحي القرآني مصححاً لهذه التصرفات. وهي نتيجة أن أقوال النبي وأفعاله هي قبلية لنزول النص القرآني، وليست بعدية كما يعتقد أغلب الناس. والآن سنتطرق لبعض الشواهد التاريخية. وكما ذكرت لكم أن هذه القضية تكمن في تجاوز الدقة أو الضبط السندي، فتصبح المشكلة عندنا: ما قوة السند؟ يعني قوة الإسناد أو قوة السند، وصدقيه السند في الانتهاء إلى أن النبي قال هذا القول أم لا. لا تجعل من الرواية هي حق، أو لا تعطيها صفة الإحقاقية المنفصلة عن القرآن الكريم. ولا بد أن تخضع لمعيار التصحيح القرآني. واليكم بعض الشواهد. فمثلاً، ما ورد في صحيح مسلم عن الرواية، ونحن هنا لن نتقيد بألفاظ الرواية، وإنما المعنى والمفهوم المترتب عليها: أن قوماً دخلوا على النبي عليه الصلاة والسلام من قبيلة يقال لها أزي شنوه، فقالوا: يا رسول الله متى الساعة؟ أو هم يسألون عن مواعيد قيام الساعة. فقال النبي عليه الصلاة والسلام، أو نظر إلى غلام حدث، يعني في زي ما نقول طفل صغير منه، قال: إن يعمروا هذا لن يدركه الهرم حتى تقوم الساعة. إذن هذه الرواية بهذا الطريق قد كذّبها الواقع والتاريخ، فقد هرم الغلام ومات وشبع موتاً ولم تقوم الساعة إلى الآن. إذن كيف نفك هذا الاشتباك؟ بالنسبه لي، حتى لو أن هذه الرواية صحت بالسند، أنا أقول صُحّحت بالوحي. إذن بعد أن قال النبي عليه الصلاة والسلام هذا القول، إن صح طبعاً، قد ما يكون صحيحاً أو قد تكون مكذوبة ومبسوسة عن النبي، ولكن أنا أفترض صحة الرواية جدلاً، باعتبار أن النبي فعلاً قد قال هذا الكلام، جاء الوحي ليقول للنبي عليه الصلاة والسلام: "يسألونك عن الساعة أين مرساها، فيما أنت من ذكرها، إلى ربك منتهاها، إنما أنت منذر من يخشاها". كانهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها. هنا جاء القرآن مصححاً لهذا القول النبوي.
أيضاً، الرواية المشهورة الواردة في البخاري ومسلم، والتي أسست عليها الفكرة الداعشية من أساسها: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وإني رسول الله، ويقيموا الصلاة، فمن فعلوا عصموا مني دمائهم وأموالهم، وحسابهم على الله". دعونا نقف عند كلمة "أمرت". من الذي أمر النبي؟ لاحظوا أن الأمر هنا مبني للمجهول. النبي لم يقل أمرني الله أن أقاتل الناس، لأنه محال أن يكذب على الله. إنما هو نابع من الفؤاد، "أمرت"، نفث نفس روح القدس في روعه، يعني ده تخيله، هذا هو ظنه. إذن هذا الأمر أنشأه النبي من نفسه، ولم يكن أمراً من الله سبحانه وتعالى. لأن الله إذا أمره لا يمكن أن يأمره بتغيير هذا الأمر. قال أمرت، ولم يقل أمر الله أن أقاتل الناس حتى يشهدوا. أنا أقول له صحة هذه الرواية، فهي مما صحح بنزول الآيات، اللي هي قوله تعالى: "ولو شاء ربك لأمن من في الأرض جميعاً، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين؟". ذكر: "إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر". وقل الحق من ربكم، وقل الحق من ربكم، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا لهم. مش تقاتلهم، يعني العكس. لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم. هذه الآيات تبين شرط القتال هو عندما يكون رداً للاعتداء، وليس إنشاء الاعتداء بدايةً. إذن نقول هذا القول النبوي، لو فرضنا جدلاً أنه صح فعلاً، فهو مما صحح بآيات القرآن. وكذلك الحادثة المشهورة، حادثة هلال بن أمية، عندما رأى رجلاً مع زوجته. هذا الصحابي هلال بن أمية رضي الله عنه، جاء إلى النبي وقال: يا رسول الله رأيت رجلاً مع زوجته، أي هذا الرجل اتهم زوجته بالفاحشة وأنها تخونه خيانة زوجية. فقال له النبي: "البينة أو حدّ الظهر". طواله. هنا النبي أنشأ حكم البينة أو حد الظهر، يعني أما أن تأتي بالبينة تثبت هذا الاتهام، أو أنك ستجلد حد القذف ثمانين جلدة. ماذا فعل هذا الصحابي؟ أنا أتوجه بالسؤال لجماهير الأمة الإسلامية التي تعتقد بأن روايات السنة وحي ثاني. ماذا فعل؟ لماذا لم يمتثل هذا الصحابي ويأتي بظهره للجلد؟ ألم يقل الله تعالى: "ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهما الخيرة". فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم. خصّ الصحابي لم يقف مكتوف الأيدي، يرى أحدنا الفاحشة، بيسحب إلى الطرقات عشان يجيب شهود، تفتكر هذا الزاني أو هذا المجرم حين ينتظرك، لأنك أنت أصلاً ما مكتفية، ما مربطة. فما في منطق هنا. النبي أخذ يكرر البينة أو حد الظهر. هنا جاء جبريل لينقذ موقف النبي أمام الصحابي، لأن النبي كان في الموقف الخطأ. بس معليش يتقبلوها يا جماعة، ده المنطق يقول كذا ليه؟ لأن الحكم الذي أصدره النبي هو حكم القذف، أنك تتهم امرأة بالزنا، مش أنك تشوفها وهي زوجتك. فالحكم ده ما ينفع، بيركب هنا باختصار. يعني القضية دي استثنائية تحتاج لحكم جديد، حكم القذف ما بيمشي معه. فنزلت آيات اللعان: "والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم، أربع شهادات بالله". جاء حكم اللعان لأنه هذه الحادثة تحتاج لحكم استثناء خاص، فحكم القذف ما ينفع ينشأ هنا. هذا دليل من الوقائع التاريخية واضح جداً في أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يجتهد، وينشئ بعض القرارات وبعض الأحكام، ولكنها مع ذلك تصحح بالوحي القرآني. إذن تصرفات النبي كانت قبلية، تصرفات النبي كانت قبلية. واليكم أن تعلموا هذه آيات اللعان لا تقتضي أن يرى الرجل شخصاً مع زوجته، حتى ولو اتهمها بأنكار البنوة، لأن الآية قالت: "والذين يرمون"، ما قالت يرون. لأنه أنت لو الشخص رأى امرأته وهي تقول، ممكن تطلقها وخلاص يعني، ولا في جوائز. يشتكي إلى النبي عليه الصلاة والسلام أو يشتكي إلى القاضي، ممكن يطلقها. لكن إذا رمى زوجته، اتهمها بالفاحشة، بأنكار البنوة أيضاً، تنسيم فيه حكم الملاعنة، عندما ينكر الإنسان أحد الأطفال، يقول هذا الطفل ليس لي. وهذه أيضاً تدخل معنا في قضية معقدة جداً في الحلقات السابقة، عندما نتحدث عن واقعة تاريخية التي تُنسب إلى النبي عليه الصلاة والسلام ويقول فيها الولد للفراش وللعاه للحجر. وللأسف هذه الرواية بهذا الفهم الذي أستطيع أن أقول أنه مغلوط، مجمع عليها في الفقه الإسلامي وهذا ما سنتبينه في الحلقة القادمة بإذن الله. إلى أن ألتقي بكم، أترككم في حفظ الله ورعايته. السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. [موسيقى]