Transcription
في وقت بقى التوتر عندنا شغال طول الوقت في الخلفيه، وانتشار كلام من نوعية "أنا مشغول جدًا" و"أنا على أعصابي طول الوقت"، بيظهر كتاب جديد اسمه "انستريسبل" بتوقيع مجوده رائد الذكاء الاصطناعي السابق في جوجل، وصاحب كتاب "سولف فور هابي"، وبمشاركة اليس لو، وهي خبيرة في إدارة التوتر، ومؤسسة منهج اسمه "ذا لو أوف ليفينغ".
الكتاب ده مش مجرد شوية نظريات أو تقنيات للاسترخاء، ولكن هو يُعْتَبَر محاولة لإعادة تعريف علاقتنا بالتوتر، وبيطرح سؤالًا بسيطًا جدًا، لكنه عميق جدًا في نفس الوقت: هل ممكن نعيش في عالم متسارع وإحنا هاديين من جوانا؟ الجميل أن الكتاب مش بيقدم وعدًا خياليًا غير واقعي لحياه خالية من أي توتر، لكنه بيعلمك إزاي تبقى إنسانًا غير قابل للتوتر. مش لأن التوتر مش هيجي لك أبدًا، ولكن لأنك هتبقى عارف إزاي تتعامل معاه بسرعة وبهدوء، ومن غير ما يكسرك.
الكلام اللي هنتكلمه النهاردة مبني على تحليل موسع لحلقة بودكاست قوية جدًا من "آي بي توكس"، واللي كان فيها مو جوده والسلو في حوار من أعمق الحوارات اللي اتكلمت عن موضوع التوتر في نظري بشكل علمي ونفسي وإنساني في نفس الوقت. الحلقة دي جمعت جوهر أفكار الكتاب، وفتحت لنا الباب علشان نفهمه من منظور تطبيقي أكثر، مش مجرد نظري. وبما أن الهدف عندنا هنا في "أفيدونا" هو أن إحنا نبسط المعقد، خصوصًا أنه الحلقة كانت باللغة الإنجليزية، وننقل الكلام ده بأسلوب شخصي قريب من فهمنا، من غير ما نزود في العمق زيادة عن اللزوم، أو ندي في نفس الوقت معلومة ناقصة، فإحنا هنمشي مع بعض واحدة واحدة في المفاهيم الأساسية اللي اتبناها الكتاب، ونفهم سوا ليه 75% إلى 80% من التوتر اللي إحنا بنعيشه إحنا اللي بنصنعه بنفسنا.
كثير من الناس لما تسألهم "أنت متوتر ليه؟" هتلاقيهم بيجاوبوك بإجابات عامة جدًا، "جينيريك"، زي مثلًا: "مش عارف، بس أنا حاسس نفسي مضغوط دائمًا"، أو "كل حاجة حاسسها فوق دماغي". الكتاب هنا بيحاول يفكك التوتر ده جزء جزء، علشان نقدر نفهمه ونشتغل عليه، بدل ما نفضل نحاربه كأنه شبح مسيطر علينا وإحنا ما لناش حيلة تجاهه. ومن هنا جه نموذج "تي أو إن إن" أو "تين"، واللي هو اختصار لأربع مصادر أساسية للتوتر.
المصدر الأول هو التروما، ودي الأحداث الكبيرة اللي بتقلب حياتنا بشكل فجائي، زي فقدان أو حادث لا قدر الله، أو مرض لا قدر الله، أو انهيار مالي، أو خبر مؤلم جدًا بيوجعنا فجأة. النوع ده مش سهل أن إحنا نتعامل معاه بسرعة، لأنه بيكسر نظامك بالكامل، بيكسر "السيستم" أو الروتين اللي أنت عايش عليه. لكن المفاجأة أنه 93% من الناس بيتعافوا من الصدمات دي خلال ثلاثة شهور بس، زي ما قال الكتاب، و97% تقريبًا خلال ستة شهور، وغالبا بيخرجوا من الصدمات دي أقوى. اسم ده في علم النفس "البوست تروماتيك جروث"، يعني الصدمة رغم شدتها هي مش من أخطر أنواع التوتر، لأننا بنعرف نتعامل معاها في النهاية، سواء لوحدنا أو بمساعدة حد.
المصدر الثاني من مصادر التوتر هو "الأوبسيشنز" أو الهواجس، ودي يمكن من أخطر الأنواع، لأنها بتيجي من جواك. هي القصص اللي بتفضل ترددها لنفسك وفي عقلك، زي مثلًا: "أنا مش كفاية"، "أكيد هفشل"، أو "ما حدش بيحبني بجد". الهواجس ممكن تكون مبنية على حاجة حصلت بالفعل، أو مجرد خيال صنعه دماغك بسبب خوف أو نقص قديم عندك. المشكلة مش في الفكرة نفسها، المشكلة في إعادة تشغيل الفكرة مئات المرات خلال اليوم، وكأنها لسه بتحصل دلوقتي. ده النوع اللي بيسحب منك طاقتك من غير ما تحس، وبيخلق شعور دائم بعدم الأمان، حتى لو حياتك كلها ماشية تمام وما فيهاش أي مشاكل.
المصدر الثالث هو المضايقات أو "النون سنس"، أصوات صغيرة بس مرهقة، زي صوت المنبه الصبح، إشعارات واتساب أو "نوتيفيكيشنز" بتاعة الموبايل، إيميلات كتير جدًا خلال اليوم، زحمة الطريق، ناس بتتأخر، والأخبار طبعًا اللي أول ما بنشوفها بنحس إننا تايهين وسط عالم مش مستقر. غالبًا دي مش مشاكل كبيرة، بس لما بتتراكم بتبقى زي موت بطعانات صغيرة. بقول إنها مش مشاكل كبيرة لأنها مش بتأذينا بشكل شخصي. الكتاب بيقول إن الشخص العادي بيتعرض لما بين 15 إلى 18 مضايقة يوميًا قبل ما يخرج من البيت أصلاً. المضايقات مش لازم نعيش معاها، كثير منها بتبقى تحت سيطرتنا لو بدأنا نعمل "ديتوكس" أو تنظيف واعي للحاجات اللي بتاكل أعصابنا، وبتستنزف طاقتنا من غير فائدة.
المصدر الرابع للتوتر وهو الضوضاء أو "النويز"، وهي بتبقى أفكار داخلية سلبية صغيرة بس مزعجة، زي: "أنا شكلي تعبان"، أو "أكيد الناس واخدة بالها إني متوتر زيادة عن اللزوم"، أو "أنا مش عارف أنجز حاجة النهاردة". مش نفس عمق الهواجس السابقة، لكن زي وشوشة في الخلفية كده بتشغل الجهاز العصبي عندنا على الفاضي، ودي نتيجة حاجة بيسموها "الانحياز السلبي" في الدماغ، إن مخك دائمًا بيدور على الخطر حتى لو مش موجود. الضوضاء دي ممكن تكون ملاحظة عابرة، بس لما تتكرر بتتحول لبيئة متوترة داخليًا طول الوقت.
طيب، إيه أهمية أن إحنا نعرف المعلومات دي، أو ندرس النموذج ده؟ لما تعرف إن ثلاثة من أصل أربع مصادر للتوتر دي مصادر داخلية، أو تحت سيطرتك، اللي هي الهواجس والضوضاء والمضايقات، ساعتها بس هتبدا تحس إنك مش ضحية للتوتر، وإنك تقدر تبني حصانة حقيقية مش ضد التوتر نفسه، لكن ضد الانهيار اللي بتحس بيه، ودي أول خطوة في إنك تكون "انستريسبل": إنك تسمي الحاجة اللي بتوجعك.
من الأفكار القوية جدًا في الكتاب أنه بيقول إن التوتر مش حاجة بتعدي كده وخلاص، هو بيخلف أثر في كل زاوية فينا: في الدماغ عندنا، في جسمنا، وفي مشاعرنا، وفي علاقتنا بنفسنا. في الأربع جوانب دول. ولما تبتدي تتعرف على العلامات اللي بتظهر في كل جانب من الجوانب دي، بتبقى لأول مرة قادر إنك تشوف نفسك بوضوح، وتفهم إن اللي بيحصل جواك ده مش عيب فيك أنت بشكل شخصي، لكن بس أنت محتاج مساعدة ووعي. وعلشان نبسطها، تعال نمسك جانب جانب من اللي التوتر بياثر فيه.
أولًا، التوتر بياثر على الإجهاد العقلي أو "المنتال ستريس"، وده اللي بيخليك مش قادر تسكت دماغك، تفكير مفرط، تشغل نفسك بـ 100 سيناريو سلبي، تفتكر موقف حصل من أربع سنين، وتحس إنك لسه في الموقف دلوقتي، تقلق من بكرة وأنت لسه في نص يومك، ما كملتش اليوم اللي أنت فيه. والأعراض بتاعة الإجهاد العقلي ده بتبقى أرق، صعوبة في التركيز، دائمًا مشتت، مش قادر تكون واعي وحاضر في اللحظة الحالية. والأخطر من كده إنك ساعات بتتخيل إنك بتفكر زيادة علشان تحل الموقف أو المشكلة اللي أنت فيها، لكن الحقيقة إنك بتستنزف طاقتك في دوامة بدون حل، زي ما قلنا في الحلقة اللي فاتت.
الجانب الثاني هو الإجهاد العاطفي أو "الإيموشنال ستريس"، وده بيظهر لما بتحس إنك عايش دائمًا على الحافة، زي ما بيقولوا "اون إيدج" كده. أي حاجة صغيرة بتزعلك، بتخنقك، بتستفزك، تحس إن أعصابك مكشوفة، كإنك متعري زي السلك كده العريان، تحس بإرهاق، خوف، قلق، وساعات بيتحول ده لسلوكيات زي إنك بتاكل بشراهة، إنك بتدمن على السوشيال ميديا، إنك طول اليوم مثلًا بتتفرج أو بتتفرجي على مسلسلات وأفلام طول اليوم، أو حتى الإدمان على الشغل، مش علشان أنت بتحب الشغل، بس علشان تفضل مشغول عن الحاجة اللي جواك وعن أفكارك. ده اللي بيخلي التوتر يخلي - يخلي - الناس تهرب من نفسها.
الجانب الثالث هو الإجهاد الجسدي أو "الفيزيكال ستريس"، وده الجزء اللي دائمًا إحنا بنحاول نتجاهله، بس الجسم دائمًا بيقول الحقيقة، وبيبلغ عنك حتى لو دماغك مكذباه. والأعراض إنك بتحس دائمًا بصداع مستمر، بتحس بمشاكل في الجهاز الهضمي، زي القولون العصبي أو الحموضة المزمنة، بتظهر مشاكل جلدية زي الأكزيما وحب الشباب والصدفية، بتحس بشد في الرقبة أو الكتف، بيبقى عندك ارتفاع في ضغط الدم، بيبقى عندك اختلالات هرمونية، إرهاق عام حتى من غير مجهود، وفي الحالات الطويلة اللي التوتر فيها بيستمر لفترات طويلة، بيقلب - ربنا يحفظنا وإياكم يا رب - بأمراض القلب، بالسكر، قرحة المعدة، وحتى السرطان، ربنا يحفظنا جميعًا يا رب. والكتاب هنا بياكد إنه أكثر من 70% من زيارات الناس للأطباء في العالم كله سببها مش مرض عضوي واضح، لكن توتر مزمن بيظهر في الجسد.
الجانب الرابع هو الإجهاد الروحي أو "السبرتوال ستريس"، وده الجانب اللي ناس كتير بتغفله أو بتهمله، ومش بتاخد بالها منه، لكن تأثيره عميق جدًا. تحس إنك مش عارف أنت مين من غير شغلك، أو أنت مين من غير دورك كأب أو دورك كأم، أو مدير، أو إنك تكون ناجح أو مؤثر. الإجهاد الروحي بيظهر كإحساس بالفراغ، بانفصال عن ذاتك الحقيقية، وكإنك تايه وسط أصوات كتيرة بس مش سامع صوتك أنت، تنسى تمشي ورا احساسك أو قيمك الأساسية واللي أنت فعلاً عايزه، بتحس إنك بتعيش مجرد دور بتأديه مش حياتك الحقيقية، بتشتغل وبتنجز وبتضحك، لكن جواك حاجة ناقصة ومش عارف تسميها.
طيب، ليه مهم إننا نعرف الأبعاد دي؟ لأنه ببساطة أي خطة للتعامل مع التوتر من غير ما تفهم هو ساكن فين جواك، أو أبعاده، أو تأثيره فين جواك، هتكون زي طبيب بيعالج صداع وهو مش عارف سببه إيه. ومع الوقت لما تقدر تقول: "آه أنا عندي مثلًا إجهاد عاطفي، بس جسديًا تمام"، "آه مثلًا عقلي مشوش وده ماثر على نومي والمود بتاعي"، بتبدا الرحلة الحقيقية للتعامل مع التوتر من جواك، والعلاج الحقيقي، زي ما هنقول دلوقتي.
في وسط كل التحليلات العلمية والنفسية اللي بيقدمها الكتاب، بس لو استوعبتها كويس، ممكن فعليًا تغير طريقة تعاملك مع نفسك ومع الحياة. المعلومة دي بتقول إن استجابة الجسم للتوتر مش بتستمر أكثر من 90 ثانية بس. يعني لما يحصل موقف يزعلك أو يخضك أو يقلقك، سواء كانت مشادة أو خناقة مثلًا اتعرضت لها، أو خبر سيء، أو حتى إشعار على واتساب بيستفزك، جسمك بيشتغل تلقائيًا، بيفرز كورتيزول، بيزيد نبضات القلب، بترتفع حرارة الجسم، دمك بيتضخ، العضلات بشكل مكثف، كل ده بيحصل بس بيستغرق 90 ثانية بس. بعد الدقيقة ونص دي كل المواد الكيميائية اللي اتفرزت، والتاثيرات اللي حصلت في جسمك بتبدا تتكسر وتتلاشى، وترجع مستوياتك الحيوية الجسدية لطبيعتها. بس لو فضلت تفكر في اللي حصل، وتعيد السيناريو ده في دماغك، وتعيش القصة ثاني وثالث، فأنت في الحقيقة بتجدد "العقدة" دي، أو الفترة الـ 90 ثانية دي، بتجدد استجابة جسمك للتوتر بنفسك بعقلك، ودي اسمها تجديد عقدة التوتر. كل 90 ثانية عندك فرصة إنك تقول: "أنا هفصل وخلاص"، أو إنك تكون لسه غرقان في ده ولسه قاعد تعيد المشهد مرة واثنين وثلاثة، وده هو مفتاح التوتر المزمن اللي إحنا بنعيشه النهاردة.
لأن في الماضي، لو مثلًا حيوان مفترس طلع لك، وقدرت ونجحت إنك تهرب منه، خلاص التهديد بيعتبر انتهى، الجسم بيهدى وبترجع طبيعي مرة ثانية. لكن دلوقتي، الإيميل لسه موجود عندك في "الانبوكس"، كلام المدير لسه في دماغك وبتقعد تكرره، نظرة الناس لسه بتتكرر قدامك ولسه بتتخيلها، أنت لسه بتشوف المشهد ده في خيالك، وكل مرة بتشوفه جسمك بيعيش التهديد كأنه حقيقي وجديد. الكتاب هنا بيقول إن أكثر من 50% من التوتر اللي إحنا بنعيشه ناتج داخليًا - بشكل داخلي بالكامل - ومع نوعيات معينة من الناس اللي عندهم "أوفر ثنكينغ" أو ماضي قاسي شوية، النسبة دي ممكن توصل من 75% إلى 80%، وده معناه إنك مش محتاج تهرب من العالم علشان تهدى، ولا إنك تنهي شغلك أو تنعزل وتعيش في الجبل، أنت محتاج بس تفصل السلك جوه دماغك بعد الـ 90 ثانية دول. التوتر مش في الحدث، التوتر في الاستمرار في الحكم على الحدث، ودي جملة مهمة جدًا كررتها السلو في الحلقة، وبتكررها كتير في كل محاضراتها.
طيب، إزاي بقى نبدا نتخلص من التوتر ده؟ أول خطوة للتعافي من التوتر مش إنك تهرب منه، لكن إنك تفهمه وتفككه وتشيله حتة حتة، وده بيبدا بسؤال بسيط جدًا جدًا، لكن قليلون بس هم اللي بيقفوا مع نفسهم وبيسالوا نفسهم بصراحة. السؤال هو: "إيه اللي مضايقني فعلاً؟" لما تبدا تسأل السؤال ده بانتظام خلال اليوم بشكل دوري، هتكتشف إن التوتر اللي في حياتك بيتراكم مش بسبب الحاجات الكبيرة اللي في حياتك، لكن بسبب التفاصيل الصغيرة اللي بتتراكم من غير ما تحس.
الكتاب بيقترح أداة عملية جدًا لتفكيك ده، واسمها "تمرين السبت" أو "ويكلي ستريس أوديت"، ودي فكرة بسيطة جدًا بس قوية جدًا في نفس الوقت. كل يوم سبت، أو أي يوم فاضي تخصصه خلال الأسبوع، تقعد مع نفسك 15 دقيقة، وتكتب كل حاجة خلال الأسبوع حسيت إنها شدت أعصابك، حتى لو كانت الحاجة دي تافهة، زي منبه مثلًا صوته كان مزعج، صوت إشعارات الواتساب أو النوتيفيكيشنز بتاعة موبايلك، حد معين كل مرة بتتكلم كلمة معاه بيخليك تحس بمشاعر مش كويسة أو بيستفزك، تطبيق على موبايلك بيستهلك منك وقت ومودك بيتغير كل ما بتفتحه، نغمة معينة بتحفز فيك توتر مش مفهوم، أو اجتماع أسبوعي عندك مالوش أي معنى، وطبعًا إشعارات السوشيال ميديا اللي بتسرق منك تركيزك. اكتب الحاجات دي كلها، بعد كده اسأل نفسك ثلاثة أسئلة عن كل نقطة:
هل دي حاجة ضرورية ولا لا؟ ولا موجودة على سبيل العادة أو بتعتبرها مجاملة؟
السؤال الثاني: هل ينفع أشيلها أو أقللها أو أغيرها أو أستبدلها بحاجة ثانية؟ يعني مثلًا أغير صوت المنبه، أعمل ميوت للجروب على الواتساب اللي بيزعجني وبيوترني، أخلي وقت محدد خلال اليوم أو خلال الأسبوع للإيميلات أرد عليها.
لو مش هقدر أغيرها، هل أقدر أغير رد فعلي تجاهها؟ يعني بدل ما أتوتر في كل مرة بيحصل كذا مثلًا، أبدأ أعمل تقنيات التنفس، أو أسأل نفسي: "هل ده تهديد حقيقي ولا مجرد إحساس داخلي؟"
والجميل إنك مش محتاج تغير العالم كله في يوم، ابدأ بثلاث حاجات بس صغيرة كل أسبوع، ومع الوقت هتحس إن في فراغ بدا يتكون جواك، فراغ ما هو هواش وقت فاضي، لكن مساحة نفسية ما كانتش موجودة، وده الفرق بين إنك تعيش على أعصابك، أو إنك تعيش بأعصابك، بمعنى إنك تكون أنت المتحكم فيها وفي المدخلات اللي بتأثر عليها.
في وسط زحمة الحياة اللي بنعيشها، من السهل جدًا إنك تبقى معرف بالكامل بالتوتر بتاعك، يعني الناس عارفاك إنك دائمًا متوتر، قلقان بزيادة، الشخص اللي دائمًا بيفكر بزيادة، العصبي المتسرع، اللي بيصحى مشحون من أول دقيقة في اليوم. والأخطر من كده إنك تبدا تصدق عن نفسك إنك كده فعلاً، وتبني تصورك حوالين نفسك حوالين المفهوم ده. الكتاب هنا بيقول إن واحدة من أكبر مصادر الإجهاد الروحي هي الانفصال عن ذاتك الحقيقية، مش اللي الناس شايفاها ولا اللي بيتكتب في السي في بتاعك، لكن الذات العميقة اللي جواك: أنت مين بدون منصبك؟ أنت مين بدون دورك كأب أو أم؟ أنت مين غير انشغالك أو شهرتك أو إنجازاتك؟ سؤال مرعب حتى لما سألته لنفسي، وقفت مع نفسي واتخضيت يعني، بس السؤال ضروري، لأنه اللي بيحصل حرفيًا في حياتنا الحديثة اللي إحنا بنعيشها دلوقتي هو إننا بنتعرف على نفسنا من خلال أدوارنا، وسرعة حياتنا، وكمية الحاجات اللي إحنا بننجزها خلال اليوم. ولو كل ده اختفى، بننهار أو بنحس بفراغ مخيف، وده بالضبط اللي بيخلي التوتر الروحي يظهر. إزاي بيظهر؟ إنك بتحس إنك تايه حتى وأنت ناجح، إنك تحس إنك مش عارف تعرف نفسك من غير شغلك، إنك تحس إنك مش بتسمع صوتك الداخلي، إنك برضه بتحس إنك دائمًا بتجري بس مش عارف بتجري ليه، أو الأسوأ إنك تكون دائمًا في سعي مستمر وما فيش ولا مرة بتحس بالاكتفاء أو الرضا.
الكتاب بيقترح هنا حاجة بسيطة جدًا، هي إنك تاخد نص ساعة لنفسك من غير دورك، نص ساعة تقعد فيها من غير تليفون، من غير سوشيال ميديا، من غير "تاسكات"، تقعد فيها بس وتسأل نفسك: "إيه اللي ناقصني دلوقتي؟ إيه اللي جسمي بيقوله لي وأنا مش سامعه؟ أنا عايز إيه فعلاً؟" مش اللي الناس متوقعة مني. الكتاب بيقول إن الاتصال بالذات هو خط الدفاع الأول ضد التوتر المزمن، لأنك لما تبقى عارف نفسك مش هتسمح لكل حاجة حواليك إنها تحركك، ولما تسمع صوتك مش هتضيع وسط كل الأصوات الزحمة اللي حواليك. وده مش بيحصل في جلسة تأمل، ده بيبدا بلحظة صراحة كده بينك وبين نفسك، لحظة بتبدا تفصل فيها الضوضاء اللي حواليك دي، وتبص فعلاً جواك.
فكرة برضه - برضه - مهمة اتقالت في الحلقة هي فكرة الاحتراق الوظيفي أو "البرن أوت". الكتاب بيتعامل مع الاحتراق الوظيفي مش على أنه بس مشكلة في الشغل، لكن كنتيجة طبيعية لتراكم الإجهادات الصغيرة أو "التاسكات" اللي إحنا ما أخدناهاش بجدية. يعني ما فيش حد بيصحى الصبح فجأة تلاقيه محترق نفسيًا، الاحتراق بيجي شوية بشوية، زي نار كده بتتكون بشكل صغير، ولكن إحنا كل يوم بنقعد نغذيها بحاجات، ونحط عليها شوية حطب وحاجات، بحيث إن النار بتكبر مع الوقت من غير ما ناخد بالنا. والحاجات اللي إحنا بنحطها بنزود بيها النار دي دائمًا بتكون مثلًا: شغل أكثر من اللازم، إحساس دائم بالذنب لو أخدت راحة، إنكار للتعب لأنك مفروض تكون أقوى، تجنب الراحة لأنه لسه في حاجات لازم وراك تتعمل، والكارثة الكبرى إنك بتبدا تحس إنه ده طبيعي علشان أنت ناجح أو عايز تنجح، أو شايف الناجحين بيتصرفوا بالطريقة دي.
طيب، يعني إيه احتراق نفسي؟ الكاتب بيقسم الاحتراق النفسي لثلاث مراحل: أولًا، الإرهاق العاطفي، تحس إنك فاضي من جوه، كإنك بتشتغل بطاقة غير طاقتك، أو بتتحرك بجسمك بس دماغك مش معاك. كمان فقدان التعاطف أو "التبلد"، تحس إنك مش فارق معاك حد ولا حتى نفسك، تبدا تسخر وتتهكم أو تنعزل، مش لأنك وحش بس لأنك خايف تتواصل، اكتُشفت - اكتُشفت - كمان انخفاض الإحساس بالإنجاز أو المعنى، حتى الحاجات اللي كنت بتحبها بقت عبء بالنسبة لك، مش شايف لها قيمة ولا حاسس إنها بتضيف لحياتك، بتبقى ناجح من بره ومهزوم من جوه، والسبب مش لأنك ضعيف ولا إنك فاشل، لكن لأنك كنت بتتحمل أكثر من طاقتك لفترة طويلة من غير ما تدي نفسك وقت إنك تاخد راحة أو حتى تتنفس. مو جوده في البودكاست بيحكي إن اليس فقدت والدها بسبب قرحة في المعدة انفجرت من التوتر المزمن اللي كان عنده، وكانت بتقول إنه: "شخصيتي المفضلة في العالم اختفت من قدامي وهو لسه حي"، لأنه بطل إن هو يكون حاضر معاها، وبقى بيهرب من كل حاجة حواليه، وبالتالي الإجهاد ممكن يقتل بنسبة 100%، زي ما قالت السلو.
طيب، نتصرف إزاي قبل ما نوصل للمرحلة دي؟ الكتاب بيقدم نصيحة بسيطة، بس كلنا لازم نحطها كده قدامنا بشكل مستمر، وهي إنك تمسح ما لا يلزم، ابدأ إنك تشيل كل الحاجات الصغيرة اللي بتاكل منك كل يوم، عدّل توقيت الاجتماعات المرهقة بالنسبة لك، اعمل "أن فولو" للأكونتات اللي بتخنقك، حدد ساعات معينة تستخدم فيها التليفون، خد يوم في الأسبوع ما فيهوش حاجة خالص، يوم فاضي فعلاً ليك لوحدك، قول "لا" بشجاعة، ولو الشغل اللي أنت بتشتغله كان هو سبب انهيارك، فكر بجد هل الشغل ده يستاهل تعبك فعلاً؟ الاحتراق مش حاجة بتحصل فجأة، لكن زي ما قلنا هو نار، لو بطلت تحط لها حطب بشكل مستمر هتلاقيها تهدأ لوحدها.
الكتاب ما بيقولكش إنك لازم تعيش في عالم مثالي، ولا إنك تروح تنعزل عن الناس وتقفل موبايلك وتعيش فوق جبل لوحدك، هو بيقول لك إنك تقدر تفضل وسط الزحمة، وسط الإيميلات اللي في "الانبوكس" ما بتنتهيش، وسط الدراما اللي حوالينا دي كلها، بس جواك بتفضل هادي، مش لأنه العالم بقى حواليك أسهل في التعامل، ولكن لأنك بقيت أهدى من جواك. الحالة دي بيسميها الكتاب "انستريسبل"، مش معناها إنك مش بتتوتر، لكن معناها إن التوتر ما بقاش قادر يكسرك زي الأول.
طب يعني إيه "انستريسبل"؟ يعني مثلًا لما يحصل موقف يضغطك، تقدر تلاحظه بس ما تغرقش فيه، إنك تميز بين اللي تحت سيطرتك فعلاً واللي ما لكش فيه سيطرة، تدي لنفسك مساحة قبل ما ترد، قبل ما تتفاعل، قبل ما تنهار، تبقى في شغلك بس ما تخليش شغلك ياخدك من نفسك، تفهم إن الراحة مش ضعف ولكنها صيانة دورية جسمك محتاجها، وبالتالي قلل ثلاثة مصادر توتر صغيرة كل أسبوع، بوعي، مش لازم أبدًا تبدا بكل حاجة مرة واحدة، التغيير بيبدا بشكل تراكمي. كمان خد نص ساعة في يومك لنفسك بس، بدون "تاسكات"، بدون موبايل، بدون دور اجتماعي. الخطوة الثالثة إنك تتبع عاداتك، نزل "هابيت تراكر" مثلًا عندك على الموبايل، شوف إيه اللي بيزود التوتر عندك وإيه اللي بيهديه وسجله، مش علشان تحاسب نفسك، ولكن علشان تبقى واعي. والخطوة الرابعة إنك تسأل نفسك دائمًا: "هل ده يستاهل طاقتي؟" أنت عندك حوالي 4 مليار نبضة قلب طول حياتك، هل ينفع إن إحنا نهدرهم أو نهدر جزء منهم على إشعارات أو مشادات مالهاش لازمة، أو إنك تثبت ذاتك لناس حواليك ممكن ما يستاهلوش أصلاً؟
الخطوة اللي بعد كده، اربط بين أبعادك الأربعة: جسمك، وعقلك، وعواطفك، وروحك. أي توتر في أي جانب فيهم بياثر على الباقي. لو حسيت إن جسمك بيزن عليك أو في مشكلة، اقعد مع مشاعرك، لو مشاعرك مش مفهومة، راجع أفكارك، لو دماغك مش مركزة، ارجع لصوتك الداخلي واسأله: "أنا عايز إيه فعلاً؟" وأخيرًا، الهدف مش إنك تعيش حياة بدون مشاكل، لكن إنك لما المشاكل تيجي ما تخليش واحدة منهم تكسرك، ما تخليهاش تبقى آخرك. الكتاب مش وعد بحياه سهلة بدون مشاكل وبدون توتر، لكن هو دعوة لحياه واعية، تبقى فيها حاضر ومسؤول وقادر إنك تختار إنك تقول لنفسك: "أنا مش لازم أعيش دائمًا في حالة طوارئ، أنا ممكن أختار إني أعيش بشكل واعي"، وده على رأي مو جودت هو أول خطوة في إنك تحل معادلة السعادة من جديد، لكن المرة دي وأنت على الأرض، مش مجرد نظريات.
وفي الآخر لازم نعرف إن التوتر مش عدو، هو بس جرس إنذار جاي يقول لك إن في حاجة غلط محتاجة تتضبط، في حاجة خرجت عن توازنها الطبيعي، في صوت جواك اتسكت فترة طويلة ومش قادر يسكت. اكتشف - اكتشف - من كده. كتاب "انستريسبل" ما حاولش يقول لك إنك هتعيش من غير ضغط، بالعكس هو عرفك إن الضغط كده جاي وهيفضل يجي، بس أنت تقدر إنك تستقبله بمكان مختلف جواك، برد فعل مختلف. لما تبقى عارف إن استجابة جسمك مش هتطول أكثر من 90 ثانية، وتبقى فاهم إن معظم التوتر اللي في دماغك منك أنت، وتبتدي تفكك الضغط لأبعاده الحقيقية زي ما اتكلمنا، وتشيل الحمل الزايد حتة حتة، مش لازم كله مرة واحدة، وتراجع كل يوم: "أنا عايش لمين؟ وليه؟ وليه أنا بسعى وبجري في حياتي على طول؟" مش مطلوب منك إنك تبقى شخص خارق، بس يكفي إنك تبقى حاضر، تبقى عارف إمتى تفصل، وإمتى تقول كفاية، وإمتى تحضن نفسك زي ما بيتقال بدل ما تجلدها، لأنه اللي بيفرق بين واحد التوتر بيكسره وواحد ثاني التوتر بيقويه مش هو قد إيه مشغول، لكن هو قد إيه واعي وواقف على رجليه وما نسيش نفسه. ويمكن دي أبسط وأعمق رسالة في الكتاب: إنك مش لازم العالم يهدى حواليك علشان أنت تهدى، أنت تقدر تهدى واللي حواليك يتعلم إزاي يهدى منك.
كنت معاكم أحمد عبد الدايم من أفيدونا، أشوفكم على خير إن شاء الله الحلقة الجاية، شكرًا لكم، سلام لكم.