Transcription
القضيه التي هزت اركان المجتمع المصري كانت قضيه من طراز نادر. تلك التي لم تهز المجتمع المصري وحسب، بل اخترقت جدرانه الاسريه والاجتماعيه لتزرع الخوف والريبه في قلوب الجميع. انها جريمه لا تقع الا نادرا عندما يبلغ الياس والحقد ذروتهما، وتجعل احداثها كل زوج يرتجف خشيه من زوجته. هي قصه تنذر بان اغضاب الشريك قد لا يقتصر على الخلافات العابره، بل قد يقود الى مصير مظلم كهذا.
انها قصه جريمه حقيقيه ومفجعه فجرت في محيط محافظه القاهره بجمهوريه مصر العربيه. بدات خيوطها تتشابك في خريف عام 2020. بطله هذه الماساه هي ساميه، سيده من منطقه المطريه الشعبيه في منتصف عقدها الثالث تحديدا، تبلغ 35 عاما. كانت قد حملت لقب مطلقه ل 13 عاما، وهو لقب اثقل كاهلها بالوحده وبحثها المستمر عن الاستقرار.
في عام 2020، وبعد سنوات من العمل والادخار، تجمع مع ساميه قليل من المال. لكنه كان كافيا لبدء حلم امتلاك شقه العمر لتستريح من عناء الايجار المتجدد الذي يهدد استقرارها. لكن رحله البحث عن الماوى اصطدمت بحواجز اجتماعيه قاسيه. فكلما ذهبت لشراء شقه وحين يعلم البائعون بانها امراه مطلقه تعيش بمفردها، يلوح الرفض في اعينهم خوفا من ان تكون غير جيده السمعه. وكان الاستقلال جريمه.
قررت ساميا ان تتجاوز السماسره والوسطاء، وان تستعين بمقاول يمكنه ان ينهي اجراءات البيع بشكل مباشر وسريع. وهكذا دلوها على رجل يدعى اسامه، يناهز ال 50 عاما، يبدو في مظهره كريما ووقورا، متزوج ولديه اولاد كبار. تحدثت ساميه معه وشرحت له معاناتها وحاجتها للمساعده في العثور على شقه مناسبه تتجاوز العوائق الاجتماعيه. وعدها اسامه بالمساعده متظاهرا بالجديه والاهتمام، وقال انه سيب جهده.
ومع تكرار اللقاءات وتوالي المكالمات الهاتفيه التي كانت تتجاوز حدود العمل، بدا اعجاب متبادل ينسج خيوطه بينهما. اعجاب نشا على ارضيه الاحتياج والوحده. لم يطل البحث وسرعان ما وجد لها شقه مناسبه في المطريه. اعجبت الشقه ساميه، لكن اسامه تفاجاها بنصيحه او ربما مؤامره. عندما قال لها بهدوء: "لا يمكن تسجيل الشقه باسمك الان. الجيران سيرفضون مجددا وجود مطلقه بمفردها وستجدين صعوبه كبيره". ثم عرض عليها حلا بدا في حينه هو طوق النجاه: ان يتزوجها زواجا عرفيا ويسجل الشقه باسمه ليضمن تقبل الجيران لوجود زوجين. ووعدها بان يكتبها باسمها فور هدوء الامور واستقرار الاوضاع.
وافقت ساميه مدفوعه برغبتها الملحه في الاستقرار، وبثقتها الساذجه في مظهره المحترم وثروته التي ظنت انها تجعله فوق مستوى الخداع. لكنها اشترطت بوضوح ان يكون الزواج ورقيا فقط، اي غطاء قانونيا واجتماعيا دون ان يترتب عليه اي حقوق زوجيه فعليه لاسامه. اعطته مالها المدخره بالكامل وذهب اسامه ليشتري الشقه ويسجلها باسمه. لم تاخذ ساميه منه اي ضمانات خطيه، فقد كانت تراه رجلا محترما وثريا ولن يخدعها، وهو اعتقاد كلفها غاليا. عاش في الشقه امام الجيران كزوجين عاديين، وكان اسامه يبيت عندها يومين او ثلاثه في الاسبوع، لكن كل منهما كان ينام في غرفته الخاصه حسب الاتفاق. كان اولاده الكبار يعرفون بهذا الزواج العرفي، وكل شيء سار في مساره الخادع.
خيوط الشك تلتف حول الضحيه. كانت ساميه تتناول بانتظام حبه منومه كي تتمكن من مجابهه الارق والضغوط التي عانت منها، مما يضمن لها نوما عميقا. لكن الامور بدات تاخذ منحنى غريبا ومقلقا. في الاشهر السته الاخيره من الزواج العرفي، كانت ساميه تستيقظ لتجد ملابسها الداخليه قد تغيرت وجسدها يشعر بارهاق غامض لا يتناسب مع ساعات النوم الطويله. والادهى انها كانت تشعر بان احدا لمسها اثناء نومها. كل هذا كان يحدث تحديدا في الليالي التي يبيت فيها اسامه في الشقه.
وعندما كانت تنظر اليه في الصباح، كانت تجده نائما بشكل عادي في غرفته لا تظهر عليه اي علامات تدينه. بدات خيوط الشك تتضخم في عقلها، لكن صوتها ظل خافتا مسجونا في خوفها. فالشقه بالكامل كانت باسمه. وكلما طلبت منه بلطف ان يفي بوعده ويكتب الشقه باسمها، كان يماطل ويسوف ببرود. مره يتعلل بان ليس الوقت مناسبا، ومره اخرى يتظاهر بالخوف من حديث الناس. وهكذا يستمر في التسويف المقيت. وطوال فتره زواجهما لم تكن ساميه قادره على ان تاخذ منه حقا او باطلا.
في غضون ذلك، كشفت تحريات المباحث لاحقا ان الجيران كانوا يسمعون اصوات خناقات متكرره بين ساميه واسامه، حيث كانت تطالبه مرارا وتكرارا بكتابه الشقه. ازدادت شكوكها يوما بعد يوم وتاكدت من استغلاله المادي لها، وربما الاسوا استغلاله الجسدي الغامض. فقد كانت تستيقظ في الليالي التي يبيت فيها لتجد نفسها في حاله غريبه، حاله من الوهن والذل لا تعرف كيف تفسرها او ما يجب ان تفعله حيالها. لم تستطع ان تسترد الشقه ولا اموالها، ولم تكن قادره على مواجهته بشكل مباشر او منعه مما يفعله بها في غفله من وعيها.
فكره شيطانيه تشتعل في الظلام. في خضم هذا الضياع، بدات فكره الانتقام تتسلل الى عقلها. خطه للتخلص منه بشكل نهائي. خطتها الاولى التي راودتها كانت ان تضع له جرعه منومه قويه. وعندما يغفو نوما عميقا، ستقوم بقتله وتتخلص منه، ظنا منها ان الزواج العرفي سيكون غطاء للحادث ولن يربط احدا بينها وبين الجريمه. لكن هذا التفكير سرعان ما تبدد عندما تذكرت ان اولاده الكبار يعرفون بزواجه منها، وخافت ان يكشف امرها وتدفع الى السجن او يحكم عليها بالاعدام.
تحول تفكيرها الى خطه اخرى اقل ضررا، لكنها اكثر ايلاما. كانت لا تزال تريد شقتها، ولكن الاهم كانت تريد اذلال زوجها واهانته بطريقه لم يتوقعها انتقاما لكرامتها المسلوبه. فقررت ان تفعل به شيئا لم يخطر على قلب بشر.
ليله التنفيذ. يوم الواقعه كان يوم الاربعاء من شهر سبتمبر البارد في عام 2022، اي بعد سنتين من زواجه الخادع. تناولت ساميا حبتها المنومه كعادتها ودخلت الى غرفتها لتنام، بينما كان اسامه نائما في الغرفه المجاوره. فجاه استيقظت ساميه على كابوس مادي مرعب. وجدت نفسها دون ملابس وعلى جسدها اسامه يمارس العلاقه رغما عنها وهي في حاله غياب شبه كامل للوعي. حاولت دفعه وابعاده فرفض بعنف، وكان واضحا انه كان تحت تاثير المخدرات مما زاد من قوته وجموده. بعد ما انتهى من فعلته الشنيعه، عاد الى غرفته وارتدى ملابسه وغادر الغرفه وكان شيئا لم يحدث.
في تلك اللحظه المدمره، شعرت ساميا انها خسرت كل شيء وان كرامتها قد سحقت تحت اقدام رجل استغل ضعفها ومالها ونومها. لم يعد لديها ما تخسره، وقررت تنفيذ فكرتها الشيطانيه الاخيره. ارتدت ملابسها المتسخه بمراره الذل واعدت له فنجان قهوه. لم تكن القهوه لتهدئه الاعصاب، بل كانت محمله بجرعه مضاعفه من المنوم كي يغرق في نوم عميق لا يشعر معه بما تنوي فعله. ظن اسامه ان القهوه هي علامه رضا وتصالح فشارها مطمئنا. بعد قليل، غرق اسامه في نوم اشبه بالغيبوبه.
دخلت ساميه الى المطبخ بهدوء قاتل واحضرت سكينا حاده ذات مقبض خشبي. عادت اليه وخلعت عنه ملابسه الداخليه بهدوء. ثم في لحظه من الجنون المطبق، قطعت عضوه الذكر بالكامل بالسكين الحاده. انتزعت العضو المقطوع والسكينه الملطخه ووضعتهما بسرعه في كيس بلاستيكي اسود. ثم بدلت ملابسها وغادرت الشقه. وفي طريقها الى الخارج، القت بالكيس في القمامه كانها تتخلص من قطعه نفايات وذهبت للاختباء في منزل صديقتها ولم تعد الى الشقه قط.
الكشف والفاجعه. في غضون ذلك، بدا اسامه يستيقظ من نومه الثقيل. كان في حاله ارهاق شديد ووجد سريره مغطى بالدماء، لكنه لم يعلم ما الذي حدث له بالتحديد. بعد ساعتين من الاستيقاظ، انهار وفقد الوعي تماما. بدا اولاده يقلقون عليه لانه اعتاد الاتصال بهم كل يوم في وقت محدد. حاولوا الاتصال به فلم يجب. عندما دخلوا عليه الشقه وجدوه ملقى على السرير والدماء تغطيه في مشهد مروع. في تلك اللحظه الحرجه، اشار لهم بانه يريد الذهاب الى الحمام ثم نهار ار تماما واشار بضعف: "ساميه هي من فعلت هذا".
وصلت سياره الاسعاف فورا ونقل اسامه الى مستشفى المطريه للطوارئ ودخل غرفه العمليات مباشره في محاوله يائسه لانقاذ ما يمكن انقاذه. في الوقت ذاته، ابلغت اداره المستشفى الشرطه بالواقعه المروعه. وبعد خروجه من العمليه، وجه تهمه مباشره الى ساميه واكد انها هي من قطعت عضوه الذكري بسبب خلافات بينهما.
في غضون ساعات قليله، قبضت الشرطه على ساميه في منزل صديقتها. لم تنكر واعترفت بما فعلته بهدوء غريب، وقالت انه كان يماطلها منذ سنتين في تسجيل الشقه باسمها رغم انها دفعت ثمنها بالكامل. واضافت ان الكيل قد طفح، وان في يوم الواقعه تحديدا استيقظت لتجد نفسها في حاله يرثى لها وانه كان يجامعها وهي نائمه تحت تاثير المنوم. لكن اسامه انكر كل ما قالته وقال انها زوجته وحلاله، وان ما فعله معها هو بحق الزوجي.
وعندما سئلت ساميه عن مكان العضو المقطوع، دلت الشرطه على مكان الكيس في القمامه. لكن عندما ذهبوا معها لم يجدوا شيئا. وقالت باحتماليه مريره: "من المحتمل ان يكون عامل النظافه قد اخذه والقاه". اجريت له عمليه ترميم للجرح، لكنه فقد اهم شيء في حياته الى الابد.
المحاكمه والدرس القاسي. خرج اسامه من المستشفى ببطء، لكنه لم يخرج من الماساه التي طوقته. جرحه الجسدي بدا يلتئم، لكن الجرح النفسي لن يلتئم ابدا. فقد تحول الى جثه معنويه تسير على الارض. تحركت الشرطه وبدات النيابه التحقيق المكثف. كان الملف محملا باتهامات خطيره واعترافات مرعبه وجريمه لا تصدق حتى من اعتى المجرمين.
ساميا واجهت النيابه ببرود غريب، وقالت انها فقط ارادت ان تلقنه درسا بعد ان خدعها ونهب اموالها وسلب شرفها في غفله من وعيها. بينما تمسك اسامه بروايته مؤكدا انه زوجها الشرعي، وان ما فعله كان بحقه الزوجي، وان كل شيء كان باتفاق منذ البدايه منكرا اي خداع او استغلال. بحث المحققون باستماته عن العضو المبتور الذي دلت عليه ساميه، لكنهم لم يجدوه. ويعتقد ان عامل النظافه تخلصوا منه دون ان يعلم ان داخل الكيس الاسود كانت قطعه من جسد انسان.
احيلت ساميه للمحاكمه، وخلال الجلسات ظهرت بشحوب شديد ديد وجهها منهار وتعبيرات الحزن والياس تسيطر عليه وصوتها مرتجف. لكنها لم تنكر الجريمه. قالت امام القاضي بصوت خافت لكن ثابت: "نعم انا من فعلت ذلك. كنت ضائعه مسروقه من كل شيء. ما عادت لي كرامه ولا شقه ولا امل فانتقمت".
سألها القاضي سؤالا جوهريا: "وهل هذا الانتقام هو الحل؟ الم يكن القانون امامك لتلجائي اليه؟". لكنها صمتت صمط العارف بان الاجابه لم تعد تهم بعد ان تجاوزت نقطه اللا عوده.
اصدر القضاء المصري حكمه القاسي بالسجن المشدد لعشر سنوات على ساميه عقابا لها على جريمتها الدمويه. خرج اسامه من المحكمه محمولا على اكتاف اولاده، لكنه كان جسدا بلا روح. فما فقد منه لن يعوضه لا زمن ولا طب ولا عداله. انتهت القصه الماساويه، لكن الدرس لم ينتهي ابدا.
جريمه ساميه واسامه كانت صدمه مدويه للمجتمع المصري. قضيه مليئه بالخداع والابتزاز والمخدرات والاغتصاب الزوجي والعنف الدموي الذي لا يرحم. تؤكد هذه القضيه شيئا واحدا: ان العداله البطيئه والمماطله قد تشعل نيران الانتقام المحرقه. وان غياب الثقه المتبادله وتحول الحب الى استغلال قد يحول الحياه الزوجيه الى فخ قاتل. وحين تستغل المراه باسم الحب وتستغل الانثى باسم الزواج، فانها تتحول الى نار لا تبقي ولا تذر. فمن الظالم ومن المظلوم في هذه الماساه المزدوجه؟ ومن الذي دفع الثمن الاكبر حقا؟ هل هي ساميه ام اسامه ام المجتمع باسره الذي لم يحمي احدا منهما؟ الله وحده يعلم. والسلام عليكم.