Transcription
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد.
أهم سؤال في حياتك كلها هو كيف تتعامل مع الله. وأنا أريد أن أبدأ بالجواب عليه. لكني لا أستطيع. لا أستطيع لأنني قبل أن أدخل في كيفية التعامل مع الله، فإني أحتاج أولاً أن أعرف من هو الله.
كثير من الناس إذا فاجأته بسؤال: من هو الله؟ فإن بعضهم سيقول: هو الخالق، هو الرازق. نحن نعرف ذلك. ولكن هل هذا كل ما نعرفه عن الله؟ الإنسان كلما زاد علمه بالله، كلما زادت خشيته وتحسن تعامله مع ربه. قال تعالى: "إنما يخشى الله من عباده العلماء". فكم تعرف عن الله؟
الله الله تعالى في السماء. لا يعلم حقيقة ذاته إلا هو. ماذا عساي أن أقول لك عن عظمة الله؟ يكفي، يكفي أنه لا يستطيع أحد أن يراه الآن. ولو رآه أي شيء في هذه الحياة الدنيا، فإنه سينهار تماماً. أقوى الأجساد المخلوقة الآن لا تقوى على أن تنظر إليه. فإذا كانت ذاته بهذه العظمة والقوة لدرجة أن الذي يشاهدها يتلف وينعدم لمجرد رؤية، فكيف بحقيقة هذه الذات؟ كيف بالصفات الجليلة التي اتصفت بها ذات الله؟
لهذا فإن ربنا يعلم ذلك ويعلم أن أحبابه متشوقون جداً لرؤيته. لأنهم كثيراً ما كانوا يسمعون عنه، كثيراً ما كانوا يتعلمون عنه وعن عظمته وعن جماله. وهم يريدون الآن أن يروا هذا الجمال. لهذا فإنه سبحانه سيقوي أجسادهم يوم القيامة ويعطيها من القدرة ما يمكنها من رؤيته سبحانه. لماذا؟ لكي تنال هذه الأجساد لذة رؤيته بلا تلف ذوات. لأنهم ضعاف أمام رؤية هذا الإله الكبير الجليل العظيم.
وذات الله تعالى لها صفات قد اتصف بها سبحانه. هذه الصفات كاملة. لا يوجد لها مثيل في أي شيء آخر ولا في أي مكان آخر. والمخلوق قد تكون له صفة تشابه الخالق بالاسم فقط. يعني مثلاً، ربنا سبحانه حي وله الحياة الكاملة. المخلوق له حياة أيضاً. لكنها حياة خاصة به. ليست كحياة الله. ولا يوجد نوع من أنواع الشبه بين الحياتين أبداً. ولا حتى تقارب بسيط. فلم يحدث ولا مرة واحدة أن تشابهت صفة من صفات الخالق مع صفة من صفات المخلوق.
فمن هو الله؟ الله الله سبحانه إله جميع المخلوقات. ولن يجدوا لهم إلهاً غيره. هو المتكفل بهذه المخلوقات لوحده. يدبر شؤون مملكته الواسعة التي تشمل السماوات والأرض. ولا يساعده في ذلك أحد. ومنذ أن خلق الله أول مخلوق وإلى أن ينتهي هذا العالم، فإن الله تعالى هو الوحيد الذي يرزق. هو الوحيد الذي يملك. هو الوحيد الذي يأخذ. وصفاته هذه قد علمنا الله منها وأخبرنا عنها. لكن توجد صفات لله لم يخبرنا بها ولا نعلمها. ولا يعلمها أحد. بل استأثر الله بها في علم الغيب عنده.
نعم. من شدة عظمة الله أنه لم يستطع أحد أن يحيط علماً بكل عظمته أبداً. ولا أحد إلا واحد واحد هو الذي أحاط بها علماً. إنه الله. فإنه لا يعلم حقيقة الله الكاملة إلا الله. كما أن العين أعظم الأعضاء، فإن لها حدوداً معينة لا تستطيع النظر إلى مسافة معينة أبعد من هذه المسافة. وكما أن الأذن أعظم الأعضاء أيضاً، فإنها لن تستطيع السماع إلا لمسافة معينة. كذلك العقل. العقل أعظم من الأعضاء. لا يستطيع فهم إلا أشياء معينة. توجد أشياء كثيرة أكبر من العقل لا يستطيع أن يتخيلها ولا أن يتصورها. أولها الخالق. فإنه لا يمكن لأحد أن يتصوره قبل أن يراه يوم القيامة. لا يستطيع.
ولله المثل الأعلى. ربنا سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. ولا يستطيع أحد أن يتصوره أو أن يتخيله. بل كل من تخيل الله على شيء، فربنا سبحانه على خلاف هذا الشيء الذي تخيله. حتى لو بقي الإنسان 100 عام لا يفعل شيئاً سوى محاولة تصور الله عز وجل على حقيقته، فإنه لن يستطيع. وكل النتائج التي سيتوصل إليها، ربنا سبحانه في الحقيقة على خلاف هذا كله. لأنه سبحانه عنده من العظمة والجلال والجبروت ما لا يمكن تصوره ولا يمكن تخيله.
والله إلى يومنا هذا لم يثنِ أحد الثناء المكافئ لهذه العظمة. وكل من حاول أن يثني أو أن يحمد أو أن يشكر بقوله أو بفعله من الملائكة، من الأنبياء، من الخلق جميعاً، فإنهم إنما يقتربون من الثناء الذي يستحقه الله تعالى. وإلا فالوحي الذي أثنى على الله الثناء الذي يكافئ عظمته هو الله نفسه فقط. هو سبحانه عندما أثنى على نفسه. ولو جمعنا ثناء الناس جميعاً وعبادات الخلق جميعاً، عبادة جبريل، عبادة ميكائيل، عبادة إبراهيم عليه السلام، عبادة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، عبادة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين من أول ما بدأ الخلق إلى آخر من يموت يوم القيامة، جمعناها ثم ضاعفنا ضاعفنا هذه العبادات جميعاً أضعافاً كثيرة وقدمناها لله، لما كافأت ولا حتى قاربت صفة واحدة من صفات الله التي تليق بعظمته التي يستحقها هو فعلاً سبحانه.
نعم. من الملائكة من هو راكع لا يرفع رأسه إلى يوم القيامة. منهم الملائكة من هو ساجد لا يرفع رأسه إلى يوم القيامة. يسبحون ويتعبدون. ثم إذا قامت القيامة قالوا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك. أي والله. قال تعالى: "وما قدر الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه". إذا الفضل له سبحانه. إذا تقبل عباداتنا على ما فيها من نقص وسرحان في الصلاة وبعض الرياء أحياناً، وقد سبقنا هذه العبادة بذنوب ثم الحقنا بعدها بذنوب أخرى. لكن مع هذا ويتفضل ويقبل العبادة إذا كانت خالصة لوجهه الكريم. مع أن عباداتنا لا تنفعه بشيء ولا يحتاج منها شيء. بل نحن الذين نحتاج أن نرتاح في هذه العبادة إذا أديناها. ونحن الذين سنستمتع فيها إذا طبقناها. ونحن الذين سندخل الجنة ونحس بالسعادة الخالدة هناك. وأما هو فلن يستفيد منا أي شيء.
بماذا يمكن أن نفي نحن؟ هو الغني ونحن الفقراء إليه. مع هذا فإنه سبحانه يغنينا ويسقينا ويكرمنا ويهدينا. وإذا احتجنا فإنه يعطينا. بل إنه يحب أن نطلب منه. وكلما طلبنا أكثر فإنه سيحبنا أكثر. لأن محبته للكرم والجود فوق ما تتصوره العقول. وهذا من جمال أفعاله حيث أنه جمع بين جمال الأفعال وجمال الذات سبحانه.
نعم. إنك لو سألتنا عن إلهنا، فإن إلهنا الذي نعبده جميل. ما هو جماله سبحانه؟ من هو إلهنا؟ إلهنا هو ذاك الإله الجميل. بل أجمل ما في الكون هو الله. ولهذا سمى الله نفسه الجميل. وهو فعلاً جميل. يحب الجمال كما أخبرنا بذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ويكفي في الدلالة على جماله أن كل جمال في الجمادات أو البشر أو النباتات أو الحيوانات فهو من أثر جمال من صنع هذا الجمال. لأنه فعلاً جميل. ولهذا كانت أعظم نعمة لأهل الجنة أن يكشف لهم ربهم عن جماله لكي يروا في الجنة. لكي يروا هذا الجمال الذي لم يروا مثله من قبل. "وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة". فكل من رآه فسيسعد ويفرح فرحاً لم يمر عليه في حياته من قبل أبداً. لأنه سبحانه هو الذي خلق السعادة. طبعاً السعادة من خلقها الله. هو خالق السعادة. وعلى هذا فسيعتبر بين يديه ولن يعطيها من ابتعد عنه. وكلما اقتربت من الله تعالى أكثر، كلما زادت هذه السعادة أكثر. ولهذا جعل الله تعالى الجنة قريبة منه في السماء السابعة. لأنها مستقر السعادة. وكلما ارتفعت في درجات الجنة أكثر اقتربت من الذات الإلهية أكثر.
طيب إلى متى؟ إلى أن تصل إلى أعلى مرحلة في الجنة وهي الفردوس الأعلى. وهذه هي أسعد منطقة في الجنة مع الأنبياء والرسل. طيب هل تعرف ما هو سقف هذه الجنة؟ فردوس الأعلى. ما هو سقفها؟ سقفها عرش الرحمن. ألم أقل لك أن السعادة هي في القرب منه سبحانه؟ لأنه سبحانه هو منتهى السعادة. "وعند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى".
ومع كل هذه العظمة والجلال، فإن أكثر من يعصى ومن يخالف ومن يعرض عنه هو الله. هل رأيت أحداً في الأرض يعصى أكثر من الله عز وجل؟ لا يوجد. مع كل هذا فإنه سبحانه يعطيهم ويسقيهم. وإذا مرضوا فإنه يعافيهم. لأنه حليم عليهم. صبور على من يعصيه من خلقه. لدرجة أنه سمى نفسه الصبور. بل لو تاب أي عاصٍ إلى الله ورجع إليه سبحانه، فإن الله يفرح به فرحاً شديداً. أكثر من فرحة العبد برجوعه إلى الله. سبحان الله. كيف أن العبد هو الذي يحتاج إلى الله والرب مستغنٍ عن العبد كامل الاستغناء. ومع هذا فإن الله تعالى يفرح برجوع عبده إليه ويكرمه غاية الإكرام. فليس العجب من العبد المملوك إذا كان يتقرب إلى السيد ويتودد إليه ويريد رضاه. هذا هو الأصل. لكن العجب كل العجب إذا كان السيد هو الذي يتودد إلى عبده ويتحبب إليه بأنواع من العطايا والهدايا. والعبد يعرض ويصر على الابتعاد وعدم التوبة. مع أن العبد لو رفع يديه إلى الله تعالى لاستحى الله منه. نعم. ربنا يستحي أن يردك إذا طلبته.
هذا هو إلهنا. هذا الذي لا نريد إلهاً غيره. هذا ربنا الذي نعلق آمالاً كثيرة على رحمته ومغفرته يوم القيامة. فإذا كان إلهنا بكل هذا الجلال وبكل هذه الصفات، فكيف نتعامل مع هذه العظمة؟ كيف تتعامل مع الله؟ الحلقة القادمة سوف نبدأ فيها أول تعامل بيننا وبين الله. كونوا معنا.