Transcription
هل تعلم يا صديقي أن أحجار الفحم الأسود وأحجار الماس النقي الشفاف تتكون من نفس ذرات الكربون؟ لكن سر الاختلاف الهائل بينهما هو أن ذرات الكربون في أحجار الماس شديدة الترتيب وشديدة التماسك، وهذا على عكس الوضع تمامًا في أحجار الفحم. فما علاقة هذا بالنفس البشرية؟ العلاقة هي أننا جميعًا ولدنا يا صديقي بنفوس نقية على الفطرة، نفوس قوية جدًا، نفوس متماسكة تمامًا كأحجار الماس، شفافة وتشِع أي نور يتصل بها. يقول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه".
وهنا تظهر أمامنا مشكلتان أساسيتان مهمتان جدًا. الأولى أننا عندما نكبر نتعرض لضغوط نفسية ونظم تعامل غير سوية، سواء من الأسرة أو المجتمع. نتعرض لطرق تربية مشوهة، طرق غير واعية بقيمة وقداسة النفس البشرية. فالإنسان يا صديقي هو بنيان الله، لعن الله من هدمه. ولذلك من المهم جدًا علينا أن نفهم وندرك بعمق أن احترام نفسية كل طفل هو واجب علينا، وليس فقط كل طفل بل كل إنسان. من المهم جدًا أن نفهم وندرك ونتعامل معهم على أنهم هدية قيمة جدًا من الله عز وجل. أولادنا ليسوا جزءًا من ممتلكاتنا، وليس لنا الحق في إهانتهم أو إجبارهم أو التحكم في طريقة تفكيرهم.
أما المشكلة الثانية التي تواجهنا يا أختي الغالية هي أننا لم نتعلم في المدرسة أصلًا ما هي النفس، ولا تعلمنا كيف نغذيها ونطورها ونقوي مناعتها. بل على العكس يعلموننا كلامًا سلبيًا عن أنفسنا، فنكبر وتكون نفوسنا هشة جدًا ومظلمة جدًا، على الرغم من مستوانا العلمي والمادي الذي قد يكون عاليًا جدًا. ومع نزولنا أرض الواقع والتعامل مع المجتمع المشوه نفسيًا، ومع أول صدمات ومواقف صعبة نتعرض لها، تنهار نفوسنا ونفقد السيطرة عليها.
تجد فتاة أو شابًا في أوج عافيته يتحول إلى مريض نفسي مصاب بالاكتئاب، مصاب بالوساوس، مصاب بالأفكار الإلحادية والأفكار الانتحارية. سيكون طبيعيًا جدًا أن تجد فتاة لا تزال في بداية شبابها، في بداية العشرينات، ولديها اكتئاب وأمراض مناعية خطيرة جدًا مثل الذئبة الحمراء أو الروماتويد أو التهاب المفاصل. سيكون طبيعيًا جدًا أن تجد شابًا يكره نفسه وفاقدًا للرغبة في الحياة. وطبيعي جدًا ستسمع أهله يقولون إنه كان جيدًا، هذا حُسِد، هذا عُمِل له عمل، هذا عُمِل له سحر. فهل سيقولون إننا فشلنا في بناء نفسية سوية لأولادنا؟ بالتأكيد سيرفضون ويقاومون فكرة أن ابنهم أصبح مريضًا نفسيًا، وسيقاومون أكثر فكرة أن ابنهم أصبح مريضًا نفسيًا بسببهم.
الآن ستقول لي: "لكن الحسد والسحر مذكوران في القرآن". سأقول لك: "بالفعل، الفيروسات النفسية موجودة يا صديقي ولها بالفعل تأثير سيء جدًا على النفس البشرية. لكن وجود هذه الفيروسات النفسية ليس مبررًا أبدًا لأخطائنا وتقصيرنا. لا تكن يا صديقي أنت من يكسر بيده سور بيت أولاده، ثم تعود لتشتكي من دخول الحشرات والفئران الضعيفة إلى حديقتهم. نعم، الحشرات أو الفيروسات النفسية تأثيرها ضعيف جدًا على الإنسان، وقد ذكر الله ذلك صراحة في القرآن الكريم عندما تحدث عن وساوس الشيطان وقال: "إن كيد الشيطان كان ضعيفًا". لكن عندما تكون نفس الإنسان مشوهة ومظلمة، يكون تأثير هذه الفيروسات مضاعفًا جدًا وكبيرًا جدًا.
ولكي نفهم هذا الكلام أكثر، يجب أولًا أن نفهم النموذج الإنساني المتكامل: علاقة الجسد بالنفس بالروح. لو افترضنا مثلًا أن هذا هو جسم الإنسان المادي، للتقريب، فهو بالضبط مثل جسم الهاتف المحمول. وهذه هي النفس: نظام التحكم، نظام القيادة، مكان حفظ البيانات غير المادية من أفكار ومعتقدات ومشاعر وذكريات، تمامًا كبرنامج التشغيل (السوفت وير) بالنسبة للهاتف المحمول. أما الروح يا صديقي، فسنعتبرها كالعقد أو القلادة التي تنير وتشغل الجسم والنفس وتمنحهما الحياة. وليس هذا فحسب، فنور الروح يشكل غطاءً حول النفس ليحميها من الفيروسات النفسية. نور الروح موجود بداخلنا طوال الوقت يا صديقي، حتى لو لم نتمكن من رؤيته بأعيننا المادية.
يقول الله عز وجل: "بسم الله الرحمن الرحيم، يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم". يوم القيامة يا صديقي، سنتمكن من رؤية الملائكة والشياطين، وسنتمكن من رؤية نور كل واحد منا. فكما ورد في تفسير عبد الله بن مسعود لهذه الآية أن الناس سيمرون على الصراط يوم القيامة، فمنهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، ومنهم من نوره مثل الرجل القائم، ومنهم من نوره في إبهامه يضيء مرة وينطفئ مرة، وأن من المؤمنين من تراه في الجنة ونوره كالشمس، ومنهم من نوره كالقمر، ومنهم من نوره كالكوكب الدري في السماء، على قدر إيمانهم وأعمالهم في الدنيا.
سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم ربى صحابة نورهم كالشمس في شدة النور، وكالجبل في الاتساع. كانت الشياطين تخاف أن تسلك نفس الطرق التي يسلكونها، لأن نورهم يستطيع أن يحرق أي شيطان مهما بلغت قوته. هذه هي المناعة النفسية التي ستكون حاجزًا بينك وبين الفيروسات النفسية كلها. قال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لسيدنا عمر بن الخطاب: "والذي نفسي بيده، ما لقيك الشيطان سالكًا فجًا قط إلا سلك فجًا غير فجك يا عمر".
وهذا ما يجعلنا يا صديقي الغالي ويا أختي الغالية أمام طريق من اثنين: إما أن نتبع سنة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ونتعلق بطاعة ربنا ومحبته، فينير نفوسنا وأرواحنا وينجينا من ظلامنا النفسي، كما شرحنا في الحلقات الماضية. يقول الله عز وجل: "بسم الله الرحمن الرحيم، أوَمن كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها".
إياك أن تستسلم يا صديقي للظلمات، إياك أن تختار الطريق الثاني الذي يستسهله معظم الناس ويختارونه. يستسلمون للظروف ويعيشون دور الضحية. وحينها يضلهم الشيطان ويحبسهم في سجن الشكوى والتحسر على الماضي. سجن التحجج بالمجتمع والظروف وتقصير الأهل وظلم القدر. ويضيعون عمرهم الغالي جدًا ويهملون وظيفتهم ومهمتهم الأساسية في الحياة. يهملون تزكية نفوسهم وترميمها، فيبتعدون عن طريق ربهم ويغفلون عن ذكره، وينشغلون بالمتع اللحظية في محاولات بائسة للتخفيف من صوت صرخات الألم النفسي الذي بداخلهم. وحينها يقنعهم الشيطان بأنهم أسوأ الناس، وأن الله عز وجل كتب عليهم الشقاء والعذاب في الدنيا، وأنه سبحانه وتعالى لن يقبل توبتهم لسوء أعمالهم.
وحينها تنكمش النفس أكثر وتضل أكثر، وقوتها ومناعتها تتكسر. وتشعر دائمًا أنك مخنوق وصدرك منقبض وفاقد للرغبة في الحياة. ومع الوقت ستظلم نفسك أكثر فأكثر وتنكمش داخل صدرك أكثر فأكثر، وتصبح سوداء معتمة تمامًا كالفحم. فتحجب نور الروح وتمنعه من الإحاطة بنفسك وحمايتها. وفي هذه المرحلة تتعرى النفس ويسقط عنها آخر خط دفاع، تسقط عنها الحماية الروحانية. يقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم: "إن المؤمن إذا أذنب ذنبًا كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صُقل منها، وإن زاد زادت حتى يغلف بها قلبه، فذلك الران الذي ذكر الله في كتابه: بسم الله الرحمن الرحيم، "كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون، كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون".
حينها بالفعل ستكون روحك مدفونة ونفسك غافلة ومحجوبة عن الله عز وجل. نفس عارية ضعيفة مظلمة وروح مدفونة. وهنا تصبح نفسك مكانًا مظلمًا جدًا، مناسبًا جدًا لنمو الفيروسات الشيطانية. سهل جدًا على الشيطان أن يغزو ويحتل نفسك، انتبه يا صديقي، يحتل نفسك وليس يحتل جسدك. في هذه المرحلة، الحسد والعين سهل جدًا أن يؤذيك، والشيطان يستطيع أن يدخل ويخرج براحته في حديقة النفس التي للأسف تحولت إلى غابة وأدغال مخيفة جدًا. لست بحاجة أصلًا لأن يعمل لك أحد سحرًا يا صديقي.
يقول الله عز وجل: "بسم الله الرحمن الرحيم، ومن يعشُ عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانًا فهو له قرين". تسلط الشيطان عليك هو نتيجة طبيعية جدًا لابتعادك عن مصدر النور. يجب أن تفهم يا صديقي أن الله لم يفرض العبادات لتأخذ بعض الحسنات في النهاية وحسب. هذا فهم أطفال الابتدائي، نقول لهم: "اكتبوا الواجب لنحضر لكم حلويات". لكن في الحقيقة، هل مكسبهم من كتابة الواجب في الحلويات التي سنحضرها لهم، أم مكسبهم الحقيقي في تعلم الكتابة، في اكتساب المعرفة، في فرص العمل الجيدة، في فرص الحياة الأفضل، في فرص الفهم الأكبر؟
العبادات يا صديقي هدفها تقويتك وتنوير نفسك وتأهيلك لكي تستطيع العيش في الجنة بسلام ورحمة وحب. العبادات تؤهلك لكي تستطيع المرور فوق النار بسرعة هائلة من غير أن تسقط من على الصراط. العبادات تحميك من الفيروسات النفسية بكل أنواعها، لكن ليس العبادات الحركية التي نفعلها بدون فهم وبدون روح. فالله عز وجل لا يُعبد بالجهل.
يجب أن تفهم يا صديقي أن انشغالك بالدنيا لن يخسر الله أي شيء، لكن أنت الخاسر الوحيد في المعادلة. فبعدك عن الله عز وجل سيفقدك نورك وحمايتك وسعادتك. سيكون سهلًا جدًا على عدوك الأول أن يصل إلى قلبك ويزرع فيه الأفكار والمشاعر والمعتقدات السامة. سيربي بداخلك وحوش المشاعر السلبية من كراهية وغل وبغضاء ورفض وحب للانتقام. سهل أن يتسبب لك في أحلام مزعجة وكوابيس. سهل أن يخنق نفسك وأنت نائم ويحدث لك ما يسميه العلم الحديث بالجاسوم. يستطيع بكل سهولة ومن غير أن تشعر أن يزرع بداخلك أمراض القلب بكل أنواعها، من أول الكبر والعجب والغرور واحتقار الناس، إلى البخل والأنانية والحسد وحب الدنيا. هذا غير طبعًا الرياء والشرك الخفي، وأخيرًا الغفلة عن عيوب وأمراض نفسك، وسوء الظن بالناس، وحتى سوء الظن بالله عز وجل. وكل هذا ليحولك تدريجيًا لشخص غافل عن الحقائق، تائه في الحياة. وعندما تصل إلى هذه المرحلة، ستجد نفسك تدريجيًا تصل إلى آخر مرحلة من مراحل الظلام النفسي، مرحلة انهيار التحكم النفسي، والتي يسميها المجتمع بالجنون.