Transcription
**الرحمن الرحيم**
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. اللهم إنا نرغب إليك في التوفيق والعصمة، ونرغب إليك من الحول والقوة، ونضع إليك في الهداية والمعونة. سبحانك، سبحانك، لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.
فنحمد الله بالمحامد من الظلمات إلى النور، وهدانا الله تعالى به من الضلالة، وعلمنا به من الجهالة. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
ثم أما بعد، فإن الموضوع الذي نطرحه في محاضرتنا اليوم هو موضوع شديد الأهمية والحساسية، وله جذور قديمة ترجع إلى العهد النبوي الشريف. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم، لما بعثه الله تعالى بالهدى ودين الحق، بلغ دين الله تعالى على وجهه وأدى الأمانة كاملة. فعلم وهذب وخطب وأفتى وعظ وربى وقاد الجيوش وخاطب الملوك واستقبل الوفود.
فنقل الصحابة رضي الله تعالى عنهم هديه صلى الله عليه وسلم كاملاً غير منقوص. ولقد جهد الصحابة رضي الله تعالى عنهم في نقل هذا الدين وفي حفظه، وفي معرفة علله وأحكامه. وكانوا رضي الله تعالى عنهم أصف الناس ذهناً، وأفصح الناس لساناً، وأقوى الناس حفظاً، لما نشأوا فيه من بيئة تصنع الإنسان القادر على الحفظ والمعرفة بالأصول والأنساب.
فلما تلقى الصحابة رضي الله تعالى عنهم هذا الدين، نقلوه لمن بعدهم كاملاً غير منقوص، بكل ما اشتمل عليه دين الله تعالى من العقائد والأحكام والشرائع والآداب والشمائل والنظم والقيم والمعاملات، وتصفيه النفوس، وصناعة الأفئدة، وصياغة العقول. فما ترك الصحابة رضي الله تعالى عنهم باباً من العلم أو الهدى حفظوه عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا أدوه لمن بعدهم كما سمعوه وكما حفظوا.
ولقد انتشر الصحابة رضي الله تعالى عنهم في آفاق الدنيا، فمنهم من نزل مصر، وجمع فيهم الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى كتاباً اسمه "در السحابة في من نزل بأرض مصر من الصحابة". بل نزل بعض الصحابة رضي الله عنهم في الديار الليبية، فألف الشيخ أحمد سالم كريم القطعاني كتاباً اسمه "الابه في من دفن بأرض ليبيا من الصحابة". بل ما زال الصحابة رضي الله تعالى عنهم حتى وصلوا إلى المغرب الأقصى، فألف في من نزل منهم بأرض المغرب العلامة الكبير الشيخ أبو راس المعسكري كتاباً اسمه "در السحابة في من نزل بأرض المغرب من الصحابة".
بل دخلوا أوائل بلاد الترك وأوائل بلاد الهند، حتى قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في كتاب "البداية والنهاية" إنه ما جاء أوائل عصر عثمان رضي الله تعالى عنه إلا وقد كان الصحابة رضي الله عنهم قد دخلوا أكثر أقطار الأرض، فوصلوا إلى ديار الهند ودخلوا إلى بلاد الترك، ورحلت جموعهم حتى نزلوا ديار المغرب الأقصى.
ثم إنه في أواخر أيام الصحابة تحركت الأهواء والفتن، وثارت النزاعات والعصبيات، فخرج على جسد الأمة وعلى جمهورها الأعظم عدد من الفرق. ما من فرقة خرجت إلا وقد أخذت بعضاً من الهدى الشريف وتركت بعضاً. فخرجت المعتزلة، فأخذوا ببعض مسائل الشرع الشريف، ولكنهم أنكروا المسائل السمعية، فانكر بعضاً مما نقله الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
وخرجت الخوارج، فأخذوا بجملة الهدى الشريف، إلا أنهم أنكروا بعضاً مما نقل عن الصحابة رضي الله عنهم حيث كفروا بالصغيرة. وخرجت الشيعة، فأخذوا بجملة الهدى النبوي الشريف، إلا أنهم تركوا جملة مما نقل عن الصحابة رضي الله عنهم في بعض المسائل السمع وفي إجلال الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
فما خرجت فرقة من الفرق إلا وقد أخذت بعضاً وتركت بعضاً، لكن هذه الفرق قد خرجت من جسد كبير مترامي الأطراف، هو جسد الأمة بأكملها. فبقي جسد الأمة على ما تناقل عن الصحابة رضي الله عنهم كاملاً غير منقوص. فتلك الفرق التي خرجت فئات قليلة وأعداد محدودة وتحزب محدود، خرجوا على ما عليه سواد الأمة الأعظم.
ولكن بقيت الأمة في جملتها تتناقل الهدى الذي ورثوه عن الصحابة رضي الله عنهم كاملاً غير منقوص. فنهض في هذا الجسد الإسلامي الأئمة والعلماء والمجتهدون، فمنهم من نظر في علوم الفقه، فخرج عندنا من المجتهدين قريب من 90 مجتهداً، منهم الأئمة الأربعة، ومنهم الأوزاعي والليث بن سعد وابن جرير الطبري وابن أبي ليلى، وعشرات من أئمة الاجتهاد الذين يؤثر عن كل واحد منهم مذهب في الفروع والأحكام والفقه حتى جاوزوا الألف مجتهد.
فاختارت الأمة المحمدية من هؤلاء أربعة، نظرت الأمة في فقههم وفي علمهم، فاعتمدت وتبنته. فنشأ عند الأمة مبدأ وحركة علمية تسمى بالتلقي بالقبول. والأمة في اتها العلمية في المشارق والمغارب، ما من بلد من البلدان أو موضع من المواضع إلا وفيه بيئة علمية ومدارس علمية يندرج فيها العلماء وطلاب العلم.
فكلما خرج أحد من أهل الإسلام بمبدأ أو مذهب أو منهج أو مؤلف، حمله طلبة العلم إلى العلماء في الآفاق والأقطار، فيردد العلماء في الآفاق النظر في ذلك المنهج أو في ذلك المذهب، فيرده العلماء أو يقبلونه. فنشأت عند أمة الإسلام، وهي أمة علم ومعرفة، قد صان الله لها علومها وحفظ عليها دينها، نشأت في أمة الإسلام حركة علمية سماها العلماء بالتلقي بالقبول.
وأكثر طلبة العلم ربما قرأ هذه الكلمة في كتب الحديث الشريف، إذ يتحدث أهل الحديث عن أن الأمة قد تلقت الصحيحين بالقبول. والتلقي بالقبول معناه أن المشتغلين والخبراء والمتخصصين من أهل الصنعة الحديثية في المشارق والمغارب، ممن لا يقلون درجة في معرفة الحديث عن البخاري ومسلم، لما أن رددوا النظر في الكتابين، اطمأنوا إلى أنهما بُنيا على منهج علمي منضبط، وأن التطبيق العلمي في الكتابين كان معتمداً.
فيشيع العلماء في المشارق والمغارب أن هذا الكتاب مقبول، فيتداول أهل العلم ويشتغلون بقراءته وتدريسه، وتؤلف الكتب لشرحه، ويشتغل أهل العلم بمزاياه واستخراج الفوائد منه، ويحيل إليه الأكابر من أهل الاختصاص، فيصير الكتاب مقبولاً عند الأمة ومتلقّى بالقبول.
وهذا المبدأ الذي هو التلقي بالقبول لم يكن مقصوراً عند الأمة المحمدية على الحديث الشريف فقط، بل قد قامت به الأمة في الحديث الشريف، وقامت به في مسائل الاعتقاد، وقامت به في مسائل الفقه والأحكام والفروع. بل قد قامت الأمة بهذا المعنى مع كل عالم طرح في الساحة الفكرية كتاباً أو مؤلفاً أو منهجاً.
فلقد نظرت الأمة في المؤلفات الفقهية المتكاثرة التي أخرجها أئمة الاجتهاد، وقد زادت كما ذكرنا على الألف مذهب، فاطمأن علماء الأمة إلى أربعة منها، وهي مذهب الشافعية والمالكية والحنابلة والأحناف.
اطمأن علماء الأمة إلى هذه المذاهب الأربعة بعد أن رددوا النظر في تلك الفروع وتأملوا أصولها وكيفية استخراج الفروع فيها من الأصول. فاطمأن العلماء في المشارق والمغارب إلى أن هذه المذاهب الأربعة على وجه الخصوص مذاهب متقنة، وهي معتمدة، وفروعها مبنية على أصولها على وجه الأحكام.
فأسفر هذا المجهود العلمي عن أن الأمة قد تلقت المذاهب الأربعة بالقبول، فصارت المذاهب الأربعة شعاراً للأمة في الفقه، كما أن الكتب الستة شعار للأمة في الحديث. ثم نهض في القرن الرابع الهجري الإمام الكبير أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى، فنظر في جملة العقائد المنقولة عن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم على وجه الكمال، ثم بدأ يتأملها ويجتهد في استخراج الأدلة العقلية والنقلية التي تؤيد كل كلمة نقلت عن الصحابة والتابعين.
فما ترك باباً من أبواب الهدى المحمدي الذي نقله الصحابة إلا وقد ثبته وخدمه واستخرج له الأدلة، ونافع عنه وجادل فيه المعارضين من أهل الفرق الذين أنكروا بعضه. فلما أن خرج طلبة العلم في المشارق والمغارب، وقد نقلوا إلى من وراءهم من العلماء ما حفظوه من كلام أبي الحسن الأشعري، نظر علماء العقائد في المشرق والمغرب في ذلك الكلام المنقول، فاقربه وحكموا بأنه خادم للعقائد المنقولة عن السلف.
فأسرتم العلمية التي تقوم بها الأمة المحمدية عن أن الأمة قد تلقت مذهب الأشعري وكلامه في العقائد بالقبول، لما إنه أوفى المذاهب التي خدمت عقائد الصحابة والتابعين. إذ قد ترك الشيعة بعض الأبواب، وترك المعتزلة بعض الأبواب، وترك الخوارج بعض الأبواب، إلا ما كان من أبي الحسن الأشعري، فإنه ما ترك كلمة في أبواب العقائد إلا وقد ثبتها وخدمها ودافع عنها واستخرج لها الأصول التي تفحم المعاندين.
فلما أن نظر العلماء في البيئات والمراكز العلمية في المشرق والمغرب في كلامه، حكموا بأنه كلام معتمد وأنه منهج منضبط، وأنه لم يترك شيئاً من الهدى المنقول إلا وقد خدمه. إنه قدم للأمة طريقة جدلية تستطيع القيام بخدمة العقائد ونصرتها على وجه الكمال.
فالأمة المحمدية قامت مع العقائد المنقولة عن أبي الحسن الأشعري بقضية التلقي بالقبول. وقد نظرت هذه الأمة بعينها في عقائد المعتزلة فرفضت، فما جاوزت عقائد أهل الاعتزال القرن الرابع إلا وقد ذهب مذهب أهل الاعتدال واندثر، لأن الأمة ما تلقته بالقبول. كما أن هناك عدد من مذاهب أئمة الاجتهاد في الفقه لم ينقل ولم يعتني به أحد، لما أن الأمة ما تلقته بالقبول.
ونظرت الأمة في كلام الخوارج فردته، فما جاوز القرن الرابع والخامس إلا وقد اندثر إلا قليلاً، لما أن الأمة ما تلقته بالقبول. فانتبهوا إلى أن التلقي بالقبول واجب علمي انتقائي تقوم الأمة من خلاله بالنظر فيما يتم طرحه من أفكار ومناهج ومذاهب ومؤلفات، فتقبل منها الأمة وترد وتاخذ وترفض.
ويسفر مجهود الأمة في جملتها عن أن بعض الكتب العلمية تموت وتندثر لما أن الأمة لم ترتضي ما فيها، وأن بعض الكتب والمناهج والمذاهب تبقى وتستمر وينتسب إليها العلماء في المشرق والمغرب عبر العصور، وتؤلف الكتب الكثيرة المستفيض في نصرتها وتبنيها.
فانتبهوا إلى أن التلقي بالقبول واجب علمي نقدي انتقائي تقوم به الأمة مع كل ما يتم طرحه فيها من كتب وأفكار ومناهج. ثم من بعد هذا الجيل نشأت المدارس العلمية، والمدارس العلمية تقليد علمي قامت به الأمة في جملتها.
ونشأ في القرن الخامس أو القرن السادس أيام نظام الملك في دولة السلاجقة، فقد بنى مدرسة سماها بالمدرسة النظامية، وخصصها لإمام الحرمين أبي المعالي الجويني ليدرس فيها. ثم قام بالتدريس فيها حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى.
وقبل ذلك لم تكن دروس العلم تطرح في المدارس، إذ لم تكن كلمة المدارس مألوفة، وإنما كانت تلقى في المساجد. فقام نظام الملك رحمه الله تعالى بتأسيس بناء كبير هو في الحقيقة مسجد، إلا أنه مخصص لإقامة الدروس، ويأوي إليه طلبة العلم، ويرعى بعضهم ويسكن فيه الطلبة، وتخرج لهم الجرايات والأرزاق، وتقام فيه الفرائض، إلا أنه مخصص في المقام الأول للدروس العلمية.
فكثرت من ذلك الوقت المدارس العلمية في المشرق والمغرب، واشتهرت المدارس العلمية في ديار الإسلام بالتخصصات العلمية المتباينة. فلقد نشأت بعض المدارس العلمية لتدريس الفقه خصوصاً، ونشأت بعض المدارس العلمية لتدريس الحديث خصوصاً، كما كان شأن المدرسة الأشرفية في دمشق.
وقد جلس لتدريس الحديث فيها الحافظ الكبير أبو عمر بن الصلاح، صاحب المقدمة المشهورة في علوم الحديث. فقد كان يجلس تحت قبة النسر في المدرسة الأشرفية، تلك المدرسة التي عرفت بأنها مقصد لمن يريد دراسة الحديث الشريف.
وانتشرت المراصد الفلكية التي كانت تعتني برصد الأجرام السماوية وصناعة التقاويم، فيما يشبه عمل المراصد الفضائية المعاصرة. وانتشرت المراكز العلمية التي تعتني بالعلوم التطبيقية، وجهزت فيها المعامل.
فنشت فيها حركة علمية إسلامية تخدم العلوم التي تبني الحضارة وتصنع النهضة. وكان من المدارس التي نشأت في ذلك الوقت الأزهر الشريف، وكان من المدارس التي نشأت في ذلك الوقت جامع الزيتونة في تونس، وكان من المدارس التي نشأت في ذلك الوقت جامع القرويين في مدينة فاس من المغرب الأقصى، وكان من المدارس التي نشأت في ذلك الوقت المدارس العلمية المنتشرة في بلاد الشام، لا سيما في الجامع الأموي في دمشق.
وانتشرت حلقات التعليم في الحرمين الشريفين، وانتشرت في بلاد حضرموت، وانتشرت في بلاد جنوب شرق آسيا. حتى كتب العلامة النعيمي رحمه الله تعالى كتاباً اسمه "الدارس في تاريخ المدارس"، وهو مطبوع في مجلدين، يتناول المدارس العلمية التي نشأت في المشرق والمغرب، ويتكلم عن تاريخ كل مدرسة ومن وقفها أو بناها، وعن أشهر العلماء الذين تخرجوا منها.
وهو مطبوع، ولا بد من أن تنتفعوا به وتطالعوه لتروا صفحات مضيئة من مجد هذه الأمة وتاريخها، أيام أن كان العلم يعمر كل بقاعها. أما الأزهر الشريف، فلقد نشأ في أرض مصر منذ 1000 سنة تقريباً، واحتفل العلماء هنا في مصر في أوائل الستينات بالعيد الألفي للجامع الأزهر، حينما مرت ألف سنة بالضبط على تاريخ افتتاح الأزهر الشريف للتعليم.
ولربما سبقه بسنوات قليلة جامع القرويين في فاس، إلا أنه لم ينل عشر معشار الشهرة العلمية التي ادخرها الله وجمعها للجامع الأزهر الشريف المعمور. الجامع الأزهر منذ أن نشأ، هيأ الله الأقدار لتسلط الأضواء عليه، وليؤوي العلماء إليه من المشارق والمغارب.
وذلك أن قد سقطت الخلافة العباسية على أيدي التتار سنة 656 من الهجرة، فبعدها بسنتين أُعلنت الخلافة في القاهرة في مستهل سنة 658. فلما أُعلنت الخلافة في القاهرة وصارت القاهرة كرسي الإسلام وعاصمة الأمة ومركز صناعة القرار العالمي في ذلك الوقت، عمرت القاهرة بالأعيان والأمراء والوجهاء، ونشطت فيها أصول الحرف والصنائع، واستبشر فيها العمران.
حتى إن ابن خلدون رحمه الله تعالى في أوائل القرن التاسع ليقول في المقدمة: "ونحن نرى أن العلم والتعليم في وقتنا هذا إنما هو في مدينة القاهرة من أرض مصر". كانت القاهرة قد صارت عاصمة العلم والثقافة في الدنيا بأكملها، كان هذا في منتصف القرن السابع الهجري، وعلى وجه التحديد من مستهل سنة 658.
ومنذ ذلك الوقت ارتفع شأن الأزهر الشريف جداً، وتلقت الأمة منهج الأزهر الشريف بالقبول، بل صار الأزهر الشريف مع جامع الزيتونة في تونس، مع جامع القرويين في فاس، مع علماء الحرمين الشريفين، صار هؤلاء هم العقول المفكرة التي يرجع الناس إليها لتقييم الأفكار والكتب والمذاهب.
فصار الأزهر الشريف لسان الميزان، صار هو المعيار الذي ينظر فيما يطرأ في المشارق والمغارب من أفكار وفلسفات ومناهج، فيحكم الأزهر الشريف بأن هذا مقبول وأن هذا مردود. فيقر كلامه المشارقة والمغاربة من علماء تونس وعلماء المغرب وعلماء المشرق الأقصى.
ولم تنقل واقعة واحدة في التاريخ حكم فيها الأزهر الشريف بحكم فخالفت بقية المدارس العلمية، لما أن هذه المدارس بأكملها تسير على منهج علمي منضبط له أصول ومعالم، وله تقاليد علمية عريقة في صناعة العلماء وفي تخريجهم.
فقد كان الأزهر الشريف بيئة علمية في غاية النشاط، يجمع الخبراء العلميين في شتى التخصصات من مختلف أنحاء العالم. إذ كان يأتي إليه المغاربة وهم في طريقهم إلى الحج، فيحرصون على أن ينزلوا في الأزهر الشريف، وربما جلس بعضهم للتدريس فيه، كما فعل ابن خلدون إذ درس في الجامع الأزهر، وكما فعل العلامة ابن سودة من علماء المغاربة، وهو في طريقه إلى الحج، نزل في الأزهر فدرس فيه موطأ مالك مدة سنة أو يزيد.
وكما فعل العلامة الشيخ محمد الخضر حسين من علماء الزيتونة في تونس، إذ جاء وأكمل دراسته في مصر، وما زال يرتقي حتى صار شيخاً للجامع الأزهر. وكما فعل عدد من علماء المقدس من الشوام، بل إلى الأمس القريب ما زال علماء الشام والكبار منهم يتخرجون من الجامع الأزهر الشريف.
وهذا مشهور عندكم في ديار جنوب شرق آسيا، إذ كان الأزهر الشريف قبلة، وقد كان هناك رواق بل أروقة في الأزهر الشريف لأبناء جنوب شرق آسيا. إذ صار الأزهر الشريف منذ ذلك الحين مدرسة علمية منضبطة معتمدة، تلقتها الأمة بالقبول.
وكما أن الأمة قد ارتضت المذاهب الأربعة شعاراً لها في الفقه، وارتضت مذهب الأشاعرة والماتريدية شعاراً لها في العقيدة، وارتضت الكتب الستة شعاراً لها في الحديث، فقد ارتضت الأمة المحمدية، وهي أمة علم ومعرفة، ولقد حفظها الله من أن تجتمع على ضلالة، ارتضت الأزهر الشريف منهجاً علمياً معتبراً في تخريج العلماء الذين يحملون الشرع الشريف إلى كل آفاق الدنيا.
وكان الأزهر الشريف في ذلك الحين يدرس فيه قريب من 70 علماً من العلوم الشرعية والعلوم اللغوية والعلوم العقلية والعلوم التطبيقية التجريبية. حتى لقد كان يدرس في الأزهر الشريف الطب والتشريح والفلك والهندسة، وتدرس علوم الرياضيات وعلوم الرياضيات العليا. وما زال علماء الأزهر الشريف يستكثرون من تدريس العلوم، حتى زادت على 70 علماً.
وإلى الأوقات المتأخرة في القرن الماضي والذي قبله، كان من علماء الأزهر الشريف من يتقن على وجه التقريب قريباً من 30 علماً، كما كان العلامة الكبير أحمد بن عبد المنعم الدمنهوري، وقد كان شيخاً للأزهر الشريف، فله مؤلفات في الجيولوجيا وفي استنباط المياه، وله مؤلفات في الفلك، وله مؤلفات في الهندسة.
وكذلك العلامة الكبير شيخ الإسلام الإمام الشيخ حسن العطار، شيخ الجامع الأزهر المتوفى سنة 1250 من الهجرة، إذ له مؤلفات في الهندسة والفلك والموسيقى والتشريح وعلوم المنطق وعلوم الكلام وعلم النحو وعلم الأصول وغير ذلك كثير، كما تجدونه في كتاب خاص ألفه عن الشيخ حسن العطار الدكتور محمد عبد الغني حسن، وكتابه اسمه "الإمام الشيخ حسن العطار"، وهو مطبوع.
انتبهوا إذاً إلى أن الأزهر الشريف قد صار منهجاً علمياً تلقته الأمة بالقبول، وصار الأزهر الشريف شعاراً للأمة في العلوم والمعارف، كما أن المذاهب الأربعة قد صارت شعاراً للأمة في الفقه، وكما أن الكتب الستة قد صارت شعاراً للأمة في الحديث.
المنهج الأزهرى منهج له سمات وخصائص. السمة الأولى أنه مبني على الإسناد، فلا تجد عالماً أزهرياً تخرج من الأزهر الشريف وجلس للتدريس أو تصدر لتعليم الناس في المشارق والمغارب إلا وهو صاحب إسناد، أي إنه درس على عالم تخرج على شيخ درس هو الآخر على شيخ حتى يرتفع الإسناد موصولاً إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وبرز هذا عند علماء الأمة في نوع من المؤلفات يسمى بالاثبات، فما من عالم من علماء الأزهر الشريف في ذلك الوقت، بل من علماء الأمة في المشرق والمغرب، إلا وله كتاب خاص يذكر فيه أسماء أساتذته الذين تلقى عليهم وأسانيده في تلك العلوم، وأسماء الكتب التي قرأها على كل واحد منهم، ويجعل كتاباً خاصاً لنفسه يعرف بمجهوده العلمي، ويصف ما كان شائعاً في الفترة التي درس فيها من رواج علمي وعلماء يجلسون للتدريس.
فهذا النوع من المؤلفات في غاية الأهمية، وهو يسمى عند المشارقة بالاثبات، ويسمى عند المغاربة بالفهارس، ويسمى عند علماء الأندلس بالبرامج. فإذا رأيت كتاباً اسمه البرنامج، فهذا كتاب جمع فيه مؤلفه أسماء شيوخه ومقروءاته وأسانيده وما قرأه على كل واحد منهم، فهو وصف للبيئة العلمية في زمانه كيف كانت.
هذا أولاً، ثم إنه من وراء ذلك مستند يثبت أن هذا العالم قد تمت صناعته وصياغته على أيدي الأكابر من العلماء، وما تخرج إلا بعد أن ورث علومهم وأخذ عنهم مناهجهم في فهم الشرع الشريف.
ثم انتبهوا هنا إلى قضية في غاية الأهمية، وهي أن العلم والهداية في الحقيقة ليس مقصوراً على الأدلة. وهذا مدخل في غاية الخطورة وفي غاية الحساسية، يظن كثير من طلبة العلم أو يجري على الألسنة كثيراً في هذا الزمان أن العلم دليل، وإذا قلت له شيئاً من العلم من كتب أهل العلم، يقول لك: "وأين دليله؟".
فانتبهوا إلى أن العلم في الحقيقة ليس دليلاً فقط، بل العلم أمر مركب من ثلاثة أشياء. الشيء الأول: المصادر والأدلة. والشيء الثاني: هو المنهج المعتمد والمنضبط في فهم الأدلة. والشيء الثالث: ملكات ومواهب قائمة بشخصية من يطبق المنهج على النص.
فهذه أصول ثلاثة يتكون منها العلم في الحقيقة: المصادر والأدلة، هذا هو الأمر الأول. المنهج المعتمد في فهم المصادر والأدلة، هذا هو الأمر الثاني. الملكات والمواهب الخاصة بمن يقوم بتطبيق المنهج، هذا هو الأمر الثالث.
فمن أين أخذنا هذه الأمور الثلاثة؟ من القرآن الكريم ومن الحديث النبوي الشريف. إذ روى الإمام الطبراني والدارمي وغيرهما عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خذوا العلم قبل أن يذهب العلم". قال الصحابة: "يا رسول الله، وكيف يذهب العلم وفينا كتاب الله وسنة رسوله؟".
انتبهوا إلى هذا المعنى، كانوا يظنون رضي الله عنهم أن مجرد وجود النصوص والأدلة يكفي في الهداية. فخطاب صلى الله عليه وسلم في ذلك، فقالوا: "يا رسول الله، كيف يذهب العلم وفينا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؟". فقال أبو أمامة: "فغضب صلى الله عليه وسلم، قال: فغضب لا يغضبه الله".
ثم قال: "فكلت أمهاتكم قد ضلت اليهود والنصارى وفيهم التوراة والإنجيل". ثم قال صلى الله عليه وسلم: "إن ذهاب العلم أن يذهب حملته". إن ذهاب العلم أن يذهب حملته. ليس الأمر إذن مقصوراً على مجرد وجود الدليل، ولربما وجد الدليل، لكن لم يوجد من يحسن فهمه، فلا يفيد الدليل شيئاً.
ولما أملت كتاب الله تعالى، رأيت ظاهرة قرآنية في غاية العجب، لأن المولى تبارك وتعالى ما ذكر الكتاب في القرآن الكريم إلا وقد قرنه بذكر العباد الصالحين. كان الكتاب وحده لا يكفيك في الهداية، بل لا بد معه من عبد يحسن فهمه ويتخرج وفق منهج منضبط يحسن تحليله.
واليكم من كتاب الله تعالى ما يشير إلى ذلك: قال سبحانه: "ثم أورثنا الكتاب". قال سبحانه: "والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقاً لما بين يديه". إلى أن قال سبحانه: "ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا".
فأبى الله تعالى أن يترك الكتاب وحده إلا بعد أن أقام معه سبحانه الركن الثاني من أركان الهداية، وهو العباد الصالحون. قال سبحانه: "إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين". قال سبحانه: "الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب". فما ترك الكتاب وحده حتى أنزله على يد عبد يحسن فهمه.
قال سبحانه: "ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مريه من لقائه". وجعلناه هدى لبني إسرائيل. فكان يكفي أن يكون الكتاب وحده هداية، فقال الله تعالى بعدها مباشرة: "وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون".
وهذا المعنى هو الذي فهمه الإمام الأوزاعي رحمه الله تعالى، وفهمه من بعده ابن رشد الفقيه، فقال كلمة في غاية النفاسة والأهمية: "كان هذا العلم كريماً في صدور الرجال، ثم إنهم استودعوا الكتب، وظلت مفاتيحه بيد الرجال".
فكان لا يكفيك أبداً في الوصول إلى العلم والهدى أن تقرأ المصادر والأدلة وحدها، إلا إذا وجد معها منهج معتمد في فهم الدليل، وقام بتطبيق المنهج إنسان متمرس عنده ملكات ومواهب خاصة. ولذلك فإن المولى تبارك وتعالى يقول: "فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة". وما قال تعالى: "فلولا نفروا ليتفقهوا في الدين"، لأن الله تعالى جعل التفقه مقصوراً على فئة من الناس وهبوا هذه الملكة.
فمن الناس من عنده الموهبة والملكة والنبوغ في دراسة الطب وحده، ومن الناس من عنده الملكة والموهبة والنبوغ في دراسة الهندسة فقط، ومن الناس من عنده الملكة والموهبة والنبوغ في فهم المستويات العليا من دلالة النصوص، فهو الذي يخوض في الدلالة، ومن سواه من عامة المؤمنين يقال في حقهم: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون".
وما أمرهم الله بالرجوع إلى الدليل، فما قال لهم سبحانه: "فانظروا في الأدلة"، بل قال سبحانه: "فاسألوا أهل الذكر"، إذ لا يصلح عبد لأن يأخذ من الدليل مباشرة إلا إذا استصحب منهجاً معتمداً في الفهم، وقام بتطبيق هذا المنهج إنسان مؤهل.
فأوجد الله علينا الرجوع إلى أهل العلم، وهم الذين يحسنون استخراج الهداية من الدليل. هذا المعنى في غاية الأهمية، وهو الذي تميز به الأزهر الشريف. إن الأزهر الشريف حفظ على الأمة المصادر، وحافظ للأمة على المناهج المعتمدة في الفهم، والتقط الطلبة الموهوبين أصحاب القدرة العلمية، ودربهم على الفهم، وأعطاهم سنوات من المعرفة والخبرة.
فما دفع بهم إلى الأمم في المشارق والمغارب إلا بعد أن أجيز بالفهم، وتمرسوا وتدربوا، وأحسنوا فهم المنهج. فكانوا إذا نظروا في الأدلة والنصوص، استخرجوا منها الهداية على وجهها. فهذه هي في الحقيقة ميزة الأزهر الشريف، وهذا مظهر وسطيته.
وانتبهوا إلى أن هذه العناصر الثلاثة، والتي هي المصادر والأدلة مع المنهج المعتمد في الفهم، مع الملكات التي تقوم في شخصية القائم بالفهم، قد نظر فيها علماء الشريعة فاقها كما سأذكر بعد قليل. بل ما زال الباحثون من المشرق والمغرب، من غير المسلمين، ينظرون، فوصل الفكر الإنساني الصرف إلى أن البحث العلمي الدقيق المقبول لا يقبل إلا وفق هذه الأمور الثلاثة.
روجزر بيكون وفرانسيس بيكون وعدد ممن يتكلمون في منهجية البحث، يتكلمون عن أن البحث العلمي المنهجي لابد فيه من ثلاثة أمور. الأمر الأول: مصادر البحث التي سميناها نحن بالنصوص والأدلة. الأمر الثاني: كيفية البحث التي سميناها نحن بالمنهج المعتمد في فهم النص. الأمر الثالث: عندهم شروط الباحث، والتي سميناها نحن بالملكات والمواهب القائمة بشخصية من يطبق المنهج على النص.
بل تعجبون إذا رأيتم علماء الأمة، كالإمام الفخر الرازي رحمه الله تعالى، والامام ناصر الدين البيضاوي، والامام التاج السبكي، وعشرات من علماء الأصول، بل هو المعتمد عند الأصوليين، أنهم حينما تكلموا عن كيفية فهم النصوص الشرعية، ذكروا هذه الأمور الثلاثة.
فيقولون: "علم أصول الفقه في الحقيقة علم يبحث هو العلم بأدلة الفقه الإجمالية". فيتكلمون عن المصادر، قالوا: "والعلم بكيفية الاستفادة منها، فهو المنهج المعتمد في فهم النص". ثم قالوا: "والعلم بشروط المستفيد"، فتحدثوا عن المواهب والملكات الخاصة بالقائم بالفهم.
فكان هذا المنهج الذي جاء به الحديث، ونطق به القرآن، واستخرجه علماء المسلمين المهتدين، وتوصل إليه الفكر الإنساني الحر، هو جوهر المنهج الذي قام عليه الأزهر الشريف.
لأن الأزهر الشريف علم أبناءه قضية السند، وقضية السند معناها أن يجلس الطالب على ركبتيه سنوات طوالاً بين يدي أساتذته ومشايخه، حتى يرث عنهم كيفية الفهم. لما أنه قد حفظ الأدلة، ولكن حفظ الأدلة وحدها لا يحقق ولا يوجد الهداية، حتى يوجد بجوارها المنهج المعتمد في الفهم، ويوجد بجوارها ملكات تقوم بمن يتصد للفهم.
هذه المعاني التي تكلمنا عنها هي التي أشار إليها الشاعر في قوله: "من يأخذ العلم عن شيخ مشافهة، يكن من الزيغ والتصحيف في حرمي". يعني يكون نصوناً من الزلل والخطأ وسوء الفهم. "من يأخذ العلم عن شيخ مشافهة، يكن من الزيغ والتصحيف في حرم".
ومن يكن أخذاً للعلم من كتب، فعلمه عند أهل العلم علم كالعدم. فهذا ضابط وقاعدة في غاية الأهمية، أن الكلام الذي يأتي به عامة الناس لا يقبل إلا إذا ما تلقاه العلماء بالقبول.
ومن هم العلماء الذين تخرجوا في المدارس العلمية المعتمدة، فتعلموا فيها المصادر، وتعلموا كيفية فهمها، وتعلموا الشروط التي لابد من أن توجد في الباحث. ولذلك تجدون عند علماء الأصول في علم الأصول باباً خاصاً بالمجتهد، وصفات المجتهد، والأدوات العلمية التي لابد من أن توجد عند المجتهد، والشروط التي تحقق فيه معنى الاجتهاد.
فلا يصلح عامة الناس للنظر في الدليل، وما أمرنا الله تعالى بالعودة إلى الدليل، بل أمرنا بالعودة إلى العلماء المعتمدين الذين يحسنون فهم الدليل. فقال: "لعلمه الذين يستنبطونه منهم". وقال سبحانه: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون".
هذه الخاصية التي تميزت بها علوم الأمة المحمدية، هي التي من خلالها قام علماء الأمة بالنظر في كل ما يطرح في الساحة الفكرية والعلمية والثقافية من كتب وأفكار ومناهج. فينظر الخبراء والمتخصصون من العلماء فيها، فيحكمون بأن هذا مقبول، فيتداول الناس في المشارق والمغارب، أو يحكمون بأن هذا غير منهجي وغير دقيق وغير منضبط، فيرده العلماء، ولا يتداولونه.
فيحدث ما يسميه العلماء بالتلقي بالقبول. إذاً، الأزهر الشريف هو المدرسة الكبرى التي تأسست على الأصول الحقيقية لصناعة الهداية وتكوين العلماء.
فإذا ما رجعتم إلى بلادكم، وقد قام كل منكم بواجب في هداية الأمة، وتبصير والاخذ بأيدي الناس إلى الله تبارك وتعالى، وتعريف الناس بحقائق الشرع الشريف، والذي هو رحمة للعالمين، فانتبهوا إلى معيار واضح تميزون به بين كل ما يفد عليكم من الأفكار والمناهج.
إذا ورد عليكم شخص أو منهج أو فكر، فاعرضوه على الأزهر الشريف، وانظروا ماذا يقول هو في الأزهر الشريف، وماذا يقول الأزهر الشريف فيه. فإن كان مستمداً من الأزهر الشريف، أو من جامع الزيتونة في تونس، أو من جامع القرويين في فاس في المغرب، أو من المساجد والمدارس العلمية في ديار الشام، أو من المساجد والمدارس العلمية في حضرموت، أو من المدارس العلمية المعتمدة في جنوب شرق آسيا، فاحكموا بأنه مقبول.
يسير معها في نسق مستمد منها، نابع من علومها. وحاشى لهذه المدارس الكبرى أن تجتمع على ضلالة، وقد ارتضاها الله تعالى لخدمة دينه ألف سنة أو يزيد. وتلقت الأمة بالقبول، وجعلت الأمة تلك المدارس عيونها التي تبصر من خلالها الحقائق.
فإذا ما رجعتم إلى دياركم، فاعتصموا بالمنهج الأزهرى، ولا تقبلوا من أحد من الناس كلمة يخطئ فيها الأزهر الشريف. لأن الأزهر الشريف منهج، ولأن أخطأ واحد من علمائه، اجتمع الباقون على تصويبه.
فالأزهر الشريف منهج علمي عريق معتمد، اختاره الله تعالى وأبقاه، وهو الذي حمل راية الدين وحده قروناً كاملة. فبين أيديكم الآن معيار في غاية الوضوح، وهو أنه إذا رجعتم إلى دياركم، فانطلقوا على بركة من الله وهدي في تعليم الناس ما تعلمتم في الأزهر الشريف.
انقلوا إليهم العلوم التي تعلمتموها في هذا المعهد العلمي الكبير المنور. علموا الناس ما وعيتموه في الأزهر الشريف من علم. وعندئذ ستأتي إليكم تيارات وافدة من المشرق والمغرب، يقولون لك عند كل كلمة: "أين الدليل؟"، ويقولون لك عند كل كلمة: "نحن نعرف الحق بالرجال"، ويقولون لك في كل كلمة: "هم رجال ونحن رجال"، إلى آخر تلك الدعايات المشهورة.
فلا تسمعوا لهم، وعرضوا على الأزهر الشريف، وابحثوا في دياركم وفي دولكم وفي أقطاركم، ابحثوا عن كبار العلماء الخفايا من قدامى العلماء الذين درسوا في الأزهر الشريف، وأحيوا ذكرهم، وترددوا إليهم، واقرأوا عليهم العلم، وعرفوا المجتمع بهم.
وأنا في آخر زيارة كنت عندكم في ماليزيا، كنا في ولاية بهنج، وكنا في ندوة يحضرها سماحة المفتي هناك. فسألني الناس عن مثل هذا الموضوع الذي أتكلم فيه، فقلت لهم: عندكم الأزهر الشريف، وعندكم من الأزهر الشريف طرف ممدود إلى دياركم، وهو سماحة المفتي، وقد تعلم في الأزهر الشريف، وعلاقته موصولة بعلماء الأزهر الشريف.
فاسألوه، وكلما ورد عليكم شيء من الفكر، ارجعوا إليه، وسلوه عنه. ولأن وقفت أمامه مسألة أعيته ولم يدرك لها وجها، فسوف يتصل بالكبار من علماء الأزهر الشريف، يسألهم. ولأن وقفت المسألة مع كبار علماء الأزهر الشريف، فسوف تطير فيها الاستفتاءات والأوراق إلى علماء المشرق والمغرب، حتى تستقر الأمة فيها على رؤية.
فقال بعدها سماحة المفتي: "مكتب الإفتاء عندي بكل العاملين فيه مفتوح لمن يسأل في أي شيء وفي أي وقت". ثم قال بعدها: "جزاك الله خيراً على أنك أعدت بناء جسور الثقة بيننا وبين أبنائنا".
فانتبهوا إلى أننا أمناء على هذا الشرع، نحن وإياكم قد ائتمن الله تعالى على هذا الدين. فخذوا هذا الدين من عيونه الصافية. فلقد قال ابن سيرين رحمه الله تعالى كما في مقدمة صحيح مسلم: "إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم".
انتبهوا إلى أنكم مؤتمنون على الشرع الشريف، وكلما ارتبط أحدكم واعتصم بمدرسة من المدارس العلمية الكبرى، أو على منهجه، ورجع إلى علمائه، ونشر علومه، حاشى له أن يزيغ، لما أنه قد أدخل نفسه في سياج لا يجتمع أبداً على ضلالة.
انتبهوا إلى ذلك، ولعل كلمتي أن تكون وافية في بيان موضع الأزهر الشريف من تكوينهم العلمي، وأنه ليس فقط مباني وجامعات ومدارس وأشخاص. الأزهر الشريف منهج علمي، وهو الوريث المعتمد لعلوم الصحابة والتابعين، وهو عين المبصرة والأذن الواعية التي ترى الأمة من خلالها وتسمع وتعرف الحقائق، ولا يزال كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وأسأل الله تبارك وتعالى أن يفقهنا وإياكم في الدين، وأن يعلمنا وإياكم التأويل، وأن يبلغ بنا وبكم دينه، إنه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه. وأسأله سبحانه أن يأخذ بأيديكم، وأن يوفقكم، وأن يبلغكم الرشد.
وأنتظر أسئلتكم، والله تعالى أعلى وأعلم وأجل وأكرم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.