📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

الدرس السادس من تفسير سورة يس

الشيخ طارق داهود43:53

Transcription

سلم على سيدنا محمد سيد الاولين والاخرين وحبيب رب العالمين وعلى اله واصحابه الطيبين الطاهرين. نسال الله تعالى ان يوفقنا جميعا لرضاه.

وأن يصلح احوالنا ويقبلنا بقبول حسن. لازلنا في تفسير سوره ياسين ووصلنا الى قوله تعالى: "وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ".

"اتَّبِعُوا مَن لَّا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ". من هذا الرجل الذي جاء يسعى من أقصى المدينة؟ إنه حبيب النجار. تذكرون حبيب النجار؟ هذا الراعي الذي لقيه المرسلون من قبل سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام فدعوه إلى دين الإسلام. فأسلم هذا الرجل حين بلغه أن المرسلين من قبل سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام هددهم أهل أنطاكية بالرجم وبسوء العذاب وهددوهم بالقتل.

جاء من أقصى المدينة يسعى. لماذا؟ لينصر إخوانه على دين الإسلام وليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. انتبهوا إلى قوله تعالى: "وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ". لماذا عبر بقوله: "من أقصى المدينة"؟ من أقصى المدينة يعني من طرف المدينة البعيد. اشتد يسعى. يسعى ليس معناه يمشي مشيًا خفيفًا، بل معنى يسعى يمشي مشيًا سريعًا، يركض، يجري.

لماذا؟ ما الذي حركه إلى أن يقدم من أقصى المدينة وإلى أن يأتي يسعى؟ الذي حركه هو نصرة دين الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذان سببان مهمان ينبغي أن يتسم كل واحد منا بهما. أن يكون عنده حرقة وتحرك لنصرة دين الله، للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لذلك جاء من أقصى المدينة رجل يسعى، يشتد في جريانه.

لأن نبينا عليه الصلاة والسلام قال: "إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يأخذوا على يد من يفعله أوشك أن يعمهم الله منه عقاب". الأخذ على يد فاعل المنكر لزجرهم ونهيهم عنه هذا فرض مؤكد. والأمر بالمعروف ما دام يستطيع هذا الأمر إلى ذلك سبيلا، هذا أمر فرض مؤكد. لذلك إذا ترك الناس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نبينا صلى الله عليه وسلم يقول: "يوشك أن يعمهم الله بعقاب منه قبل أن يموتوا". وهذا فعل "يوشك" من أفعال المقاربة، من أفعال المقاربة التي ينبغي أن تفهم منها أنه ربما عن قريب ينزل عليهم عقوبة من الله لتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فلهذا قيامًا بما أوجب الله سبحانه وتعالى على هذا الرجل حبيب النجار، جاء يسعى وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى. قال: "يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ". الآن بدأ يكلم قومه أهل قريته، لأنه هو منهم. أما المرسلون من قبل سيدنا عيسى فلم يكونوا من أهل أنطاكية. أما هذا حبيب النجار فكان منهم. الآن جاءهم ليظهر إسلامه لهم وليأمرهم بالدخول في دين الإسلام.

وهذه الدعوة إلى الله تعالى، يعني شرف عظيم لمن يحظى بها، لمن ينالها. لأن ربنا سبحانه وتعالى قال: "وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ". هؤلاء الذين يعملون بالدعوة إلى الله صادقين مخلصين على بصيرة من أمر دينهم وعلى وفرة في العلم، هؤلاء أحسن الناس قولًا لأنهم على قدم أنبياء الله من المقتفين والسالكين.

فلذلك قال: "يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ". لماذا قال: "يا قومي"؟ هذه اللفظة فيها، فيها ما يدلك على أنه مشفق عليهم، يريد خيرهم وصلاحهم. فابتدأ كلامه بما يدل على هذا الإشفاق وعلى هذه، هذا الحرص على إسلامهم. فقال لهم: "يا قومي". وهذا مثل ما جاء في القرآن مكررًا مثلاً عن سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام. أبوه آزر كان كافرًا، كان عابد صنم. انظروا في خطاب نبي الله إبراهيم لأبيه مرات ومرات، أربع مرات في سياق آيات متتالية يقول له: "يَا أَبَتِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا". لماذا قال: "يا أبتي" أربع مرات؟ يظهر شفقته على أبيه، حرصه على أبيه، حمله أن يلين له الخطاب. فقال له: "يا أبتي". وهنا كذلك قال: "يا قومي" من باب إظهار حرصه على إسلامهم واستعطافهم ليدخلوا في هذا الدين.

هذا مثل ما تقول أحيانًا لولدك تقول له: "يا بني افعل كذا، افعل كذا، لا تفعل كذا". تقدم أمرك ونهيك له بقولك له: "يا بني" على سبيل استعطافه. "اتَّبِعُوا مَن لَّا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا". يعني هؤلاء المرسلون من قبل سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام لا يسألونكم أموالكم، بل يطلبون ما فيه خيركم وفلاحكم في الدنيا وفي الآخرة. هم لا يريدون لأنفسهم من دعوتهم لكم ما لهم، إنما يريدون منكم أن تربحوا أمر دينكم وتبقى لكم أموالكم كما هي. لا يريدون منها حظًا ولا نصيبًا.

وهذا يفهمنا أحبابنا أن الربح كل الربح لمن مات مسلمًا وعلى عمل صالح. هذا الذي يفوز في الآخرة. لا الغنى بالمال مجرد. رد الغنى بالمال يجعل الإنسان زاقيًا عند الله. قارون كان من أكثر الناس مالًا. قارون ما إن مفاتيح خزائنه لتنوء بها العصبة أولو القوة. مفاتيح كنوزه، مفاتيح خزائنه. فما بالكم بما في الخزائن؟ ما الذي آل إليه أمره حين أمره نبي الله موسى أن يدفع الزكاة؟ أمره أن يدفع الزكاة على ماله. شوية حسابات عملها قارون، طلع بده يدفع شو؟ مبلغ كبير لأنه خزائنه ممتلئة بالذهب والفضة والنقود والأموال. يريد أن يهرب من التزام دفع الزكاة. فماذا قال؟ "إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي". أنا بذكائي وشطارتي، قد يقال مهارتي ومعرفتي بالتجارة وبكسب الأموال وتنمية هذه الأموال، أنا بهذا كسبت، كسفت هذا المال. لماذا تريد أن أدفع الزكاة؟ فانكر الزكاة وكفر بالله، جحدها، جحد فرضيتها. ما الذي آل إليه أمر قارون؟ خسف به وبكنوزه وبقصره الأرض. الله انتقم منه في الدنيا مع ما له من العقوبة في الآخرة في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها.

لهذا الربح كل الربح، الربح الذي لا خسارة فيه أن تفوز في الآخرة. لو فاتك في الدنيا حظوظ الدنيا وزينها وأموالها وذهبها وفضتها، لا يضيرك إن كنت حصنت دينك. لذلك يقول بعض الشعراء:

إذا أبقت الدنيا على المرء دينه

فما فاته منها فليس بضائرِ

ولن يعدل الدنيا جناح بعوضةٍ

ولا وزن زفٍ من جناحٍ لطائرِ

انظروا إذا أبقت الدنيا على المرء دينه، سلم له دينه. خرج من الدنيا وقد سلم له دينه. فما فاته منها، ما فاته من الدنيا، فليس بضائر، لا يضره. لأن الإنسان في يوم القيامة لا يقال له: كم معك من المال؟ تركته قبل أن تموت. الميزان في يوم القيامة لا على ميزان الغنى بالمال أو الفقر به، إنما بالعمل الصالح. هذا ميزان نجاتك في يوم القيامة. ولن يعدل الدنيا جناح بعوضة، جناح بعوضة لا بعوضة، بل جناح البعوضة. الدنيا لا تعدل جناح بعوضة عند الله. ولا وزن زفٍ من جناحٍ لطائر. تعرفون الزف؟ الزف هو وبر، وبر العصفور الصغير. كم يكون وزنه؟ كلا شيء. ولا وزن زفٍ من جناحٍ لطائر.

لذلك يقول لهم: "اتَّبِعُوا مَن لَّا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا". هؤلاء يريدون ربحكم في الآخرة، لا يريدون منكم حظوظًا دنيوية. لا يريدون منكم المال، لأنهم يقصدون بدعوتهم لكم وجه الله. يريدون أن يتعدى النفع إلى الغير. "وَهُم مُّهْتَدُونَ". أي هؤلاء الرسل الذين أرسلهم سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام مهتدون، على هدى. لماذا؟ لأن الذي أرسلهم هو سيدنا عيسى. وبما أن سيدنا عيسى هو الذي أرسلهم وهو على هداية عظيمة لأنه نبي نبي الله رسول الله، فهؤلاء المرسلون من قبله أيضًا كانوا على هدى.

حين رأوا حبيب النجار يكلمهم قالوا له: "أَوَأَنتَ عَلَىٰ دِينِ هَٰؤُلَاءِ؟". فقال لهم حبيب: "نعم". لم يخشهم ولم يخفهم، بل صرح وأعلن إسلامه وقال: "أنا على دينهم، على دين الإسلام". وجعل ينصحهم. فقال: "وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي". انتبهوا، بدأ كلامه فنسبه إلى نفسه. "وَمَا لِيَ". "وَمَا لِيَ" أعبد الذي فطرني؟ معناه شيء يتعجب منه، ألا أكون عابدًا للذي خلقني؟ وهذا على جهة التوبيخ لهم، على جهة توبيخهم لكفرهم. يظهر لهم أن الذي فطر الكون وخلقه هو الذي يستحق أن يعبد. فأنا ملتزم عبادة ربي لأن ربي هو الذي فطرني.

إنما قال: "فطرني" ولم يقل: "فطرنا". مع أن الله تعالى فطره أي خلقه وخلقهم. لماذا؟ لأن قوله تعالى: "وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي". خلق الله تعالى له وهدايته له على الإسلام أو إلى الإسلام مدعاة لأن يشكر الله سبحانه وتعالى. فلذلك كانه يقول: إيجاد الله تعالى لي نعمة يوجب الشكر لله. وكونه على دين الإسلام هذه نعمة عظيمة تستدعي شكرًا لله. ثم قال لهم: "وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ". ولم يقل: "وإليه نرجع". مع أن كل الخلائق راجعون إلى الله. إنما قال: "وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ". لأن قوله: "وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" يحمل معنى أنكم ستموتون وستبعثون وستحاسبون على كفركم الذي أنتم عليه. فلذلك قال: "وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ". هذا يحمل معنى تهديدهم ووعيدهم أنهم إن لزموا كفرهم إلى الممات سيلقون في يوم القيامة عذابًا شديدًا. بما أن البعث في القيامة وعيد، فهذا الوعيد يوجب الزجر، يوجب أن ينزجروا عن كفرهم الذي هم عليه.

أما نسبة الفطر إليه فقال: "فطرني". لماذا؟ لأن إيجاد الله تعالى نعمة تستوجب الشكر. وهذا يأخذنا أحبابنا إلى قضية عقائدية مهمة وهي أن الذي خلق هو الذي يستحق أن يعبد. لذلك ربنا عز وجل يقول: "أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ". ربنا عز وجل يضرب لنا الأمثلة لعل هؤلاء يرعوا عن كفرهم. يقول لهم: انظروا، أنتم تعبدون هذه الأصنام. هذه الأصنام تستطيع أن تخلق شيئًا؟ تستطيع أن تجلب لكم منفعة على الحقيقة؟ لا تستطيع أن تدفع عنكم الضر على الحقيقة؟ لا. فكيف تعبدونها وهي عاجزة لا تقدر أن تخلق لكم شيئًا؟ الخالق وهو الله هو المستحق لأن يعبد. "أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ". معناه كيف تركتم عبادة خالقكم وخالق الكون كله وخالق المنافع لكم وخالق اندفاع الضر عنكم وعكفتم على عبادة من لا يخلق؟ هذه سخافة في العقل مدقعة.

وهنا يذكرهم بأن الذي فطره وفطركم يستحق هو وحده أن يعبد. لهذا قال: "وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي". طيب، لما لم يقل: "ما لكم تعبدون الذي فطركم؟" هم الذين لا يعبدون الله. أما هذا حبيب النجار آمن بالله ويعبد الله. فلماذا قال: "وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي؟" هذا على جهة الإشفاق عليهم، على جهة تحريك قلوبهم ليقبلوا نصحه، تلطفًا بهم. نسب هذا إلى نفسه، وإلا فإنه كان عابدًا لربه بما أنه آمن بالله. ثم قال: "وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ". أي مرجعكم بعد الموت لمجازاتكم على أعمالكم إلى الله. انظروا إلى قوله: "وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ". أي لا إلى غيره. "وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ". أي لا إلى غيره ترجعون. ولهذا المسلمون يقولون: "إنا لله وإنا إليه راجعون". معناه نحن ملك له، ثم يميتنا في الوقت الذي شاء، ويبعثنا في الوقت الذي شاء ليحاسبنا على أعمالنا. الله له ذلك.

ثم اتبع كلامه بما فيه تنفير لهم من عبادة الأصنام وبيان أنها لا تستحق العبادة. وأخرج الكلام من أسلوب المخاطب نفسه إلى أسلوب زجرهم. فقال لهم: "أَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً". يعني أنا لا أتخذ من دون الله آلهة. إنما نسب هذا إلى نفسه لأجل التلطف بهم كما سبق وبيّنت لكم. "أَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً". أي لا أتخذ من دونه، من دون الله، أصنامًا أعبدها. "إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَـٰنُ بِضُرٍّ لَّا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِ". "إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَـٰنُ بِضُرٍّ". يعني بمكروه، ببلاء، بمرض. لا تغني عني لا يدفع عني هذا البلاء وهذا المرض وهذا المكروه شفاعة أصنامكم التي تعبدونها. لأن هذه الأصنام لا شفاعة لها أصلاً لتغني عنكم وتدفع عنكم هذا المكروه. ليس لها شفاعة أصلاً. هي لا تنفع ولا تضر على الحقيقة.

فهنا نفى عنها الشفاعة. لماذا؟ لأنها أصنام لا عقل لها ولا حياة فيها ولا قدرة على شيء. فكيف تشفع؟ الأنبياء في يوم القيامة يشفعون ويقبل الله شفاعتهم. الملائكة في يوم القيامة يشفعون. العلماء العاملون بعلمهم، عالم ويعمل بعلمه، ليس عالمًا ماجنًا فاسقًا، لا، إنما عالم يعمل بعلمه، هؤلاء يشفعون في يوم القيامة. شهيد المعركة يشفع في يوم القيامة. الصبي الذي مات مثلاً بعد ولادته مباشرة، هذا يشفع لأبويه المسلمين في يوم القيامة. هؤلاء الشفعاء شفاعتهم تنفع لأنهم لا يشفعون إلا بإذن ربهم سبحانه. هؤلاء هم الشفعاء. أما الأصنام فلا تدفع عنهم الضر والمكروه والبلاء إن نزل بهم. لهذا يقول: "إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَـٰنُ بِضُرٍّ لَّا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِ". يعني لا تستطيع هذه الأصنام أن تنقذني، أن تخلصني من هذا المكروه ومن هذا البلاء.

انتبهتم يا أحبابنا؟ "إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ". أي إذا اتخذت الأصنام من دون الله معبودات لي، إذا أكون في ضلال مبين، ضلال واضح بين، هذا الضلال يحيط بي من كل جانب. يعني هذه سخافة، عجيبة عبادة الأصنام. ومنهم من كان في زمان نبينا عليه الصلاة والسلام. واحد يقال له غوي بن راشد، غوي بن عبد العزة. غوي اسمه غوي، ويقال غاوي ابن عبد العزة والعزة صنم كانوا يعبدونها والعياذ بالله. كان جعل لنفسه صنمًا في داره، صنمًا في داره. كل يوم يغسله ويطيبه ويزينه ويهتم له ويعكف على عبادته. في يوم جاء الثعلبان فبالا عليه الثعلبان. جاء ووجد صنمه ملطخًا بالنجاسة. فنظفه وغسله وطيبه. في اليوم الذي بعده جاء الثعلبان فبالا. اختار الصنم مكان بول له. ليقضي الله عز وجل أمرًا كان مفعولاً. عندئذ مضت من نفحات ربنا أيقظت هذا الإنسان من غفلته. فصار يفكر يقول: كيف أعبد هذا الصنم إذا كان هذا الصنم لا يدفع عن نفسه بول الثعلبان؟ فكيف سيدفع عني الضرار؟ صار يفكر. فما كان منه إلا أن كسر صنمه وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وحسن إسلامه. قال له رسولنا صلى الله عليه وسلم: "ما اسمك؟" قال: غوي بن عبد العزة. قال: "بل أنت عبد الرحمن أو عبد الله بن راشد". ومنهم من يقول: راشد بن عبد ربه. راشد ابن عبد ربه. انظروا قلب اسمه واسم أبيه. هو اسمه غاوي فسماه راشدًا. وأبوه اسمه عبد العزة فسمى أباه عبد ربه. هذا الذي قال: "ما رب يبول الثعلبان براسه؟ لقد قد خاب من بالت عليه السعالب". هذا يكون ربًا؟ كيف يكون ربًا؟

وأولئك الذين كانوا يعبدون أصنامًا صنعوها من تمر. بنو حنيفة صنعوا أصنامهم من تمر. أصابتهم في يوم سنة ومجاعة. سنة ومجاعة. في فتح السين، فبحثوا، نظروا يمنة ويسرة ما وجدوا شيئًا يأكلونه إلا هذا الصنم. فجعلوا ينظرون في هذا الصنم. يعني نحن نعبدك، نحن نعظمك، ولكن ما عاد بيدنا حيلة. أسقطناه من أيدينا. ما لنا إلا أن نأكلك أنت. فأكلوا صنمهم والعياذ بالله. أكلوا معبودهم. أكلوا ربهم المزعوم. عمل الجهاز الهضمي والفك عمله في صنمهم. ثم نزل معبودهم إلى أمعائهم. ثم خرج من حيث تعلمون. اه. هذا الذي جعل يؤنبهم ويوبخهم شاعرهم منهم يقول:

أكلت حنيفة ربها زمن التقحم والمجاعة

لم يحذروا من ربهم سوء العواقب والتباعة

سوء العواقب والتباعة. السنة بكسر السين: النعاس لا تأخذه سنة ولا نوم. أما السنة بفتح السين فهي المجاعة.

"إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ". يعني إذا كنت ممن يعبد هذه الأصنام، فأنا على ضلال مبين. كفري كفر صريح بين، واضح، محيط بي من كل جانب. ثم لما نصح قومه وأشفق عليهم وتلطف بهم كما يظهر لكم من هذه الآيات، وأقام لهم الدلائل على عدم استحقاق الأصنام لعبادة الله، وهم ألفوا عبادة الأصنام. ما كان منهم إلا أن رجموه بالحجارة فقتلوه. قتلوه وهو منهم، من عشيرتهم. وهكذا. الذي يريد للناس الخير ويحضهم عليه ويحثهم عليه كثيرًا ما يلقى معاندات ممن فسدت قلوبهم. ما ليس كذلك. أنت تريد خيره وهو لا يريد. قلوب مقفلة. نسأل الله السلامة.

لذلك قال: "إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ". أي اسمعوا إيماني لتشهدوا لي به عند الله. أفتى أولئك الاثنين أو الثلاثة الذين هم من مرسلي سيدنا عيسى. جاءه فقال لهم: "إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ". شو يعني "فاسمعون"؟ يعني فاشهدوا لي في يوم القيامة أني آمنت بالله. قال لهم هذه الكلمات، ثم رجموه. رجمه قومه بالحجارة فقتلوه. قيل: "ادْخُلِ الْجَنَّةَ". قيل: "ادْخُلِ الْجَنَّةَ". هنا "قيل" فعل مبني لما لم يذكر فاعله. من الذي قال؟ لم يذكر مبني للمجهول. والمقصود كما قال علماء التفسير: قيل أي الملائكة نزلت من السماء لتقول لحبيب النجار هذا الذي آمن فرُجم وقُتل لأجل نصحه وإيمانه: "ادخل الجنة". هذا مثل قول الله عز وجل: "إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ". هذا مثل هذا.

فإذا المخاطب لحبيب النجار هم ملائكة. "قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ". بشرته بدخول الجنة. يعني لا مانع بأن يكون عرض عليه مقعده من الجنة وتحقق أنه من داخليها وساكنيها. فراى ما أقر عينه. لما حصلت تلك البشارة لحبيب النجار بدخول الجنة قال: "يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ". "بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ". "يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ". يا ليتهم يعلمون عظيم الثواب على الإيمان الذي حصلته، على نصرتي لدين الله، على نصحي لكم، على أمري لكم بالمعروف ونهيي لكم عن المنكر. يا ليتكم تعلمون عظيم الأجر والثواب على هذه الطاعات والحسنات والمبرات. "بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي". ستر علي ذنوبي. ستر علي ذنوبي. "وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ". عطف بينهما بواو العطف لنفهم أن جعل الله عز وجل له ذا كرامة في الجنة شيء، ومغفرة الله تعالى لذنبه به شيء آخر. ستر الله تعالى له ذنوبه هذا شيء، ثم زيادة على ستر الله تعالى لذنوبه ومغفرته له جعله بشو؟ من المكرمين، من ذوي الكرامة عند الله.

لما قُتل، عجل الله تعالى عندئذ العقوبة على أهل هذه القرية. انظروا، أرسل الله تعالى لهم الملك جبريل عليه السلام فأخذ بأعالي باب هذه القرية وصاح بهم صيحة واحدة، فإذا هم جميعًا خامدون. "وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ". معناه الأمر كان أسهل في ظنكم. لم يرسل الله تعالى لهم ملائكة من السماء، جندًا كثيرين من السماء لإهلاكهم. إنما كان يكفي لإهلاكهم أن نرسل لهم جبريل يصيح بهم صيحة واحدة، تتقطع قلوبهم في صدورهم فيهلكون في أراضيهم. يعني لم يحتج الأمر إلى أكثر من ذلك. لنعرف أن الإنسان ضعيف، ضعيف، ضعيف، ضعيف.

"وَمَا أَنزَلْنَا". يعني لم يرسل الله تعالى على قومه، قوم حبيب النجار الكافرين، من بعده، يعني من بعد قتله ورجمه، من جند من السماء، يعني لم ينزل الله تعالى على قومه في هلاكهم ملائكة كثيرين لإهلاكهم. بل أرسلهم جبريل فصاح بهم صيحة واحدة. "وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ". يعني ما كنا لنفعل هذا. بل الأمر في إهلاكهم كان أيسر مما تظنون. أيسر يعني في حسبكم مما تظنون. وإلا كل الأمور على الله تعالى يسيرة، سهلة. لا يقال هذا الشيء أصعب على الله من هذا الشيء، ولا يقال هذا الشيء أهون على الله من هذا الشيء. لأن قدرة الله عز وجل قدرة واحدة صالحة لكل الممكنات العقلية. نحن البشر يقال في حق الواحد منا: هذا أهون علينا من هذا، وهذا أصعب علينا من هذا. أما عز وجل فلا يقال في حقه، وهو القادر الذي لا يعجزه شيء: هذا أهون عليه من هذا، وهذا أيسر عليه من هذا. إنما قلت: هذا أيسر في ظنكم وحسبانكم. أما عند الله فكل الأمور سهلة. أن يرسل عددًا من الملائكة، جنودًا من الملائكة لإهلاكهم، هذا هين على الله. وأن يرسل ملكًا واحدًا كجبريل ليصيح بهم، هذا هين على الله. هذا سهل على الله، وهذا سهل على الله.

ثم بين ربنا عز وجل عقوبتهم فقال: "إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ". الله أكبر. "إِن كَانَتْ". ما هي إلا صيحة واحدة. عقوبتهم لم تأخذ أكثر من أن يصيح جبريل فيهم صيحة واحدة. ثم أكدها بقوله: "وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ". خامدون يقال مثلاً: خمدت النار إذا انطفأت، ما عاد يظهر لها شعاع نور ولا دخان. هذا معناه خمودها. وكذلك هم. وكذلك هم. فإذا هم خامدون. قبل هنيهة كانت تنبض قلوبهم، تتحرك أبدانهم. سكنوا، فما عاد لهم أدنى حركة. وكذلك أخذ ربك سبحانه. وهذا ضرب مثل لأهل مكة. يعني ما فائدة إنزال هذه القصة على نبينا عليه الصلاة والسلام؟ تذكير لأهل مكة. اعتبروا بما مضى قبلكم من الأمم. أنتم تعبدون الأصنام، وأهل أنطاكية كانوا يعبدون الأصنام. حين أبوا أن يؤمنوا أنزل الله تعالى عليهم العقوبة. فاحذروا أن ينزل الله تعالى عليكم مثل عقوبة أهل هذه القرية بصدكم عن الإيمان برسولنا محمد صلى الله عليه وسلم. هذا تحذير وتخويف وزجر لهم.

تحمل لسه الأمور معنا شوي. "يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ". انتبهوا أحبابنا. معناه شأن هؤلاء العباد شأن يتحسر عليهم فيه. لا أن الله تعالى يتحسر على العباد. في ناس بتظن أن ربنا هو الذي يتحسر. الله تعالى لا يجوز عليه التحسر. لأن التحسر انفعال وتاثر، مثل الضحك، مثل الغضب. ضحكنا شو يا أحبابنا؟ تاثر، انفعال. بينبسط وشك بين أسنانك، ما هيك؟ آه. يظهر التهلل على وجهك لفرحك قلبك. طيب، وإذا كنت منزعجًا من شيء، غضبانة، تقطب جبينك، تحمر عيناك، آه، تنتفخ أوداجك. هذا اسمه تاثر وانفعال. والتحسر كمان تاثر وانفعال. التاثر والانفعال مستحيل على الله. لا يجوز في حقه. لأن الله عز وجل ليس كمثله شيء. لا يماثل ولا يشابه أحدًا من خلقه.

فإذا ما معنى قوله تعالى: "يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ". الحسرة شدة الندم. ليس الندم في أوله، أول مراتبه. لا، شدة الندم. هذا نداء للحسرة عليهم. يعني معناه أنهم مستحقون هؤلاء الذين أهلكهم الله، أحقاء أن يتحسر المتحسرون عليهم. لماذا؟ لأنه خسر الدنيا والآخرة، وله في الآخرة عذاب الله المؤبد إلى ما لا نهاية له. فمثل هؤلاء حالهم حال من يتحسر الإنسان عليه لأنه في خسارة، ليس لا عز بعدها. في خسارة لا عز بعدها. يقول الحافظ ابن الجوزي: وهذا تفسير آخر. قال: استهزاؤهم بالرسل كان حسرة عليهم في الآخرة. كان حسرة عليهم في الآخرة. إذاً لا يجوز نسبة التحسر إلى الله. كما فعل شيخ المشبهة منذ نحو 50 سنة. هذا الذي يعتونه عمدة عندهم في التفسير يقال له عبد الرحمن السعدي. له تفسير. وهذا مشبه مجسم. نسأل الله السلامة. قال والعياذ بالله، وهذا ما سبقه إلى هذا أحد. قال: "يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ". أي الله يتوجع عليهم. قال: توجعًا عليهم من الله. وهل هذا يجوز نسبته إلى الله؟ هل يقال الله يتوجع؟ انظروا إلى سخافتهم في الاعتقاد وإلى عظيم إقحامهم أنفسهم في التشبيه. نسأل الله السلامة.

المسلم أحبابنا تكفيه آية: "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ". يكفيه قول الله تعالى: "وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ". ليس لله شبيه، ليس لله مثيل، ليس لله نظير. فينفي عن قلبه كل تشبيه لله تعالى بخلقه. نسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعًا لرضاه وأن يصلح أحوالنا ويقبلنا بقبول حسن. اللهم علمنا ما جهلنا، وانفعنا بما علمتنا، وبارك لنا فيما أعطيتنا. اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك يا ربنا من سخطك ومن النار. وأحينا ما أحييتنا مسلمين، وتوفنا مؤمنين كاملين يا أرحم الراحمين. واسأل الله العظيم من فضله أن يجمعنا بأوليائه وأحبائه العارفين في جنة عدنه وقدسه. إنه ولي ذلك والقادر عليه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.