Transcription
سنه 1851 في استراليا، تم الإعلان عن أول اكتشاف كبير للذهب في منطقة كلونز أورب ميلبر. وبعدها بأيام، تم اكتشاف كمية أكبر في مناطق زي بالرت وبنديجو. وفجأة، الدنيا كلها بتتكلم عن أرض الذهب الجديدة، وده اتعرف بعدها باسم الجولد راش أو حمى الذهب.
وفي شهور قليلة، آلاف المهاجرين من كل أنحاء العالم نزلوا على استراليا عشان يلحقوا الفرصة. آلاف المراكب جاية من الصين وأوروبا وأمريكا، وكلهم نازلين على استراليا وعندهم حلم واحد: الثراء السريع. والنتيجة، إن البلد الصغيرة دي فجأة بقت مليانة ناس، مليانة فلوس، ومليانة طموحات.
مساء الفل على الكل، والنهاردة بعد 170 سنة تقريبًا، التاريخ بيعيد نفسه. بس بدل الذهب، بقى عندهم فحم وحديد وغاز وموارد طبيعية مالهاش آخر. نفس السيناريو: موارد بتجذب فلوس ومهاجرين. الاقتصاد بيبان قوي، لكن في نفس الوقت الناس العادية بتعيش تحت ضغط رهيب.
والسؤال بقى، هل الهجرة فعلاً كانت سر قوة استراليا طول السنين دي، ولا هي السبب الأكبر في أزمتها دلوقتي؟ ويا ترى الموارد اللي كانت سبب في نمو الاقتصاد الاسترالي ممكن تكون هي نفسها السبب في سقوطه؟ تعال أقول لك مخبئنا فين.
[موسيقى]
في كتاب نزل جديد حابب أشاركه معاكم. تقريبًا دي النسخة الجديدة من مسلسل "سكوي جيم" (لعبة الحبار). المسلسل إنتاج كوري. اللي شاف المسلسل ممكن يكون ما فهمش اللعبة، الهدف منها إيه أصلًا. لدرجة إن الأمريكان عملوا منه نسخة كلعبة بجد، وما اهتموش بموضوع إن في ناس ممكن تموت بجد وهي بتلعب.
باختصار، الكتاب ده بيتكلم عن إزاي أنت مراقب. وجودك على السوشيال ميديا، أوعى تفكر إنه عادي. بقلب بصباعي وبنبسط شوية جنب تفاصيل حياتي، أحب أقول لك إنه لأ، ده خطر عليك. لو أنت مش هتاخد بالك. الكلام في الموضوع ده أنت أكيد سمعته عنه قبل كده، بس الكتاب ده بالذات هيوضح لك المعلومة ويكشف لك الغموض حوالين القصة دي. لو عايز تعرف إزاي، يبقى لازم تقراه.
لينك الكتاب هتلاقيه في صندوق الوصف. مش هتكلم عنه كتير، هستنى آرائكم في التعليقات ونناقش تفاصيله مع بعض. ولو عايزين نعمل حلقة نتكلم فيها عن مضمون الكتاب ونحاور فيها المؤلف كمان، اكتبوا لي في التعليقات.
[موسيقى]
استراليا، الناس كلها بتسميها بلد الحظ أو المعجزة الاقتصادية. من بداية التسعينات، اقتصاد استراليا كان بيكبر سنة ورا سنة من غير ما يدخل في أي ركود. على العكس، دول كبيرة زي أمريكا وبريطانيا اللي اقتصادهم اتعرض لأزمات كبيرة.
لكن الحقيقة اللي لازم نفهمها، إن المعجزات الاقتصادية مش بتعيش للأبد. واللي بيحصل دلوقتي في استراليا بيوضح قد إيه الصورة اللي بتلمع من بره ساعات بتخفي مشاكل تقيلة من جوه. لو بصيت على الصورة من بره، هتلاقي إن البلد ماشية كويس وكله تمام. الناتج المحلي بيزيد، الاستثمارات مستمرة.
لكن لما تيجي تبص على حياة الناس اليومية، هتلاقي إن المواطن نفسه بقى في حالة ركود شخصي. بمعنى إن كل حاجة حواليه بتغلى ودخله زي ما هو، وقدرته على إنه يشتري اللي محتاجه بتقل يوم بعد يوم. وهنا يجي السؤال: إزاي اقتصاد فضل واقف على رجليه السنين الطويلة دي من غير ما يدخل في حالة ركود؟ يا ترى إيه اللي كان مسنود عليه طول الوقت؟
خليني أقول لك، إن اللي خلى الاقتصاد الاسترالي يفضل واقف على رجليه طول السنين الطويلة اللي فاتت دي كان في الأساس حاجتين: الثروات الطبيعية الضخمة اللي البلد غنية بيها، والهجرة اللي فضلت تضخ دم جديد للسوق.
وخلينا نبدأ بالموارد. استراليا تعتبر من أغنى بلاد العالم في الفحم، الحديد، والغاز الطبيعي، وكمان الذهب. الثروات دي مش بس غطت احتياجات السوق المحلي، لكنها بقت العمود الفقري للصادرات. يعني مثلًا، التعدين لوحده في سنة واحدة جاب للبلد عائد حوالي 280 مليار دولار. وده رقم خيالي، أكبر من الناتج المحلي لدول كاملة زي نيوزيلندا أو حتى اليونان مثلًا.
الحقيقة إن الاعتماد الكبير على التعدين خلى استراليا تعيش فترات رخاء طويلة، خصوصًا مع الطفرة الاقتصادية اللي حصلت في الصين. لما الصين دخلت في مرحلة نمو سريع بعد انضمامها لمنظمة التجارة العالمية، اللي حصل إن الطلب عندها على الفحم والحديد والغاز ارتفع بشكل جنوني. واستراليا كانت محظوظة، لقت نفسها في الوقت المناسب والمكان المناسب. الصين محتاجة موارد وهي عندها اللي يغطيها وزيادة. والنتيجة، إن حصل طفرتين ورا بعض في التعدين دخلوا للبلد مليارات وخلوا الاقتصاد الاسترالي يركب الموجة ويبان إنه معجزة اقتصادية حقيقية.
طب لكن هنا بقى يجي سؤال تاني: هل الاعتماد بالشكل ده صحي؟ خليني أقول لك إن الاعتماد الكبير على الموارد الطبيعية خلق نوع من الوهم الاقتصادي. من بره، الأرقام كانت بتقول إن الوضع مثالي، فلوس بالمليارات داخلة البلد، الصادرات شغالة بأقصى طاقتها، والدولار الاسترالي محافظ على قوته. لكن من جوه، أنت ما عندكش التنوع الكافي اللي يأمنك. يعني مثلًا، لو العالم كله قرر إنه يقلل الاعتماد على الفحم عشان أزمة المناخ، أو لو طلعت تكنولوجيا جديدة وخلت الطلب على الحديد يقل، وقتها استراليا هتلاقي نفسها في ورطة، لأن ما فيش عندها بدائل حقيقية.
الوضع ده نقدر نشبهه بالضبط، كأنك راكب مركب في بحر واسع. طول ما الموج مساعدك والرياح في ضهرك، مركب بيتحرك بسرعة وبتحس إنك ماشي صح. لكن أول لما الموج يعكس والرياح تهدي، المركب بيقف مكانه، ويمكن كمان يتقلب. اهو اللي حاصل في استراليا نفس الحكاية. طول ما أسعار السلع عالية وعليها طلب، الدنيا ماشية وزي الفل. لكن أول ما يحصل العكس، المعجزة ممكن تتحول لكابوس.
خلي بالك كمان، إن السوق العالمي مش مضمون. النهاردة الصين هي الشريك الأكبر والزبون الأساسي، لكن مين يضمن إن الوضع يفضل كده؟ الصين نفسها بدأت تحاول إنها تركز على مواردها الداخلية. ولو الطلب من الصين قل، استراليا هتلاقي نفسها خسرت أهم سوق بيعتمدوا عليه. ده غير كمان، إن في دول تانية بتطلع تنافس في نفس السوق زي البرازيل والهند مثلًا. ولو قدرت تقدم أسعار أرخص أو موارد بجودة أعلى، استراليا هتكون في موقف صعب جدًا.
باختصار، الاعتماد على الموارد عمل لاستراليا طفرة وخلّى اقتصادها يبان إنه معجزة، لكن في نفس الوقت حطه تحت رحمة السوق العالمي. والاقتصاد اللي عايش على مورد واحد زي الشخص اللي حاطط فلوسه كلها في سهم واحد. طول ما السهم طالع هو تمام، لكن أول ما السهم يقع، الخسارة بتبقى القاضية وصعبة التعويض. وده اللي حاصل فعلًا. أي هزة في الاقتصاد الصيني أو أي تراجع في أسعار السلع الأساسية زي الفحم أو الحديد، بيكون معناه إن استراليا اتضربت في مقتل. وده يبين إن الاقتصاد اللي ظاهر إن هو قوي جدًا، هو في الحقيقة معرض لتقلبات خطيرة.
أما العمود الثاني اللي ساند الاقتصاد الاسترالي فهو الهجرة. على مدار الـ 20 سنة اللي فاتوا، استراليا استقبلت أعداد كبيرة جدًا من المهاجرين، لدرجة إن عدد السكان زاد بنسبة 35%. وده رقم أسرع بكتير من أي دولة متقدمة تانية. الحقيقة إن استراليا من زمان معروفة إنها بلد المهاجرين، ومن أول ما اتأسست لحد النهارده دايما بتفتح أبوابها للناس. الناس اللي بيدوروا على حياة جديدة.
والواقع إن ده كان سبب رئيسي إن اقتصادها يفضل عايش في حالة نمو مستمر، حتى في أوقات الأزمات العالمية اللي دول كبيرة تعرضت فيها لركود. لأن ببساطة، كل ما عدد السكان يزيد، بيزيد معاهم الاستهلاك والطلب على السلع والخدمات بيرتفع. وده بيخلق نشاط اقتصادي يخلي عجلة السوق دايما شغالة.
لكن هنا بقى بتظهر المشكلة اللي محدش بيحب يتكلم عنها، وهي إن النمو السكاني الكبير ده محتاج استعداد ضخم من ناحية البنية التحتية. مساكن، طرق، مدارس، مستشفيات، وخدمات أساسية. ومع إن استراليا قدرت تزود أعداد السكان بسرعة، إلا إن البنية التحتية ما كانتش بنفس السرعة. والنتيجة، إن المعروض من البيوت بقى قليل جدًا مقارنة بالطلب. وده ولّد أزمة إسكان ضخمة. الناس بقت تدور على شقة صغيرة بالإيجار وتقعد شهور ما تلاقيش. ولو لاقت، الأسعار بتكون فلكية.
وخلي بالك، الموضوع مش بس في السكن. الضغط كمان ظهر في باقي الخدمات. المدارس، العيادات، المواصلات بقت شايلة فوق طاقتها. يعني بدل ما الهجرة تكون نعمة مطلقة، بقت في نفس الوقت عيب على البنية التحتية. وده بيطرح سؤال أكبر: هل فعلًا استراليا كانت جاهزة تستوعب الزيادة السكانية دي، ولا هي اعتمدت على الهجرة كحل سريع يدي دفعة للاقتصاد من غير ما يفكروا في الضغوط اللي هتقع على حياة الناس بعد كده؟
النهاردة أزمة السكن في استراليا بقت من أكتر الأزمات اللي العالم كله بيتكلم عنها. بيت عادي في سيدني بقى تاني أغلى بيت في العالم بعد هونغ كونغ. الناس بتفضل شهور عشان تلاقي شقة إيجار صغيرة. واللي يقدم طلب بيتقابل بالرفض عشان المنافسة الشرسة. واللي يحضر معاينة شقة يلاقي طوابير طويلة من الناس مستنية نفس الفرصة. الطلب بقى أكبر بكتير من المعروض، وده عمل أزمة كبيرة.
في نفس الوقت، الأجور مش بتزيد بنفس السرعة في الوقت اللي كل حاجة فيه أسعارها بقت مولعة. وده انعكس على حياة الناس اليومية. خلي بالك، الوضع ده انعكس كمان على أصحاب البزنس الصغير. غير إن عندك صاحب أي مطعم أو كافيه، التكاليف بتزيد عليه وفي نفس الوقت خايف يرفع الأسعار على الناس لأنه عارف إنهم أصلًا مضغوطين وممشيين حالهم بالعافية. والنتيجة، إن الكل بقى في دايرة ضغط. المواطن مش قادر يعيش بنفس الراحة اللي كان عايش بيها قبل كده، وأصحاب المشاريع الصغيرة بيخسروا قدرتهم على الاستمرار.
وهو ده الفرق الحقيقي بين النمو على الورق وبين الواقع اللي عايشه المواطن العادي. لو بصينا على الناتج المحلي الإجمالي، هتلاقي هتلاقيه بيقول إن البلد تمام والدنيا ماشية زي الفل. لكن الناتج للفرد، اللي هو نصيب كل شخص من الناتج ده، هتلاقيه بيقل بشكل متواصل. أنت عندك من مارس 2023 لحد ديسمبر 2024، نصيب الفرد بالناتج المحلي نزل 21 مرة ورا بعض. يعني المواطن العادي بقى يشتري أقل ويتحمل ضغوط أعلى ومش عارف يحوش زي زمان.
وهنا بيجي السؤال المهم: لو الاقتصاد بيكبر على الورق بس، والمواطن بيغرق في الضغوط، يبقى فين الخلل؟ ويا ترى إيه اللي حصل خلى الأوضاع تتقلب بالشكل ده؟
خليني أقول لك إن واحدة من الأسباب الرئيسية في التراجع ده هو إن عدد المهاجرين اللي دخلوا بعد فتح الحدود بعد أزمة كورونا كان أكبر من طاقة السوق. عدد البيوت قليل، القوانين اللي بتحكم البناء هناك مش مرنة، وما فيش استثمار كافي في الإسكان الاجتماعي. والنتيجة إن الإيجارات ولعت وأسعار الشقق خرجت عن السيطرة.
والأصعب كمان، إن ديون الأسر في استراليا تعتبر من الأعلى في العالم. يعني لو الأسرة داخلها 1000 دولار، تلاقي عليها ديون بحوالي 2000. ولما نقارن، هنلاقي إن في أمريكا مثلًا الدين نص الرقم ده تقريبًا.
طب هل الهجرة بس هي المشكلة؟ الحقيقة إن في مشكلة كبيرة تانية وهي الإنتاجية. والإنتاجية دي ببساطة هي إنك بتنتج قد إيه بالموارد اللي عندك. لو بالموارد نفسها بتنتج أكتر، يبقى ده نمو حقيقي. الناس هتاخد أجور أعلى والدولة هيدخلها ضرائب أكتر والاقتصاد هيكبر وينمو بشكل أسرع.
لكن المشكلة في استراليا إن خلال آخر 10 سنين تقريبًا، الإنتاجية وقفت مكانها. يعني الناس ساعات شغلهم بيزيد بس كمية الإنتاج اللي طالعة مش بتزيد بنفس المعدل. عشان كده الاقتصاديين بيسموا الفترة دي "عقد ضائع". وفي نفس الوقت دول زي أمريكا مثلًا فضلت تزود إنتاجيتها وتتحرك لقدام. النتيجة إن استراليا بدأت تتأخر عن المنافسين واقتصادها فقد جزء من سرعته اللي كانت بتميزه زمان.
طب ليه الإنتاجية وقفت؟ أقول لك جزء كبير بسبب إن الاقتصاد بقى معتمد أكتر على الخدمات زي الرعاية الصحية ورعاية كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة. والخدمات دي بطبيعتها مش بتزود الإنتاجية بنفس سرعة التصنيع أو التعدين. ده غير إن الشركات الناشئة اللي عادة بتدي دفعة ابتكارية كبيرة مش واخده تمويل كافي مقارنة بباقي الدول. والنتيجة إن الحيوية اللي بتدفع الاقتصاد لقدام ضعفت.
ومع كل ده، العالم حوالينا مش ثابت. الصين اللي كانت دايما مصدر طلب ضخم للموارد، الطلب عندها ما بقاش زي الأول وابتدى يقل. أمريكا داخلة في دوامات قرارات غير مستقرة بتاثر على التجارة العالمية وحروب الرسوم الجمركية بقت شعار المرحلة.
وفي وسط ده كله، الحكومة الاسترالية بتحاول توازن بين إنها تخفف ضغط المعيشة على الناس وبين إنها تجهز الاقتصاد لمستقبل أصعب. لكن المشكلة إن إصلاح اقتصادي ضخم في البلد كان في التسعينات ومن ساعتها ماتعملش تغييرات جذرية كبيرة.
في كلام عن إن الحل لازم يكون في ثلاث اتجاهات: الأول إنهم يحاولوا يصلحوا أزمة السكن ويبنوا وحدات سكنية جديدة بأسعار في متناول الناس. الثاني هو رفع الإنتاجية من خلال تشجيع الاستثمار في الابتكار والتكنولوجيا والصناعة الخضراء. صحيح الحكومة اتحركت وابتدت تفعل برامج للتصنيع الأخضر والتقنيات الحديثة، بس التمويل اللي حطوه لسه ضعيف جدًا مقارنة بحجم المشكلة. الاتجاه الثالث بقى هو تقوية القطاعات اللي بتنافس عالميًا زي التعدين والتصنيع. وده كده محتاج استراتيجيات أعمق من مجرد الاعتماد على الموارد اللي عندك بس.
اللي بيحصل دلوقتي مش مجرد أزمة معيشة وضغط على الناس، ده تهديد مباشر لمكانة استراليا اللي اتبنت على إنها معجزة اقتصادية. ولو السياسات اللي اتكلمنا عليها دي ماتغيرتش بسرعة، اللقب ده ممكن يتحول في لحظة لكابوس.
لو شفت إن الحلقة دي فادتك بحاجات جديدة، ما تنسوش تعملوا لايك وشير عشان نوصل لكل الناس. اشتركوا معانا في القناة عشان تشوفوا جديد أول بأول. في قصاد أحمس بنشوف الصورة الكبيرة وبنفهم اللعبة مع بعض. أشوفكم على خير، سلام.
[موسيقى]