Transcription
السلام عليكم. هذه الحلقة ربما تكون هي الأطول في تاريخ قناة السبيل، لأني مضطر لفتح هذا الملف الكبير في مرة واحدة. والموضوع هذا مؤجل منذ سنوات، لأن النظرية التي سأتحدث عنها كنت أفكر فيها منذ زمن، وما زلت حتى الآن أضيف لها.
ولما بدأنا بفتح ملف الجن بكل ما فيه من ملفات كثيرة، وتعرضت لموضوع الهلوسات والطب النفسي، تعرضنا للهجوم. وذكرت في هذا الهجوم عرضاً مسألة أن الجن لا يقتصر دورهم على الوسوسة ولا الهلوسة، وأنهم ليسوا كائنات دينية نقيضاً للملائكة، بل هم كائنات مكلفة مثلنا. فلهم حضارة وعلوم، ولديهم أيضاً اطلاع على الجانب الروحي الذي قد لا نراه بالحس.
من جزئيات هذا الملف أن للجن احتمال تعاون مع أشباههم من البشر، وجزء من هذا الاحتمال مؤكد، سواء بالنصوص أو بغيرها، بما في ذلك نقل بعض المعارف للبشر. طرح هذه النظرية يستلزم بيان مشروع إبليس الذي يغفل عنه الناس في منظومة تأله كامل لإبليس وهي جزء منه.
بما أن هناك من سيتصيد أيضاً كما تصيد سابقاً، هذا يدفعني لفتح هذا الملف كله في مرة واحدة بدلاً من التمهيد بحلقات كما كنت أخطط. ومع أنها ستكون طويلة، فلا بد من مشاهدة الحلقات السابقة أيضاً. قد تكون بعض المعلومات الكثيرة جداً في هذه الحلقة غير دقيقة أو تحتاج لبعض التدقيق. هناك رقيب عتيد لكل كلمة سأقولها، لذا انتبهوا ممن سيجتزئ بعض الكلام أو يفتري حتى علينا، فقط لينقض معنا.
وللأسف، من يتصيد ليس فقط العلماني الملحد المادي، بل أيضاً الكثير من الإسلاميين الذين يرون ما نقوله دعماً للخرافة وأضراراً بالإسلام نفسه. أشير أيضاً في البداية أن هذه النظرية تعرضت لها جزئياً في كتابي "مستقبل الخوف" المطبوع في عام 2020 في فصل الخوف من الشيطان. النظرية أيضاً هي جزء من نقاشات نخبوية، والأصل أن لا تعرض على العامة على الأقل في بعض جزئياتها. ولكن مرة أخرى، للأسف، هناك من يدفعنا لطرحها بكل ما فيها.
والأصل أيضاً، القارئ والمشاهد العادي غير المهتم بالقضايا العامة، حتى لو سمع الجملة التي ذكرتها سابقاً عن احتمال نقل بعض المعلومات العلمية من الجن إلى الإنس، هذا حتى لو سمعه الإنسان العادي ما كان يثير الجدل لو لم يتصيد البعض ويثير به الجدل. على أي حال، ليست لدي رسالة خاصة أوجهها للقارئ العادي، وحتى لو كان غير مهتم بالقضايا العامة وشاهد هذه الحلقة، فعلى الأقل ستكون مفيدة في أمور أخرى، وهي مشروع إبليس.
من سيقتنع بالنظرية ليس المطلوب منه أن يفعل أي شيء بعد هذه الحلقة. فالذين تصيدوا هذا الأمر لم يفهموا أننا لا نشكك بدقة المنهج العلمي المادي نهائياً، ولا ندعو للتخلي عنه أصلاً. المنهج المادي التجريبي طبقه المسلمون قبل الغرب. النظرية التي نتحدث عنها في جزء منها انتقاد للفلسفة المادية تحديداً، التي جعلت من المنهج المادي أداة لتفسير العالم وجعلته كالقرآن والإنجيل أداة مقدسة لفهم الوجود كله، وليس فقط اكتشاف الظواهر الطبيعية ومحاولة تفسيرها.
إذاً، النظرية لن تطلب منك التخلي عن المنهج المادي التجريبي، ولا التخلي عن ممارسة العلم، ولا التخلي عن هذه الاختراعات، لا الكاميرا التي أصور بها، ولا هذا اللاب توب الذي أمامي، حتى لو كانت الشياطين نفسها هي التي أوحت بجزء من العلوم التي أدت إلى اختراع هذه الاختراعات. فنحن لا نقول إن النظريات العلمية، بغض النظر عن مصدرها، هي ضلال أو متعلقة بجانب ديني أو عقدي. فحتى لو كان جزء من هذه النظرية متعلقاً بمشروع إبليس للتضليل واستعباد البشر، هذا لا يعني أنه أي نظرية علمية، حتى لو جاءت منه هو شخصياً، متعلقة بأي جانب ديني أو أخلاقي.
أيضاً، ليست لي أي مصلحة شخصية بدعم هذه النظرية أو ترويجها. لا أبيع أي منتجات متعلقة بها، حتى كتابي الذي فيه جزء من هذا الموضوع هو متاح مجاناً على الإنترنت. بل أيضاً، طرح هذه النظرية سيسبب لي من الضرر والتشويه من الكثير من الناس أكثر من أي شيء آخر. لذا، شيء من التضحية في طرح هذا النقاش أصلاً.
وأخيراً، إذا كنت مهتماً بهذا الموضوع، أتمنى أن تشاهد الحلقة حتى نهايتها. ومن الضروري أيضاً أن تشاهد الحلقات السابقة، لأنها مقدمات لا أستطيع حتى تلخيص ما فيها.
سأناقش في هذه الحلقة عدة محاور، وهي بالترتيب التالي:
مشروع الشيطان في مقابل منظومة الوحي الإلهي.
المعرفة الشيطانية في الشعوب الوثنية.
دور الحدث في العلم.
النظريات الكبرى في فلسفة العقل والروح والمادة.
تصنيف العلوم، بما فيها التصنيف بين معرفة عامة وباطنية سرية.
ثم نذهب إلى أوروبا لنكتشف الفلاسفة والعلماء الطبيعيون والسحرة في العصر الوسيط، التي كانت فيه المسيحية هي المسيطرة.
ثم العلماء السحرة والباطنيون في عصر النهضة، وهو عصر تشكيل الجمعيات السرية وتصدر المادية في الظاهر.
ثم في العصر الحديث، هناك سحرية سرية ومادية ظاهرية.
ثم العلماء الباطنيون والسحرة في العصر الحديث، مع أنه عصر المادة.
ثم نظريات واكتشافات علمية حديثة يعتقد أن لها مصادر باطنية.
ثم نظريات تشكك في قصة الثورة العلمية وأن لها مصادر غير بشرية.
أخيراً، خلاصة النظرية، ثم أسئلة واعتراضات وأجوبة عليها.
حتى نفهم الموضوع من البداية، لدينا مشروع شيطاني إبليسي في مقابل المشروع الإلهي، المنظومة الإلهية لكل الوجود والمعرفة. ولا بد أن أوضح أيضاً من البداية، إذا كان من يسمعنا الآن غير مسلم، أهلاً به على أي حال، ولكن يجب أن يعرف مبدئياً أننا نتحدث من منطلق إسلامي. وأيضاً، لما نقول "نحن مسلمون"، هذا لا يعني أننا مسلمون بالوراثة بالضرورة. على الأقل، من يحدثك الآن اقتنع بالإسلام عقلياً. فالعقل عندنا هو الذي قرر في البداية أن هذا الوحي هو مصدر موثوق للمعرفة، وأن الذي جاء به محمد عليه الصلاة والسلام كان صادقاً. ثم بعد ذلك، الخطوة التالية هي أننا سلمنا لهذا الوحي باعتباره المصدر الأول والأهم للمعرفة، لأنه جاء من الذي خلق العقل، قلّ نفسه في البداية.
وحتى لو كان غير المسلم غير مقتنع بهذه الفكرة، على الأقل يفهم أننا ننطلق من هذا المبدأ. فإيماننا بالإسلام ليس إيماناً عاطفياً ولا وجدانياً، ليس مثل حال المسيحي الذي يجب أن يقتنع بذلك ثم يتعاطف معه ثم يقنع عقله بذلك. وأيضاً، لما أقول إن الإيمان بالإسلام هو إيمان عقلي، هذا لا يعني أنه إيمان منطقي جامد مثل الكمبيوتر. نحن نقول المسلم، الإنسان بشكل عام، مكون من روح وجسد، من عقل ووجدان. فالايمان هو تفاعل وجداني أيضاً، وليس عاطفي، ليس مشاعري مع ما يقتنع به العقل. بمعنى أنه يمكن أيضاً للفلاسفة أن يختلفوا على الكثير من المبادئ العقلية، باستثناء طبعاً المنطق الرياضي. فحتى يعني كبار العقلاء والعلماء بالمنطق والعقليات قد يختلفون على مبادئ فلسفية. ولمن نريد الاستزادة في هذا الموضوع، نحيله إلى موسوعة السبيل.
هذه الحلقة أيضاً موجهة بالأساس لجمهور مسلم، فلدينا أمور مفروغ منها الآن ننطلق منها إلى الأساسيات. ومن هذه الأساسيات الحديث القدسي عن الله سبحانه وتعالى: "إني خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين، فحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا". هذا في صحيح مسلم في عدة روايات له. فالأصل إذاً في الانحراف عن التوحيد إلى الشرك هو انحراف بفعل الشيطان، يعني بفعل من كفر وتمرد من الجن، هم الذين أوحوا إلى بني آدم بهذا الشرك.
ثم لدينا أيضاً أحاديث أخرى تشرح كيف حدث هذا الانحراف في أول مرة، ثم كيف تحول من عبادة أصنام صنعت لأرواح أجداد سابقين إلى عبادة الجن أنفسهم. وهذا ما ظهر في الميثولوجيات. نحن شرحنا هذا كله في حلقات سابقة، نحيل إليه أيضاً. ولدينا في القرآن الكريم أن العرب عبدوا الجن صراحة. فلما يسأل الله سبحانه وتعالى الملائكة: "أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل؟" فيقولون: "سبحانك أنت ولينا من دونهم، بل كانوا يعبدون الجن، أكثرهم بهم مؤمنون".
ولدينا أيضاً: "وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم، وخرقوا له بنين وبنات". وأيضاً: "وجعلوا بينه وبين الجن نسباً". ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون. فالجن شياطين الجن، صناديد الكفر والتضليل في عالم الجن، اخترعوا هذه المنظومة وخرقوا بنين وبنات ونسبوهم إلى الله، وأحياناً قالوا: "هؤلاء ملائكة". ولذلك الله سبحانه وتعالى يشهد الملائكة أمام الناس في الآخرة أنهم لم يعبدوا الملائكة، بل عبدوا الجن الذين ظهروا في هيئة الملائكة، أو قدم الجن هؤلاء أنفسهم على أنهم آلهة أو أرواح سابقين.
والقرآن ذكر العرب في هذه الآيات تحديداً لأنه القرآن نزل في قوم العرب، ولكن ما فعله العرب من نسبة الجن إلى الله سبحانه وتعالى والخلط بينهم وبين الملائكة، فعلته كل الشعوب الأخرى. وهذا ما شرحناه أيضاً في حلقات سابقة. وعندما كان النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً يدعو القبائل الوثنية في موسم الحج في بداية البعثة إلى التوحيد، في عدة روايات، كان أبو لهب، الذي هو عمه شخصياً، كان يلحق به من خلفه ويقول لهم: "لا تسمعوا لهذا الكذاب". في إحدى الروايات: "إنما يدعوكم أن تسلخوا اللات والعزى ومنات من أعناقكم وحلفائكم من الجن من بني مالك بن أقيش". يعني في سلالة من الجن حلف معهم من قبل العرب لعبادة هذه الآلهة التي هي اللات والعزى، والتي هي أيضاً إعادة تجسيد لآلهة موجودة في الكثير من الميثولوجيات والأساطير والملاحم في كل الشعوب تقريباً، وكلها تتجسد على هيئة الآلهة وتعبد في هيئة أصنام.
سوف أخصص حلقة إن شاء الله لاحقاً عن مشروع إبليس بشكل عام. نتحدث فقط عن مقدمات ما وعن سوء الفهم الهائل، للأسف، بين حتى المسلمين الذين يفترض أن يكونوا هم أوعى الأمم بمشروع إبليس. فكل ما هو شائع، للأسف، بين الكثير من الناس أن دوره يقتصر على الوسوسة في الصلاة والفساد بين المرء وزوجه، وهذا كل شيء. ولا ندرك أن حلم إبليس هو الألوهية، أن يضع نفسه في مكان الإله سبحانه وتعالى ويتحدّاه شخصياً.
وحتى نفهم أكثر هنا، تخيل فقط يعني إنسان عادي صار رئيس دولة، لأنه أي رئيس دولة أصلاً هو إنسان عادي في النهاية. لما يصير بحجم رئيس دولة فعلاً وتحته ملايين البشر يطيعونه، ما الذي سيحدث لعقله؟ تخيل فقط لو كنت في مكانه، كيف سيستبد بالناس، كيف سيتجبر هو على نفسه أصلاً، وكيف سيتخيل نفسه فعلاً في مقام الإله، حتى لو كان هذا الإنسان يعلم أنه لن يعيش أكثر من 100 سنة على الأكثر.
فتخيل الآن في مكانه لو كان هناك إبليس، هذا الجني الضخم القوي الموجود من ما قبل آدم عليه السلام، لا ندري بكم، والذي يعلم أن الله سمح له أن يعيش إلى آخر الزمان، فلا ندري هذا العمر كم سيكون؟ وهو الذي ظلل معظم البشر من البداية، فقال من البداية لما تحدى الله سبحانه وتعالى: "ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، ولا تجد أكثرهم شاكرين". هو من البداية توقع قبل أن يولد أول ولد لآدم أن أكثرهم لن يكونوا شاكرين. والله سبحانه وتعالى نقل لنا هذه المقولة في آخر كتاب نزل إلى البشر، يعني بالفعل بعد ما تحققت هذه النبوءة أو هذا التوقع من إبليس لعنه الله، أنه بالفعل معظم البشر لم يكونوا شاكرين.
ولذلك، لذلك سبحانه وتعالى يقول لآدم: "اخرج بعث النار، من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين سيذهبون إلى النار". هؤلاء الذين اتبعوا إبليس. فإبليس له سلطة بأشكال متنوعة، متعددة، متفاوتة على هؤلاء البشر. أقل شيء أنه استطاع أن يضلهم وأن يأخذهم باتجاه الشرك. وأضف إلى ذلك أيضاً، إبليس له سلطة على عدد هائل من الجن الذين هم الشياطين. إذا قلنا أقل حد يعني أنه مقابل كل إنسان هناك قرين من الشياطين، وهذا شيطان جني مكلف، طبعاً ليس الله الذي أجبره أن يضلنا، هو اختار بنفسه أن يكون شيطاناً. شرحنا هذا أيضاً في حلقات سابقة. فهؤلاء الذين هم الجنود، الذين هم الآن فقط عددهم الأحياء الآن 8 مليارات بما يوازي عدد البشر، هؤلاء كلهم تحت سلطة إبليس. ما قبلهم وما بعدهم، كم عدد الجن؟ كل هذه من جنود إبليس. تخيل سلطة هذا المخلوق إذاً.
فتخيل هنا كيف سيفكر، كيف سيكون منطقه، كيف سيتعامل مع الوجود. وهذا يضاف طبعاً أيضاً إلى فكرة أنه سيعيش فترة طويلة. فإذاً، من الطبيعي جداً، وهذا ليس مبرراً، لو كان مكانه إنسان سيفكر بطريقة أنه سيتأله وسيحل محل الإله.
سأستعين هنا بشرائح من دورة يقدمها مركز تمكين في الجزائر، أرسلها لمدير المركز، هو الذي أرسلها جزاه الله خير بدون ما أطلبها. يقدمون دورة بنفس ما نقوله الآن بعنوان "مقاربة نسقية في فهم مشروع الشيطان وأثره في النهضة الأوروبية". هم يقدمونها للمقارنة مع مشروع إبليس في فترة النهضة، وليس في التاريخ البشري. اللي قلناه في فترة النهضة، منظومة الشيطان هي تأليه الإنسان، فجعلوا الإنسان في مكان الإله. أما إبليس، مشروعه سابقاً في أيام الوثنية الطويلة في عمر البشرية هي أنه إبليس نفسه في مقام الإله في ميثولوجيات مختلفة. إما يظهر في هيئة إله بشكل مباشر، ولكن ليس باسمه طبعاً ولا هيئته، أو بشكل آخر. وقد يكون بشكل موازٍ لله سبحانه وتعالى يتحدّاه في منظومة فيها إلهان يتصارعان، أو هو لوحده هو الخالق الرازق.
فنرى أنه في المنظومة الشيطانية في العصر المادي الذي نعيش فيه، الإنسان مكان الإله، والعقل مكان الوحي، إلى آخره. في الشريحة التالية، وأنصح من يريد أن يستزيد أنه ممكن يوقف عرض الحلقة ويقرأ بدقة هذه المعلومات: "الوحي الشيطاني يقوم على فكرة عقائد وأفكار وتصورات كاملة موازية تماماً للوحي الإلهي، بكل ما فيهما تشريعات وأفكار وأولياء الشيطان هم قيادة بشرية وجنية تحمل هذه العقائد وتبثها في الشعوب. ومن أقرب الطوائف لهم هم بنو إسرائيل الذين حرفوا التوراة، وهم الذين تسيدوا العالم في عصرنا. حزب الشيطان أيضاً له تنظيمات وهياكل العمل في الواقع تجمع بين العقائد والأفكار، على رأسها طبعاً الجماعات السرية".
ناتي الآن للمعرفه الشيطانيه الإبليسيه في الشعوب الوثنيه التي عبدت الشيطان بشكل مباشر أو غير مباشر، وكلها في النهاية كانت في يد إبليس، بعد أن نستوعب طبعاً مشروع إبليس الذي ذكرناه. ففقرة سابقة أن مشروعه هو أن يتحول إلى إله كامل أو على الأقل موازٍ لله وخارج سلطته. فلو عدنا هنا إلى تطبيق المشروع، سنجد أنه البشرية كانت تعبد الأصنام حتى ما قبل التاريخ المدون. وقصص الآلهة والأرواح تتضمن كل الأدوار. هناك آلهة خيرة وآلهة شريرة أو كائنات سفلية في العالم السفلي، أو كائنات جيدة في العالم السماوي. وكلاهما يتصارع، وكلاهما خالد، وكلاهما جنود إبليس الذين يعبدون رغبة ورهبة من قبل الوثنيين.
ما يهمنا الآن هو الأرواح والآلهة التي تقوم بمهمة الإلهام في الأمور المعرفية والإبداعية، وتقدم أيضاً حتى قصص الخلق والمعارف عن الأسئلة الوجودية نفسها. وهذا كله جزء من هذا الإلهام الذي قدمته الشياطين، إبليس ومنظومته الشيطانية. يقدمون منظومة معرفية كاملة من قصص الخلق والوجود والأسئلة الوجودية: من أين أتينا؟ من نحن؟ إلى أين نذهب؟ ما مصيرنا بعد الموت؟ لماذا خلقنا؟ إلى آخره. منظومة كاملة بديلة لمنظومة الوحي.
ثم بعد ذلك، حتى كل ما يتعلق بحياتنا اليومية، بما أنه أصلاً الكون والوجود ونحن كلنا مادة وروح، كل الوثنيات كانت روحانية. فإذاً، حتى كل ما يتعلق بالأكل والشرب، الصيد، قطف الثمار، الزراعة، الزواج، الولادة، الحياة الاجتماعية، الحروب، الاحتفالات، كله يدخل فيه مادة وروح، وكله فيه طقوس وكله فيه تقديم قرابين وغير ذلك. وكلهم يأتي من هذا المصدر الروحي الغيبي، الذي هو الجن الذين هم أرواح أو آلهة، هم الذين يعلمونهم ويرشدونهم، وهم الحامي في نفس الوقت. فهناك سيطرة كاملة.
سنذكر الآن بعض الأمثلة للجن الذين قدموا أنفسهم في هيئة معلمين ومرشدين وأرواح وآلهة. وأول مثال معروف هو اليونان، الذي صار مثالاً عالمياً لأنه هو سلف الحضارة الغربية الآن التي تصدرت على العالم. هناك عدة آلهة تقدم المعرفة والإلهام للبشر في اليونان. طبعاً، آلهة مزيفة، على رأسها "تشيرون" أو "خيرون"، هو قنطور أو سنتور، الذي هو نصفه إنسان ونصفه حصان. الأصل أن القنطور يكون شريراً، لكن تشيرون نفسه كان خيراً، هو الذي يقدم الحكمة والمعرفة للبشر. هو الذي قدم الطب أيضاً والصيدلة لإله الطب والشفاء "إسكليبيس". إسكليبياس هو الذي دائماً يحمل العصا الملتفة حولها الأفعى، والتي تحولت لاحقاً إلى شعار الصيدلة في العصر الحديث.
لدينا أيضاً "بروميثيوس"، هو تايتان أو عملاق سرق النار، هي نار المعرفة أو شعله العلم، سرقها من السماء ماء بدون إذن زيوس، الذي هو كبير الآلهة. وكان يريد أن يعطيها للبشر ليتعلموا الصنائع، فعاقبه زيوس الإله الأعلى بقصة طويلة. في النهاية، تشيرون تنازل عن خلوده حتى ينقذ بروميثيوس، فكافأه زيوس بأن رفع تيرون إلى السماء ليكون هو نفسه كوكبه الرام أو القوس. نرى هنا أيضاً التداخل بين التنجيم والسحر، وكيف أن هذه الأفلاك ليست أشياء جامدة، بل تستنزل منها القوة الروحية.
وقصة بروميثيوس الآن متجذرة في العقل الحديث، كما هو معروف، حتى من قبل المؤمنين بالمادية فقط. في عالم الفنون، هناك تسع إلهات سميت بالميوزات. ميوزز هي إلهات الإلهام أو ربات الفن أو الملهمات. كل واحدة منها متخصصة بمجال إبداعي معين. تجسدن على هيئة النساء الحسنوات. منهن مثلاً من هي متخصصة بشعر الملاحم، واحدة متخصصة بشعر الكوميديا، أخرى متخصصة بالرقص والأغاني. هناك ملاحم طويلة أيضاً لنعرف قصص كل واحدة منهن، تفاصيل كثيرة، ليس هذا وقتها. ولكن السؤال هنا: هل هناك شاعر اسمه هوميروس أو أي شاعر آخر جلس هكذا على مكتب وتخيل هذه الإبداعات كلها، وكل هذه الملاحم في عالم خيالي كله، وكتب فيها شعراً؟ ثم جاء الملوك وحولوها إلى منظومة سياسية لاستعباد الناس؟ بل نحن نرى أن هناك شيطان، كما في الأحاديث الصحيحة، هو الذي يريد أن يحرف الناس عن عبادة التوحيد، والتي جاء بها الوحي إلى كل الشعوب: "وما من أمة إلا خلا فيها نذير". فهم الذين حرفوهم الشياطين، وإبليس تحديداً بمشروعه للسيطرة على البشرية، حرفها عن طريق أعوانه من شياطين الإنس.
فالله سبحانه وتعالى يقول: "وما كل نبي إلا وكان له أعداؤه شياطين من الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً". فهؤلاء يتحالفون ويوحون بعضهم إلى بعض في تواصل متبادل بين الطرفين. نفس هذه القصة نجدها أيضاً في التوراة المحرفة من قبل أحبار بني إسرائيل، لما زعموا أن هناك "لوسيفر" حامل الضياء أو الشعله، هو نفسه أيضاً الحية إبليس الذي تشكل على هيئة حية في الجنة ليوحي لحواء ومن بعدها آدم بأن الله حرمكم من هذه الشجرة التي هي شجرة تفاح حتى يحرمكم من المعرفة ومن الخلود، فكل منها. وإلى آخر القصة. فـ "لوسيفر" تحول بهذا حتى في التوراة المحرفة إلى نفس المعنى الذي يشبه بروميثيوس. ولاحظوا مرة أخرى أيضاً كيف يتداخل الدين والجانب الغيبي مع العلم الطبيعي والمعرفة، التي صار لاحقاً هو الساينس، العلم التجريبي.
أتجه الآن إلى مثال العرب، عرب الجاهلية. نعرف أنه العرب في جزيرة العرب، وليس العرب في الشام والعراق مثلاً، هم ورثة وحي، الذي هو وحي إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. فكانوا يعرفون الجن من الوحي، وكان لديهم تواصل مباشر معهم كما سيأتي. ولكن مثل كل الشعوب الوثنية الأخرى، الجن أنفسهم الذين كانوا يعرفون بوجودهم ضللوهم أيضاً وجاءوا على هيئة آلهة وعبدوهم في هيئة "منات" و"العزى" وغيرها. سنقتصر الآن فقط على الجانب المعرفي وإيمانهم بأن الجن يوحي لهم بالإبداع.
أهم المعارف والإبداعات عند العرب هي اللغة، وهي الشعر. هو وعاء المعرفة والحكمة، وكانت معرفة شفوية، ليست مكتوبة ولا مدونة عندهم. قصة عن وادي عبقر، هو وادي الجن الذي يأتي منه الشعر والحكمة، ومنه اشتقت كلمة "العبقري" التي نحن نقولها الآن عن كل من لديه ذكاء خارق. ولا شك طبعاً في وجود مبالغات هنا عن قصة عبقر أصلاً أو عن ما يتعلق بعبقر إن كان موجوداً، فليس هذا موضوعنا. نتحدث هنا عن أصل الفكرة.
وعلى الهامش أيضاً، معلومة مهمة أنه في الثقافة الرومانية القديمة، كلمة "جينيوس" كانت تعني الملاك الحارس، الذي هو الجني القليل الذي نجده في كل الديانات الوثنية. ثم في العصور الوسطى صارت تطلق على المواهب العقلية، ثم صارت هي "العبقري" نفسه. في الفرنسية، وجدت أن ما يقابلها هي كلمة "جيني"، وهي التي تطلق أيضاً على الجني. فلما ترجم أنطوان جالان حكايات ألف ليلة وليلة من العربية إلى الفرنسية في بداية القرن الثامن عشر، وجد كلمة "جيني" تشبه كلمة "جني". هذا ما يقال الآن، ولكن ما هذه الصدفة أنه جني يشبه جيني، الذي هو الملاك الحارس. وحتى كلمة "جيني" بنفس هذه الطريقة تكتب في الإنجليزية الآن وتطلق أيضاً على المارد الذي يخرج أيضاً من مصباح علاء الدين. وحتى في فيلم صدر أيضاً في 2023 بنفس المعنى، جنية تخرج لشخص أيضاً في قصة فيلم كوميدي.
نعود إلى العرب. لكل شاعر فحل في الجاهلية كان هناك جني أو شيطان، وكانوا يقولون هو الذي يوحي له بشعره. مثلاً، امرؤ القيس، أمير شعراء الجاهلية، كان له جني اسمه "لا فظ بن لاحظ". عبيد بن الأبرص كان لديه "هبيد بن الصلادم". النابغة الذبياني كان يوحي له "مدرك بن واقم". والنابغة الذبياني سمي بالنابغة لأنه لم يقرض الشعر إلا بعد سن الأربعين، قبلها ما كان يعرف شيء عن الشعر ولا عنده إبداع، فجاءته المواهب فجأة.
هذه ليست تهمة من أعدائهم أنه كان يأتيهم الشعر والإبداع من شياطين، هم كانوا يعترفون بذلك منهم. حسان الأعشى يقول: "وما كنت شاحردا" يعني ما كنت تلميذاً، كلمة فارسية، "ولكن حسبتني إذا مسحل سد لي القول أنطق شريكان، فما بيننا من هوادة، صفيان جني وانس موفق". يقول: "فلا أعيا لشيء أقوله، كفاني لا عي ولا هو آخر". امرؤ القيس يقول أيضاً: "تخيرني الجن أشعارها، فما شئت من شعرهن اصطفيت".
هل هذا كان فقط في الجاهلية؟ حتى في العصر الأموي نجد نفس الشيء في قصص كثيرة عن جرير والفرزدق، اللذين كانوا دائماً يتناحرون. يقال أنه أحدهم لو قال بيتين، الآخر يكملهما، ولو قال أحدهما شطر بيت، الآخر يكمله. وكلاهما يتفاجأ. في قصص كثيرة رويت عن الطرفين، وكلاهما نقل عنه قوله: "أما علمت أن لدينا شيطان؟". في قصة مثلاً كانوا في قافلة، فالفرزدق في غياب جرير ارتجل بيتين عن وصف الناقة، وخطر في باله لو سمعهما جرير سيقول بيتين آخرين لنقدهما. ثم أحدهما نقل البيتين لجرير في نفس اليوم، ففوراً جرير قال بيتين ينقضهما. فقال الفرزدق: "هذا هو اللي خطر لي تحديداً". فقال الراوي لهما: "لعنك الله، شيطان يعلم كل واحد منهما ما في نفس صاحبه".
الآن، الشعراء والنقاد يتعجبون من كل هذا. واحدةم مثلاً في جريدة الرياض كتب مقالاً يقول فيه: "ولو فكر هؤلاء الشعراء قليلاً لوجدوا أنهم انتقصوا من حق ذواتهم المبدعة". كان الشعراء هؤلاء كانوا حمقى ولم يخطر على بالهم أنه هذا سينقص من ذواتهم ومن إبداعهم. لكن هم يعترفون أنه كان في جن يوحي لهم. لكن المعاصر طبعاً لا يرى هذا إلا خرافة. من النقاد مثلاً، الناقد الدكتور عبد الله أحمد حامد من جامعة الملك خالد يقول: "يبدو أن الشاعر العربي أراد وهو يسوق لفنه ويضخم ذاته مزهو بآيات الإعجاب والتقدير من متلقيه أن يصل بهم إلى الدعاء واستحضار العالم الغيبي".
أيضاً في مثال آخر، مقال بعنوان "ظاهرة الإبداع الشعري عند العرب: شياطين الشعر بين المنظور الجاهلي والإسلامي نموذجاً"، منشور في مجلة جامعة الكوفة للدكتور حسين اللطيفي، يقول باختصار نفس الكلام السابق، وأنه أيضاً في الشعر الهجائي كان الشاعر أيضاً يقول إن هذا جاءه من الشيطان حتى يؤدي الشعر نتيجة سحرية. وهذا طريف يعني، ليس من مصلحة الشاعر أن يفكر بهذا، بل الأصل أن يقول إنه ما جاءه كان من الملائكة أو من الرب وليس من شياطين، وخصوصاً لو كان في العصر الأموي.
على أي حال، العرب كانوا يسمون التابع من الجن بالـ "راي" أو "الرئي" لأنه يتراءى للشخص، للإنسان، يعني يتراءى، يعني يراه، وليس فقط هلوسات سمعية أو وسوسة عادية، بل يراه أيضاً. وهنا ملاحظة طبعاً، أنا لا أقول كل شعر العرب، لا أموي ولا جاهلي، أنه كان من الجن، ولا حتى أجمل أجمله ولا أفضلُه. أنا لا أقول هذا. أقول إذا كانوا هم بعضهم يعترف بذلك، فهناك نسبة احتمال كبير أنه يكون هذا صحيح، وقد يكون كاذباً أيضاً. ولكن في بعضهم على الأقل ليس له مصلحة في ذلك. الأصل أن يقول إنه جاءوا من الملائكة أو من الله. ولما يتقاطع هذا أيضاً مع روايات مشابهة في كل الشعوب كما ذكرنا في اليونان، فهذه أيضاً نقطة مهمة.
القصة الأشهر عن الـ "رئي" لما بعث النبي عليه الصلاة والسلام، هناك شخص كان كاهناً في قبيلة دوس اسمه سواد بن قارب. قال إنه كان يأتيه تابع من الجن يخبره بالأخبار، ثم أتاه في المنام عدة ليال متوالية، وكل مرة يأتيه بأبيات من الشعر مختلفة عن الأخرى، ويقول له: "هناك من بعث". وقال له: "اذهب إلى المدينة واسلم على يد النبي". وبالفعل، ذهب إلى المدينة وأسلم. ورويت لنا الرواية. وهذا أيضاً مهم جداً، أنه الشيطان قد يسلم، وقد ينصح من يكون كاهناً بأن يسلم معه.
ولدينا أيضاً القصة المعروفة لما قريش أرسلوا عتبة بن ربيعة إلى النبي عليه الصلاة والسلام حتى يفاوضه، فقال: "إن كنت تريد مالاً جمعنا لك من أموالنا، وإن كنت تريد شرفاً سودناك، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً هو الذي يوحي لك بهذا القرآن العجيب ولا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب وبذلنا لك أموالنا". لاحظ أن الطب هنا متداخل في كل أفكار البشرية باستثناء المادية المعاصرة. يدخل فيه الطب الروحاني، سواء كان سحراً أو رقية مع الطب الطبيعي، الأعشاب، ولا غيرها. والنبي قرأ عليه سورة فصلت، صلى الله عليه وسلم. والقصه معروفة. لما ذهب إلى قريش وقال: "أجابني بشيء، والله ما هو بسحر ولا بشعر ولا كهانة". أول ما يخطر على بالهم أنه إذا كان في شيء عجيب هو سحر، هو شيء من الشياطين، ليس من عالمنا. ولكن لما يكون شيء عجيب مثل القرآن، فهو أعلى مما يقوله الجن، الذي هو بالنسبة لهم أعلى من كلام البشر. وهذا يشبه أيضاً السحر الذي فعله سحرة فرعون، هو شيء عجيب فعله الجن ولا يفعله البشر، الذي هو تحويل العصي والحبال إلى حيات، ثم سحر آخر، اللي هو سحر التخييل، الذي حركها. وشرحنا هذا في حقيقة السحر، حلقة بهذا العنوان. فلما جاءت معجزة موسى كانت أعجب من ذلك، فهذا لا يكون إلا من الله. فلذلك آمنوا.
نتابع الآن في نفس هذا المحور. أستشهد الآن بأطروحة الدكتوراه للدكتور هشام الأبراشي بعنوان "الأديان الوثنية في غرب أفريقيا وفق دعوتها دراسة ميدانية". الدكتور هشام الأبراشي تجول في أنحاء أفريقيا، وتحديداً في وسطها وغربها، وهو يقوم بنفسه بالدعوة وكشف الكثير من الحقائق التي اكتشفناها أيضاً في أماكن أخرى، وهي أيضاً مؤكدة من قبل حتى علماء ماديين. أن هذه الشعوب الوثنية تعبد الشياطين التي تسميها أرواح، وأيضاً تأخذ منها بعض المصادر.
قال: "وقف باحث الأنثروبولوجيا الغربيون مذهولين أمام تفاصيل علمية ومعارف دنيوية دقيقة تمتلكها القبائل المعزولة في أدغال غرب ووسط أفريقيا. وجدوا لديهم نظريات علمية مؤكدة في العلم التجريبي الحديث، ولم يكن لهم أي ممارسات تجريبية". ونشر بعض هذه النظريات في كتابه بشكل موسع، هو رسالة دكتوراه مطبوعة، ثم أيضاً كتب مقالاً فيه الخلاصة لهذا الموضوع ونشره على فيسبوك.
عندما بدأنا بمناقشة هذا الموضوع، فجزاه الله خيراً. أذكر فقط أمثلة سريعة جداً من مشاهداته الميدانية والتي يتحدث عنها أيضاً الأنثروبولوجيون الغربيون. قال: "إن هناك الكثير من المجالات والاكتشافات العلمية التي يعترف الأفارقة بأنهم يأخذونها عن الأرواح". منها اختراع الألحان والنغم للطقوس الوثنية، فحتّى الترانيم التي يصلون بها للجن هي نفسها ألحانها، وأحياناً كلماتها تكون من إيحاء الجن.
من هذه المعرفة أيضاً: الدلالة على مواطن الصيد البري والنهري لطبقة الصيادين. هم طبقة يجب أن تؤدي الطقوس، فتقدم لهم كبار الشياطين معلومات عن أماكن الصيد. منها: الأخبار عن بعض المغيبات والأشياء الضائعة، وحتى عروق الذهب. هذا يشبه البحث عن الكنوز باستخدام السحر في بلادنا المسلمة كما هو معروف. منها: علوم كيمياء المعادن. منها: معرفة النجوم ومواقعها، وهذا يذكرنا أيضاً بإنجازات علم الفلك التي أذهلت الأوروبيين لدى الأزتك والمايا، ولم تكن لديهم أي مراصد أو حتى تلسكوبات ليروا النجوم البعيدة. منها: هندسة بناء الأكواخ كي لا تغمرها الأمطار والفيضانات، فالجن لديهم حتى معرفة بأفضل الأماكن والهندسة. ومنها: أدوية علاج الإنسان والماشية.
وهنا سنفصل قليلاً. ذكر هنا الشيطان أو الجن "أوزاين"، وهو العقل المدبر والكيان المحوري لهذا النوع من الجن الصيدلي. فهو ليس مجرد إله للنباتات، بل هو سيد الكيمياء الغيبية والمالك الحصري لأسرار الترياق للسموم. يصور في ميثولوجيا الوثنية الأفريقية بهيئة بشرية ناقصة، له عين واحدة ورجل واحدة ويد واحدة. فهذا النقص هو ثمن المعرفة المطلقة، هكذا يقدمون أنفسهم. يقدم أوزاين نفسه أيضاً على أنه موزع للطاقة السحرية. فالأوثان لا تأخذ شرعيتها إلا من هذا الجني المارد، وهو أيضاً أكيد مسيطر على مجموعة من الجن والشياطين الذين تحته. سدنة أوزاين الذين يقودون المعابد التي تعبد أوزاين، لديهم معرفة خاصة بالأعشاب الطبية. وهذه الأعشاب لا تكتسب قدرتها السحرية في العلاج، مع أنها أعشاب يمكن أن تعالج بها أي إنسان حتى بدون سحر، لكن مؤمنون أنها لا تأخذ قوتها إلا بعد إذن أوزاين نفسه هو الذي يمنحها القوة السحرية.
هنا السؤال: طيب، حتى لو عالجنا بها بدون هذا السحر، هو يمنح قوته السحرية أيضاً علاجا إضافيا. ولكن لما جاء الأوروبيون ودرسوا هذه الأعشاب، اكتشفوا بالفعل أن لها خصائص علاجية. فالجن يعرف ما فيها من خصائص طبية طبيعية تكتشف بالتجربة. مثال آخر: الجني "بونجو" الذي يعبده وثنيو الكونغو، هو الذي يملي على الطبيب الساحر المكونات الدقيقة التي يجب أن يضعها داخل الصنم من أظافر وشعر وجذور وتربة. فيعمل الصنم كصيدلية متحركة تحمي القبيلة أو تضر الأعداء. ويوصف هذا الجني أيضاً بكيان روحي يسكن في بعض الأشجار المعمرة مثل الصدر أو الباب، وهو يطلب من مريده العزلة في الغابة لعدة أيام، كما هو معروف في كل طقوس السحرة. فيتلقوا عنه وحي الأعشاب، يأخذون عنه بشكل مباشر العلم الطبيعي الذي اكتشف لاحقاً بالتجربة أنه صحيح.
الآن أضيف إلى ما ذكره الدكتور هشام أيضاً ما اكتشفته أيضاً في دراستي في تخصصي في الوثنية في الأمريكتين. فكل الوثنية تجد أنها كلها متشابهة، كلها روحانية شيطانية، كلها ترى أن الطبيعة لها جانب مادي وروحاني متداخل. فهذا أيضاً يذكرنا بما ذكرناه سابقاً عن مبدأ "الأنيميزم" الأرواحية أو الأحيائية، التي ترى أن هناك أرواح لكل شيء، ما في أي شيء جامد في هذه الطبيعة. وهذا أيضاً تدخل فيه الحلولية ووحدة الوجود. لذا، الصحة للجسم تعني صحة في البدن وصحة في الروح. ولم يحدث خلل في أمر ما في الروح أو في الجسد، هذا يؤدي إلى المرض، والعلاج يكون بعلاج الجانبين معاً.
من عقيدة السكان الأصليين في الأمريكتين أن الأرض هي الإله الأم، والنبات الذي ينبت على سطحها هو شعر هذه الآلهة، فيجب أن تستأذنها قبل أن تقطف. ثم أيضاً بعد أن تقطف هذه الثمار أو الأعشاب، يجب أيضاً أن تجففها في الشمس، ليس تجفيفاً طبيعياً مادياً، بل لتكتسب أيضاً الطاقة الروحية من إلهة الشمس. ثم أيضاً لما تريد أن تذيبها، ليس بمياه البحيرات، بل يجب أن تذيبها بمياه الأنهار والجداول الجارية، لأن الأرواح هي التي تجري فيها وتكتسب منها طاقة روحية.
الأهم، كل ما سبق أيضاً، من أين عرفوا أن النباتات الفلانية تشفي أمراض الفلاني؟ يكتسب المعالجون بالنبات فتات خبرته من الرؤى والأحلام، إضافة للتعلم من الشامان، الذي هو أيضاً تلقى معرفته بشكل تراكمي من أجيال من الشامانات أيضاً من الأرواح. فعندما يأتي المريض إلى الشامان لتشخيصه، يبدأ الطبيب الروحي بالصلاة ويطلب من الأرواح مساعدته، وينثر مسحوق التبغ في اتجاهات الريح الأربعة، ثم ينطلق للبحث عن النبات المطلوب وفقاً للرؤى التي يتلقاها. فيجب أن تعطيه الأرواح الإشارة.
في القبائل الصغيرة، الشامان يتولى العلاج مع الأدوار الروحية الأخرى مثل رجل الدين. لكن القبائل والشعوب الكبيرة المتقدمة لديهم معالجون يتخصصون فقط في الطب، وسموهم علماء الأنثروبولوجيا "ميديسن مان" رجل الطب أو المعالج الروحي. في الشعوب الأكثر تقدماً، منهم ينقسم المعالج الروحي إلى صنفين: منهم من يعالج بالأعشاب فقط، وطبعاً بخلفية روحية، ومنهم فقط من يقوم بأداء الطقوس والاحتفالات. وكلهم طبعاً يؤدون ذلك تحت إشراف الأرواح.
سأذكر لاحقاً أن المعرفة الباطنية متداولة في جماعات سرية على مر التاريخ وحتى مما قبل التاريخ. ولكن قبل أن نختم هذه الفقرة، قد يتفاجأ المستمع أن القبائل التي تسمى همجية في أمريكا، والتي ما عرفت الحضارة كما عرفتها الشعوب الأوروبية، كانت لديها جمعيات سرية طبية ولها مقرات مثل المحافل الماسونية. من أشهرها "مدوبن" أو "نزل الطب" عند شعب "أوجيبوا". فهذا الطقس يشبه كثيراً طقوس الجماعات السرية التي نعرفها اليوم مثل الماسونية.
أولاً، هي جماعة سرية تتداول العلم الطبي الروحي، ولا ينتسب لها إلا من يرى في أحلامه أن الأرواح أتته وقالت له: "أنت مرشح لتكون عضواً في هذه الجماعة". فيذهب ويخبر الشامانات: "أنا جاءتني الأرواح وقالت لي ذلك". فيخضعونه لاختبارات قاسية، ثم إذا نجح، يكون هناك احتفال سنوي أو نصف سنوي لتكريس هؤلاء المرشحين الجدد. ثم يدرس الطب لعدة سنوات في هذه المحافل السرية. وهذه المعرفة سرية جداً. لذلك أنا فوجئت بأنه حتى الآن الكثير منها لم يكتشف. مثلاً، أشهر مؤلف معاصر من السكان الأصليين الأمريكيين هو اسمه "دوج فيذر". له كتاب مشهور "وينك إنديجينس" يقول إنه مع أنه هو نفسه من الشامانات، لا يستطيع أن يكشف أسرار الجماعات السرية الأصلية "إنديجينال سيكرت سوسايتيز" لأن الشيوخ لا يسمحون له، ولأن الأرواح لا تسمح للشيوخ وهو منهم بأن يعلن ما لديهم من أسرار طبية روحية.
مرة أخرى، تشبه حتى أسرار الماسونية. يعتبرون هذه تعاليم باطنية خاصة. مع ذلك، تقنيات العلاج التي كشفت لنا بعض ما كشفوه لنا، أثبت الأوروبيون أو العلماء المعاصرون التجريبيون أنها صحيحة بالفعل، وأن هناك معرفة طبية تجريبية في هذه الأعشاب كشفت لهم من خلال الأرواح. العالم التجريبي المادي الذي ينكر وجود الأرواح، يكتب هذا في أبحاث الأنثروبولوجيا ويتواضع. يقول لك: "هذا ما يقولونه". بعضهم يفسر ويقول لك: "هذه أكيد أساطير خرافات". هم اكتشفوها كيف اكتشفوها؟ هل عندك دليل أنهم قاموا بذلك بالتجربة؟ هم يقولون: "نحن ما عندنا تجارب". وما عندهم أي مؤهلات لإجراء تجارب أصلاً. فهنا بعض العلماء يتواضعون ويكتفون بذكر هذه التفاصيل في أبحاثهم ولا يدخلون في التفسير.
أيضاً، في خلال دراستي وجدت الكثير من تقنيات العلاج التي يتداخل فيها الفلسفة الروحية والطقوس الشيطانية مع دمجها بطب الأعشاب. أذكر مثال واحد فقط: العلاج بعجلة الطب "ميديسن ويل"، وهي عبارة عن هياكل ضخمة حجرية عمرها آلاف السنين موجودة في عدة أماكن في أمريكا الشمالية، تشبه ستونهنج في بريطانيا، ولكنها ليست أحجار ضخمة ولا هياكل، بل دوائر ضخمة مرسومة على الأرض، قطرها أحياناً يكون بعشرات الأمتار. واللافت أيضاً أني أحياناً لما أتجول على شواطئ كندا، أحياناً أرى بالفعل بعض الناس يرسمون هذه الدوائر ويمارسون فيها الطقوس. حتى أحياناً في بعض الغابات أو الحدائق.
الفكرة أن هذه العجلات ترسم بمكان ما وبإدارة وإشراف ودلالة الأرواح، ويجب أيضاً أن تقدم فيها الطقوس بشكل معقد. ليس هذا وقت شرحه. فالهدف هو أن تستنزل طاقة الاتجاهات الأربعة من الرياح ومن الشمس ومن الآلهة التي تحل في كل مكان، وتنزل معها طاقة الشفاء. وأحياناً في بعض الطقوس، ليس فقط في هذه العجلة، في الاحتفالات السنوية، يأتي الشامانات بالمرضى الذين مرضوا في آخر فترة، يجمعوهم في مكان واحد، يؤدون الطقوس والقرعة على الطبول وتقديم التبغ وإلى آخره من القرابين للآلهة والأرواح حتى تنزل عليهم طاقة الشفاء. هم يوثقون أن الشفاء ينزل بالفعل. ونحن المسلمون نعرف أن السحر قد يؤدي بالفعل إلى مرض وإلى شفاء، وقد يكون المرض العضوي أصلاً بسببه كان هناك سبب روحي وهو السحر.
الخلاصة: كل خطوة في العلاج لها علاقة بالأرواح، ومعظم المعرفة الطبية أخذوها صراحة من هذه الأرواح. يعني حتى خبرتهم بالأعشاب، والتي اكتشفنا لاحقاً بالعلم التجريبي أنها ناجحة، هم يقولون أخذوها من الأرواح. وما هذه الأرواح إلا شياطين من الجن.
من الشائع في المنهج العلمي ولدى الكثير من الناس، حتى لو ما كانوا مشتغلين بالعلم، يعتقدون أن العلم يأتي بطريقة منهجية: يبدأ بالملاحظة، ثم توضع فرضية، ثم تختبر بالتجربة أو بمعدلات رياضية، ثم تتحول إلى نظرية. هذا صحيح مبدئياً طبعاً، ولكن هناك أيضاً الحدث الذي لا ينتبه له الكثير من الناس. الحدث يلعب دوراً جوهرياً، بل يقترب من الغموض في تاريخ العلوم والرياضيات. الحدث ليس مجرد تخمين أو شعور عابر، هو فكرة قد تلمع في الذهن بطريقة ما، أو بما يشبه ما نسميه الإلهام. ثم...
قد تتحول بالفعل إلى فرضية، ثم تختبر بمعادلات أو بتجربة. لذا، عالم الرياضيات الفرنسي هنري بوانكاريه، في كتابه "العلم والمنهج" الصادر في عام 1908، شرح بدقة المراحل الأربعة للحدث. تحدث أولاً عن مرحلة الإعداد، لما الباحث أو العالم يدرس المشكلة بوعي ومكثف ومنطقي، ثم يصطدم بجدار مسدود. تاتي بعدها مرحلة الحضانة، يضع المشكلة على الجانب بشكل واعي ويتركها حتى يحين الوقت. هنا يبدأ العقل الباطن، كما يسميه، بمعالجة هذه الفكرة. ثم تأتي مرحلة الإشراق أو الإلهام (Illumination)، وهنا يظهر الحل بشكل مفاجئ، وهذا هو الحدث. ثم تأتي مرحلة التحقق (Verification)، هذا إما بمعادلات رياضية أو بالتجربة، ثم التكرار. لذا يقول بوانكاريه: "بالمنطق نثبت، ولكن بالحدث نبتكر".
السؤال هنا، لماذا قد لا يكفي المنطق أو التجربة بشكل مجرد ولوحده؟ العلماء هنا يقولون: المشكلات المعقدة، أو ابتكار مفاهيم جديدة، أو نظريات جديدة لتفسير ظاهرة طبيعية ما، قد تكون أمامك لحلها احتمالات لانهائية، وقد يكون عمر العالم نفسه أيضاً كله لا يكفي لمحاولة اختبار كل هذه الاحتمالات. لذلك هناك ما يسمى بالقفزة المفاهيمية. فالمنطق والمعادلات والتجربة هي أداة انتقال آمنة بالفعل من فرضية إلى تحقق ونظرية، ولكن الحدث هو الذي يخبرك أين تنظر لإيجاد حل لهذه المشكلة. وأشهر مثال معروف هو مثال أرخميدس، لما كان في حوض الاستحمام، فأدرك حدسياً وبشكل فوري العلاقة بين حجم الماء المزاح وحجمه هو. لما دخل في المقطص وخرج وهو يقول: "وجدتها!". وصار هذا المصطلح متداولاً حتى اليوم. سنذكر لاحقاً في هذه الحلقة أمثلة لعلماء جاءهم هذا الحدث لتفسير ظواهر طبيعية وغيروا وجه العالم الذي نعيش فيه.
إذاً، هناك حدث أو إشراق أو إلهام. ونحن المؤمنون نعلم أن هناك توفيقاً إلهياً هو الذي قد يأخذ العالم أو المفكر باتجاه ابتكار نظرية جديدة. وهذا ليس هو الوحي، هذا إلهام. الوحي للأنبياء، أما الإلهام فقد يأتي لكل شخص. وبنفس الطريقة، يمكن أن نقول إذا كان للجن لديهم القدرة على الإيحاء للناس كما تنص النصوص، نصوص الوحي، فيمكن أيضاً أن يمارس الجني، سواء كان شيطاناً كافراً مضللاً أو لديه هدف وليس فقط التضليل المباشر في الوسوسة في الصلاة كما يعتقد الكثير من الناس، لديه مصلحة ما في إيحاء لشخص ما بما نسميه الآن الحدث، بحل مشكلة ما. وهذا قد يكون بطلب مباشر بأداء طقوس معينة من عالم يؤمن بالشياطين، كما سنرى لاحقاً في هذه الحلقة، ممن كانوا يمارسون السحر والتواصل مع الأرواح (بين قوسين). أو قد يكون هذا بمبادرة من جني أو شيطان يوحي بفكره ما، بنظرية ما هو يعلمها في عالمه، يوحيها لعالم مناسب ليتبنى هذه الفكرة ولتنتشر بين الناس بما يحقق مشروع الشيطان الذي شرحناه سابقاً.
يجب أن نتحدث في هذه الحلقة، ولو بعجالة سريعة، عن فلسفة العقل والروح والمادة بشكل عام. في كل تاريخ الفلسفة، هناك ثلاثة اتجاهات أو تيارات رئيسية لحل هذه المشكلة أو فهمها. لدينا أولاً المادية الصرفة (Materialism)، التي ترى أن هناك جوهر واحد للوجود وهو المادة التي نراها ونحس بها. فلا يوجد كيان مستقل لا اسمه وعي ولا روح ولا عقل. وكل هذا هو عبارة عن نتائج من نتائج المادة. ولدينا أيضاً في المقابل المثالية (Idealism)، التي ترى أن هناك عقل مستقل أو روح أو نفس، سميها ما شئت، وهي الأساس في الوجود والمادة نتيجة من نتائجها. وهناك لدينا التيار الثالث وهو الذي يسمى بالثنائية. والثنائية هذه هي تيار شامل أيضاً، فيه أيضاً تحته في عدة نظريات. فحتى نختصر، لن نأخذ في التفاصيل. المهم أنه هذه النظرية الثنائية هي التي ترى أنه الروح والمادة لهم وجود مستقل وقد يؤثر أحدهما في الآخر.
رأي العلماء، علماء المسلمين وأهل الكلام باختلاف تنوعهم وآرائهم، يرون هناك ثنائية تكاملية. هناك اختلافات بسيطة بين العلماء، سواء كانوا فلاسفة مثل ابن سينا، أو متكلمين مثل الغزالي، أو حتى من يسمون مثلاً السلفية الأقرب لأهل الحديث، ابن تيمية مثلاً. كلهم متقاربون في هذه الفكرة مع اختلافات بسيطة. فهناك روح وهي الأساس، هي القائد للجسد، ولكن هناك ثنائية في جوهرين مختلفين متباينين في كل شيء. لا نتحدث هنا فقط عن الإنسان، بل في الوجود كله. هناك تفاعل حقيقي وحر بين الجسد والروح. لما نتحدث عن الإنسان، فالوعي أو الروح أو النفس هي التي لديها النية وهي التي تحرك بقوة الإرادة اليد أو الجسد اللي هو المادة. وأيضاً، ألم الجسد يمكن أن يؤثر على النفس. وأيضاً الإصابة الجسدية والخلل الكيميائي مثلاً في الطب وأي شيء يحدث للجسد قد يؤثر أيضاً على النفس بسعادة وفرح أو بحزن وألم نفسي.
وهنا أيضاً سؤال مهم: ما هو الفرق بين النفس والروح؟ وأيضاً اختصار شديد: النفس تسمى نفساً إذا كانت متصلة بالبدن، بالجسد الإنساني. والروح تسمى روحاً إذا كانت منفصلة عنه، سواء في عالم البرزخ بعد الموت، أو في عالم الذر قبل ذلك، أو في حال انفصال الروح عن الجسد في الحالات المعروفة ما يسمى بحالات الوعي المتغير، العقاقير المهلوسة، أو في الأحلام، أو في تجارب الاقتراب من الموت. والنفس أيضاً تطلق على الذات، تتحدث مع الإنسان، نقول: "أنا أتحدث إليك إلى نفسك". أما الروح فلا تطلق لا على البدن ولا على النفس بانفراده بشكل مستقل.
إذاً، لدينا في الإسلام ثنائية الجوهر للوجود، هناك روح وهناك مادة. ولكن في أوروبا، هناك اختلاف مهم جداً وهو أنه قديماً، الفلسفة اليونانية مثلاً، التي كانت أكثر تقدماً في الفكر من كل المناطق الأوروبية، كان فيها كل النظريات. كان في نظريات مادية، ولو أنها قليلة. في نظريات أيضاً مثالية، اللي هي روحية، يمثلها أفلاطون وغيره. في أيضاً حتى ثنائية. ولكن بقية أوروبا تاريخياً، ولما ما كان فيها تعمق في الفلسفة، كانت وثنية. والوثنية دائماً تكون روحية، فيها ثنائية. يعني حتى لو كان الروح عندها مقدم، مثلاً، ولكن أيضاً لديها اعتقاد بالثنائية، الروح والجسد. ثم لما صارت المسيحية هي المسيطرة على الفكر والسياسة وكل شيء في أوروبا طوال العصر الوسيط، المسيحية أيضاً ثنائية، مادة وروح في كل الوجود. ثم في العصر الحديث، صارت الغالبية للمادية. فمعظم العلماء والمفكرون والفلاسفة هم إما ملاحدة أو لادينيون، لادريون، ولكن هم ماديون. في المقابل، هناك أيضاً هناك علماء وفلاسفة باطنيون روحيون، وهناك أيضاً قلة متدينون مسيحيون ولديهم أيضاً الفكرة الثنائية. لكن المنهج العلمي منذ عصر النهضة، أو تحديداً بعده بقليل مع بداية العصر الحديث، القرن التاسع عشر، صارت الغلبة للمنهج المادي، ليس فقط على المنهج التجريبي في المختبرات، بل على كل شيء أيضاً.
فإذاً، صار كل العلماء تقريباً يجب أن يكونوا ماديين. وإذا كان هناك منهم من يؤمن بالباطنية، إما أن يخفيها كما سنرى لاحقاً، أو حتى قد يظهرها، ولكن في المختبر يجب أن يكون مادياً. ولو أن البعض أيضاً يتمرد، ولكن هذا لا يعتمد أكاديمياً. وللأسف طبعاً، نحن تابعون، كما سنرى أيضاً في هذه الحلقة، تابعون فكرياً وحضارياً. ليس لدينا استقلال فكري. المفروض لدينا ثنائية الروح والمادة، ولكن للأسف، حتى لو كان العالم المسلم مؤمناً بالروح ومؤمناً بوجود الخالق، ولكن في حياته العلمية وفي جانب كبير من حياته العملية اليومية، ترى هناك غلبة للمادية. فهم هذه التصنيفات والتمييز بينها مهم جداً لنفهم النظرية التي نتحدث عنها بشكل عام، ولنفهم أيضاً لماذا يصعب على العقل المسلم المعاصر فهم هذه النظرية ويشعر بأنها خرافية، لأنه مرة أخرى تابع ثقافياً، حتى لو لم يكن يشعر بالثقافة الغربية المادية. وأنصحنا بمشاهدة الحوار الذي أجريته مع الدكتور أحمد رحموني لنفهم ما هي المادية وما هي تشعباتها وما الذي يدخل فيها ويخرج منها، لأنه الكثير من العلماء والأطباء المسلمين يرفضون أن يقال عنهم ماديين، هم لا يعرفون بالضبط ما هي المادية وما هي حدودها.
أتحدث الآن عن موضوع جداً مهم وخطير، والكثير من الناس لا يعرفون عنه إلا القليل أو لا يعرفون شيئاً. هناك تصنيف كبير للعلوم في التاريخ البشري: العلوم العامة المتاحة للجميع، والعلوم السرية الباطنية. قبل أن أتحدث عن هذا التصنيف، سأعود إلى عام 2008. كنت مسؤولاً عن إعداد برنامج وثائقي من 30 حلقة عن أولية أو أسبقية العلماء المسلمين كتشاف الكثير من المنجزات الحضارية. أنا كتبت بنفسي تقريباً نصف عدد هذه الحلقات، وكنت مشرفاً أيضاً على تعديل ومراجعة الحلقات الأخرى. فقضيت ربما سنة أو أكثر في القراءة والعودة إلى المراجع للاطلاع على هذا الموضوع. وطبعاً، الشائع في هذا الموضوع هو أنه نحن كنا سابقين في الاكتشافات الطبية والفيزيائية والكيميائية كما نعرف جميعاً، حتى لو كان بمعرفة بسيطة. يعني الكل يعرف أنه كان عندنا عصر ذهبي. ولما نتحدث بهذه اللغة، بهذه اللهجة اللي فيها أسبقية وفيها اعتزاز حضاري، وأن كنا جيدين والآن نائمين، لا نتحدث إلا عن الجانب المادي. نحن سبقنا الحضارة المادية الغربية إلى حضارة مادية إسلامية، ولكن ما كانت كافرة، ما كانت ملحدة. هذا كل ما يقال.
لكن مع التعمق والتخصص أكثر، بدأت أكتشف أن تاريخ الحضارة الإسلامية نفسه، وهذا العصر الذهبي، هو نفسه فيه كان الكثير من الشوائب التي تغطى. يعني وحتى لو ذكرت، تذكر بشكل تخصصي، ما خلاف وجدل حتى في فهم كل هذه الأمور. نكتشف لاحقاً أن الكثير من العلماء المسلمين الذين نفتخر بإنجازاتهم في الكيمياء والطب، هم أيضاً كانوا منخرطين في العلوم الباطنية السحرية. كان بعضهم عقدياً، كانوا تابعين لبعض الفرق الباطنية المعتبرة أنها خارج عن الإسلام، حتى لو كانوا حضارياً منتسبين للإسلام. ما عندنا مشكلة هنا. ولا يتحدثون عن مصيرهم في الآخرة. أتحدث هنا عن اعتقادهم بالعلوم هذه السحرية الباطنية وممارستهم لها. فهذا لا تجده في الكثير، كثير من المراجع والتفكير دائماً والتركيز على الجانب المادي والاعتزاز به، كما هو الحال الآن طبعاً في الغرب. وسنرى أيضاً في هذه الحلقة كيف أنه حتى الحضارة الغربية هذه ظلت إلى مرحلة متقدمة من عصر النهضة وإلى حتى العصر الحديث وإلى اليوم الحالي فيها الكثير من التداخل مع الباطنية، حتى لو كان هذا يرفض أو لا يكتب في الأبحاث ولا يراجع ولا يعتمد على أنه أكاديمي.
المثال الأبرز لدينا في تاريخنا جابر بن حيان، وهو شخصية حقيقية لو بحثتها وتحققت، لأنه في بعض المراجع أقول أنه شخصية وهمية، لأنه نسب له أكثر من 3000 كتاب أو رسالة، الكثير منها كان باطني وسحري وفيها طلاسم. والأهم طبعاً هو الخيمياء، وهو الجانب السحري أو الباطني للكيمياء. الأرجح هو أنه كان شخصية حقيقية عاشت في القرن الثاني الهجري وتوفي في بداية العصر العباسي. عاش بين الكوفة وبغداد، وكان صيدلانياً وعالماً طبيعياً، وكان تلميذاً للإمام جعفر الصادق. هذا لا يعني أنه نحن نشكك بالإمام، ولكن كما نعرف الفرق الباطنية التي كانت تنسب الكثير من الخرافات لأهل البيت، فهو كان محسوباً على الإسماعيلية الباطنية. لمن يريد أن يعرف ما هي الإسماعيلية، هناك سلسلة كاملة عن الطائفة الإسماعيلية ومعتقداتها. كان يمارس، كما ينسب له، الحساب السحري الذي يسمى حساب الجمل، وأيضاً الخيمياء والكثير من هذه الأمور التي سنتحدث عنها بعد قليل. وحتى أيضاً نفهم أكثر، ابن خلدون نفسه وصفه في المقدمة بـ "كبير السحرة"، هكذا وصفه بدقة.
الآن نأتي للتصنيف. طوال التاريخ البشري، كان هناك كما ذكرت علوم باطنية سرية، وعلوم مشاعة للناس. وهذا ما يسمى بالـ "Exoteric". هذه العلوم الباطنية السرية والتي لا تتداول إلا بين النخب، في مقابل الـ "Esoteric"، وهي العلوم الظاهرية المتاحة للناس. لمن يريد أن يدخل إلى جامعة أو معهد أو مدرسة ليتعلمها. وهذه المعرفة العامة أو العلنية تعتمد على الحواس والمنطق، ويدخل فيها العلوم الدينية أيضاً. صحيح، أصلها وحي، ولكن العلوم الدينية كلها متاحة للناس. أما العلوم الباطنية فهي أسرار مخفية ولا تتداول إلا في جمعيات سرية. فهذه علوم كاملة مخفية بكل ما فيها من مقدمات ونتائج، ولديها أيضاً تفسيرات باطنية لكل شيء في الظاهر، سواء كانت نصوص دينية أو ظواهر طبيعية.
في كتاب "المقدمة" لابن خلدون، نجد هذا التصنيف بكل وضوح. هو قسم العلوم التي يمارسها البشر في العمران البشري إلى صنفين رئيسيين كبيرين: علوم نقلية، وهي الشرعية واللغوية، وعلوم عقلية، وهي الفلسفية والطبيعية. ما يهمنا هنا هو العلوم، العلوم العقلية التي قسمها أيضاً إلى نوعين كبيرين: علوم عقلية نافعة ومشروعة، تشمل الرياضيات والهندسة والطب والمنطق وعلم الطبيعيات المادية اللي هي الفيزياء. وعلوم عقلية مهجورة أو محظورة، حتى لو ما كانت محرمة في الأديان. يعني نتحدث هنا حتى في بعض المجتمعات الوثنية نفسها، هي أيضاً عندها هذه العلوم التي أيضاً هي محظورة، فلا تمارس إلا في جماعات ضيقة ونخبوية. وهذه بالضبط هي الـ "Esoteric" أو الباطنية. هذه العلوم عندنا في الإسلام، كما يقول ابن خلدون، هي العلوم المحرمة شرعاً، وهي تشمل السحر والطلسمات أو طلسمات كما يقول البعض، وعلم السيمياء اللي هي أسرار الحروف والأعداد وما يسمى بعلم المربعات أو الأوفاق، وعلم التنجيم، وهو استنزال معرفة معينة روحية من النجوم والكواكب والأبراج، وعلم الخيمياء، وهي الكيمياء القديمة وتحويل المعادن فيما بينها.
وعندما يعدّد ابن خلدون هذه العلوم، هو يعترف بوجودها ويعترف بأثرها. وهذه نقطة مهمة. فهو يقول أنه هي موجودة ومؤثرة، ولكنها حرام. وأيضاً حتى لو فيها أكاذيب، هذا لا ينكر طبعاً، سواء عند ابن خلدون أو نحن أيضاً، أو حتى ربما عند بعض من يمارسها. فيها أكاذيب، فيها دجل، فيها أشياء غير موجودة، خرافات اخترعها البعض. ولكن أصلها والكثير منها هو حقيقي ومؤثر، بغض النظر مرة أخرى عن حكمه الشرعي. ومن أهم أسباب وجود هذه الأكاذيب فيها أكثر من العلوم الطبيعية، لأنه الطبيعة تستطيع، أو العلم التجريبي المادي أو الرياضي، تستطيع أن تثبته وتكرره وأن تختبره. ومن يريد أن يضيف إليه أي كذبة سينكشف، لأنه ليس هناك شيء سري. أما العلوم الباطنية السحرية، هذه هي غير قابلة للتجربة بشكل عملي وتكراري، مع أنه يمكن أن تجرب وترى الأثر، ولكن بشروط أيضاً هي روحية غالباً، فيها قوة الإرادة، فيها القوة الروحية للممارس، فيها تحقق شروط لا يمكن تحققها بالتجربة بشكل عام. مع مرة أخرى أقول، يمكن أن تجرب ويمكن أن ترى أثرها، ولكن لا تضطرد بنفس اضطراد المنهج التجريبي المادي الطبيعي والرياضي أيضاً. لذلك يكثر فيها الكذب. لذلك حتى موضوع الرقية أيضاً، هذا مما ينتقد فيه العلاج الروحي. هي الرقية نفسها اللي تعتمد فيه على القرآن أيضاً، هي نفسها من يمارس الرقية قد يمارس معه أكاذيب، يخلط مع الرقية أشياء أخرى بنوع من الأدوية أو بحتى القراءات. فهذا موضوع آخر لا يطعن في أصل الرقية وفي العلاج الروحي، وإنما في الممارسة. ولأنه مرة أخرى، الانضباط في هذه العلوم أصعب بكثير من العلوم التجريبية والرياضية.
يقول ابن خلدون: "واعلم أن وجود السحر لا مرية فيه بين العقلاء من أجل التأثير الذي ذكرناه". وقد نطق به القرآن قبل أن نقول كلام ابن خلدون. نطق به القرآن. وحتى لا نطيل الآن، أحيل إلى حلقة بعنوان "حقيقة السحر" وميزنا بين سحر التخييل والسحر الذي له حقيقة مؤثرة في الأشياء. وهذا أيضاً له تمييز، وبعضهم اختلفوا فيه، هل هو يؤثر بقلب الأعيان أم يؤثر بالأشياء بظاهرها؟ وأنا رجحت أيضاً أنه يؤثر في قلب الأعيان، وحتى لو أخذت بالرأي الآخر، فله حقيقة خارجية وليس فقط تخيلاً في العيون. إذاً، هذه العلوم الباطنية المحرمة هي العلوم الشيطانية، هي التي تنسب إلى الجن ويمارسها الإنس إن شاؤوا. ومرة أخرى سيكونون قد خاضوا في المحرمات. وعلى الهامش وبشكل سريع، هناك بعض العلماء الصوفية لهم رأي في عدم تحريم بعض هذه العلوم، تحديداً الأوفاق. هذا لا أتبناه ولا أقوله ولا أخوض فيه الآن. فحتى لو كان رأيهم هذا معتبراً، هذا له محاذير كثيرة. أقول هذا فقط على الهامش سريعاً ولا أخوض فيه الآن. ولكن أصل هذه العلوم غالباً هو الشياطين، على الأقل السحر منها، كما تقول الآية: "وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر".
الآن، ما الذي جرى في العصر الحديث؟ وهذا سيأتي لاحقاً بهذه الحلقة، هو تجريد العلوم العقلية النافعة والمشروعة، كما وصف ابن خلدون، جردوها عن هذه العلوم اللي هي موجودة ولها حقيقة وليست خرافية، وهي العلوم المحظورة والباطنية والسرية والمحرمة. جردوا هذه عن تلك واعتبروا العلوم النافعة والعقلية والمشروعة شرعاً، اعتبروها هي الوحيدة الموجودة فقط. لأنهم اتخذوا المبدأ المادي للوجود وأنكروا كل العلوم الأخرى. أنكروها وليس فقط حرموها أو حضروها. هم أنكروا وجودها باعتبار يعني أنه كل ما كتب، كل الأف الكتب والمخطوطات في كل الشعوب والثقافات عن السحر والطلاسم والتنجيم والخيمياء، كل هذا خرافة. كلهم مجرد أشخاص جلسوا وتخيلوا بأسباب كثيرة، كما اخترعت الأديان بالنسبة لهم. يعني كل هذا القرآن والإنجيل وكل كل كتاب مقدس في أي مكان بالنسبة لهم هو خرافة. هو عبارة عن كتب اخترعها بعض الناس لأي سبب كان، حتى لو ما اتهموهم بالكذب. يعني تخيلوها وكتبوها وأحالوا الناس أنها حقيقة وأنزلت من السماء. بنفس المعنى، يعتبرون السحر وكل هذه العلوم المحرمة هي خرافة، هي اختراع من بعض العقول، إما لخير أو لشر أو لأي سبب كان، ولكنها ليست موجودة. وأنه السحر والطلاسم والتنجيم غير موجود أصلاً، وليس أنه غير مؤثر، فهو غير موجود، هو عبارة عن خيالات تخيلها بعض الناس وهي ما لها أي وجود نهائياً، مجرد أوهام. هذا ما يراه المادي اللاديني الملحد، سميه ما شئت. ومرة أخرى، للأسف، الكثير من المسلمين في هذا العصر المادي، عصر انهزامية الأمة، يتبعونهم في هذا الأمر. مع أنهم لا ينكرون أصل الإسلام ولا ينكرون الوحي، ويجب أن يكون بالتبعية لا ننكر الغيبيات كلها بما فيها السحر. لكن لما يصلوا لهذا الأمر بدافع محاولة اللحاق بالغرب والمادية الغربية، يجب أيضاً أن ننكر السحر وتأثيره وكل ما يتعلق بعالم الجن.
الآن، النظرية التي نتحدث عنها في هذه الحلقة تتضمن أولاً أن نقر بوجود وحقيقة هذه العلوم. إذا لم تقر بها ولم تؤمن بأي سبب كان، لن تستطيع أن تتجاوز وتصل إلى أي شيء معنا في هذه النظرية. وهذه النظرية أيضاً تتضمن عنصراً آخر وهو أنه الجن، بحكم طبيعتهم، لهم اطلاع على العلوم الروحية المؤثرة. هم مطلعون عليها، ليس لأنهم أكثر علماً، حتى لو كان بعضهم جهل وامي. هم في عالمهم الروحي يرون أثر هذه العلوم، أثر السحر والخيمياء والتنجيم وكل ما في هذه الأمور. يرونه في واقعهم ويتفاعلون معه، بغض النظر كان حراماً أو حلالاً. فهم يرون تأثيره في عالمهم وله تأثير أيضاً في عالمنا الذي فيه ثنائية المادة والروح. ومن ثم أيضاً، جزء من هذه العلوم، العلوم المحرمة والمحظورة، متداخلة مع العلوم العقلية النافعة المشروعة، كما سماها ابن خلدون، والتي تسمى الآن بالعلوم المادية الطبيعية. وهذا التداخل في أصل كل منهما، لأنه مرة أخرى، هذا الكون وهذه الطبيعة مكونة من مادة وروح. ولكن ما نراه ونحس به هو المادة فقط. وهذا الجانب المتداخل بين هذين العلمين المؤثرين في الواقع هو أصل بعض النظريات الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية التي ثبتت لاحقاً رياضياً أو تجريبياً على يد علماء العصر الحديث. وهذا قد يكون في البداية بالحدس. وهذا الحدث قد يكون أيضاً بإيحاء من الجن، أو بممارسة تلك العلوم السحرية الباطنية، كما سيأتي في هذه الحلقة.
بما أن الحضارة المادية والعلمية التي نعيش فيها اليوم هي حضارة أوروبية بالدرجة الأولى، فننتقل مباشرة إلى أوروبا وتحديداً العصر الوسيط، الذي يسمى بالقرون الوسطى. سابقاً، أوروبا كانت وثنية مثل معظم شعوب العالم، وكانت لها ميثولوجيا وآلهة تعبدها وأرواح وكل هذه القصص التي تسمعها في كل الشعوب المتخلفة (بين قوسين). وأيضاً هوليود والكوميكس حتى الآن تمجد هذه الآلهة. ولكن لاحقاً دخلت الديانات المسيحية، مع أنها حرفت وخلطت بالوثنية القديمة، ولكن ظل الأصل فيها هو الوحي، ولو كان محرفاً. فهم يعبدون الله سبحانه وتعالى ويشركون معه عيسى الذي إلهوه، ولديهم إنجيل كتاب سماوي، ولكن محرف. فانتقل ثقل هذه الديانات من القدس إلى أوروبا، البداية بالقسطنطينية، اللي هي حالياً إسطنبول، ثم روما، الفاتيكان. صحيح أن إبليس مستفيد طبعاً من تحريف الوحي هذا، ولكنه أفضل عندهم من أن يبقى هناك وحي. وصحيح أنه الأفضل له أن يعبد هو بالطرق الوثنية، ولكن أيضاً المسيحية بالنسبة له أفضل من الإسلام، اللي هو دين عيسى عليه السلام ودين موسى، ولو كان هو أيضاً أسوأ بالنسبة له من الوثنية.
أوروبا ظلت لقرون طويلة التي تسمى بالقرون الوسطى مسيحية. البابا كان هو المسيطر على الدين والسلطة في نفس الوقت. ولذلك هذه السلطة كانت أيضاً مسيطرة على الأفكار نفسها وتحاول مقاومة أي تسلل لأفكار وثنية. وبين قوسين، سحر، حرية، بأن هذا طبعاً سيكون مهدداً للسلطة نفسها. وهذا ما يحدث في كل مكان. فحتى اليوم مثلاً، السلطة العلمانية في العالم أيضاً ترفض أي تغلغل لأفكار دينية يمكن أن تقود سلطتها. فكل من يسيطر يحارب أفكار خصمه بشكل طبيعي. ومع ذلك، تسللت الأفكار الوثنية، بما فيها الأفكار الوثنية الأوروبية القديمة ما قبل المسيحية. البداية كانت بترجمة بعض الكتب اليونانية واللاتينية وغيرها من اللغات الأوروبية، بما فيها ترجمات الكتب الباطنية والسحرية.
أهم الفلاسفة الباطنيين في هذا العصر الوسيط الذين دمجوا أو حاولوا دمج العلم الطبيعي المادي التجريبي، وما كانت التجريبية لسه واضحة، ما في منهج واضح، دمجوه بالعلم الباطني السحري كما كان سابقاً في كل العصور تقريباً. وأول اسم من هؤلاء الفلاسفة الباطني الذي قد يصدم المتابعين هو روجر بيكون، الذي عاش في القرن الثالث عشر الهجري، تحديداً مرحلة الحروب الصليبية. فلذلك اطلع على علوم العرب وعلى المنهج المادي التجريبي الذي اتبعه بعض العلماء العرب، وعلى رأسهم الحسن بن الهيثم، ويعتبر حتى الآن في المراجع الأوروبية والعالمية هو أول من أشار إلى المنهج المادي التجريبي في العالم كله، باعتبار العرب ما كانوا موجودين. ولكن الأهم أنهم يغفلون الجانب الباطني السحري. فكان يلقب بـ "الدكتور الساحر". درس الخيمياء واستدعى الأرواح. وأيضاً سجن بسبب اتهامه بالسحر الأسود. والطريف أن ويل ديورانت يقول عنه في كتابه "قصة الحضارة": "كل ما يذكر عنه في ذلك العصر أنه رجل يأتي بكثير من الأعاجيب، وأنه كان ساحراً ومشعوذاً، وليس من السهل علينا أن نعرف مقدار ما يدين له به سميه فرانسيس بيكون". سميه يعني الذي سمي على اسمه، فرانسيس بيكون، هو الذي جاء بعده في عصر النهضة وسياتي ذكره بعد قليل، وهو الذي يعتبر الأب الروحي للمنهج المادي التجريبي.
من الأسماء المهمة في هذا العصر، بيترو دابانو. لا أدري إذا النطق صحيح بالإيطالية. كان طبيباً وأستاذاً للطب والفلسفة في جامعة بادوفا. وأيضاً لا يذكر في الكثير من المراجع أنه كان مؤمناً بشدة بالتنجيم الطبي. وكان أيضاً قد وضع كتباً في السحر التنجمي واستنزال القوة الروحية للكواكب ودمجها في القوة الشفائية التي يمكن أن تطبقها بالعلاج المادي بالأعشاب مثلاً أو غيره. لذلك اتهم من قبل محاكم التفتيش بالهرطقة وممارسة السحر الأسود ومات في السجن قبل أن ينطق بالحكم ضده بالإعدام. ومع ذلك أحرقوا جثته بعد موته. لدينا أيضاً تشيكو داسكولي، معروف أيضاً بأنه كان فيلسوفاً وفلكياً وأستاذاً في جامعة بولونيا. كل هؤلاء في إيطاليا. وهو أيضاً كان منجماً مشهوراً وكتب كتاباً صار مرجعاً في تلك المرحلة عن التنجيم. وأيضاً وضع فيه نظرية فلسفية عن تراتبية الشياطين في العالم الذي لا نراه، وكيف يمكن للعقل البشري أن يستنزل قوة هؤلاء الشياطين من خلال تحكمه في هذه الشياطين، فيصبح هو المسيطر عليها من خلال علم التنجيم وليس العكس. لذلك حكم عليه أيضاً بالهرطقة والسحر ونفذ فيه حكم الإعدام حرقاً في فلورنسا في عام 1327، قبل أن تصبح فلورنسا نفسها هي معقل السحر والباطنية.
كل هؤلاء والكثير منهم لا يتسع الوقت لذكرهم. تجد حتى الآن الكتب تمجد هم وتذكر أيضاً غالباً الأسماء الكبرى مثل توما الأكويني وغيره، وحتى ألبرتوس ماغنوس اللي هو ألبرت الكبير. ولكن لا يذكرون على أنهم كانوا منخرطين ولو جزئياً في العلوم الباطنية والسحرية. لذلك مثلاً كتاب يوسف كرم "تاريخ الفلسفة الأوروبية في العصر الوسيط" تحدث بشكل أساسي عن القساوسة اللي هم كانوا يمثلون المدرسية أو يعني الوسط الفلسفي والأكاديمي. وذكر بعضهم مثل ألبرتوس ماغنوس أنه كان له اهتمام، ولكن متهم بأنه كان يمارس السحر، ولكنه بريء. وهو طبعاً مثل غيره، الظاهر يعني لا يؤمن بأنه السحر أصلاً موجود أو أنه مؤثر. فهذا هو الوسط الغربي الأكاديمي حتى اليوم. إذا ذكر أن هؤلاء لديهم اهتمامات باطنية، فإنهم كانوا يعيشون في عصرهم في بيئة تمجد هذه الباطنية وتخلط بين العلم والسحر. ولكن ليس أنهم هم بأنفسهم مارسوا هذا السحر أو آمنوا بدوره وتأثيره. لذلك يوسف كرم كتابه تقريباً خالي من هذه الأسماء. منهم مثلاً ذكر الفيلسوف الفرنسي بيير أبلارد وقال أنه لم يكن باطنياً سحرياً، ولكنه معجب بالوثنية من باب اهتمامه بالعقلانية في مقابل الدين الذي يمثل الخرافة. وذكر أيضاً ألبرت الكبير باعتباره كان أستاذاً لتوما الأكويني وكان هو أيضاً من كبار القساوسة في عصره. وفقد قال أنه كان يدرس هذه الأمور. ولكن في مراجع أخرى تقول أنه بالفعل مارس السيمياء والتنجيم.
نتوجه الآن إلى عصر النهضة الأوروبية، الذي نعيش حتى الآن في ظله المادي. السردية السائدة أنه العلم الحديث الذي نعرفه الآن ولد فجأة في ظل العقلانية الطاغية برعاية بعض الملوك الكبار، وتحديداً في فلورنسا التي كانت مملكة صغيرة في إيطاليا. وأنه كان هناك ملوك مهتمين بالعلم والتنوير، هم الذين رعوا هؤلاء الرواد. ولكن لا يذكر أنه كان الكثير من العلماء والرواد آنذاك مهتمين وممارسين للسحر بأنفسهم. في عام 1964، المؤرخة البريطانية فرانسيس ييتس نشرت كتابها المهم "جوردانو برونو والتقليد الهرمسي". أحدث هذا الكتاب زلزالاً كبيراً في الأوساط الأكاديمية. ثم في 1972 طرحت كتابها الآخر "التنوير الصليبي الوردي" (The Rosicrucian Enlightenment). هذه الأطروحة حتى الآن ما زالت تعرف باسمها، باسم "The Yates Thesis" أو أطروحة ييتس، التي تقول باختصار فيها أن كل ما نعرفه عن العلماء في تلك المرحلة، وعلى رأسهم برونو، يجب أن يعاد التفكير فيه وأن يعاد كتابة تاريخ تاريخ العلم الحديث. وسأتي للتفصيل بعد قليل. مع أنها تعرضت طبعاً للنقد مثل أي أطروحة جديدة، ولكن الأساس الذي أسسته ما زال مأخوذاً به حتى اليوم، ويعتبر أنها أيضاً أسست حقلاً دراسياً جديداً في الوسط الأكاديمي وجعلت دراسة تاريخ العلوم الباطنية والسحر عملية محترمة في الوسط العلمي، بعد أن كانت مجرد خرافة. يعني حتى لو كان العالم أو الباحث أو المؤرخ لا يؤمن بأنه السحر موجود أصلاً، أنه مؤثر، يعني، وإنما مجرد خرافة فقط، مع ذلك يجب أن يعتقد قد أنه هؤلاء الرواد كانوا يعتقدون بالسحر ويمارسونه. ولذلك أيضاً من بعد ييتس، صار مقبولاً جداً في تاريخ الفلسفة والعلوم أن الرغبة السحرية في السيطرة على الطبيعة وإخضاعها، وهي غاية السحر الطبيعي، هي نفسها كانت غاية هؤلاء الرواد: السيطرة على الطبيعة بالسحر والعلم التجريبي معاً.
وبعد ييتس أيضاً، تأسست كراسي في بعض الجامعات لدراسة هذا الحقل المعرفي الجديد. من أبرز الباحثين المهتمين بهذا المسار الآن فوتر هانجراف، وهو الأستاذ الذي ترأس أول كرسي جامعي رسمي في العالم اختص بدراسة تاريخ الفلسفة والتيارات الفكرية والعلمية المرتبطة بها. وأيضاً بيتر فورشو، أصله بريطاني، وأيضاً يدرس في جامعة أمستردام، وله كتب أيضاً في نفس هذا التخصص، وهو مؤرخ أيضاً لتاريخ الخيمياء وعلاقتها بالطب المبكر. وأثبت أيضاً في بعض كتبه أن الكيمياء الدوائية الحديثة استعارت بالكامل تراكيبها وخطواتها التجريبية من مختبرات علم الخيمياء الذي يخلط السحر بالعلم.
ناتي الآن لأهم أهم رواد القرن الخامس عشر، مرحلة النهضة، الذين حتى الآن تدرس أسماؤهم في المدارس على أنهم رواد العلم التجريبي الحديث والتنوير، وكانوا منخرطين في الباطنية والسحر بدرجات متفاوتة. نبدأ بالتسلسل التاريخي. البداية كما ذكرنا من فلورنسا، لما سيطرت على الحكم عائلة ميديتشي، والتي حتى الآن تعتبر هي رائدة التنوير والعلم. ولكن يبدو أنه كانوا في الباطن باطنيين وكانوا متمردين على الدين وعلى الكنيسة، مع أنهم بنوا كاتدرائية حتى الآن تعتبر مزاراً سياحياً في فلورنسا. الظاهر كانوا رعاة للمسيحية، ولكن في الباطن كانوا رعاة للسحر والباطنية، وليس فقط للعلم التجريبي.
في عام 1460، منتصف القرن الـ 15، اكتشفت النصوص الهرمسية التي تنسب إلى شخصية تسمى هرمس الهرامسة أو هرمس ثلاثي الحكمة. تحدثنا عن الهرمسية في حلقات قديمة. وهذه الشخصية هي التي تلصق أحياناً بإدريس عليه السلام. طبعاً، هو أكيد بريء من السحر كبراءة سليمان عليه السلام. المهم، لما اكتشفت هذه المخطوطات اليونانية لهذا النص الباطني السحري، فوراً طلب حاكم فلورنسا، كوزيمو دي ميديتشي، من مارسيليو فيتشينو، وهو من الفلاسفة والمهتمين بالترجمة في فلورنسا، طلب منه أن يترك ترجمة كتب أفلاطون، مع أنه أفلاطون أيضاً محسوب على المثالية، أيضاً الباطنية، وأن يبدأ فوراً بترجمة هذه النصوص المهمة لأنها ستؤسس لتيار فكري جديد. ولكن ما يكتب حتى الآن في المراجع المدرسية أن فيتشينو من رواد الحركة الإنسانية، الإنسانية يعني العلمانية، يعني التي تؤله الإنسان وتضعه في محل الإله سبحانه وتعالى، وليس له علاقة بأي باطنية أو شيطانية.
بعده برز اسم ليوناردو دافنشي. ربما ما في أحد لم يسمع باسمه. كل الإعلام يسيطر عليه الأضواء باعتباره كان عبقرياً في كل المجالات، من الفنون والآداب والعلوم، وكان مخترعاً لأشياء أيضاً لم تظهر إلا بعد قرون من تفكيره بها. ليوناردو ولد في فلورنسا وأمضى شبابه فيها. والمؤرخون حتى الآن حائرون في تصنيفه. ولكن معظمهم يقول أنه لم يكن متديناً ولا مسيحياً، وغالباً كان لا دينياً أو ملحداً. مثلاً المؤرخ جورجيو فاساري يقول: "عقلية ليوناردو كانت منحرفة لدرجة أنه لم يلتزم بأي دين، وربما كان يعتقد أنه من الأفضل أن يكون فيلسوفاً بدلاً من أن يكون مسيحياً". وطبعاً، مثل كل رواد عصره، كان يبرز أو يتظاهر بالمسيحية. لذلك كل رسومه، أو الكثير منها، كانت مسيحية متعلقة بالمسيح عليه السلام وأنبياء الكتاب المقدس.
لكن اللافت في كتابه سيرته الذاتية أنه كان يمارس الشذوذ الجنسي مع بعض طلابه. وأيضاً أجريت دراسات عديدة للتكهن بهذه الميول الجنسية في بعض لوحاته، وأشهرها اللوحة التي تخيلها للنبي يحيى عليه السلام، يوحنا المعمدان، لما صوره للأسف في هيئة لا أقول فقط أنثوية، بل أيضاً مسيئة. والآن لو وضعنا الأساطير جانباً، فمن المؤكد القصة المعروفة أنه لما كان في السن الـ 24، قبل أن يبرز ويشتهر، اختفى تماماً عن الأنظار لمدة سنتين كاملتين. حتى الآن لا توجد أي سجلات تاريخية تقول أين كان، ماذا فعل، ما في أي رسائل ولا لوحات ولا أي شيء يؤرخ هذه المرحلة من عمره. ولكن المعروف أنه عاد للظهور فجأة بعد ذلك وتفجرت عبقريته بطريقة غير مألوفة، وربما حتى يصعب تفسيرها بأي طريقة عادية. بدأ يرسم الاختراعات التي نعرفها والتي ما زالت مخطوطاتها موجودة حتى اليوم. كان سابقاً لعصره بخمسة قرون، منها مثلاً رسوم للطائرات والدبابات وبدلات الغوص، في علوم الهندسة والتشريح الطبي للإنسان والفلك والطيران وغير ذلك.
والرابط الوحيد الموجود حتى اليوم في يد الباحثين عن هذه المرحلة من أوراقه الشخصية أنه تحدث أنه كان يتجول في جبال توسكانا ووجد كهفاً مظلماً واسعاً وعميقاً، فشعر بالخوف وفي نفس الوقت بالرغبة العارمة للفضول واكتشاف الكهف. ولا ندري ما الذي حدث بعد ذلك، ماذا وجد في هذا الكهف. لذلك ما يسمى بنظريات المؤامرة أنه التقى بالفضائيين هناك وتلقى منهم المعرفة. ولو كان هذا صحيحاً، ولا أستبعده، ولكن لا أستطيع أن أثبته طبعاً. ولكن يترجح. دي ذكرنا سابقاً الفضائيون لدينا هم الجن. وهنا نحيل أيضاً لحلقة الفضائيين. أيضاً من القصص اللافتة، طلب منه قائد عسكري أن يرسم خريطة لمدينة ليمولا في عام 1502. فرسمها بطريقة لافتة مثل الأقمار الصناعية. الذين كانوا يرسمون الخرائط تلك الأيام كانوا يرسمونها كلوحات فنية، يضخمون فيها القلاع والقصور وكذا. ولكن هو رسمها بالطريقة، كانها تشبه خرائط جوجل مابس التي نعرفها اليوم. كانت أولاً دقيقة جداً، وثانياً خالية من كل هذه التضخيمات الفنية. فـأيضاً هناك نظريات، إما أنه استعان بكائنات فضائية وطار ورآها من السماء، أو أنه حلق بروحه ورآها من فوق. وهذا أيضاً لا نستبعده. ومن يرى أنه هذا خرافة، أيضاً نحيله إلى الحلقات التي تحدثنا فيها عن الأرواح وتحديداً عن ملف الاقتراب من الموت. هناك أيضاً وثائقيات كثيرة ما لها علاقة بنظريات المؤامرة كشفت أو حاولت أن تتساءل عن بعض الرموز الخفية التي يعتقد أنه تركها في بعض لوحاته، منها بعض الرموز لأشكال تشبه الكائنات الفضائية. لذا تقول مؤرخة الفن هيلين جاردنر: "لم يسبقه إنسان في تعدد مواهبه وعمقها، فيبدو أن عقله وشخصيته غير بشريين بالنسبة لنا".
ننتقل الآن إلى جيوفاني بيكو. في عام 1486، خطابه الشهير بعنوان "خطاب في كرامة الإنسان". يعتبر هذا النص حتى الآن هو البيان الرسمي للنزعة الإنسانية في عصر النهضة، يعني النزعة العلمانية الإلحادية. ولكن في الباطن هو كان باطنياً وليس علمانياً ملحداً. كان مشهوراً بأنه أول مفكر مسيحي درس اللغة العبرية على يد أحبار الكابالا، أو القبالاه، وهي السحرية الباطنية الرمزية الغنوصية في الديانة اليهودية. وحاول أن يدمج هذه المبادئ اليهودية الباطنية بالأفكار المسيحية مع الأفلاطونية المحدثة، اللي هي يعني أفكار أفلاطين، أفكار باطنية غنوصية. وحتى لا يعاقب من الكنيسة، قال أنه يجب أن نميز بين سحرين: السحر الأسود الذي نستدعي به الشياطين، فهذا مرفوض. ولكن هناك السحر الطبيعي، وهو القمة القصوى للفلسفة الطبيعية، ليست هي منهج المادي التجريبي، بل هي التي ندمج فيها العلوم الطبيعية المادية بالعلوم الروحية السحرية وبالتنجيم وبعلم الحروف وكل ما نعرفه من علوم السحر. وفي سن الـ 23، جمع 900 أطروحة فلسفية ودينية وسحرية من كل الحضارات القديمة التي استطاع أن يجمعها، بما فيها حتى السحر العربي. ودعا العلماء إلى الاجتماع معه في روما للمناظرة، حتى يثبت أن هذه قمة الحكمة والمعرفة. الفاتيكان لما سمعت بهذه الدعوة أصيبت بالذعر طبعاً، وبدأت بملاحقته، فهرب واحتمى بعائلة ميديتشي الحاكمة في فلورنسا، التي كانت ترعى كما ذكرنا كل السحرة والباطنيين في تلك المرحلة.
الاسم الآخر الذي قد يكون مفاجئاً، نيكولا كوبرنيكوس، الذي يعتبر أيضاً هو رائد علم الفلك الحديث. هو الذي ابتكر نموذج مركزية الشمس وليس مركزية الأرض. فالأرض هي التي تدور حول الشمس. لذلك سمي هذا النموذج بالتحول الكوبرنيكي. أسس ثورة معرفية وعلمية حديثة. وتحول هذا المصطلح أيضاً إلى علوم أخرى، صار يقال أيضاً في علم النفس وفي العلوم الأخرى اللي فيها تحول جديد من نموذج إلى نموذج آخر. ومع أنه لم يكن يمارس طقوس السحر مثل آخرين، ولكنه أيضاً كان متأثراً بالسحر الطبيعي وعقيدة الهرمسية. وكان يرى أيضاً أنه الشمس لها قوة روحية ونورانية تستحق باطنياً وفلسفياً أن تكون هي في مركز الكون وليس الأرض. فالدافع لإثبات هذه النظرية رياضياً ليس دافعاً عملياً تجريبياً، بل دافع باطني وعقيدة هرمسية أيضاً.
في نفس المرحلة، برز الطبيب باراسيلسوس، الذي يعتبر حتى اليوم مؤسس علم السموم الحديث. كان ثورياً في الطب وعلم الأدوية، ولكن أيضاً كان ممارساً للخيمياء واستخدم الطلاسم المرتبطة بقوة الكواكب لدعم قوة الشفاء الروحية لبعض الأدوية.
أما أبرز الأسماء في هذه المرحلة، فهو جوردانو برونو، وهو الذي كتبت عنه ييتس كما ذكرنا أطروحتها وشكلت صدمة للوسط العلمي. حتى الآن يعرف بأنه فيلسوف عقلاني، وهذا ما يدرس لطلاب المدارس والجامعات. ويعتبرونه أيضاً شهيد العلمانية، لأنه قتل على يد الكنيسة بسبب حمايته للعلم وضحى بنفسه في سبيل التنوير والعلم، باعتبار طبعاً أيضاً أنه ملحد. ولكن الحقيقة أن فلسفته التي أدت إلى قتله بناها على نموذج كوبرنيكوس بداية، باعتباره بأنه الشمس هي مركز الكون، وأن هناك عوالم لانهائية وممتلئة بالسحر الإلهي. وكان يؤمن أيضاً بأن الأرض والنجوم والكواكب كلها لها أرواح إلهية خاصة بها وأن لها وعيها الذاتي. وأضف إلى ذلك أيضاً أنه مارس طقوس السحر بنفسه. لم يكن مجرد مؤمناً بالهرطقة أو الهرمسية. فكان مؤمناً بأنه الساحر يستطيع أن يسخر المعادن وقواتها الروحية والأحجار الكريمة أيضاً، وتحديداً بالتوقيت مع بعض الأوقات المرتبطة بعلم الفلك والتنجيم، فيجذب بذلك القوى الروحية من الكواكب للتأثير على عقول الجماهير بشكل عام، أو حتى استنزال الشفاء للمرضى. والنتيجة لهذه الأفكار أن الكنيسة قبضت عليه وأحرقته، أعدمته على الملأ.
الاسم البارز بعده، فرانسيس بيكون، الذي يعتبر أيضاً أبو النزعة التجريبية وأبو المنهج العلمي الحديث. موقفه المعلن في الظاهر أنه كان يهاجم الخيمياء والسحر التقليدي والتنجيم ويعتبرها أنها ممارسات مليئة بالدجل. ولكن الحقيقة الباطنية أنه كان مثل الكثير من الباطنيين السحريين وأعضاء الجمعيات السرية، كان يمارس السحر بنفسه. ومن مؤسسي منظمة الوردة والصليب أو الصليب الوردي (Rosecrucian)، التي كانت أيضاً هي الأب الأول للماسونية التي نعرفها اليوم، أو المرحلة الوسيطة بين فرسان الهيكل ومنظمة الماسونية. كان يسعى بنفسه لتحويل الخيمياء إلى علم تجريبي يسمى الكيمياء، ويخضع للملاحظة والمشاركة بين كل العلماء. هو أيضاً مؤلف لرواية أو كتاب سماه "أطلانتس الجديدة" (New Atlantis)، والذي تخيل فيه عالماً يوتوبياً.
يعني خياليا مثاليا يسيطر فيه العلماء أو الحكماء، كما فكر أفلاطون في المدينة الفاضلة، من بعده الفرابي يسيطرون على هذا المجتمع المتحضر والروحاني ويحكمونه باسم العلم. فحتى الآن تدرس هذه النظرية على أنها نظرية لتأسيس مجتمع علمي إلحادي، العلم فيه بديل الدين. والحقيقة أنه أخذ هذه النظرية بطريقة ظاهرية للباطنية روز كروشينيه، ولاحقاً أيضاً الماسونية، وهي أنه هؤلاء العلماء الحكماء (بين قوسين) هم فلاسفة باطنيون أصلاً، ويظهرون العلم المادي الذي يسيطرون فيه في الظاهر على عقول الناس. الكثير من الباطنيين حتى اليوم يعتبرونه القائد السري لحركتهم في إنجلترا في تلك الأيام. وحتى اليوم أيضاً الماسونية تعتبرها من رواد حركتهم الباطنية الأساسية. وأيضاً كتبه وأفكاره كانت هي العقيدة والنواة الأساسية لتشكيل الجمعية الملكية البريطانية التي تعتبر أول مؤسسة علمية للعلم المادي الحديث. ولكن الحقيقة هو كان الأستاذ الأعظم للجمعيات الباطنية في عصره. وهناك أساطير أو قصص لا أستطيع التحقق منها تقول إنه أيضاً زيف موته ودفن نعش مزيف له، ولكنه في الحقيقة عاش سنوات طويلة بعد ذلك وظل يتنقل في أنحاء أوروبا ويستخدم الشبكات السرية لفرسان الهيكل والصليب الوردي حتى يؤسس جمعيات سرية من خلالها يسيطر على أوروبا. وأنا أقول مرة أخرى لا أستطيع أن أثبت أن هذا صحيح، ولكن أيضاً هذا يظهر لك كيف أنه هو كان بالفعل له دور كبير في تأسيس الجمعيات السرية في تلك المرحلة. ومع ذلك حتى الآن يدرس اسمه لأنه هو أبو المنهج المادي العلمي الإلحادي. واللافت أيضاً أنه حتى نحن لما درسنا اسمه ومنهجه في المدارس والمعاهد الإسلامية ما ذكروا لنا أي شيء عن ذلك، لأنه نحن أيضاً تابعين. فنحن ننتقده من باب أنه كان مؤسساً للمادية والإلحاد، وأنه أيضاً في الجانب الشخصي كان مرتشياً، كان فاسداً، وله مؤامرات أيضاً للتقرب قرب من الملكة. هذا كله معروف، فيذكر جانبه الفاشل أخلاقياً حتى أيضاً نطعن فيه، ولكن الجانب الباطني السحري هذا كله لا يذكر نهائياً. فقط لما تبحث بنفسك وتكتشف سترى هذه الحقائق.
لدينا أيضاً العالم والفلكي جون دي، كان مستشاراً للملكة إليزابيث الأولى، من أعظم علماء الرياضيات والفلك والجغرافيا في كل تاريخ إنجلترا. هو من وضع أسس الملاحة البريطانية، هو الذي سكى مصطلح الإمبراطورية البريطانية. كان يعلن بصراحة أنه يتواصل مع الملائكة عبر وسيط من السحرة اسمه إدوارد كلي. وهذه الملائكة (التي هي طبعاً جن وشياطين) هم الذين علموه اللغة التي خلق الله بها سبحانه الكون، كما ضللوه، وسموها اللغة الإينوخية (إنوكين). هذه اللغة درسها علماء اللغة لاحقاً وقالوا بالفعل تملك اتساقاً داخلياً ولها قواعد نحوية وصرفية ومصطلحات كاملة. فمن المستبعد هنا أن يؤلفها شخص لوحده. مع ذلك طبعاً لا يمكن أن يعترفوا بأنها من الجن ولا حتى من الملائكة. جون دي ترك مجلدات ضخمة توثق مخططات رياضية وجداول فلكية. العلماء من بعده أيضاً درسوا المربعات السحرية والجداول التي تركها ووجدوا أنها لم تكن مجرد خربشات ذهانية لشخص يعاني من الهلوسات، بل فيها أنظمة تشفير مصفوفية متطورة هي التي ألهمت لاحقاً نظم التشفير الحديثة ولغات البرمجة. رمز شفرته الشهير 007 كان يوقع به رسائله السرية لما كان جاسوساً للملكة، وهو يرمز إلى عينين (هما رمز المراقبة) بجانبهم رقم سبعة الرقم المقدس عند الكثير من الطقوس السحرية. هذا الرمز هو الذي استوحاه الكاتب إيان فليمينغ لاحقاً لقصص جيمس بوند.
ناتي بعدها أيضاً إلى جون نابير الأسكتلندي، هو مخترع اللوغاريتمات في الرياضيات. اللوغاريتم هو قفزة كبيرة في الرياضيات وفي الكثير من العلوم اللاحقة. هو الذي سهل الحسابات الطويلة والمعقدة وظهور التفاضل والتكامل لاحقاً لدى نيوتن ولايبنتس. هذا الاختراع غير حرفياً وجه العالم الذي نعيش فيه. لولا اكتشاف اللوغاريتم ما كانت بريطانيا ولا أوروبا ستسود العالم كما نعرف لاحقاً. هو الذي فتح الطريق للتنوير الأوروبي وللفلك وللملاحة والكشوفات الجغرافية والسيطرة على العالم. ومثل الكثير من العلماء السابقين كان نابير يمارس الخيمياء في مختبر سري خاص به في قلعته، وله قصص كثيرة عن ممارسة السحر بنفسه أيضاً. ثم يأتي دور المؤرخين الماديين من بعده ليقولوا إنه كل ما فعله كان مبالغات، وإنه جيرانه اتهموه، وإنه كان عنده مجرد اهتمام بالخيمياء كما كان الكثير من زملائه تلك المرحلة.
أيضاً ظهر فيها اسم جاليليو جاليلي. ما في أحد منا لا يعرف اسمه بأنه أيضاً أبو الفلك والفيزياء الحديثة. هو الذي أثبت أيضاً مركزية الشمس بعد كوبرنيكوس وأثبتها بشكل عملي لما نظر إليها من خلال التلسكوب. والحقيقة أنه كان أيضاً ممارساً محترفاً للتنجيم الباطني. ولا ننكر هنا أنه كان ينظر في التلسكوب، وأنه أيضاً كان يمارس المنهج التجريبي، ولكنه كان يكتب كتباً عن الأبراج الفلكية ويمارس التنجيم ويؤمن بأن النجوم لها قوة روحية. وكان أيضاً يشارك الأطباء في اعتقادهم بأن هناك رابطاً مغناطيسياً أو أثرياً باطنياً روحياً (يعني بين قوسين) وكانوا يسمونه مغناطيسياً أحياناً حتى ينقلوه إلى خانة العلم ويرون أن هذا الرابط هو الذي يربط الأجرام السماوية وهو نفسه الذي يربط السوائل الحيوية في الجسم ويربط بين هذا وذاك. فلذلك التنجيم له قوة أو قدرة على التأثير على البشر. وأيضاً مثل كل الأسماء السابقة درسونا في المدارس والجامعات أنه جاليليو كان من أبطال العلم المادي والتنوير في مقابل الدين المتخلف الذي تمثله الكنيسة، وأنهم حاكموه وكاد أن يحرق أيضاً لو لأنه تراجع أو قالها. هذا ظاهرياً فقط، لأنه كان مع العلم الذي يثبت بالتجربة وليس لأنه كان مهرطقاً، وكان أيضاً في الطرف الذي يمثل الهرمسية والسحر في نفس المرحلة.
أيضاً لدينا يوهانس كيبلر المعروف بأنه أيضاً واضع قوانين حركة الكواكب الثلاثة الشهيرة في علم الفلك. ويعتبر أيضاً في أوروبا وفي العالم كله أنه هو مؤسس علم البصريات، مع أنه نقله عن الحسن بن الهيثم أو على الأقل كان مسبوقاً به. أيضاً لا يذكر أبداً أنه كان يؤمن بالتنجيم، وكان يؤمن بأن الأفلاك لها موسيقى روحية كونية. بل كان يسترزق من كتابة الطالع والتنجيم لكبار النبلاء وعلى رأسهم إمبراطور الدولة الرومانية المقدسة. وليفترض أنه يكون مسيحياً متديناً أيضاً، لكنه يبدو أنه كان فعلاً يؤمن بالتنجيم. وأيضاً كيبلر قضى سنوات طويلة من حياته ليحاول إثبات فكرة فيثاغورس الباطنية بأنه الكون مصمم بهندسة مقدسة جيومتريا. وأيضاً من القصص اللافتة أن والدته اتهمت بالسحر وسجنت ست سنوات وهو قضى هذا الوقت من حياته فقط ليدافع عنها كمحامي. وبالفعل ما يقال إنه أثبت براءتها من أن جيرانها اتهموها زوراً بأنها ساحرة. ما نستطيع أن نثبت هذا ولا ننفيه، ولكن قد يكون بالفعل هذا صحيح. وحتى لو لم يكن صحيحاً، فالثابت أنه يوهانس كيبلر كان يمارس التنجيم. والذين يدافعون عنه يقولون إنه لم يكن يؤمن بالسحر الشعبي، ولكن يؤمن بالسحر العالي الذي يمكن أن تراه في علم التنجيم وفي الرياضيات والفلك.
ناتي بعدها لأبرز اسم في كل تلك المرحلة، إسحاق نيوتن، الذي يعتبر أبو الفيزياء الحديثة، مكتشف قوانين الحركة وقانون الجاذبية الكونية، ومخترع علم التفاضل والتكامل في الرياضيات. اللافت أيضاً أنه كان هرمسياً وباطنياً أكثر من كل من سبقوه. في عام 1936 عرضت عائلة نيوتن (يعني ورثته) صندوقاً معدنياً ضخماً يحتوي على مخطوطاته الأصلية المكتوبة بخط يده عرضت للمزاد. واللافت أنه جامعة كامبريدج رفضت شراء هذا الصندوق لأن أوراقه لم تكن علمية بل كانت باطنية وصادمة. جون كينز، الاقتصادي البريطاني المشهور، هو الذي اشترى هذا الصندوق وأمضى سنوات في دراسة ما فيه وتحليل محتوياته. ثم أعلن بعد دراسة هذه الأوراق التي كتب فيها حوالي مليون كلمة في علوم السحر والخيمياء ومحاولة تفسير النبوءات التاريخية في الكتاب المقدس، قال إنها بالفعل صادمة. وقال التصريح الشهير: "نيوتن لم يكن أول علماء عصر العقل، بل كان آخر الخيميائيين والمشعوذين العظام". ومن الاكتشافات الصادمة في هذه الكتب أنه كان يحاول البحث عن حجر الفلاسفة السحري الذي كان يبحث عنه الخيميائيون لتحويل المعادن الرخيصة إلى ذهب. وكان يرى أيضاً أنه الجاذبية التي اشتهر بأنه الذي اكتشفها ليست مجرد معادلة رياضية، بل قوة أثيرية روحية وضعها الخالق في الكون ويمكن أن نتحكم بها بطقوس معينة، طقوس سحرية. بما أنه أيضاً كان رياضياً، فكان مهووساً بدراسة الأبعاد الهندسية لهيكل سليمان المزعوم في القدس والمذكور في الكتب القديمة. كان يعتقد أن هذا الهيكل هو مخطط هندسي مشفر ومصغر لهندسة الكون، فلو درست هذه الأبعاد لهذا الهيكل ستفهم هندسة الكون وعلم الفلك كله. أيضاً المؤرخون يعتقدون أن نيوتن لم يكن يؤمن بعقيدة التثليث المسيحية، بل كان موحداً. وهنا من الصعب بالفعل أن تعرف بالضبط ما كانت عقيدته. ربما لم يكن ملحداً بالفعل، ولم يكن مسيحياً طبعاً، ولا حتى ممارساً للمسيحية، ولكن يبدو بالفعل أنه مثل الكثير من علماء عصره كان ساحراً ومؤمناً بقوة السحر ودمجه بالعلوم الطبيعية. وكانت له عقيدة خاصة أيضاً تجمع المسيحية التوحيدية الخاصة مع أديان أخرى، وغالباً أديان باطنية تستنبط منها الحكمة وتفسير الوجود.
في حياة نيوتن، الذي يعتبر هو ذروة العقلانية والنهضة المادية العقلية، أسست الجمعية الملكية البريطانية في عام 1660 من قبل الملك البريطاني تشارلز الثاني. تعتبر كما ذكرنا هي المؤسسة الرسمية التي تجمع علماء ذاك العصر. وكما رأينا الكثير من رواد هذه المرحلة كانوا مؤمنين بالسحر والهرمسية والباطنية. وهذا لا ينفي أنه الكثير من العلماء الآخرين كانوا ملاحدة أو لا دينيين ولا يؤمنون إلا بالمادة. فنحن لا نقول إن العلم كله كان باطنياً، ولكن الكثير من العلماء الرواد الذين أسسوا المنهج التجريبي ووضعوا النظريات التي حتى الآن يقوم عليها العلم الحديث كانوا مؤمنين بالسحر وممارسين له، وكانوا بهذا المعنى متصلين بالعوالم الروحية الأخرى (اللي هي عالم الجن والشياطين). ولكن في المقابل الملحد والمؤرخ المادي الآن لا يخطر على باله أي شيء مما سبق. وإذا ذكرت هذه الأمور كما كشفت أوراق نيوتن وكما كشفت هيتس أيضاً بعدما بحثت في المخطوطات بنفسها، كل هذا التاريخ السحري والهرمسي لهؤلاء الرواد، هنا ماذا يقول الملحد؟ يقول لك إنه كانوا يعيشون في تلك المرحلة التي اختلط فيها العلم بالسحر، لكن هو لا يعتقد أنهم كانوا يمارسون سحراً حقيقياً، لأنه الملحد أو اللاديني لا يؤمن بأن السحر موجود أصلاً، هو خرافة. والعلماء كانوا يخلطون بين خرافة غير موجودة وبين علم حقيقي. فلذلك أيضاً كل المراجع العلمية والمناهج التعليمية حتى الآن لا تذكر أي شيء عن هذه الخلفية السحرية والباطنية والهرمسية لهؤلاء. هذا كله يغطى تماماً، فلا تجد أي ذكر لهذا إلا عند الباحثين المتخصصين عن ديتس مثلاً، والتي لم يسمع باسمها ربما كل من يسمعنا الآن. هذه الأطروحات تبقى أكاديمية نخبوية متخصصة ولا تدرس ولا تعلن على الملأ. ولما نحن نتحدث عنها ونخرجها على الملأ، فوراً يرد بنفس الرد السابق: إن هؤلاء كانوا متأثرين بالخرافة المنتشرة في أيامهم، آمنوا بوجودها، ولكن لم تكن مؤثرة على ما أنتجوه من علم مادي تجريبي، لأنه يجب أن تبقى المادة هي المسيطرة على كل شيء، ويجب أن يبقى أيضاً السحر في خانة الخرافة، بمعنى أن السحر والأرواح غير موجودة.
نصل الآن إلى العصر الحديث. كما رأينا عصر النهضة كان في خليط مادي إلحادي أو على الأقل لا ديني مع روحاني باطني مع المسيحية التي تعتمد الثنائية في المادة والروح. ثم في العصر الحديث الذي بدأ من القرن الثامن عشر وما بعده صار عندنا تيارين تقريباً هما المسيطران، وهما السحرية الباطنية والما مادية. ولكن ستجد أنه السحرية الباطنية هي السرية، والتي يؤمن بها الكثير من العلماء حتى لو أخفوها. وفي المقابل الظاهري هو المادية. ذكرنا جمعية الصليب الوردي (روز كروشن) والتي كانت هي الأساس والنواة لما تحول لاحقاً إلى الماسونية. هي التي أخذت التيار الأكبر للجماعات الباطنية أو الأوكلت. وكانت الصليب الوردي هي أساس الجمعية الملكية البريطانية والكثير من المؤسسات العلمية. ثم تأسست الماسونية. أول محفل رسمي كان محفل لندن الكبير الذي تأسس تحديداً في 1717. مع أنه المعروف أنه لم يكن هو الأول، وإنما هو كان التجميع الرسمي والأساسي والظاهري للمحافل الكبيرة التي كانت موجودة بشكل سري. أيضاً الروابط متينة بين الجمعية الملكية البريطانية وبين الماسونية. هذا ليس نظرية مؤامرة، إن هذا لا أحد ينكره أصلاً، شيء ثابت ومعروف. المؤسسون للجمعية الملكية العلمية البريطانية وبقية الجمعيات التي مثلها في فرنسا وغيرها كانوا يتبنون ظاهرياً فلسفة نيوتن وهي الإيمان بوجود خالق للكون، ولكنه مهندس أعظم وهو الذي يسمونه ويسمون بياناتهم باسمه باسم المهندس الأعظم للكون، باعتبار أن نيوتن لم ينكر وجود الإله، ما كان ملحداً، لكن هو الذي كان يبني هذا الكون بهندسة ميكانيكية متقنة. ولذلك الماسونيون حتى الآن يسموننا بالبنائين الأحرار. طبعاً هذا هو الظاهر، ولكن المعروف الباطنية كانت هي الأساس، فكانوا يخفون عقيدة باطنية، عقيدة كل الجماعات الباطنية السرية الغنوصية، ما يسمى بالأوكلت، مع تطبيق ظاهري المبادئ الإنسانية (الهيومانزم) ولكن بدون إلحاد.
الماسوني اللبناني الشهير شاهين مكاريوس، الذي كان ماسونياً من الدرجة الـ 33 (أقصى درجات الماسونية) وهو الأستاذ الأعظم للمحفل الأكبر الأورشليمي، قال في كتابه "الحقائق الأصلية في تاريخ الماسونية العملية" من صفحة 25 إلى 27 في طبعة مؤسسة هنداوي: "الخص ما قالوا القدماء تملكتهم الدهشة أمام ظواهر الطبيعة. العوام منهم عبدوا الكواكب وقدسوا كل ما كان يبدو لهم غامضاً. أما العباقرة وأصحاب الأخلاق النبيلة فاكتشفوا بعض أسرار الطبيعة بدون ما يذكر لنا من أين اكتشفوها. ما كان في مختبرات علمية. ثم قرروا كتمانها برموز سرية كي لا تقع في أيدي الأشرار". هذا هو دائماً المبرر: إنه في عوام لن يفهموا، فنخفي هذه الأسرار. "وظلوا يتوارثونها داخل جمعياتهم السرية التي لا تريد إلا الخير للبشرية. ما في أين يتشر. وهكذا ظلت تتنقل بين أيديهم وتعبر الحضارات بكل أمانة دون خلل ولا تسريب، لا سيما على يد الكهنة المصريين الذين درسوا ما ابتكرته أسلافهم من حكماء الفرس والكلدان الذين أبدعوا فيما كتبوه وأتوا بالسحر الحلال". لاحظ هذه الجملة: "السحر الحلال". "ثم سلموه إلى الإغريق لينتهي المطاف بهذه المعرفة المقدسة في أوروبا وتستقر في المحافل الماسونية". يصف السحر بأنه حلال، وأن المعرفة كانت سرية ثم انتقلت إلى أوروبا وستبقى سرية أيضاً.
لدينا في كتاب "الثورة العلمية" مقدمة قصيرة جداً للمؤلف لورنس إم برنسي (بي)، ما أدري إذا النطق صحيح، الصفحة 38 يقول: "الفلسفة الطبيعية كانت مرتبطة في تلك المرحلة بقوة بما نسميه علم (ساينس) في يومنا الحالي. ولم تتم صياغة مصطلح العالم إلا في القرن التاسع عشر. أما علماء تلك الأيام فكانوا منخرطين بمنظور أوسع للفلسفة الطبيعية التي تشمل إلى جانب العلم الطبيعي العلوم الباطنية والسحر". هذا ما كان معتمداً. إذا ممكن نقول القرن التاسع عشر هو الذي اكتمل فيه بناء المنهج المادي العلمي التجريبي. وصار عندنا الآن تيارين: تيار مادي إلحادي جديد يعتبر نفسه التنويري والإنساني، في مقابل تيار سري باطني سحري. وقد يكون أحدهم يجمع بين الأمرين ويخفي أحدهما ويظهر الآخر. أهم ممثلين للتيار المادي والذي صار معتمداً وما زال حتى الآن: الفيلسوف الفرنسي هنري دو سان سيمون وتلميذه أوغست كونت. يمكن أن نقول اكتملت الرؤية الوضعية الإلحادية على يديهما معاً. أوغست كونت هو الذي جاء بعده وتوفي في 1857، وهو الذي صاغ النظرية التي تقسم تاريخ البشرية كله إلى ثلاث مراحل: وهي المرحلة الدينية، ثم الميتافيزيقية، ثم الوضعية العلمية التي نعيشها الآن. صار هذا المنهج المادي والمعتمد أكاديمياً حصراً. أي شيء آخر يعتبر خرافة. وما في خلاف طبعاً على أنه المنهج المادي التجريبي الذي يبحث في ظواهر الطبيعة بطريقة قابلة للتكرار. نحن لا نقول إنه في أي مشكلة، هو منضبط وممتاز ويكشف الكثير من الأسرار ويفسرها ويساعدنا على اكتشاف الحلول للكثير من المشاكل في هذا العالم. لكن المشكلة هي أنه بدأ بطريقة سرية باطنية، وما زال الكثير منه أيضاً حتى الآن منغمساً أو فيه شيء من هذه الباطنية وهذا لا يعلن ولا تنشر فيه الأبحاث طبعاً. وأيضاً وهو الأخطر، صار هو البديل للفلسفة والدين. صار هو البديل الذي سيفسر كل شيء في هذا العالم باعتبار أنه العالم نفسه مادة ولا يمكن أن يكون فيه أي شيء موجود آخر غير المادة. من ناحية الوجود وليس من ناحية محاولة اكتشافه أو لا. هنا يجب أن ينتبه المسلم أن هذا لم يحدث أصلاً بطريقة تلقائية. يعني هم لم يكتشفوا منهجاً تجريبياً يمكن من خلاله السيطرة على العالم واكتشاف أسراره. فقد قالوا إذا خلاص نعتمد، لنفسر به كل شيء ونستبعد الدين والسحر. كما يقال. ولم يكن اكتشافاً، وكان عملية وضعية، وكان فلسفة وضعوها وحاولوا بها تفسير أو حاولوا إقناع البشرية بأنه هو الذي سيفسر كل شيء. واستبعدوا الدين والسحر ليس من التفسير مرة أخرى، بل من الوجود. وبهذا نفي وجود الغيب والسحر والدين والوحي والإله والملائكة والجن. وأكرر هذه لم تكن عملية تلقائية. لم يكن مجرد حراك اجتماعي وتطور وصراع طبيعي ونزيه بين الأفكار، فانتصرت هذه الفكرة على فكرة الدين والسحر. هذا كان عملية وضعية. كان هناك جماعات سرية تناضل لذلك، ثم جماعات ماسونية تأسست على يد الملوك. وأكرر على يد الملوك وكبار النبلاء في أوروبا هم الذين أسسوها، ليس لكي يلتقوا ويتبادلوا النكات والقصص ويقوموا ببعض الطقوس اللذيذة والمنتعة وحفلات الشاي والخمور وإلى آخره. لا، كان في ملوك يؤسسون هذه الجماعات لنشر أفكارهم في المجتمع بدءاً من رأس الهرم نزولاً إلى كل شيء. والجمعيات العلمية كانت مرتبطة جذرياً بهذه المؤسسات، بهذه المنظمة السرية. وبهذا وصلنا إلى فكرة أنه المادية المسيطرة على كل شيء هي التي ترى الآن أنه الدين والسحر كلاهما شيء واحد، مع اختلافات بسيطة بينهما. كلاهما تفسير غيبي ميتافيزيقي غير قابل للاختبار، وبذلك فهو أيضاً غير قابل للتحقق وغير قابل للإثبات باعتبار أن التجربة هي المصدر الوحيد للمعرفة. وأكرر هنا مرة أخرى: لا يميزون بين الدين والسحر. لذا يقول الشاعر الألماني فريدريش شيلر: "من سمات الحداثة نزع السحر عن العالم". يعني أنه التفسيرات السحرية والدينية كلاهما شيء واحد. كلاهما لم يعد قابلاً لتفسير أي شيء. كلاهما أساطير قديمة وخرافة اخترعها العقل البشري البدائي لأنه كان مندهشاً أمام ظواهر غير قادر على تفسيرها، ففسرها بطريقة خرافية غير موجودة أصلاً. وهذا المبدأ "نزع السحر عن العالم" استعاره منه ماكس فيبر في القرن العشرين وفسر به أيضاً الكثير من الظواهر الاجتماعية.
ما نريد أيضاً الاستزادة، أنصح بحلقة "قصة الثورات العلمية" التي قدمتها على نفس هذه القناة. وأيضاً أذكر بأني في كل تلك الحلقة تقريباً ساعة ونصف لم آت على شيء من الباطنية. لم أكن أريد أن أفتح هذا الملف وأشبه على الكثير من الناس. الآن لما فتحنا هذا الملف سنعيد تفسير الثورات العلمية وتاريخ العلم نفسه بطريقة مختلفة. لا يعني ما ذكرته سابقاً كان خاطئاً، ولكن لم أذكر إلا جانباً واحداً فقط من تاريخ العلم. الآن بالتوازي مع التيار المادي الطاغي في الوسط الأكاديمي والمسيطر على كل شيء، ولأنه طبعاً هو مدعوم بمنهج منضبط، ما في أحد يشكك فيه، ظل هناك تيار سحري باطني في الوسط العلمي، ولكنه كان خفياً. ولو أنه بعض العلماء كانوا يصرحون بذلك، بعضهم على استحياء، وبعضهم بطريقة أخرى، وبعضهم لم يكشف إلا لاحقاً. سنأتي على هذا بعد قليل ونذكر بعض الأمثلة. لكن بعد كل ما ذكرته لك، تخيل الآن لو أخبرتك بعض رواد الوضعية والمادية العلمية المسيطرة على التفسير لكل الوجود هم أنفسهم. هناك نظريات تقول إنهم كانوا باطنيين ومتخفين. وهذه كانت صدمة لي، فسأصدمك بها الآن. وأقول هنا أيضاً من البداية: هذه النظريات قد لا تكون مؤكدة 100%. هي محاولة لتفسير بعض الأقوال والتصرفات. سأذكر ما يجتمع لدي الآن ويمكنك أن تتحقق بنفسك.
سان سيمون نفسه كان يرى أن المجتمع الجديد يجب أن يقاد بواسطة نخبة علمية وصناعية تحل محل الكنيسة الدينية. ولكن في أواخر حياته مال إلى صياغة هذا الفكر بأسلوب باطني وديني واضح. ففي عام 1825 أصدر كتابه الشهير "المسيحية الجديدة". أعلن نفسه بما يشبه النبي الجديد لهذه الديانة، وأنه مكلف من العناية الإلهية (بين قوسين) لإعادة إحياء هذا الدين الجديد، وهو دين العلم. اللافت بعدما توفي تحول بعض كبار تلاميذه المخلصين له إلى طائفة دينية مغلقة، كلت، وأطلقوا على أنفسهم اسم "كنيسة سان سيمون". وحتى الآن يطلق عليهم السان سيمونيين. ارتدوا ملابس طقوسية وعاشوا في كومونات أيضاً شبه رهبانية وتبنوا مفاهيم حول الذكر والأنثى الكونيين، نفس المبادئ الباطنية التي نعرفها عند الجماعات الغنوصية السرية.
أيضاً كونت، التلميذ المخلص لسان سيمون، والذي فصل عنه قبل وفاته واختلف معه وهاجمه، أيضاً هو نفسه في آخر حياته أعلن تأسيس دين الإنسانية وله كنيسة "كنيسة الإنسانية" وله كهنوت. وكنا نحن ندرس في الجامعات أنه كان يريد أن يؤسس ديانة علمانية إلحادية للتمرد على الدين المسيحي. ولكن لما تبحث بنفسك ستكتشف أنه كان يكرر نفس مبادئ وشعارات الماسونية الباطنية. لذلك بعض المؤرخين يقولون إنه كان يحاول في هذه الخطوة أن يوفق بين عقلانية عصر التنوير (والتي كان من روادها كما ذكرنا) وبين الرؤية الصوفية أو الباطنية الغنوصية الطقوسية للعالم. وأنك لو دققت ستجد الكثير من مصطلحاته في هذه الفترة كانت متطابقة مع مبادئ الإلوميناتى، وهي جماعة ما يسمى بالمتنورين التي ظهرت في بافاريا في ألمانيا على يد فايسهوبت. وطبعاً هذا الاسم ملتصق في الكثير من نظريات المؤامرة. مجرد أن ينطق اسمه فوراً يشكك في كل ما قاله، يشكك حتى في ما سنقوله الآن.
خذ هذه الصدمة الأخرى، ومرة أخرى أنا لا أتبنى كل ما يقال فيها. هناك نظرية أيضاً على أنه كارل ماركس نفسه، مؤسس شيوعية وأبو الإلحاد في العصر الحديث، هو نفسه كان باطنياً. مرة أخرى لا أتبنى، لكن أنقل هنا في كتاب صدر في 1986 للقس المسيحي ريتشارد فون براند، كتاب بعنوان "ماركس والشيطان". أهم ما جاء فيه أن ماركس في شبابه قبل أن يشتهر، تحول من اليهودية إلى المسيحية ظاهرياً، ولكن في الباطن كان عضواً في جماعات عبادة الشيطان (سيتانزم). وكانت له كتابات مؤكدة كان فيها شيء من الرموز الطقسية السوداوية وتعهدات بتدمير البشرية. فكاتب الكتاب يقول إن إلحاده الماديته كانت مجرد وسيلة أيديولوجية ممنهجة لتحطيم الأديان التقليدية نيابة عن الحركات الباطنية السرية. وحتى لو لم تثبت هذه النظرية، هناك أيضاً نظريات أخرى لا أقول إنني أتبناها، أنه كان هو وكيل لجماعة أو عائلة روتشيلد، لأنه كان في قرابة بينه وبينهم. فكان يعلن أنه ضد الرأسمالية ويندد بها ويندد حتى بروتشلد أو روث تشايلد كما تنطق في الألمانية، ولكنه في المقابل أو في السر والباطن كان معهم وكان يحقق مصالحهم. على أي حال، حتى لو قلنا كل الرواد المادية الذين ذكرنا أسماءهم ما كانوا باطنيين، وأن هذه النظريات نظريات مؤامرة باطلة، كان هناك تيار علماء حقيقيين لديهم باطنية خفية بالفعل وسنذكر بعض الأمثلة لهم لاحقاً. المهم الآن في النهاية سيطرة المنهج المادي على كل شيء، وليس فقط على الوسط الأكاديمي العلمي التجريبي. ولأن أوروبا أيضاً سيطرت عسكرياً على العالم في الاستعمار، ثم أيضاً الآن أمريكا الوارثة لا تسيطر أيضاً بمنظمات العالم التي تديرها، وأيضاً بالقوة العسكرية والقوة الاقتصادية، فهم الذين نشروا كل هذه الأفكار حتى في الأوساط التي غير تابعة لهم، حتى في الصين وروسيا والهند، في كل مكان قد يفترض أنه غير تابع لهم ثقافياً وعسكرياً، لكن هناك تأثر بهذا المنهج المادي التجريبي والذي لا يقتصر على المختبرات مرة أخرى، بل أيضاً يمتد إلى الفكر وإلى النظرة للعالم. فالشيوعية التي نشأت في ألمانيا تحديداً على يد ماركس في هذا الجو الأوروبي هي نفسها امتدت لاحقاً إلى روسيا ثم إلى الصين، وكلاهما العدو الأساسي للغرب الآن.
ماذا عن العالم الإسلامي؟ لدينا الآن في العالم الإسلامي، كما لا يخفى على أي محقق منصف وغير متعصب طبعاً لتراثه وثقافته بطريقة تعمي، يعلم تماماً أننا للأسف نحن أيضاً خاضعون للثقافة الغربية الغالبة. هي غالبة على المسلمين كلهم تقريباً وعلى الكثير حتى من العلماء والمشايخ بشكل غير مقصود وغير مرئي (لا شعوري). هنا يجب أن نعترف طبعاً أن العالم الإسلامي من زمان كان في مشاكل، كان في فتن ظهرت من العصر الأموي ثم العباسي بشكل أكبر، كان في فرق وكان في فلسفات وزنادقة وكل شيء. لكن الفرق شرق أنه كان العالم الإسلامي في كل المراحل حتى في أيام الغزو الصليبي والمغولي كان على الأقل متكافئاً مع الآخرين، ثم يعود وينتصر ويقوم على رجليه. ما حدث بعدها تحديداً مع غزو نابليون في 1798 لمصر كانت هي النقلة النوعية. حتى قبل انهيار الخلافة، نقلة شعر فيها المسلمون بالضعف. والذي جاء ليحتل ويغزو ليس حملة صليبية دينية كما كان سابقاً، بل نابليون الذي جاء إلى المنطقة بعد أقل من عقد واحد فقط على الثورة الفرنسية الماسونية العلمانية. الآن جاؤوا بفكر جديد، الفكر المنهجية المادية التجريبي والرؤية المادية العلمانية للعالم، والتي ستنتشر عبر أيضاً جماعات ماسونية ستؤسس في كل بلد إسلامي تقريباً. هؤلاء هم الذين لاحقاً أسقطوا الدولة العثمانية أو الخلافة. وهذا أيضاً ليس نظرية مؤامرة، هذا لا ينكره أحد. ولكن طبعاً كل من يفزع من أي شيء اسمه مؤامرة فوراً يقول لك: الماسونية هي كانت جماعات علمانية، وتركيا الفتاة والاتحاد والترقي جماعات نشأت في هذه الأفكار الأوروبية، أفكار علمانية جديدة، أفكار تنويرية لا أكثر ولا أقل. ولكن نحن نعلم طبعاً لما تغوص في الماسونية هي جماعات باطنية سحرية سرية (أوكلت) يعني. ثم لاحقاً كما ذكرنا سقطت الخلافة. وما بعدها صدمة سقوط الخلافة خصصت لها حلقة بهذا العنوان. كانت أول حلقة من سلسلة "مراجعة أردوغان". أنصح بالعودة لها، فهي كانت صدمة حضارية ونفسية. صار عندنا عقدة نقص، عقدة ازدواجية: كيف تجمع بين إيمانك بالدين والوحي وبين محاولة اللحاق بالغرب؟ هنا أيضاً نشأت فكرة أنه يجب على المشايخ أن يقدموا لنا نسخة جديدة من الدين، لأنه أيضاً كان في مشكلة كبيرة في التصور الديني، في التصوف الخرافي اللي كان منتشر وليس في كل مكان طبعاً، ولكن كان موجوداً بكثرة. فيجب الآن أن نجدد الدين. هذا التجديد قام بأول خطوة منه الشيخ محمد عبده كما هو معروف، والذي كان أصلاً يعيش تحت الاحتلال البريطاني لمصر. فاستعاد تراث المعتزلة. المعتزلة اللي كانوا هم أيضاً في صدمة حضارة أمام اليونان. مع أنه كانت الدولة العباسية كانت في أوج حضارتها، لكن هم كجماعة فكرية صدموا بالترجمات اليونانية، فكانت عندهم هذه الأزمة: العقل مقدم على النقل. نفس الشيء الآن في تراث محمد عبده. لم يكن معتزلياً عقدياً، لكن نفس الفكرة، نفس التراث، نفس المنطلقات. يجب أن نلحق بالغرب باعتماد أكبر قدر ممكن من المادية وتقليص أكبر قدر ممكن من (ما أدري إيش أسميها الآن) المعجزات، الغيبيات في نظرتنا للعالم. هنا نشأت أيضاً كل الأفكار عن محاولة فهم السننية الكونية. صار لدينا ما أسميه مادية متأسلمة. وحتى الآن حتى هذه اللحظة التي أتحدث فيها، لدينا تيار هائل من المشايخ والعلماء، كثير منهم محسوب على السلفية، ما له علاقة بمحمد عبده ولا الإصلاحية ولا ما يسمى بالعصرانية. كل هذا ما له علاقة فيه، وربما يعتبر المعتزلة كفار. لكن هذه النظرة المادية تقريباً ما في عقل مسلم إلا ودخلت إليه بشكل أو بآخر. حتى أنا لا أبرئ نفسي، وذكرته أكثر من مرة: أنا كنت متأثراً، أنا كنت منغمساً في هذه الأفكار. والدور الذي أحاول أن أقوم به الآن قدر الإمكان أن أصلح نفسي، أن أوقظ نفسي من هذه الغفلة، أن أعيد التفكير في كل هذه الأفكار وفي تاريخها. بالمناسبة أيضاً، موجة هذه المادية تراجعت بعد محمد عبده تحديداً على يد أول تلميذ له الشيخ محمد رشيد الرضا. هو نفسه تراجع عن هذه الأفكار بعضها على الأقل، وهو له في بعض كتبه ما يقر فيه عن موضوع المسلبس الشيطاني. هذا ليس موضوعنا الآن. لكن للأسف العقل الجمعي المسلم، وخصوصاً سكان المدن والمتعلمين، حتى يعني من يسكن في المدينة وليس متعلماً، العقل الجمعي في هذه المجتمعات هو على هذه المدرسة: تقليص دور الغيبيات. لكن لما تخرج فقط قليلاً إلى الأرياف، إلى البداوة، تجد ما زالت الناس هناك على الفطرة وعلى ما كان عليه أجدادهم في طول التاريخ الإسلامي، أنه الجن موجودين ولهم دور في حياتنا اليومية، حتى قد نراهم كل يوم أو نرى بعض آثارهم. لا أقول فقط السحر الحر والمس، بل أيضاً حتى آثار مادية يرونها والقصص هنا لا تنتهي. هذه القصص تنقل فوراً إلى المدن فوراً. وأنا هنا أقولها بكل وضوح، وما أعرفه عن الأصدقاء والمشايخ، مشايخي وأساتذتي، منهم فوراً تحمل على أن هؤلاء غير متعلمين، غير مثقفين، غير فاهمين، غير فاهمين للدين نفسه. يعني حتى الدين هنا يجب الذي أن يعلمك أنه هذا غلط. والنتيجة الآن بعد كل هذا، حتى لما يكون المثقف لدينا الآن متديناً بالإسلامية التوجه، يجب عليه هنا مبدئياً أن يكون رافضاً فلسفياً لكل هذه الأفكار، وأن يقلص مساحتها في الوجود وفي التفسير لكل شيء. هو طبعاً لا ينكر الروح، لا ينكر وجود الله طبعاً، ونحن نتحدث عن المسلمين. لا ينكر وجود الجن، لا ينكر حتى وجود السحر، حتى لو فسره. ولكن هو يريد أن يقلص تأثير كل هذا في بارادايم مادي. هو قد لا يشعر أنه خاضع له. خارطة إدراكية مختلفة تماماً.
سأستشهد بنص لعزم بشار، ليس مسلماً كما نعرف، هو مفكر علماني يقول: "عندما ينفصل السحر عن الدين، يتوقف الدين عن مخاطبة قوى طبيعية ويبقى من الدين مخاطبة قوى إلهية فقط خارج العلاقات السببية. ثم يقول: يمكن للدين إذا تخلص من السحر أن يتعايش مع العلم طالما أبقى المتدينون عقيدتهم الدينية خارج نطاق تعاملهم مع الطبيعة القائمة على السببية". هذا الاقتباس من كتاب "الدين والعلمانية في سياق تاريخي"، طبعة 2013، الجزء الأول، صفحة 106. لاحظ كلمة السحر هنا، نفس مبدأ ماكس فيبر "نزع السحر عن العالم". وهنا لا يقصد السحر الشيطاني طبعاً، هو يقصد هنا كل ما هو غيبي ويعتبر هو معادٍ أو نقيض للسببية. إذا كنت تؤمن بالسببية أو ما نسميه نحن المسلمين السننية فيجب أن تنكر وتستبعد أي شيء أي تدخل غيبي في حياتك في كل شيء في هذه الطبيعة. بمعنى يعني أنه حتى أنت لو قرأت الرقية على نفسك، لا أقول ذهبت إلى راقٍ ودجال، أنت قرأت الرقية، قرأت الفاتحة على ليس مرض نفسي شعرت بالمغص في بطنك، فقرات على نفسك الفاتحة فتحسنت، هنا يجب أن تعتبر أنه هذا ليس تدخلاً إلهياً حتى لا تكون خرافياً. يجب أن تعتبر هذا مجرد قوة إيمانية نفسية مثل البلاسيبو أثرت في نفسيتك، فأثرت في أجهزتك المادية الداخلية، فساعدت على التعافي والشفاء، وليس هناك أي قوى غيبية في الموضوع. هنا نتحدث عن القوى الإلهية نفسها، فما بالك بالشياطين والجن. هذا شيء خطير جداً. أذكر مرة أخرى لو ذهبت إلى الأرياف والبداوة في عالم المسلمين معاصر اليوم، ستجد شيئاً مختلفاً عن كل هذا ولن تجد عندهم أي نفيل السببية والسننية. ما عندهم هذه المشكلة، بل أيضاً حتى عند أهل الكتاب من المسيحيين واليهود لن تجد هذه المشكلة إلا في العصر الحديث فقط. وهذا ما كانت عليه كل الشعوب بالاستثناء بما فيها الشعوب الوثنية. وهذا ما اكتشفته أيضاً في دراستي. نحن نعرف أنهم يعبدون الأرواح ويقحمون في كل شيء. ما اكتشفته من خلال دراسات الأنثروبولوجيين المعاصرين للسكان الأصليين أن الذين كانوا يمارسون السحر وعبادة الأرواح في كل شيء هم ما كانوا يرون السحر مجرد بديل للسننية الكونية. وهذا أنا بنفسي اكتشفته وصدمت فيه. بل كانوا يؤمنون بالسننية، يؤمنون بالسببية نفسها المادية ويستعملون السحر لما يفشل الدواء مثلاً، ويستعملونه أيضاً حتى لو استعملوه في البداية يكون موازياً لمحاولاتهم الطبيعية للانتصار على العدو أو لصيد الحيوانات أو لأي شيء يريدونه لعلاج أو أي شيء آخر. بمعنى أنه السحر هنا المتداخل مع الدين في هذه الديانات الوثنية لم يكن أداب بديلة، بل كان موازياً لاستعمالهم للأدوات الطبيعية لمحاولة السيطرة أو التحكم في هذه الطبيعة بأدوات محسوسة ملموسة قابلة للدراسة. إذاً فالمختلف بيننا نحن المسلمين ومع أهل الكتاب وبين الوثنيين هو درجة الإيمان فقط. وأننا نؤمن بأن هناك إلهاً سبحانه وتعالى، هناك شياطين. أما هم فيجمعون هذا كله في خانة واحدة: الآلهة، والإله الأعلى نفسه، والأرواح، أرواح الموتى السابقين، والأرواح الشريرة، والأرواح الخير، كل هذه الغيبيات كلها في خانة واحدة. لكن نحن نميز طبعاً ونميز بين الخير والشر ونميز بين من نعبده ومن هو مكلف مثلاً (اللي هو الجن).
أذكر الآن أمثلة لبعض العلماء المعاصرين، علماء ماديين في الظاهر، ولكنهم باطنيون في نفس الوقت. وكما رأينا سابقاً في العصر الوسيط في أوروبا، قلة من العلماء فقط كانوا محسوبين على السحرة ثم المنغمسين في الباطنية والسحرية صاروا أكثر بكثير في عصر النهضة لأنهم استعادوا التراث الوثني. ثم في القرن التاسع عشر وما بعده، وهو عصر المادية الذي ما زلنا نعيش فيه اليوم، هناك قلة من العلماء الباطنيين السحرة يعني، وبعضهم كان يعلن، لكنه يعاني كما سيأتي، ولكن غالبهم كان يخفي. ولا أستبعد أنه الكثير من العلماء اللي ما زالوا حتى الآن معاصرين، بعضهم يخفي أنه باطني سحري أو يؤمن بوجود باطنية. وأرى أن هذا يزداد بالمناسبة. لذلك ما عندنا نسمع تقريباً عن عالم يقول إنه ملحد، ملحد صريح. بل يقول: أنا لا أدري، فيترك لنفسه مجال كبير للباطنية والروحانية. وسبق أن اكتشفنا نيوتن وبرونو ودافنشي وغيرهم كشفت باطنيتهم بعد قرون وليس حتى في عصرهم. لذلك قد نكتشف بعض المعاصرين الآن يؤمنون بالفعل بالروحية والباطنية. سأذكر الآن مدرستين كبيرتين للسحر أو الباطنية أو الغنوصية في أواخر القرن السر وبدايات العين وصولاً إليهم. لدينا مدرسة أليستر كراولي ومدرسة هيلينا بلافاتسكي (اللي هي الثيوسوفيا). وكل هذه المدارس تحدثنا عنها سابقاً. قبل كراولي، والذي سأبدأ به، سأذكر مثال واحد فقط قبله بقليل، هو كارل رينر، عالم كيميائي نمساوي في أواخر القرن التاسع عشر. له براءات اختراع في صناعة الورق والسلولوز. كان تلميذاً للماسونية وللروز كروشن. وهو المؤسس لمنظمة أوردو تمبلي أورينتس. خلال دراساته الباطنية اعتقد أنه اكتشف مفتاحاً يفسر جميع الرموز المعقدة للماسونية ويفك بها أسرار الطبيعة. وكانت كل حياته محاولة لدمج الكيمياء المادية مع العلوم الباطنية الشرقية، وتحديداً اليوغا، وأيضاً القادمة من حضارات أخرى. توفي في عام 1905.
ناتي بعده إلى أليستر كراولي، وهو أشهر وأهم ساحر علني في العصر الحديث. يعني هذا ما كان يبطن أي شيء، كل شيء مكشوف ومنشور بكتب. يجب أن نوضح هنا أنه لم يكن عالماً. لا نقول إنه مارس العلم التجريبي بنفسه واكتشف شيئاً. ولكن قد يفاجأ البعض بأنه في 1895 التحق بجامعة كامبريدج وبداية تعلمه كان بدراسة العلوم الطبيعية، الكيمياء والرياضيات. هذا منحه عقلية تحليلية وإيماناً بالمنهج المادي التجريبي. أظن كل من يسمعنا الآن إذا كان قد سمع بكراولي يعلم أنه كان ساحراً. وفي لقب عنه أنه أخطر شرير أو أخبث شرير في العالم تحديداً في القرن العشرين. لكن لما تبحث أكثر ستجد أنه كان معجباً جداً بالعلم التجريبي المادي. وكانت جهوده هي استمرار لجهود علماء النهضة بالدمج بين العلم الباطني السحري والعلم المادي التجريبي. في عام 1909 أسس مجلة مشهورة لمحاولة نشر أفكاره وجعل لها شعاراً ثورياً هو: "ذا مفج" (Thelema)، يعني: "طريقة العلم هي هدف أو غاية الدين". كان يرى أنه غايات الأديان كلها هي الوصول للاستنارة واختبار العوالم الروحية، ولكن ليس بالصلوات والأديان التقليدية في العصر الجديد الذي نعيش فيه، بل يمكن أن نصل إلى هذا أيضاً باستخدام العلوم السحرية التي كانت سرية والتي حان الآن الوقت لكشفها لكل الناس. وهذا يطبق بالمنهج التجريبي المادي. لذا سيطر على المنظمة التي أسسها كنر سابقاً (التي ذكرناها اختصارها O.T.O.) وحولها إلى منظمة سماها دين سلمه. وكان من أتباعه الكثير من العلماء الذين سيأتي اسمهم بعد قليل. من مبادئ هذه الديانة: الساحر يجب أن يتصرف كعالم في المختبر، وعلى الممارس للسحر والخيمياء تسجيل تفاصيل التجربة التي يمارسها بدقة شديدة، ويجب أن تكون قابلة للتكرار. وكان أيضاً يفرض على أتباعه أن يكونوا علماء شكاكين في تجاربهم الروحية، وكان يحذرهم من الوقوع في فخ الهلوسة المريضة أو الاضطرابات النفسية. كان يرى أنه السحر واستدعاء الكيانات (الكيانات هي الشياطين طبعاً) هي وسيلة لاستكشاف وتحفيز أجزاء مشفرة ومظلمة من الجهاز العصبي. لذلك كان من مؤسسي ما يسمى بعلم النفس العميق. كان مهووساً بالرياضيات والفيزياء واستخدم نظام الجمل الباطني المعروف في كل الطوائف الصوفية والباطنية، بما فيها حتى الصوفية الإسلامية (يعني لا أقول الصوفية المعتدلة طبعاً). ما يسمى بالجيماتريا، كان يستخدمها لتحويل الكلمات والأسماء الروحية إلى معادلات رقمية، فيحاول هنا أن يفسر الكون بشفرات رقمية باعتبار أن الرياضيات المقدسة هي التي تفسر كل شيء في هذا العالم. كان مشهوراً أيضاً بممارسة طقوس جنسية شاذة وكارثية طبعاً.
هو الحال مع كل من يدخل في السحر، تحديدا عند احيانا. يعني كان يمارس بعضها في الأهرامات نفسها في مصر. هناك وثائق هذا، هذا ما في أحد يشكك فيه، معروف 100%. وكان يتجول في كل أنحاء العالم، بل أسس دير، يعني كنيسة ضخمة لثيليما في جزيرة سقليا في إيطاليا. ولما كثرت القصص على أنه يضحي بالأطفال هناك، حوصر من قبل الحكومة.
فهرب. كل أعماله طبعا لها علاقة بالسحر وليست خرافة. وكان يصبح بذلك، وكان يعلن على الملأ ويكتب في كتبه المنشورة أنه يلتقي بالكيانات وأن له عدة معلمين. منهم مثلا نرى هذه الصورة، هذا معلمه لاسمه لام. رسم هذه الصورة بنفسه لهذا الشخص وقال: "هذا معلمي الروحي الذي يظهر لي ويتواصل معي بالصوت والصورة بشكل علني". سابقا نشرت هذه الصورة في إحدى الحلقات لما تحدثنا عن الفضائيين. فاتصل بأحد الإخوة ممن أثق بهم وقال لي: "لما كان في حالة سحر، يعني كان يرى الشياطين، وكان أحد الشياطين بنفس هذه الهيئة، رأسه مثلث مثل هذا الشخص". يعني كما ذكرنا، الجن لهم عدة أجناس مختلفة، وهذا حتى مذكور في الحديث. ولكن هذا أحد هذه الأجناس.
ناتي الآن إلى بعض العلماء الكبار في القرن العشرين الذين كانوا متاثرين بكراولي وتابعين له أيضا بشكل مباشر. على رأسهم جاك بارسنز، مؤسس برنامج الصواريخ في وكالة ناسا نفسها. كان زميلا لكراولي ومن مؤسسي الثلمه. له إنجازات كبيرة حتى الآن محفوظة باسمه. منها أنه الصواريخ كانت تعمل بالوقود الصلب، وهو الذي اخترع فكرة خلط المادة المؤكسدة مع مادة رابطة بلاستيكية. وأتاح هذا صب الوقود داخل جسم الصاروخ ليحترق بشكل منظم وآمن. هذا الابتكار هو الأساس الكيميائي لجميع الصواريخ الحديثة. اخترع أيضا وحدات دفع صغيرة تعلق تحت أجنحة الطائرات لمساعدته على الإقلاع. وهذا ساعد كثيرا أيضا في الحرب العالمية الثانية. هو أمريكي بالمناسبة، وكان يجري تجاربه في صحراء كاليفورنيا. الجمعية الفلكية الدولية سمت فوهة بركانية على القمر باسمه تكريما له.
كما ذكرنا، هو كان تلميذا لكراولي وصديقا شخصيا له وساعده في تأسيس الكل سلمه. كان يصلي يوميا باتجاه الشمس. وكما نعرف في الإسلام، الشيطان هو الذي يسجد له عند الشروق والغروب. يقول المؤرخون بشكل علني، وهذا ليس من نظريات أمره، لما كان يختبر وقود الصواريخ في صحراء كاليفورنيا، لم يكن يؤدي هذه التجارب بشكل عملي بحث. بل كانت جزء من طقوس روحية. كان يتلو ترانيم سحرية بصوت مرتفع قبل إطلاق الصواريخ. أفضل ترتيلة له كانت ترنيمة بان التي ألفها أستاذه كراولي. وكان الهدف منها استدعاء إله البرية والشهوة في الميثولوجيا الإغريقية، يعني شيطان. طبعا، وحتى الآن من المعروف أن اختراعاته العظيمة التي ذكرناها كانت كلها قائمة على أفكار باطنية ومستمدة من الخيمياء السحرية. فمثلا عندما كان يخلط الوقود، كان يرى أن الأسفلت يمثل عنصر الأرض والمادة المظلمة، والمؤكسد هو عنصر النار والروح الذكرية.
في عام 1946، مع نهاية الحرب العالمية الثانية، قام بأشد طقوسه غرابة، وهي موثقة ومعلنة وليست نظرية مؤامرة. كان يقوم بها في منزله وتسمى عملية بابالون. وهي سلسلة من الطقوس السحرية الجنسية المعقدة. لا أستطيع أن أخوض في تفاصيلها. تتضمن طبعا هي زنا مع إحدى صديقاته وشركاته. الهدف هو استدعاء الإلهة الأنثوية بابالون التي ستتجسد في هيئة امرأة وهي تتلبس في شريكته. لما يمارس معها الهدف هو أن يولد طفل القمر، يحدث حمل يعني، ويولد المخلص للبشرية. وبهذا يبدأ العصر الجديد، وهو عصر حورس، عصر الشيطان طبعا الذي ينتظرونه. لا أستطيع طبعا هنا وصف الممارسات الفاحشة. لما قرأت عن تفاصيلها، هي مماثلة لكل الفواحش التي كانت تمارس في الديانات في بعض الديانات الوثنية، بما فيها حتى جزء من الهندوسية التانترا. يمارس الزنا والشذوذ في المعابد وكانت تسمى عمليات مقدسة لأجل إرضاء الآلهة يعني، وهي الشياطين.
في مذكراته السحرية كان يصف هذه الطقوس باستخدام مصطلحات مأخوذة من الكيمياء وهندسة الموجات. وكان يعتبر أن الطاقة الجنسية والسحرية هي موجات طاقة. فكل شيء سحري باطني كان يفسر بطريقة علمية مادية. توفي في عمر 37 سنة فقط في عام 1952، وذلك في انفجار بمنزله أثناء إجراء تجربة. الشائع والموثق هو أنه كان يجري تجربة وانفجر. ولكن هناك من يقول، ولا أتبنى هذه النظرية، كانت أيضا ممارسة طقوسية لمحاولة استخراج طاقة هائلة، طاقة سحرية يعني، فما استطاع أن يسيطر عليها. والله أعلم.
نعود إلى طقوس عملية بابالون. اللافت هنا، وربما الصادم للبعض، أن من أهم من شارك معه في إجراء التجربة وكان دوره أن يرصد ما يحدث أثناء عملية الزنا، يعني هو رون هافرد. وهو الذي انفصل عن بارسنز بعد أربع سنوات وأسس ما يسمى بعلم الداينتكس. والذي تحدثت عنه سابقا في بعض الحلقات. كان هذا في عام 1950. يعتبر هو علم حديث للصحة العقلية، وهو بديل لعلم النفس. لاحقا هو نفسه أسس الساينتولوجيا. هل سمعتم بها؟ ذا سينتولوجي. كنيسة كاملة متكاملة. حتى الآن لها دير هائل في أمريكا ولها كنائس في كل العالم. وجدت بعضها لما أسافر لبعض الدول. هم يعتبرون أنهم يقدمون دينا يجمع بين هذه الباطنيات وبين العلم الجديد. يعني هم يقدمون الآن الدين الجديد لهذا العصر، المناسب للعقل المادي التجريبي العلمي الآن. فاسمه الساينتولوجي، يعني دين العلم أو دين الساينس. مع أنه الآن ما عاد بنفس الشعبية كما كان سابقا، لكن في فترة ما من القرن العشرين له شعبية هائلة. في بعض نجوم هوليود وعلى رأسهم حتى الآن توما كروز. يعتبر نفسه من أبطال هذا الدين ويحاول دعوة الكثيرين له.
وضعته مجلة سميث سونين في عام 2014 على قائمة أهم 100 أمريكي على الإطلاق. تحدثنا عن هابرد. وكان ضمن 11 شخصية دينية في هذه القائمة. طبعا الكل في الغرب الآن يحارب هذه الطائفة. يعتبرها علم زائف. ولكن من ينتقدونه لا يقولون هو باطني وساحر. هذا كله لا يقال، لا ينطق حتى. يعني لا تسمع في تاريخه أنه كان أصلا يمارس كل هذه الأمور. لأنه هذا يعتبر بالنسبة لهم كله خرافة. وإنما هو يعني اخترع زائف وينتقد من هذا الباب. وأنه كان مؤلفا لقصص خيال علمي قبل ذلك. وحتى أنا لما كنت أنتقده كنت أقول: "هذا ما كنت أعرف هذه الخلفية الباطنية السحرية". وأنه حاول أن يضع دينا باطنيا سحريا ولكن بإطار علمي مناسب لثقافة هذا العصر. فمثلا مفهوم الثيتن، اللي هي الروح الفضائية الخالدة للبشر في القصة، قصة الوجود التي اخترعها، والقدرات الخارقة. هي تتطابق تماما مع مفهوم الإرادة المطلقة والتحول الروحي في منظومة سلمه التي وضعها كراولي.
وأيضا هابرد قبل أن يصبح صديقا لبارسنز ثم ينفصل عنه، هو أيضا في عام 1940 انضم لجماعة الروزي كروشن. وفي أواخر الأربعينات كتب وثيقة شخصية سرية عرفت باسم التاكيدات. واعترفت لاحقا كنيسة السينتولوجي بأنها صحيحة بعد سلسلة محاكم. وفيها طقوس يطلب فيها هابورد من حارسه الروحي، يعني الشيطان طبعا، أن يمنحه القوة والعبقرية والسيطرة التامة على عقول البشر. نفس الطقوس التي كان يمارسها كراولي مع ما يسمى بالملائكة الحارسة له حتى يسيطر على الناس. وفي النهاية توفي في عام 1986 في عمر 74. وحتى الآن ما زالت مدرسته قائمة ودينه يمتد حتى لو كان بوتيرة أقل.
ناتي الآن إلى أمثلة أخرى أيضا من أتباع كراولي. منهم الدكتور ألفريد كينزي. العالم البيولوجي والمختص بدراسة الجانب الجنسي في علم النفس. هو حائز على الدكتوراه في علم الأحياء من جامعة هارفارد في عام 1919. يعتبر الأب الروحي وعالم البيولوجيا الذي أسس ما يسمى بعلم الجنس الحديث، سكس جي. هو صاحب ما يسمى بتقرير كينزي الشهير الذي غير نظرة الطب النفسي في العالم كله في الأربعينات والخمسينات. هو الذي نظر إلى أنه الكثير من الممارسات الجنسية، يعني في أشياء لا يمكن أن تنطق. كان يعتبرها شيئا طبيعيا جدا. وكان يجري تجاربه على النساء العاريات في مختبره. علاقته بكراولي مؤكدة. كان مهووسا بكتابات أليستر كراولي حول سحر الجنس. وسافر بنفسه إلى سقليا حتى يزور بقايا ديره بعد أن دمر. ودمج أفكار كراولي عن ضرورة أن نكسر القيود الجنسية اللي هي الدين والمفهوم العيب يعني. يجب أن نتحرر منها حتى نصل إلى الاستنارة.
تيموثي ليري، عالم نفس وباحث في الأدوية النفسية من جامعة هارفارد. قاد أبحاثا علمية في الستينات عن تأثير العقاقير. نفس العقاقير التي خصصنا لها حلقة كاملة، العقاقير المهلوسة التي تؤخذ لتوسيع حالة الوعي. كان مثيرا للجدل. بعضهم اعتبره بطلا أمريكيا. أما الرئيس ريتشارد نيكسون فخالفه الرأي وسماه أخطر رجل في أمريكا. كان أيضا يعلن صراحة أنه يعتبر نفسه امتدادا روحيا وعلميا لأليستر كراولي. فكان يعتبر أن ما يقوم به من تجارب كيميائية وحيوية هي تحقيق لنفس غايات فيليما بالاستنارة، سواء باستخدام العقاقير المهلوسة أو بأي طريقة سحرية أخرى.
ننتقل الآن إلى المدرسة السحرية الثانية المشهورة في القرن العشرين، هيلين بلافاتسكي. ذكرنا عنها الكثير في حلقة الثيوسوفيا. وأنصحنا بالعودة إلى حلقة كانت تفريغا لفصل من كتاب خارطة الطوائف عن السيوسوفيا وحركة العصر الجديد. أو يمكن أن تعود إلى الكتاب نفسه. والكتاب متاح مجانا على موقع السبيل. هيلين بلافاتسكي لم تكن طبعا عالمة تجريبية. ولكنها مثل كراولي اعتبرت العلم والسحر شيئا واحدا. من أهم الأدلة على ذلك العنوان الفرعي لأهم كتاب على الإطلاق كتبته وهو العقيدة السرية، ذا سيكريت دكتراين. العنوان الفرعي لهذا الكتاب الصادر في 1888 هو: "توليفة بين العلم والدين والفلسفة".
الآن أذكر أمثلة لبعض العلماء الذين اقتنعوا بأفكارها. قد تكون صادمة لكم كما صدمتني. على رأسهم توماس إديسون. ما غيره الذي يعتبر هو من أهم علماء القرن العشرين، بل العصر الحديث كله. الطبيعي طبعا أنه يكون هو من رواد المادية العلمية تجريبيا. هو مخترع المصباح الكهربائي والفونوغراف ومؤسس النظام الحديث لتوليد الطاقة. فهو نموذج للعلم المادي التجريبي المجرد والمحايد. الصدمة أنه أرسل رسالة إلى جمعية الثياسوفيا في 1878 ووقع على ميثاقها بنفسه لينضم إليها. ورد عليه رئيس الجمعية هنري أولكوت، اللي هو كان صديق وشريك لبلافاتسكي. رد عليه وأرسل له الدبلوم الرسمي. ورد عليه أيضا إديسون بخط يده وقال: "شكرا على الدبلوم، لقد وضعته في صندوق التكريم الخاص بي". كان إديسون مقتنعا بفكرة بلافاتسكي عن النظام الذري الاهتزازي وأن الذرات لها نوع من الوعي الذاتي والحياة الكامنة. في 1885 لما نشرت تقارير تتهم بلافاتسكي بالاحتيال، فورا تبرأ منها حتى لا يدمر سمعته ليس العلمية فقط بل التجارية. كانت تجاريا كما هو معروف. بقيت رؤية إديسون حتى آخر يوم في حياته مؤمنا بالثيوسوفيا. صرح علنا بأنه لا يؤمن بأن المادة مجرد مادة جامدة عمياء، بل كل ذرة تمتلك قدرا من الذكاء البدائي والوعي.
المثال الثاني: سير ويليام كروكس. هذا كان عالما في الكيمياء والفيزياء وله أدوار قد تكون صادمة سنذكرها لاحقا في الجمعيات السرية. المهم أنه كان عضوا بارزا في الجمعية الثيوسوفيا في لندن من عام 1883. هو مخترع أنبوب كروكس وله له عدة إنجازات أيضا في الكيمياء والفيزياء. لدينا أيضا مثال صادم: ألفريد راسل والاس. الطبيعة والبيولوجيا والصديق الشخصي لتشارلز داروين والذي ساعده في ابتكار نظرية التطور والانتخاب الطبيعي. فكان على عكس صديقه داروين. داروين كان ماديا ملحدا أو لا دينيا. ولكن والاس كان ثيوسوفيا. فكان مقتنعا بأن فكرة الانتخاب الطبيعي في نظرية التطور يمكن أن تفسر تطور أجساد الحيوانات. ولكن لا تفسر أصل الوعي والعقل البشري. وهذه كانت نقطة ضعف اعترف بها داروين نفسه.
لدينا أيضا جون ورل كيلي. مخترع أمريكي اخترع المحرك الهيدروهوائي اللامركزي. وعرف أيضا بأبحاثه في الاهتزازات الصوتية. هذا لم يكن فقط عضوا بل أيضا بلافاتسكي خصصت له فصلا كاملا في كتابها العقيدة السرية. ووصفته في هذا الفصل بأنه العالم الذي فتح بوابة فهم القوى الأثيرية القادمة. أيضا لدينا عالم الفلك الفرنسي كامي فلاماريون. وهو أحد أشهر علماء الفلك في فرنسا ومؤسس الجمعية الفلكية الفرنسية. شغل منصب نائب رئيس الجمعية الثيوسوفيا من عام 1880 إلى 1888. وألف مؤلفات ضخمة يحاول فيها إثبات أن الفضاء والكون المادي ليس مجرد صخور غازية جافة. بل لها قوة روحية.
نختم بآخر مثال: عالم الفيزياء الهندي جاجديش تشاندرا بوس. هو أحد رواد علم الراديو والموجات الدقيقة. كان متأثرا أيضا بالثيوسوفيا. وكان صديقا لآني بيزنت، الرئيسة التالية أو وريثة بلافاتسكي. وحاول أن يثبت عمليا وماديا في مختبره أن النباتات والمعادن تستجيب للمؤثرات الخارجية ولديها نظام شبيه بالإحساس. هذا مثبت علميا. ولكن هو وبيزنت اعتبروه دليلا على وجود العلاقة الروحية في كل شيء في هذا الكون. وأنه حتى الجماد يمتلك وعيا حيا. الأسماء هي مجرد أمثلة للعلماء الذين ثبت أن لهم اهتمامات باطنية. وبعضهم كان يمارس السحر ويؤمن بالأفكار الغنوصية والأفكار الروحانية. وهذه ليست قائمة كاملة. هذه مجرد أمثلة. وأيضا أذكر مرة أخرى، لا أستطيع أن أؤكد د أنه كل ما ذكر فيها صحيح. هذا ما هو مثبت أو ما هو متداول في الكثير من المراجع. قد تكون بعض المعلومات غير دقيقة. فيجب هنا أيضا أن ننتبه لمن يريد أن يتصيد بعض الأخطاء أو الثغرات أو المعلومات غير المؤكدة. وهذا لا ينفي أنه الموضوع بشكل عام هو صحيح. حتى لو كانت بعض الأمثلة غير دقيقة.
أثبتنا في الفقرة السابقة أن الكثير من العلماء المعاصرين كانوا منخرطين في السحر نفسه أو مؤمنين بالكثير من أفكار الثيوسوفيا والحركات الباطنية. والآن سنقدم أمثلة لبعض النظريات والاكتشافات والاختراعات التي يعتقد أو يثبت بالفعل أن لها مصادر باطنية. ولم تكن مجرد تجارب عملية وملاحظات جافة ومعادلات رياضية وخطوات نسير بها خطوة خطوة بالمنهج التجريبي القابل للتكرار. هذا لا ينفي طبعا أنها غير قابلة للبرهنة والتكرار. بل نقول الأصل لم يكن بهذه الطريقة العملية والعلمية النزيهة.
ذكرت سابقا ارتباط الكيمياء بالخيمياء، واللي هو السحر طبعا. وأنه هذين العلمين أصلا ما كان ممكن فصلهم تاريخيا. كانت الكيمياء هي الخيمياء. فكان هناك جانب عملي يمكن أن تجريه بشكل تجريبي مادي وقابل للتكرار. وهناك أيضا أفكار باطنية وتفسيرات سحرية لما يحدث. هذا يعني أنه إنجازات الخيميائيين سابقا والتي لا تنكر طبعا. لم تكن مجرد تفسيرات خرافية لأعمال حقيقية مادية. بل كانت أعمالا سحرية لها جانب مادي وهو الذي نعرفه وما زال موثقا وما زلنا نكرره حتى اليوم. وطبعا بعضها كان خرافيا ولم ينجح. ولكن بعضها كان حقيقيا وكانت له أصول سحرية. وهنا يجب أن نفهم أولا ما ذكرناه في حلقات سابقة من أن السحر له حقيقة. من لم يقتنع بهذه الفكرة فلن يفهم أي شيء ولن يقتنع بما سنقوله الآن.
أمثلة لبعض نجاحات الخيميائيين. جابر بن حيان الذي نجح في اختراع تركيبات جديدة. هو مثال لنجاحات الكثير من الخيميائيين السابقين. ثم نقلت عن طريق الأوروبيين في العصور الوسطى. ثم صارت من المعترف بها الآن في الكيمياء المادية التجريبية. من أهم إنجازاته وأشهرها اكتشاف أحماض غيرت وجه الصناعة حتى اليوم: حمض النتريك والكبريتيك. وتركيبه لما يسمى بالماء الملكي وهو السائل الوحيد في الطبيعة القادر على إذابة الذهب. المصادر العلمية الحديثة تقول أنه الاكتشافات هذه كلها كانت تجريبية 100%. طبعا وهذا من حيث الأسلوب والتطبيق. ولكن كما ذكرت، التفسير كان خاطئا، تفسيرا خرافيا. لكن عند التحقيق وتبحث بنفسك ستكتشف أنه جابر بن حيان كمثال هنا كان يؤمن بعقيدة باطنية عن إيجاب كتمان السر. وهو كان يعتبر من تلاميذ جعفر الصادق. وهنا ليست تهمة طبعا لجعفر. فالأحماض والماء الملكي مثلا ما كان يكتب بطرق تحضيرها بلغة كيميائية واضحة. بل كان يدمجها بالطلاسم وبالرموز الفلكية التنجيمية وبالغاز شعرية ليضمن أن لا تصل هذه الأسرار إلى العوام أو إلى من هم ليسوا من أهل الصنعة. يعني في شفرات تنقل بين المستويات الروحية لحكماء الجماعات السرية. وهذا يفسر دائما بأنه إذا كشفت هذه الأسرار ستصل إلى الأشرار اللي هم ليسوا منهم. يعني كل من هو ليس تابعا لهم.
الآن سانتقل إلى العصر الحديث. البروفيسور ويليام نيومان، خريج في جامعة هارفارد في عام 2003. أسس مشروع في جامعة إنديانا في أمريكا سماه خيمياء نيوتن. سأترك لكم رابط هذا المشروع لتكتشفوا إنجازاته بنفسكم. من أبرز اكتشافات هذا المشروع أن تجربة نيوتن المشهورة في تمرير الضوء عبر المنشور الزجاجي لتفكيكه إلى ألوان الطيف السبعة كانت محاكاة لتقنيات خيميائية وليست مجرد فيزياء تجريبية. أيضا أثبت في هذا المشروع أن الكيميائي الفرنسي جو فروي الذي كان أول من كتب ما يسمى جداول الألفا في عام 1718. والتي كانت التمهيد المباشر لفهم التفاعلات الكيميائية. وهي التي مهدت لاحقا لكتابة الجدول الدوري. أثبت نيومان أيضا أن هذه الجداول منقولة عن الخيميائيين.
أيضا الاعتقاد الشائع المدرس حتى الآن في الجامعات بأنه النظرية الذرية الميكانيكية والتي تقول بأنه المادة مكونة من ذرات جسيمات صغيرة اكتشفت في القرن السابع عشر على يد الفلاسفة الماديين. ما أثبتهم يوما هو أنه الخيميائيين في العصور الوسطى هم الذين صاغوا هذه النظرية. وهم أيضا لم يكونوا أوائل من ذكروا هذا. كان موجود أيضا في أيام اليونان. هم الذين قالوا أنه المعادن تتكون من جزيئات دقيقة تتحد معا. وأنه عملية التحول الكيميائي تتم أيضا بإعادة ترتيب هذه الذرات. هذا كله كان قبل التجارب المعروفة في القرن العشرين. ثم روبرت بويل ونيوتن صاغوا من هذه الأفكار نظرية الفيزياء الميكانيكية الحديثة.
أيضا هذا المشروع أثبت أن نيوتن استلهم فكرة الجاذبية نفسها، وهي أهم إنجازاته العلمية. استنتجها أو استلهمها من مفهوم خيميائي يقول أنه المعادن ليست مواد ميتة جافة. بل هي تنمو وتتوالد في باطن الأرض بفعل روح حيوية في باطن الأرض. وهذا يشبه الروح التي تجعل النباتات تنمو وتتغذى. كشف المشروع أيضا لنيومان أن نيوتن كان يقضي في مختبره الخيميائي المظلم من الوقت أكثر بكثير مما أمضاه في كتابة معادلاته الحركية ومعادلات الرياضيات. بفضل هذا المشروع الذي أنجزته جامعة إنديانا. هناك توصية أكاديمية الآن بأن تاريخ العمل الحديث يجب أن يعاد كتابته.
أيضا في الكيمياء لدينا مثال صارخ. كاري موليس. الذي اخترع تقنية البي سي آر لاستنساخ الحمض النووي في عام 1983. وفاز بسبب هذا الاختراع بجائزة نوبل في الكيمياء. هذا الاختراع أحدث ثورة كبرى في تشخيص الأمراض والطب الجنائي والهندسة الوراثية وغيرها. الصدمة التي هزت المجتمع العلمي عندما اعترف في كتاب نشره لاحقا بأن اختراعه هذا جاء في حالة روحانية. وهو يقود سيارته فراى فيما يشبه الهلوسات البصرية أشرطة دي إن إيه وهي تتكرر أمامه. اعترف أيضا أنه ما كان سينجح في اختراع هذه التقنية المهمة لولا تجربته للعقاقير المهلوسة. فكان قادرا في عقله على الجلوس على جزيء الدي إن إيه ويركبه كما يركب الحصان ويراقب البوليميرات وهي تمر أمامه. اعترف أيضا أنه كان يرى الأرواح ويتواصل معها. وفي إحدى الليالي مثلا التقى بحيوان راكون متوهج في الغابة. كانت رؤية حقيقية وليست حلما. ونحن نعلم أن الجن يتشكلون على صور الحيوانات. صار لاحقا أيضا يدافع عن التنجيم وعن تجارب الخروج من الجسد. وفي النهاية الوسط العلمي تعامل معه على أنه مجنون. والمجلات العلمية الكبرى عزلته وما عادت تنشر له حتى مات في 2019 في عمر الـ 74.
ننتقل الآن إلى الفيزياء. في أوائل القرن السابع عشر، العالم الإنجليزي ويليام جلبرت. يعتبر هو مؤسس علم المغناطيسية والكهرباء الحديث. ولكن بعض المؤرخين يقولون أنه استوحى قوانين الجاذبية المغناطيسية من مفهوم سحري هرمسي يدعى "أنيما موندي" يعني روح الكون. فالكون ليس إلها صماء جامدة ميتة. بل له روح وهو كائن حي واحد ترتبط أجزاؤه بروح عامة غير مرئية. سواء كانت وحدة وجود أو حلولية أو أروحية (أنيمزم). نفس المعنى تقريبا. وجلبرت كان يرى أن كوكب الأرض أيضا يمتلك روحا حية وباطنية. وأن المغناطيسية التي ساهم في اكتشافها ليست مجرد فيزياء صماء. بل هي المظهر المادي للجاذبية الروحية للأرض والكواكب.
نعود الآن إلى بيزنت. في 1908 نشرت مع شريكها تشارلز بيتر كتابا بعنوان "كمستري". كانت بيزنت، اللي هي نائبة أو خليفة بلافاتسكي، تقول أنها من خلال الاستبصار الروحي بالتأمل بطقوس معينة استطاعت هي وزميلها أن يروا هيكل ذرات الهيدروجين والأكسجين. يعني كان عندهم ميكروسكوب روحي يرون فيه الذرات نفسها. وطبعا لا ننسى هنا أن جماعة الثيوسوفيا تصرح علنا بأنهم يستمدون أيضا معارفهم من السادة الصاعدين، اللي هم الجن كما ذكرنا في حلقة الثيوسوفيا. مما ذكرته أن ذرة الهيدروجين كما رأتها مكونة من 18 وحدة بناء صغيرة تسمى "أنو". هذه كلمة سنسكريتية تعني الجسيم الأولي. وهي مقسمة إلى مجموعات هندسية تسبح في الأثير. وقالت أيضا أنها رأت ذرة الأكسجين على هيئة هندسية معقدة فيها دوامات حلزونية مهتزة. طبعا العلماء اعتبروها خرافة. وأكيد سخروا منها. خصوصا بعدما ظهر نموذج راذرفورد في 1911. والذي أثبت أن الذرة فراغ هائل وفي مركزها النواة وحولها الإلكترونات. ثم اكتشاف النيوترون في عام 1922. لكن في ثمانينات القرن الماضي الفيزيائي ستيفن فيليبس حاول إعادة قراءة كتاب بيزنت وأن يجد له تفسيرا ماديا. قال: "الجسيمات الـ 18 التي ذكرتها ليست هي البروتونات، بل قد تكون هي الكواركات مع الكواركات المضادة وجسيمات دون ذرية أخرى". وقدم حسابات أخرى جديدة تثبت ذلك. طبعا ردوا عليه العلماء فورا أنه هذا انحياز توكيدي ولا يمكن أصلا رؤية الجسيمات الذرية. حتى لو هي كان عندها ميكروسكوب روحي. فهذا لا يمكن. لأن الجسيمات الذرية وما دون الذرية كلها أصغر من الموجة الضوئية أصلا. فالرد هنا أنها هي وغيرها ممن يمارس هذه الطقوس أو الجن أنفسهم أو بعض الجن ربما هم يرون روحيا وليس ماديا. يعني هم لا يرون بميكروسكوبات بعين بالعين التي نعرفها أنا وأنت. ليست هذه العين هي التي ترى. وليس هناك مكبر حتى يكبر بطريقة بصرية. وإنما هي رؤية روحية لنسخة روحية للكون. فلو كان هذا صحيحا، فهذا يعني أنه يمكن أن تكون نظريتها وما ذكرته كان صحيحا. فهي هنا ترى الطاقة أو الجزء الروحي أو الهالة أو الأثير أو سميها ما شئت. ولا ترى المادة. وأيضا لو كان هذا صحيحا، يمكن بذلك أن نتجاوز مبدأ عدم اليقين لهايزنبرغ. مع ذلك طبعا العلماء ردوا وأن حالة الرؤية الروحية لا يمكن لأحد التحقق منها. وهنا يرد أيضا بأنه لا يقال هنا أنه يجب أن نتحقق بطريقة علمية مادية تجريبية لنقول أن هذا صحيح. بمعنى إذا مر أحدنا بتجربة روحية، تجربة الاقتراب من الموت مثلا، أو رؤية مثلا روح لأحد الأموات في المنام. وهذا لا ينكره الدين طبعا بل يثبته. فلو رأينا ذلك مثلا، لو رأيت روح النبي عليه الصلاة والسلام وهذا مثبت في الحديث. فهذا لا يمكن تكراره بالتجربة. هذا لا تقول إذا ما استطعنا أن نكرره، فإذا لا نتحقق منه، فإذا هو اللي غير صحيح. هو لا يمكن التحقق منه. نعم. فلا يمكن أن تكررهم مع الآخرين. نعم. لأنها تجربة روحية. ولكن لا تقول هو غير صحيح أو غير موجود. هذا أمر آخر.
ننتقل الآن إلى فيزياء أو ميكانيكا الكم. وهي الميكانيكا التي تدرس الجسيمات دون الذرية. المشهور أن فولفجانج باولي، أحد مؤسسي الفيزياء الكمية والحائز على جائزة نوبل. كان ماديا كما هو شائع. ولكن لما تدرس تاريخه تجد أنه كان غارقا في العلوم الباطنية. مثلا لدينا الآن دراسة منشورة في 1995 بعنوان "الجانب الخفي لفولفجانج باولي". خلاصتها أنه كان يتعاون مع عالم النفس الباطني كارل يونغ لدراسة مفهوم سحري قديم يسمى التزامن أو الروابط غير السببية في الكون. كما ساعد باولي في صياغة أحد أغرب ظواهر الفيزياء الحديثة والمثبتة والمعترف بها والتي تسمى بالتشابك الكمي. والتي تقول أنه يمكن لجسيم ما أن يتأثر بجسيم آخر توأم له فوريا آنيا في أي مكان كان. حتى لو كان لا أقول بينهم آلاف الكيلومترات بل بينهما مجرات. إذا كان في بينهم هذا التشابك الكمومي. وهذه الظاهرة توصف الآن في الفيزياء بأنها ما يشبه الفعل السحري عن بعد. وما في أي تفسير فيزيائي لها. ما في أي تفسير لا رياضي ولا هم. هي مثبتة لكن تفسير مستحيل تفسرها. وفي رأي طبعا وراي الكثير من العلماء الذين يؤمنون بالروح أن هذه قد تفسر بالفعل تداخل عوالم الروح والمادة.
هناك أيضا قصة منتشرة لم أصدقها في البداية. ولكن لما قرأت عنها أكثر لا أستطيع أيضا أن أجزم أنها صحيحة. تسمى "تأثير باولي" (The Pauli Effect). تقول لما كان باولي يدخل مختبرا للفيزياء لأحد أصدقائه مثلا، كانت تحدث فوضى عارمة. تتكسر الكؤوس، الرؤوس الزجاجية، تشتعل المواقد، تتوقف بعض الأجهزة عن العمل. طبعا هذه القصة تذكر الآن من باب النكتة يعني أنها صدفة أكيد. لن يكون هناك أي شيء آخر. وأنه أيضا في مبالغة في قصة ما يحدث. أنا لم أتحقق من القصة أصلا. ولكن وجدتها منشورة بالفعل في بعض المواقع المحترمة يعني. فأقول لو كانت صحيحة، فقد يكون هذا نتيجة لانخراطه في العلوم الباطنية.
ناتي الآن لأحد أبرز الأسماء. كارل يونغ. عالم نفس سويسري. كان صديقا لسيجموند فرويد ثم انفصل عنه بطريقة صادمة وصاروا أعداء. في عام 1913. من المعروف طبعا والموثق أنه كان يمارس تجارب باطنية. وهذا طبعا يغطى في المراجع ولا يحب الكثير من العلماء والمدرسين أن يذكروه. اللافت أنه في عام 2009 فقط، من فترة قريبة جدا، نشر كتاب سري ضخم كتبه بيده بعنوان "الكتاب الأحمر". وظل مخفيا في خزائن البنوك من عائلته حتى لا ينشر ولا يفضح ما كان يفكر فيه شخص بهذا الوزن. هذا الكتاب يشبه مخطوطات الصحراء نفسها التي نشرت في العصور الوسطى. يحتوي على رسومات الماندالا، اللي هي دوائر باطنية مقدسة تشبه الطلاسم. وصور للتنانين والرموز الخيميائية. من أهم ما في هذا الكتاب ذكر تجربته الروحية. قال أنه كان يدخل بشكل متعمد في حالات من التأمل المفارقة للوعي، حالات متغيرة للوعي تشبه أحلام اليقظة أو التميم الذاتي. وكان يسمح لما كان يقول عنه أنه هو استخراج لشخصيات باطنية من لا وعيه تتجسد في وعيه ليتحدث. حدث معها هو لا يقول أنها كائنات أخرى. فكان يدير معها حوارات وكأنها كائنات حقيقية منفصلة. من أشهر هذه الشخصيات كيان باطني سماه، أو هو قال له أنه اسمه فلمون. وهو حكيم روحي له أجنحة. واعتبره يونغ مرشده الروحي ومعلمه. وقال أيضا أنه قبل تجارب التأمل كان يسمع ويرى هلوسات كثيرة. وكان يخاف أنه مصاب بالفصام. ثم قام بهذه التجارب حتى يعالج نفسه بنفسه. سأترك لكم مقالا يشرح هذه القصة وقصة هذا الكتاب. وهذا مثبت ومعلن الآن. وهذا يتطابق تماما مع ما نقوله عن حالات التأمل وما يراه البعض في حالات الهلوسة لما يتناول العقاقير المهلوسة أو من يصاب بالفعل بالمس والاستحواذ الشيطاني الذي يسمى في الطب "ذهان وفصام". كلها نفس الشيء وكلها تواصل مع الشياطين.
نرى الآن دراسة نشرت في عام 2017 بعنوان "تأثير الفلسفة الطبيعية في علوم القرن التاسع عشر: الكهرومغناطيسية والطاقة". فيها أنه شيلينغ، أحد أعمدة الفلسفة المثالية الألمانية والتي سميت بفلسفة الطبيعة. كان يرى طبعا كما هو معروف أن الطبيعة كائن حي واحد عملاق يمتلك روحا خفية تنبض فيه. هذه الفلسفة المثالية الروحية أثرت في بعض العلماء الماديين التجريبيين في ألمانيا. منهم أشهرهم هانز كريستيان أورستد. كان يرى أن كل قوى الكون بما فيها الحرارة والكهرباء والمغناطيسية والحركة ليست أشياء منفصلة. بل تجليات للروح الواحدة التي تحل في الكون. وأجرى تجارب للبحث عن الرابط الخفي بين هذه القوى الطبيعية. هذا منشور في دراسة علمية لمن يريد أن يتحقق منه.
لدينا أيضا قانون حفظ الطاقة. القانون الأول للديناميكا الحرارية. والتي تقول: "الطاقة لا تفنى ولا تستحدث من العدم، بل تتحول من شكل لآخر". هذا القانون ينسب إلى العالم الألماني يوليوس روبرت ماير في عام 1842. هناك نظرية لا أستطيع أن أؤكدها تقول أنه استلهم هذه الفكرة من أفكار باطنية. وهي نفس أفكار طاقة "التشي" أو "الكي" الموجودة في الكون من ثقافات وفلسفات صينية ويابانية. لدينا أيضا المثال الآخر في القرن التاسع عشر. سير ويليام كروكس. الذي ذكرته في الفقرة السابقة وكنت سأتوسع فيه. اللافت والصادم ربما للبعض أنه كان عضوا في جماعة نادي الأشباح (The Ghost Club). وكان رئيسه. وتم تعميده أيضا في جماعة السحر الشهيرة "الفجر الذهبي" (Golden Dawn). والذي قاده لاحقا كراولي ما غيره الذي ذكرناه. وكان يدافع علنا في الأوساط الأكاديمية عن حقيقة تجسد الأرواح ماديا. لأنه كان يرى الأرواح (اللي هي الشياطين) هي الجنة يعني. كان يراهم عيانا. لما يقوم بعمليات وجلسات استحضار الأرواح في غرف مغلقة. فقضى جزءا من حياته وتاريخه العلمي لمحاولة إثبات أن هذه الأرواح كيف تظهر في غرفة مغلقة لا نراها دخلت من من الباب أو من الشباك. كيف ظهرت في هذا المكان المغلق. فبدأ بإجراء بعض التجارب. منها مثلا تصميم جهاز كهربائي لإثبات المادة الأثيرية الروحية للأشباح. فرغها من الهواء ومرر فيها تيار كهربائي فتوهج. وهذا هو أنبوب أشعة الكاثود الذي ينسب له حتى اليوم. ثم جاء العلماء من بعده وقالوا: "هذا اكتشاف للإلكترون بغض النظر عن تفسيره هو". واللافت أيضا أنه طرح نظرية مع زميله، واللي هو عالم الفلك الألماني جوهان أو يوهان زولنر. كان عالم فلك مادي كما هو مفروض. طرح نظرية تقول أن الأرواح التي كما ذكرنا تظهر الآن في غرفة مغلقة لا تأتي من عالم الملكوت، عالم السماوات. بل هي كائنات تعيش معنا في نفس هذه الأرض. ولكن في بعد رابع. هذا ما نقوله بالضبط عن عالم الجن. وقال أنهم يستطيعون اختراق عالمنا الثلاثي الأبعاد ويتلاعبوا بالمادة بسهولة إذا أرادوا وإذا توفرت لهم الظروف. هذه النظرية دخلت بالنقاش فعلا في الجمعية الملكية البريطانية. مما جعل مفهوم الأبعاد الإضافية مقبولا رياضيا وفلسفيا. حتى لو لم يؤمن بعضهم بالأرواح أو لم يصرح بذلك. هنا وضعت المعادلات الرياضية لوجود البعد الرابع. ثم جاء من بعدهم أينشتاين في أوائل القرن العشرين. وأخذ هذه المعادلات ليثبت أنه هذا البعد الرابع هو الزمان المتداخل. بعد ذلك في نسيج واحد مع المكان ليصيغ فكرة الزمكان. ولاحقا أيضا كما نعرف في الفيزياء الفلسفية ظهرت نظرية الأوتار الفائقة والابعاد الإضافية. حتى الآن هناك من يدرسها رياضيا. هناك من يتجرأ ويقول قد تكون هي التي تفسر وجود عالم خفي تعيش فيه كائنات أخرى هي الأرواح. والتي نسميها نحن الجن.
طبعا لدينا أيضا نظرية الانفجار العظيم. والتي تنسب للفيزيائي وفلكي جورج لومتر في عام 1927. هناك من يقول أنه من خلال دراسته للتراث الباطني. مع أنه لم يكن باطنيا، كان مسيحيا. من قراءته لـ "فكرة أو نظرية البيضة الكونية" (The Cosmic Egg). استعار منها هذا المفهوم وتخيل الكون في هيئة ذرة صغيرة أو كيان صغير منضغط جدا شديد الكثافة انفجر في يوم ما. وهذا هو الانفجار العظيم (The Big Bang). طبعا هذا لا يعني أنه كل النظريات هذه التي ذكرناها غير قابلة للإثبات ماديا أو تجريبيا أو رياضيا. نحن نقول الكثير من هذه الأفكار هناك ما يرجح أو حتى يؤكد كما ذكرنا أنها مأخوذة من أسباب ومصادر باطنية.
ناتي الآن إلى نيكولا تسلا. مخترع مهندس أمريكي من أصل صربي. ارتبط اسمه باختراع الكهرباء. هو الذي اخترع التيار المتردد وملف تسلا والتوربين. وما هذا الطريق للاتصالات اللاسلكية التي نستمتع بها اليوم؟ التقى تسلا بالمعلم الهندي الشهير سوامي فيفيكاناندا. الذي كان أول من نقل اليوغا والهندوسية إلى أمريكا. فالتقى به في نيويورك في عام 1896. تسلا فوجئ لما التقى بهذا المعلم الهندي بأن الفلسفة الهندية القديمة وتحديدا نصوص الفيدا تصف الكون بمصطلحات تشبه الفيزياء الحديثة أو الفلك الحديث. منها مثلا مبدأ "الأكاشا" الذي يشبه الأثير. وهي أرقى العناصر الخمسة الأساسية. ومبدأ "البرانا" وهو الطاقة الحيوية التي تحل في الكون. فاعتبر الأكاشا يتطابق مع مفهوم الأثير الذي كان معتمدا في الفيزياء الغربية في تلك المرحلة. واعتبر أن المادة كلها تنشأ من هذا الوسط الطاقي الروحي اللانهائي بفعل القوة الدافعة اللي هي البرانا.
كان أيضا تسلا مصابا بالوسواس القهري. والذي نحن كما ذكرنا سابقا نرى أنه مس واستحواذ شيطاني. خصوصا لما يكون في حالة متطرفة. وهذا لا ينفي طبعا وجود أسباب كيميائية أو حتى وراثية في الدماغ. ولكن الشيطان يستغل هذه الفرصة ويؤدي للوسواس القهري. وخصوصا لما تكون هذه الوساوس مرتبطة بأفكار شيطانية، أفكار مضللة. وخصوصا دينيا. تسلا كان بسبب هذا الوسواس مهووسا ببعض الأرقام وعلى رأسها الرقم ثلاثة ومضاعفاته. كان يرى ويسمع هلوسات بصرية وسمعية. وذكر أيضا أنه كان يرى رؤى في وقت مبكر في حياته. قال مثلا في بعض أقواله: "خلال طفولتي عانيت من حالة غريبة بسبب ظهور صور كانت غالبا ما تصاحبها ومضات ضوئيه قويه. عندما تنطق كلمه تظهر صوره الشيء المقصود بوضوح شديد أمامي لدرجه أنني لم أكن أستطيع التمييز بين ما أراه حقيقيا وما لا أراه". مرة أخرى، لما كان ينطق بشيء في ذهنه يراه عيانا أمامه كأنه متجسد ماديا. لما كبر حاول في سن المراهقة أن يتجاوز ذلك. وهذا ما يفعله الكثير من مرضى الفصام الدهاني. ثم لما صار عالما لاحقا للشباب أدرك أنه يستطيع أن يستعمل هذه الموهبة بين قوسين، أن سميت موهبة، يستعملها لعلمه ولافكاره. فكان يتخيل مثلا لوح أو سبورة أمامه ويكتب عليها مسائل رياضية طويلة أو يخترع اختراعات جديدة. إذا كان هذا صحيحا، هذا أبرز ما يمكن أن يقال عن الاستلهام من عوالم خفية. وإذا كان فعلا يرى هلوسات وما ذكرناه سابقا عن الهلوسات وعن الوسواس القهري أنه تواصل أو كان استحواذ من الشياطين. حتى لو ما كان مقصودا، فهذا يثبت النظرية التي نتحدث عنها.
كان يعتقد أيضا أن بعض الرؤى والطاقة التي تتواصل معه كانت تأتي من الفضاء الخارجي وتحديدا من كوكب المشتري. وكان أيضا مولعا ببعض البلورات وخصوصا الكوارتز. وكان يرى أن بعض الأحجار والمعادن تمتلك طاقة روحية بالفعل. وهذا ما نراه متكررا أيضا في الثقافات الوثنية الشيطانية. بما أنه عبقري، فكل طرف طبعا ينسبه لنفسه. فالذين أسسوا في أمريكا أهم وربما أول شركة سيارات كهربائية سموها باسمه تسلا. ثم سيطر عليها إيلون ماسك. ولكن في المقابل الوثنيون والباطنيون يعتبرونه من أقطابهم. لدينا مثلا هنا مقال في موقع وثني بيجن يعني بشكل صريح يعتبرون أن تسلا كان منهم. ولكن المضحك أيضا أنه حتى المسيحيون يرون أن تسلا كان منهم. مثلا هذا موقع أبرشية بلغراد في صربيا يقول أن تسلا تعلم كل الأديان لكنه ظل مسيحيا. يعني كل واحد يريد أن يأخذ تسلا إلى طرفين. وأنا أقول بما أنه كان يرى أنه المعلومات تأتيه من تلك الكائنات، فهذا مؤشر على تلقي الإبداع كما ذكرنا من مصدر آخر. وخصوصا في نظريات فيزيائية يصعب أن تبدأ من العالم الحسي أصلا. بل ومضات تأتي ثم تثبت علميا سواء بالتجربة أو بالمعادلات الرياضية.
أختم هنا بالفيزيائي الأمريكي من أصل ياباني ميشيو كاكو. قال في بودكاست مؤخرا سمعت له أنه العلماء لا دينيين. يعني العالم يجب أن يكون لا دينيا أو لا أدريا. ولكن اللافت حتى هذا لما تبحث في خلفيته. ومنها كتاب "فيزياء المستحيل" ناقشته قبل سنوات. يقول: "الكوانتوم تخترق قوانين التفكير الأساسية كلها". هذا في صفحة 78. ثم أيضا في صفحة 264 يقول: "إذا كانت نظرية الأكوان المتوازية ستفتح آفاقا لفهم أبعاد أخرى لا نفهم وجودها، فهذا قد يفسر لنا اختفاء مستويات أخرى من الوجود كمنازل الآلهة أو الأشباح". هذا من مبتكري ومؤسسي نظرية الأوتار الفائقة. وهو يرى أنه هذا غير مستبعد. أن تكون هناك كائنات موجودة في أبعاد أخرى. فتخيل إذا كان هذا الفيزيائي الذي يقول عن نفسه أنه لا ديني ولا أدري ويناضل من أجل المادية العلمية. هو نفسه يقول هذا الكلام. فما بالك إذا بمن لم يصرح بما يفكر فيه.
ناتي الآن إلى بعض النظريات التي تشكك في قصة الثورة العلمية وأن لها مصادر غير بشرية بكل وضوح. الرواية الرسمية كما نعرف للثورة العلمية كما درسنا هي أنه في تراكم علمي وترجمة لأهم الكتب في عصر النهضة للغات الأوروبية من العرب ومن غيرهم. ثم ظهرت النظريات الكبرى. ثم ثورات سياسية أطاحت الديمقراطية ومناخ الحرية والليبرالية والتنوير ورعاية الملوك والرؤساء الحديثين للعلم. ثم جامعات بحث علمي إلى آخره. ولكن هناك رواية أخرى قد تتفاجأ أنها تأتي من الغرب نفسه. هناك من يشكك بكل هذه القصة. وطبعا هذا دائما يوضع في خانة العلم الزائف والنظريات المؤامرة. ولكن مع ذلك سأذكر فقط العلماء المحترمين والذين لم يشكك أحد في احترامهم وفي عقلانيتهم. هناك من يرى أن هناك قفزة صناعية غير واقعية في بداية العصر الحديث اللي هو عصر النهضة. كما ذكرنا. هذا لن تجد في نظريات قوية فيه. ولكن هناك من يقول ذلك. وجماعة العصر الجديد يؤمنون بالسادة الصاعدين. ويقولون أن هؤلاء الجن والشياطين هم الذين أوحوا بالكثير من العلوم في تلك المرحلة. أنا سأقفز إلى النظرية الأبرز وهي.
التي تقول إنه منتصف القرن العشرين هو الذي شهد القفزات العلمية الكبيرة، والتي جاءت من مصادر غير بشرية. تحديداً بعد الحرب العالمية الثانية، في منتصف الأربعينات إلى السبعينات، كانت هناك قفزة هائلة من الطائرات المروحية إلى غزو الفضاء، ومن الصمامات المفرغة أيضاً إلى عصر الحوسبة الكمومية. يعني انتقلنا من هذه الطائرة التي نراها في الحرب العالمية الثانية بالمراوح إلى أبولو التي هبطت على القمر خلال 23 سنة فقط. يعني تقريباً مثل الفرق بين تكنولوجيا اليوم وأول آيفون صدر قبل تقريباً 20 سنة. فلن تجد الآن هذه الفجوة، مع أنه الآن التراكم والتسارع في العلم يجب أن يكون أسرع بكثير مما كان عليه في تلك المرحلة.
أهم الكتب التي صدرت في هذا الموضوع كتاب صدر في 1997 بعنوان "اليوم التالي لحادثة روزويل" (The Day After Roswell). المؤلف هو العقيد فيليب كورسو، ضابط استخبارات عسكري أمريكي سابق وعضو في مجلس الأمن القومي في عهد الرئيس أيزنهاور. يعترف كورسو بأنه تولى شخصياً إدارة ملف سري في البنتاغون لتوزيع شظايا وقطع تكنولوجية من حادثة تحطم المركبة الفضائية روزويل في 1947. وزعوا هذه القطع على مختبرات الشركات العسكرية الأمريكية على أنها تكنولوجيا أجنبية متطورة، يعني جاءت من دول أجنبية بدون ما يذكروا أنها من الفضاء. وقال بصراحة إن المعالجات الدقيقة والمايكروتشيبس وأشعة الليزر والألياف البصرية وطائرات التخفي هي نتاج هندسة عكسية لهذه القطع القادمة من حضارة غير بشرية.
هذا الكلام طبعاً ظل محل سخرية إلى حين صدور التحقيقات الاستقصائية المنشورة في نيويورك تايمز، كما ذكرناها في حلقة الفضائيين، بدءاً من أواخر عام 2017. أنصح بشدة بالعودة إلى تلك الحلقة، ثم جلسة الاستماع العلنية الرسمية في الكونغرس في يوليو 2023، لما أدلى ضابط الاستخبارات السابق ديفيد كروش بشهادته تحت القسم بأن الحكومة الأمريكية لديها عقود برامج سرية للغاية تحت رقابة مشددة وغير خاضعة لمراقبة الكونغرس الذي يمثل الشعب الأمريكي، فيها استرداد لمركبات ذات منشأ غير بشري (NHI) يعني Non-Human، ومحاولة إعادة هندستها تكنولوجياً. ذكرنا أيضاً في حلقة الفضائيين كل هذه الأمور، وأن النقاش انتقل من هذه المرحلة إلى منطقة جدية في عالم السياسة والأكاديميا.
هذه الشهادة حدثت في الكونغرس قبل ثلاث سنوات كاملة، مع ذلك المثقف المادي عندنا في العالم الإسلامي لم يسمع بها وغير مهتم بها. ولو سمع، فما زال في مرحلة السخرية من نظريات المؤامرة. والغرب نفسه بدأ بتخطيها. في المقابل طبعاً، أكيد هناك نقد منذ صدور كتاب فيليب كورسو. فمثلاً، البنتاغون أكد عدم وجود أي دليل على هندسة عكسية لتقنيات فضائية. وأيضاً العلماء الماديون التقليديون حتى الآن يقولون إن المايكروتشيبس والليزر لم تظهر فجأة، بل نتيجة لتطور طبيعي. أنا هنا أنقل هذه النظرية فقط، وأنت تحقق بنفسك.
والآن آتي ببعض الأسماء المهمة، لعل علماء محترمين تحدثوا عن كائنات روحية أو فضائية أو بعدية متطورة ولها دور في تقديم المعرفة للبشر. أولهم وأشهرهم جاك فالي، عالم فرنسي متخصص في علوم الحاسوب والفيزياء، وهو من أوائل العلماء الذين ساهموا في بناء شبكة أربانت (ARPANET) اللي هي نواة الإنترنت المعروفة اليوم. ويحمل الدكتوراه في علوم الكمبيوتر، وهو الآن مستثمر في شركات وادي السيليكون وفي الذكاء الاصطناعي، وعمره الآن 86 سنة، وما زال حتى الآن يظهر في بعض البرامج والبودكاست.
في الستينات، قام بدراسة مشاهدات الفضائيين (UFOs) وأصدر كتاباً في أواخر الستينات بعنوان "جواز سفر إلى ماغونيا" (Passport to Magonia). وقال في هذا الكتاب باختصار إن هذه الكائنات لا تأتي من الفضاء الخارجي، بل تعيش معنا على هذه الأرض في أبعاد موازية. وقال أيضاً: الأجسام الطائرة تظهر وتختفي فجأة، وتغير حجمها، وتخترق المواد الصلبة، فهي لا تطير من كواكب أخرى، بل هي تظهر في عالمنا باختراق بوابات من بعد إلى آخر، لأنها تستطيع أن تتلاعب بالنسيج الزمكاني لأبعادنا. وأثبت أيضاً بدراسته للوثائق التاريخية أن المخلوقات الرمادية الفضائية هي نفس الكائنات التي كان يطلق عليها عند العرب اسم الجن، وهي التي أيضاً كان يتحدث عنها الأوروبيون في العصور الوسطى باسم "فيري" (Fae) و"فاي" (Fae)، وهي التي سماها الإغريق الآلهة وأنصاف الآلهة.
نذكر مرة أخرى، هذا جاك فالي، من أحد علماء الحاسوب وحامل دكتوراه، وما زال حتى الآن يعيش في وادي السيليكون. أيضاً يرى أن هذه الكائنات هي أكثر تطوراً منا، وأنها في العصور القديمة أظهرت نفسها على هيئة ملائكة وآلهة، وفي عصر الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر ظهرت في منطاد هوائي غامض، وفي عصر الفضاء ظهروا كأطباق طائرة. والآن يظهرون بسيغ برمجية وسيبرانية. هذا كلامه الجديد، وليس في كتابه الذي صدر في الستينات.
قال أيضاً: هذه الكائنات تستخدم الخداع والمراوغة والأكاذيب اللوجستية أثناء التواصل مع البشر، وهم يقدمون معرفة مشوهة أو متناقضة أحياناً كي يمنعوا البشر من فهم طبيعتهم الحقيقية بالكامل، ويبقى البشر في حالة ذهول. كتابه الأخير صدر في يناير 2025 بعنوان "العلم المحظور: يوميات جاك فالي من 2010 إلى 2019". توصل فيه إلى قناعة تامة بأن المنهجية العسكرية القائمة الآن على البحث عن مركبة فيزيائية مادية وهندستها عكسياً لن تحل هذا اللغز أبداً، لأن الظاهرة متعددة الأبعاد وليست ظاهرة فيزيائية كلاسيكية مادية بحتة.
قد تتفاجأ أن جاك فالي، مع كل ما قاله، ما زال حتى الآن محترماً في الوسط العلمي، خصوصاً أنه عمله في مركز أبحاث ستانفورد يعطيه حصانة علمية. وهو أيضاً من أوائل الذين استخدموا الكمبيوتر وأنظمة الأتمتة لتصنيف البيانات الضخمة المتعلقة بدراسات اليوفو. لذلك زملاؤه يحترمونه ويكتفون بقول إنه فرضية الأبعاد المتوازية والكائنات التي تتحكم في الوعي البشري أو تحاول التدخل فيها أو تقدم بعض المعلومات العلمية للبشر هي فرضية غير قابلة للاختبار بالمختبر. ولكن هذا لا يعني أنها غير قابلة للتحقق بأي طريقة أخرى، أو أنها غير موجودة، لأن الوجود لا يقتصر فقط على المادة، ولأن العلم لا يقتصر على المنهج المادي التجريبي.
المثال الآخر الدكتور غاري نولن، في جامعة ستانفورد، أستاذ كرسي في قسم علم الأمراض (Pathology) في كلية الطب في ستانفورد. لجأت إليه وكالة الاستخبارات (CIA) لفحص الأدمغة والتحليل الجيني لضباط وطيارين عسكريين تعرضوا لإصابات دماغية بعد اقترابهم من الأطباق المجهولة (UFOs) أو صار اسمها الآن (UAPs). أعلن نولن صراحة في مؤتمرات علمية أنه يؤمن 100% بوجود ذكاءات غير بشرية تفوقنا تطوراً وتعيش بيننا، وليست من كواكب أخرى. في 2023، في مؤتمر علني في نيويورك، سأله المحاور: هل تعتقد أن هناك ذكاء غير بشري زار الأرض؟ فقال: هم لم يزوروا الأرض فحسب، بل يعيشون معنا وما زالوا موجودين. وقال: هذه الكيانات تتواصل مع كل البشر من زمان عبر تنزيل أو بث المعرفة مثل الداونلودز يعني بالتحاطر، وهذا يمنح البشر قفزات إبداعية فجائية. وهو أيضاً اعترف لاحقاً أنه يتلقى بعض الأفكار الثورية من هذه الكائنات لما يمارس التأمل ويطلب هذه المعلومات من هذه الكائنات.
المثال الآخر الدكتورة ديانا باشكا، أستاذة الدراسات الدينية ورئيسة قسم الفلسفة والدين في جامعة كارولاينا الشمالية. تقول: القفزات التكنولوجية الكبرى في الحوسبة والنانو تكنولوجي حدثت لأن علماء كبار يتلقون إلهاماً ومعرفة مباشرة من هذه الكائنات التي تعيش في أبعاد أخرى، سواء أثناء جلسات التأمل أو جلسات ما يسمى بالاستقبال الترددي. أيضاً لدينا الدكتور جيفري كريبال، أستاذ كرسي فلسفة الفكر الديني في جامعة رايس في تكساس. شارك مع جاك فالي في تأليف بعض الكتب، وهو يرى أيضاً أن المعرفة الحقيقية والفلسفية الكبرى تأتي للبشر عندما ينفتح وعيهم في لحظات الذهان أو الاقتراب من الموت، ويتلقون هذه المعلومات من تلك الكائنات التي تعيش في بعد آخر.
لدينا أيضاً الدكتور جون ماك، توفي في عام 2004، وكان رئيس قسم الطب النفسي في جامعة هارفارد في التسعينات. درس مئات الحالات لأشخاص زعموا أنهم اختطفوا من كائنات مجهولة فضائية. وصدم هو أيضاً المجتمع العلمي ومجتمع هارفارد تحديداً لما أعلن أن هؤلاء الأشخاص ليسوا مخرفين ولا مصابين بأمراض نفسية وعقلية، وهذه ليست هلوسات دهانية، بل هم أشخاص أسوياء نفسياً واختبروا واقعاً فيزيائياً حقيقياً ينتمي لأبعاد أخرى، وأن هذه الكائنات التي تتواصل معهم تحاول تمرير معرفة للبشر. شكلت جامعة هارفارد لجنة لمحاكمته في منتصف التسعينات حتى لا تحرج سمعة الجامعة، ولكن بعد سنة من التحقيقات فشلت اللجنة في إثبات أنه مخطئ.
هذه مجرد أمثلة، هناك غيرهم الكثير، وأعداد العلماء الذين يقولون بهذه النظريات تزداد، وخصوصاً في السنوات الأخيرة، ما تحول اليوفو من وصمة عار إلى النقاش الأكاديمي المعترف به سياسياً وأكاديمياً.
ناتي الآن لخلاصة هذه النظرية التي شرحناها في هذه الحلقة المطولة: الجن يعيشون في بعد آخر، لهم اطلاع على جزء من العالم الروحي الذي لا نراه إلا بالكشف أو التأمل أو عقاقير مهلوسة أو رؤى أو أحلام أو أي طريقة أخرى محرمة أو مباحة. نقلنا في حلقات سابقة شهادات لمتعاطي العقاقير المهلوسة كيف يرون تفاعلات كيميائية وأشجار تمتص الضوء وتصنع الغذاء بنفسها وتتنفس، جانب طبيعي لا نراه إلا في العالم الروحي. فهناك تفاعل بين العالم الطبيعي المادي والعالم الروحي، وهو مختلف عما نراه نرصده في الجانب المادي الذي لا نراه إلا بالحواس. ولكن لما يكشف الغطاء ونرى الجانب الروحي، نرى هذا التفاعل الطبيعي. أما الجن، فهم يعيشون أصلاً في البعد الآخر، ويرون أيضاً هذا الجانب الروحي الذي هم يعيشون فيه. فلذلك هم لديهم اطلاع على جوانب أخرى نحن لا نراها.
النظرية التي نتحدث عنها تعتمد في جزء منها على الأبحاث التي تؤكد أن الوثنيين ينسبون جزءاً كبيراً من علومهم الطبيعية عن الأرواح. فالأنثروبولوجيا المادية ينقل هذا ثم يفسره بأنها أساطير مثل الدين نفسه هو بالنسبة له أسطورة. لكن منذ منتصف القرن، الأنثروبولوجيا بدأت تتواضع وتنقل كل ما يقوله يؤمن به الوثنيون بدون تعليق، بدون محاولة تفسير. وذكرنا هنا ما ذكره الدكتور الأبراشي من دراسته الأنثروبولوجية في أفريقيا، وما ذكرته أيضاً في دراستي في دراسات أمريكا الشمالية. بما أن الوجود ثنائي الجوهر، فهناك علم طبيعي مادي كان موجوداً في طوال التاريخ البشري بموازاة العلم الروحاني. معظم الفلسفات والتيارات الفكرية والأديان لم تكن مادية. أما كانت دينية، سواء محرفة مثل المسيحية، أو ما زالت محافظة على الوحي الصحيح مثل الإسلام، أو وثنية شيطانية، كلاهما يؤمن بوجود هذه الثنائية. كانت هناك مادية جامدة فقط عند بعض اليونان، وفقط الآن في العصر المادي الذي نعيش فيه.
المعرفة كما نقلنا عن ابن خلدون، نقلية وعقلية. والعقلية عامة، طبيعية وسرية باطنية. المعرفة السرية هي معرفة حقيقية وليست مجرد خرافة أو وهم في عقول من اخترعوها. لا تخلو طبعاً من كذب وتضليل، ولكن أيضاً فيها جزء كبير من الحقيقة، وأصلها شيطاني، وهي مؤثرة في عالمنا المادي. شياطين الجن من أتباع إبليس ليسوا كل الجن لديهم علم إضافي يضاف إلى العلم المتاح لعامة الجن، سواء كانوا كفاراً أو مسلمين، وهي علوم السحر المحرمة كما ذكرنا وكما ذكر ابن خلدون. وهذا العلم مؤثر سراً في الطبيعة له حقيقة، وهذا ذكرناه في حلقة حقيقة السحر. ويقدر أيضاً على قلب الأعيان، كما أن الجني قادر على قلب عينه من كيان روحي غير مرئي إلى كيان إنساني مرئي أو حتى حيواني مرئي مادي. فبايضاً بنفس الطريقة يستطيع باستخدام السحر المحرم أن يقلب بعض الأعيان، كما قلب سحرة فرعون أيضاً العصي والحبال إلى حيات تتحرك. ومرة أخرى، السحر كفر طبعاً، وهو فتنة للانس والجن. التأثير الحقيقي للسحر ثابت بالنص الصريح وبرأي السواد الأعظم من علماء الأمة. فقط المعتزلة والظاهرية وبعض العلماء القلة جداً في تاريخنا هم الذين أنكروا حقيقة السحر بمعنى أنه مؤثر في الأشياء المادية وليس فقط سحر تخيل يؤثر فقط في العيون. وللأسف، العقل المسلم الحديث المتأثر بالمادية يميل إلى رأي المعتزلة على الأقل في جانب منها. السحر لا يتعارض مع العقل، يتعارض فقط مع العقلية المادية ومع عزل الكون المادي عن الروحي. وفقط في آخر قرنين اعتمد الأوروبيون الفلسفة المادية للوجود وفرضوها على العالم، فصارت المعرفة هي فقط المعرفة المادية. أما المعرفة الروحية السرية، فصارت خرافة ووهم، وليست فقط معرفة محرمة.
وعندما تبحث في الأعماق تكتشف أن هذه الفلسفة المادية الغربية هي مادية في الظاهر، ولكنها ليست كاملة المادية. هي مادية أكاديمية علنية، وفي الخلفية هناك الكثير من العلماء باطنيون. ما حدث خلال قرنين هو محاولة لتجريد الطبيعة من الروحانية وإعادة تفسير كل شيء مادي. في كل حقل معرفي هناك رواد ومؤسسون كبار، وحتى بعد المؤسسين هناك من يستطيع أن ينقد الأسس والمناهج نفسها. ولكن عامة العلماء، مهما كانوا كبار ومعهم جوائز، الغالبية منهم هم مقلدون، كما هو الحال عندنا مثلاً في الفقه. هناك من يضع أسس لمذهب كامل، وهناك من يقلد، وهناك أيضاً من يقلد ولكن يستطيع أن ينظر في الأسس ويحاول حتى أن يقارن بين المذاهب. لذلك الكثير من العلماء اقتنعوا كمقلدين بأن المؤسسين في النهضة وما بعدها توصلوا لكل شيء بالتجرد وبالمنهج التجريبي خطوة خطوة وبالمعادلات الرياضية، وأن هذه الطبيعة كلها مادة بحث. وهذا غير صحيح.
الحدث له دور جوهري في المعرفة، والكثير من الأفكار والاختراعات تظهر في الذهن بطريقة غير منهجية، كما ذكرنا. قد تكون بإبداع بشري بحت، أو بإلهام بشري، أو بوحي شيطاني. وكبار علماء النهضة، الكثير منهم كانوا إما سحرة فعلياً، أو استقوا بعض أفكارهم من باطنية سرية. ولكونهم منخرطين بالسرية والسحر، فهناك احتمال كبير لتلقي من الجن مباشرة، سواء بطلب أو بدون طلب. وبعضهم صرح بذلك، مثل جون دي. هناك قفزة علمية كبيرة غير مبررة كانت في عصر النهضة، ثم قفزة أكبر في الثورة الصناعية، ثم أكبر وأسرع كثيراً في منتصف القرن ما بين الأربعينات والسبعينات في القرن العشرين. الكثير من العلماء كانوا إما تابعين لجماعات سرية سحرية مثل كراولي وبلافاتسكي، أو مقتنعين ببعض الطقوس السحرية، وبعضهم مارس السحر فعلياً مثل بارسونز وكروكس.
النظرية التي نتحدث عنها لا تقول إن شياطين الجن والسحرة يديرون المختبرات العلمية بطريقة سحرية. لم أقل هذا، ولم أقل إن النظريات العلمية نفسها هي نظريات سحرية. نحن نقول إن بعض الاكتشافات الثورية أو التفسيرات الصحيحة للظواهر الطبيعية، يعني للفرضية قبل أن تختبر، احتمال كبير وفي جانب منه مؤكد أنها جاءت عن طريق جنس مكلف هو الجن. وسبق أن وصفنا صفاته وقلنا بوضوح أن هذه الكائنات ليست كائنات دينية وليست خرافية، بل هي جنس مكلف. ومثلنا بالحد، أعطوا هذه الحلول للفرضيات بقفزة مفاهيمية كما يقال في الحدس. أعطوها لعلماء بشريين، فتحققوا منها لاحقاً بالمعادلات الرياضية وبالتجربة، ثم تمكنا بتكرارها من إثبات أنها بالفعل صحيحة. وهذا قد لا يكون فقط بالحد، بل بطلب مباشر وبتعاون مع شياطين الجن وبأداء طقوس كما ذكرنا لأمثلة واضحة.
هناك احتمال آخر أيضاً، وهي أن مصادر الكشف قد تكون بالتأمل الروحي ورؤية العالم من جانب آخر، وهو الجانب اللي في بعد الروح. وهذا ليس بتقديم من الجن مباشرة. فالعالم قد يرى الجانب الروحي للطبيعة المادية بدون تواصل مباشر مع الجن. ونحن هنا لا نشجع طبعاً على ذلك، ولا نقول إذا كنت تريد المعرفة أن تذهب إلى التأمل ولا العقاقير المهلوسة ولا استخدام السحر، لأن المخدرات نفسها حتى بدون سحر هي حرام، ولأن التأمل أيضاً حتى بدون أي طقوس هو أيضاً يفتح عليك أبواباً خطيرة جداً تدخل منها الشياطين. فحتى الصوفي المؤمن الذي يدخل في حالة كشف مع الذكر، مع الذكر نفسه لا يكون محصناً. وهذا ذكره حتى ابن الجوزي رحمه الله في "تلبيس إبليس". ما أكثر الصوفية اللي على قدر عالي جداً من التقوى وجاءتهم خواطر شيطانية مثل إسقاط التكاليف وغيرها من الضلالات، وهم في أقصى درجة من الذكر والقرب من الله. لذلك الدخول في هذه الحالات بأي طريقة هو غير مضمون النتائج.
مشروع إبليس هو مشروع ليس فقط طويل الأمد مثل خطط الدول والحضارات البشرية، هو يخطط على مدى عمر البشرية كله. هذا المخلوق إبليس ليس لديه ما يماثلنا نحن البشر حتى نقيس عليه ونفهمه، فلذلك يجب أن تفكر خارج الصندوق لتفهم عقليته وطريقته وكيف يفكر وما الذي يخطط له. ومع ذلك، مرة أخرى، هو ليس إلهاً، هو أيضاً مخلوق، حتى لو كان يطمح إلى الألوهية. هذا مخلوق استطاع أن يضلل معظم البشر ويتلاعب بهم. إذا فهمته، فأنت من الأقلية التي فهمت هذه اللعبة. والكثير من المسلمين يعرفون أنه شيطان وأن له خطة، ولكن لم يفهموا هذه العقلية وهذه الخطط ولم يفكروا بها. لم ينشغلوا بها، هم مشغولون بحياتهم اليومية. ولا أقول هذا مطلوب أيضاً من كل الناس، ولكن أيضاً إذا كنت قد اقتنعت بهذا المشروع وفهمته وفكرت فيه بدقة، فطبيعي جداً أن الأغلبية ممن لم تفهمه ولا تريد أن تفكر بهذا الأمر ستسخر منك.
والمرحلة التي نعيشها اليوم هي أطول من عمري وعمر كل من يسمعنا الآن. هذه المرحلة بدأت من عصر النهضة قبل 500 سنة، وهي جزء بسيط من عمر إبليس نفسه الممتد مما قبل آدم عليه السلام وإلى آخر يوم من البشرية. مشروعه في هذه المرحلة هو مشروع المادية. لذلك مصلحته إقناعي وإقناعك وإقناع مليارات البشر الأحياء اليوم بأنه هو غير موجود أصلاً. لذلك لا تقارنهم بملوك البشر، الملوك الذين يحبون أن يتزعموا ويتصدروا. أنه هو موجود بيننا ونحن نراه ونسمعه، فلذلك نحن نؤمن بوجوده. فلذلك مصلحته أن نعبده كما هو ظاهر. أما إبليس، فهو أصلاً متخفي. ومع ذلك، أيضاً يمكن أن تقيس على بعض ملوك البشر اللي عمرهم قصير جداً لا يقارن بعمر إبليس. هم أيضاً يعلمون أنهم لو استطاعوا التخفي هذا أفضل. خذ مثال عائلة روتشيلد أو روتشيلد. من يسمع بهم عامة الناس؟ لم تسمع حتى باسمهم. مع ذلك هم أقوى عائلة في العالم كله، وهم الذين يسيطرون على الكثير من الملوك وعلى وسائل الإعلام وعلى البنوك. ومع ذلك، هذا كله يحدث بالتخفي. التخفي يحمي هؤلاء المتنفذين من المحاكم ومن الإعلام ومن قضايا الفساد ومن كل الإزعاجات. يحميهم أيضاً من الثورة من الشعوب إن قامت الثورة. بالفن، أما الحاكم الذي في الواجهة هو الذي يتعرض لكل هذه المشاكل وللثورات. لذا إبليس لا يريد أن يقنعك بأنه موجود أصلاً، فضلاً عن أنه إذا كان موجوداً، فإنه كائن جيد وطيب حتى تعبده وأنت تحبه. هو لا يريد كل هذا أصلاً. ويكفي عنده أن لا تؤمن به ولا بوجوده ولا بأنه مسيطر عليك. هذا أسهل له بكثير في السيطرة. فأنت عندما لا تفكر بأنه موجود، لن تفكر بعد ذلك بصفاته ولا بعيوبه ولا بحسناته. وهذا هو حال معظم البشرية للأسف اليوم، بما فيها الكثير من المسلمين.
اثنين، لا يشغل هذا الأمر بالهم أصلاً. النظرية التي نتحدث عنها ترجح أن مشروع إبليس كان يتضمن اختيار الأوروبيين منذ عصر النهضة ليحملوا لواء السيادة على البشر بالانتقال المباشر والسريع من الأديان المحرفة والصحيحة، الروحانيات الشيطانية نفسها، إلى المادية التي تنكر كل الروحانيات وكل الأديان ووجود الإله ووجود إبليس. وهذا يعني أيضاً بما أنهم سيحملون هذا المشروع، أنه من مصلحة إبليس ومن معه أن يمنحهم الاكتشافات المادية والعلمية التي تسمح لهم بالسيطرة على الطبيعة. هذا يعني أنهم اكتشفوا الملاحة والفلك، وسمح لهم ذلك بالكشوفات الجغرافية بشكل سريع، ونهبوا الثروات والذهب من شعوب أخرى، ثم ثورة صناعية سريعة جداً لصناعة السلاح النوعي. ولا تنسى هنا أن مجموع شعوب أوروبا في تلك المرحلة كان أقل من مجموع شعوب كل قارة على حده في الأمريكتين، حتى أقل من شعب الهند، وأقل من شعب الصين، وأيضاً من الأفريقيين ومن العالم الإسلامي. عددهم كان أقل، لكنهم انتصروا على كل تلك الشعوب، وحتى ذلوها بأعداد قليلة جداً، ولكن بسلاح نوعي وبتنظيم. ثم أعادوا بهذه السيطرة تشكيل كل المنظومات السياسية والاقتصادية والفكرية والعلمية للعالم كله. يعني فقط تأمل الآن، حتى الصين الشيوعية، المنافس الأكبر الآن للغرب، هي نفسها منظومة شيوعية استوردت من فكر ماركس الألماني الأوروبي. والأوروبي لما خرج ليحتل العالم كان يؤمن بفكره "عبء الرجل الأبيض" لنقل العالم كله من الهمجية إلى الحضارة. وما زالت حتى الآن المركزية الأوروبية مسيطرة على هذا التفكير. دائماً لدينا تفسيرات مادية، سواء ليبرالية، رأسمالية، شيوعية، يسارية، يمينية، لهذا المسار التاريخي المستمر من عصر النهضة إلى اليوم. وأي منظور لمشروع إبليس فوراً يعتبر خرافة وعلم زائف ونظرية مؤامرة. وحتى العقل المسلم المتأثر بالمادية لا يمكن أن يقتنع بما ذكرناه. قد يأتي الآن سؤال: لماذا اختار إبليس الأوروبيين لقيادة هذا المشروع؟ أنا لا أقول بالضرورة هو اختارهم، ربما الظروف والخريطة الدولية كانت مناسبة لهذا الأمر، وربما حدث توافق من نخبة بشرية أوروبية مع نخبة شيطانية إبليسية. ونذكر هنا الآية: "وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا". فهم يلتقون ويوحي بعضهم إلى بعض. ربما حدث هذا الأمر بدون اتفاق. إبليس هو الذي وجد في الأوروبيين قابلية للمشروع وأعطاهم أدوات السيطرة، وليحكم العالم هو أيضاً في الخفاء بدون أن يؤمن هم أنفسهم بوجوده.
وهنا أيضاً لا ننسى أنه هذا السؤال نفسه مبحوث حتى في فقه السيرة عندنا في الإسلام. لماذا الله سبحانه وتعالى، مع الفارق طبعاً، اختار العرب أنفسهم ليقودوا الإسلام ويخرجوا بقية البشرية من الكفر إلى الإيمان؟ هنا لا ننسى أنه إبليس له مشروع مقابل للمشروع الإلهي، فهو يحاول تقليد المشروع الإلهي في كل شيء. ولا أقول هنا إن جينات العرب فيها أفضلية، بل ظروفهم ومكانهم الجغرافي في مكة، اللي هي بيت الله سبحانه وتعالى في الأرض، هو الذي هيأهم لهذه الظروف. أما الأوروبي الذي خدم مشروع إبليس بدون ما يعرف، فاعتبر هذا المشروع الذي لا يعرف بوجوده أصلاً إلا النخب، اعتبرها جينات خاصة به، لأن جيناته أفضل من بقية البشر، فهو القائد للبشرية. لا ننسى هنا أيضاً دور نخبة بني إسرائيل في هذه اللعبة، خصوصاً العرق الأبيض الأشكينازي منهم، هو يؤمن أيضاً بأفضليته كأبيض وأفضلية شعب بني إسرائيل على بقية البشر. وهم طبعاً في صدارة مشروع إبليس كما يعرف كل محب.
لفهم أكثر، أذكر هنا مثال حافظ الأسد. من الطائفة العلوية، كان فرداً استغل عائلته، ثم استغل بقية طائفته العلوية ليحكم بهم ملايين السوريين من غير العلويين. الآن معظم الطائفة استغلت هذه اللعبة لتحقيق مصالحها. ثم لما قام الثورة من بقية الشعب من غير العلويين في الثمانينات، ثم في 2011 في الثورة، ارتكبوا كل المجازر التي نعرفها. فصارت هنا الوحشية نفسها مبررة. لما سقط النظام وتركهم وهرب بشار الأسد إلى موسكو، اكتشفوا فجأة أنهم كانوا جزءاً من هذه اللعبة وهم لم يختاروها بأنفسهم. وجدوا أنفسهم في وسطها ومصلحتهم تتحقق فيها، فمارسوا كل هذه الوحشية واستمروا حتى آخر يوم. وفقط لما هرب في يوم واحد، اكتشفوا أنهم كانوا أعضاء في هذه اللعبة وأن بشار الأسد ومن قبله حافظ كان يستغلهم وأنه تركهم وهرب. ولكن قبل هذا كله، خلال 50 سنة، ما في واحد منهم فكر، إلا طبعاً المثقفين والعقلاء منهم: لماذا أنا أمارس هذه الوحشية؟ لماذا أنا مستمر أصلاً في هذه اللعبة الشيطانية المتوحشة؟ طبعاً أيضاً كما ذكرت في حلقات عن الطائفة العلوية، أن للأسف العقل الجمعي العلوي لديه أيضاً مقدمات تسمح بذلك. لديها عقيدة أيضاً تشبع عقيدة بني إسرائيل: استعلاء على بقية البشر. هم الوحيدون في العالم الذين اكتشفوا الحقيقة، وهي أن علي رضي الله عنه هو الإله المتجسد، وهو الذي سيخرج في آخر الزمان ليحميهم، وبقية البشر بما فيهم المسلمون وغيرهم هم كفار، وستعود أرواحهم في التناسخ لاحقاً إلى أجساد الحيوانات. حافظ الأسد وبشار استغلوا هذه العقيدة لتحقيق مصلحتهم، والطائفة نفسها استغلت هذا الظرف المادي لتحقيق مصلحتها والتسلط على بقية الشعب. بنفس الطريقة يمكن أن تفهم أيضاً إبليس يستغل العرق الأبيض ونخبة بني إسرائيل، أيضاً تستغل الشعب الذي تحتهم من نفس الطائفة بعقلية طائفية دينية أيضاً استعلائية، وبأيضاً نظريات جينية بيضاء باستعلائهم على بقية البشر. فهناك دائماً تلاقي مصالح بين الجماهير والشعوب والعوام، وبين النخب الذين يستغلونهم. بنفس الطريق أيضاً تلاقي في المصالح بين هذه النخب وبين إبليس الذي هو على رأس هذا الهرم. وكل هؤلاء من إبليس ومعه جنوده، وأيضاً من النخب الأوروبية البيضاء والبني إسرائيلية، ومعهم كل هذه الشعوب البيضاء أيضاً، كلهم تتحقق مصلحته في هذه العمرة.
إذاً، منذ عصر النهضة، هناك مرحلة مادية وإنكار كامل للغيبيات والروحانيات. والإنسان المادي المعاصر الآن أصبح ينكر وجود روحه هو نفسه، وليس روح أصلاً في العالم كله. وهذا يعني تخفي كامل لإبليس ولعالم الجن. ومنذ مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، زادت بنسبة كبيرة مشاهدات اليوفو والأطباق الطائرة، وحدثت قفزة علمية هائلة للبشرية في نفس الوقت. ذكرنا نظريات علماء محترمين أحياء يرون أن هذه القفزة جاءت من مصدر غير بشري. وذكرنا أنه في السنوات الأخيرة صعود لنظريات العصر الجديد واقتناع شعبي متزايد بين الغربيين بوجود كائنات روحية خفية، الفضائيون والكائنات البعدية، ومن يزعم أنه إله وملائكة. كلهم كما ذكرنا بالتفصيل هم الجن. وفصلنا هذا في عدة حلقات. هناك تطابق تام بين مشاهدات الفضائيين وما يرى من كائنات في جلسات التأمل، في جلسات اليوغا، في جلسات السحر واستحضار الأرواح، في جلسات تعاطي العقاقير المهلوسة، في الأرواح التي تظهر للشامانات والسحرة. كل هذه الكائنات متطابقة في كل ما ذكرناه، وكلها تطابق أوصاف الجن.
وأيضاً لدينا الآن قائمة تزداد يوماً بعد يوم لعلماء محترمين في الوسط العلمي يصرحون بأن الفضائيين كائنات بعدية واعية تتواصل معنا، وهي أكثر تطوراً وتقدماً ولديها معرفة تقدمها للبشر. منذ 2017، أول اعتراف من مسؤولين سابقين في أمريكا بوجود حضارة غير بشرية في تقرير نيويورك تايمز. ثم تسارع كبير في فتح هذا الملف على الملأ، اعتراف البنتاغون. وفي إدارة ترامب بدأ كشف الكثير من التقارير السرية. وهذا يقودنا إلى اقتراب ما يسمى الآن بـ "يوم الكشف". أذكر مثالين فقط من أفلام هائلة تنهال على الرأي العام في السنوات الأخيرة. المثال الأول فيلم "ديسكلوجر داي" (Disclosure Day) يوم الكشف، فيلم خيال علمي نشر فقط في يونيو الماضي قبل أسابيع، وهو من إنتاج وإخراج ستيفن سبيلبرغ، أهم مخرج في تاريخ هوليوود. وهو نفسه ظهر في عدة مقابلات يصرح بأنه مقتنع تماماً بوجود الفضائيين وأن يوم الكشف، كشفهم من قبل الإدارة الأمريكية، قد اقترب كثيراً. أيضاً فيلم وثائقي بعنوان "عصر الكشف" (The Age of Disclosure) أنتج العام الماضي وظل منتجه يصوره على مدة ثلاث سنوات، أجرى مقابلات وشهادات حية مع 34 مسؤول أمريكي رفيع المستوى من داخل الحكومة الأمريكية والجيش ومجمع الاستخبارات. كل ما قالوه يؤدي لنفس النتيجة: نحن نعيش في عصر الكشف. في أي لحظة نتوقع أن يخرج الرئيس الأمريكي ليقول: هناك كائنات متطورة موجودة بيننا.
إذاً، المرحلة التالية من مشروع إبليس هي يوم الكشف. نتوقع في هذه المرحلة ظهور بعض أتباعه من الجن، وليس هو شخصياً. وسيظهر ذلك في صورة تناسب العصر المادي. سيظهرون في هيئة فضائيين أو كائنات تعيش في نفس هذا الكوكب ولكن في بعد آخر، وهم ماديون أيضاً وليسوا كائنات روحية. في المقابل أيضاً، جماعات العصر الجديد اللي معهم أيضاً ملايين العوام وبعض العلماء أيضاً في الغرب سيقتنعون بذلك وسيرون أنه مصداق لما قالته بلافاتسكي وغيرهم أن هناك كائنات صاعدة روحية. ولكن أيضاً هي كائنات مادية، وهي ليست كائنات دينية. طبعاً، إذاً يوم الكشف سيكون مقنعاً للطرفين، للروحاني من العصر الجديد وللمادي الملحد اللاديني. وسنرى في النهاية هذا دعم للإلحاد، سواء كان إلحاداً مادياً أو روحياً. فقط المسلم والمسيحي هو الذي سيجد مشكلة هنا، إلا لو فهم مشروع إبليس الذي نتحدث عنه. وهذا أيضاً لا يعني بالضرورة أن هذه مرحلة خروج الدجال. أنا لا أقول هذا، ليس بالضرورة.
كما كان الجن يظهرون عياناً للوثنيين الذين جسدوهم في أصنام ورسموهم على الكهوف، أيضاً هم أنفسهم قد يظهرون في عصرنا بصورة تناسب عصر المادية الآن. وهذا لا يعني أن هذه آخر مرحلة في تاريخ البشر. هل كل التواصل بين الجن والإنس يكون ضمن خطة إبليس؟ أنا بصراحة لا أدري ولا أستطيع أن أجيب. ولكن لا أعتقد أن هذا ضروري. هم الجن جنس ضخم وتحته أنواع لا تحصى. والجن مرة أخرى ليسوا كائنات دينية شريرة مقابلة للملائكة. الكائنات الدينية الخيرة هم كائنات مكلفة مثلنا، يعيشون في بعد آخر. أحيل مرة أخرى على حلقة "مغالطات عن الجن". كل ما يأتي من الملائكة خير، ولكن ليس كل ما يأتي من الجن شر بالضرورة. وهم ليسوا كلهم شياطين. فيهم كثير من الكفرة، غالبهم كفر كفر كما هو غالب البشر كفر. أيضاً، ولكن ليس كل كافر من الجن شيطان من أتباع إبليس. وذكرنا مثال أيضاً للصحابي سواد بن قيس لما شيطانه في الجاهلية هو نفسه أسلم ونصحه بأنه هو أيضاً يذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام ويسلم. فإذاً، حتى الشيطان نفسه قد يسلم، لأنه مكلف وليس محكوماً عليه من الله سبحانه وتعالى أن يبقى شيطاناً مدى حياته. أيضاً بما أنهم كائنات عادية مثلنا، لهم حياتهم، لهم أطماعهم وغرائزهم، وكثير منهم غير مهتم بالدين أصلاً مثل كثير من اللادينيين عندنا والكفار منهم أو غير المسلمين ليسوا مهتمين. في جزء منهم بإبليس وبمشروعه. وهناك في المقابل طبعاً شياطين تابعون لإبليس يأخذون منه مصلحة في اتباعهم له. وهذه التبعية ضمن تسلسل هرمي كامل، وهم يطيعون أوامره وينفذون مشروعه بشكل مباشر. السحر يكون بيد إبليس وأتباعه، وهو علم حقيقي لا يتم إلا بالكفر. وهناك في المقابل مرة أخرى جن خارج سلطته. فلا أعرف إذا كانت كل الممالك غير المسلمة تقع تحت سلطة إبليس. ما عندي مصدر يؤكد ذلك، ولكن ممكن مبدئياً نفترض أن هناك جن بلا دين مثل بعض البشر بلا دين. وقد تكون لديهم مصلحة ما غير السحر وغير مصلحة إبليس بالتواصل مع بعض البشر. قد يحدث ذلك، وأنا هنا لا أقول إن هذا يحدث، ولكن لا أستبعد مبدئياً. ويمكن أن يكون من هؤلاء جن متقدم متطور يقدم معرفة للبشر مثل أي شعب بشري يقدم معرفة أيضاً إلى شعب بشري آخر. وليس بالضرورة أن يكون هذا ضمن مشروع شيطاني إبليسي. وقد يكون لمصلحة دنيوية بحتة كما يحدث في المصالح الدنيوية بين البشر. ولكن في المقابل، معظم ما نسمعه عن حالات التواصل والاقتباس تصب في مصلحة إبليس بالفعل وتؤدى أصلاً بأساليب شيطانية. فهي تؤدي أيضاً إلى السيطرة على البشر واستعبادهم والتضليل الفكري والعقدي.
أذكر هنا أيضاً بأنه إذا حدث يوم الكشف كما ذكرت سابقاً، فهذا سيكون خادماً للإلحاد المادي والروحي في نفس الوقت. وكل ما يطرح الآن من نظريات عن ما بعد الإنسانية والمصفوفة (Matrix) ودمج الذكاء الاصطناعي بالبشري والسايبورغ إلى آخر هذه النظريات، وتحدثنا عنها أيضاً سابقاً، هذا كله سيجدونه تطبيقاً مع ظهور هذه الكائنات الروحية والمتطورة. فعندما يظهر أول فضائي ويقول علناً أنهم جاؤوا من حضارة أفضل منا وظهوره نفسه دليل على أنهم أكثر تقدماً منا، فهذا يعني أنه لا يوجد إله. هذا ما يقولونه بالفعل من الآن. وللأسف، ملايين البشر في الغرب تحديداً، ثم في شعوب أخرى، سيصدقون ذلك. ومرة أخرى، هذا سيدعم الإلحاد بجانبيه المادي والروحي.
هذه النظرية التي نتحدث عنها قد تكون جديدة على الكثير من الناس، مع أنها أصلاً موجودة سابقاً كما ذكرت. لذا من الطبيعي أن تواجه عداوة وسخرية من البعض بدون حتى فرصة للفهم. للأسف، البعض سيسمع جزءاً مما قلته وسيسخر قبل أن يعطي نفسه فرصة للفهم، أو حتى لو أراد أن يسمع كل ما قلته، سيسمعه للتحدي لاكتشاف بعض الثغرات وتضخيمها. وأسوأ عدو لأي نظرية هو العقلية الاختزالية. كما نعرف، هناك صناديق كبيرة في بعض العقول، قول خصوصاً من ليس لديه عقل نقدي يغوص في الأعماق. هناك صناديق يضع فيها الأشياء المتشابهة. فإذا كان بعض ما قلناه متشابهاً مع بعض نظريات المؤامرة الخرافية التافهة، فسيضع ما قلناه كله في هذا الصندوق ويسخر منه، وسيضعه أيضاً في خانة العلم الزائف الذي لا يستحق النظر، مثل مثلاً نظرية الأرض المسطحة.
ولكن حتى نفهم أكثر، العلم الزائف أصلاً بالتعريف هو مجموعة المعتقدات أو الممارسات التي تدعي كذباً أنها علم تجريبي، ولكنها تفتقر إلى الأدلة التجريبية. ولكن نحن لا نقول إن هذه النظرية التي خصصنا لها كل هذه الحلقة هي أصلاً نظرية تجريبية. حتى نقول إنها نظرية علمية تجريبية، هي ليست ساينس (science). لذلك لا يمكن أن تكون علماً زائفاً، لأنها لا تفترض أصلاً أنها علم سايس. هذه النظرية تستند في أصلها إلى الوحي، الذي هو نفسه الوحي الإسلامي. الدين هو نفسه يعتبر علماً زائفاً، لأنه لا يمكن أيضاً في النظرية المادية أن يختبر. فلذلك بالنسبة له هو خرافة أو علم زائف، لا نبحث فيه ولا نحققه ولا يمكن حتى أن نختبره.
وأيضاً أنا لا أنكر وجود مؤامرة. أنا أحارب عقلية المؤامرة التي تنظر للعالم بمنظور تأمري وتعتمد على الانحياز التأكيدي بشكل مسبق. لكن نحن لما نلتزم بمنهج نقدي ونستند بالأساس إلى الوحي المعصوم، ثم نبني النظرية بدون تحيز وبشكل نقدي، ونختبر كل فرضية نضعها كجزء من هذه النظرية، ثم نكتشف وجود مؤامرة، إذاً ما في مشكلة. المؤامرة مثبتة حتى بالقرآن: "ويمكرون ويمكر الله". لكن لا نفكر بعقلية المؤامرة. لذلك هي نظرية تستند إلى حقيقة المؤامرة، وليس إلى العلم الزائف. ولا يمكن بنفس الطريقة أيضاً أن توضع مع نظريات المؤامرة التي تفكر بعقلية المؤامرة. أيضاً العقل المتحيز الذي سيرفض النظرية فقط لأنها لا تعجبه. وأيضاً تابع لما نسميه بعقلية اللامؤامرة، التي أيضاً تعتمد الانحياز التأكيدي مسبقاً وترفض أي شيء يتحدث عن مؤامرة فقط لأنها لا تعجبه، لأنه يرفض وجود مؤامرة أصلاً، حتى لو كان هناك مؤامرة موضوعية. لا تعجبك، ولكن يجب أن تبحث بشكل موضوعي بالدلائل العملية الحقيقية. هي دراسة لشيء موجود خارج الذهن. فلو اكتشفت أن هناك مؤامرة بالفعل، فأين المشكلة؟ أما أن تفكر بعقلية مؤامرة أو لا مؤامرة، هذا هو المشكلة. وللأسف، أيضاً من يفكر بهذه العقلية، الكثير منهم مسلمون ويعتبرون أنه أي نظرية مما نقوله تصنف على أنها علم زائف أو نظرية مؤامرة. فواجبه الشرعي أن يحاربها حتى يحمي الإسلام مما يعتبره الماديون خرافة.
أيضاً يجب أن يفهم المعارضون أني مسؤول شخصياً عن نظريتي فقط، عما قلته، وليس عما يشبهه مما يقوله الآخرون. هناك نظريات ذكرناها لدى العصر الجديد يتشابه جزء منها مع ما نقوله. هناك أيضاً ما بعد الإنسانية، وهناك نظريات حتى إلحادية. نحن لسنا مسؤولين عنها. لذا أرجو من المستمع الواعي أن يخضع لمحاولات الاختزال. لمن يريد أن ينتقد هذه النظرية بشكل غير علمي وغير أخلاقي أيضاً. نوضح أن هذه النظرية ليست إلزامية. أنا لا أجبر أحداً على الاقتناع بها، ولا حتى الاستماع لما قلناه. هذه النظرية أيضاً، سواء صحت أو لم تصح، هي ليست جزءاً من عقيدة المسلم، سواء كان من النخبة أو من العوام. ولولا هياج بعض الماديين ضد ما قلناه، ما كنا حتى سنصور كل هذه الحلقة بكل هذه التفاصيل. ولكن اضطررنا أن نقدمها دفعة واحدة. ولكن ما حدث لعلّه خير. فإذا لم يقتنع بما قلناه أحد، سواء جزئياً أو كلياً، فنرجو ألا يتعب نفسه بمحاولة الفهم، ولا الاستماع حتى نقوله بكل بصراحة. تجاوز كل هذه النظرية وأكمل حياتك.
أيضاً لا أقول إنني معصوم عن الخطأ. ومنذ بدء طرحنا لهذه النظرية، ولما قبلها أيضاً في حلقات الجن، قلت إن هذه النظرية قد تتضمن بعض الأخطاء والمعلومات غير الدقيقة، مع أني حاولت التحقق منها قدر الإمكان، ولكنني بشر طبعاً. وعملي هذا يتطلب جهداً بحثياً جماعياً. فأنا من البداية قلت: من كل الباحثين الموثوقين المحترمين، من لديه أي إضافة أو تصحيح في كل ما أتحدث عنه من موضوع الجن وغيره، أتمنى أن يتواصل معي لنستفيد ونفيد. والكثير من المحترمين بالفعل فعلوا ذلك، وأنا أشكرهم بالفعل على هذا التواصل والإفادة. في المقابل طبعاً، هناك بيئة مشحونة للأسف بالكراهية والحقد، وخصوصاً في قضايا جدلية كما نقول، وخصوصاً من لم يفهم أصلاً أبعاد هذه النظرية ولا أهدافها. والأخص من ذلك، المجموعة التي تعتقد أنه لو تحدثنا عن الهلوسات فهذا يعني نسفاً لمصدر رزقهم في الطب النفسي، فهذا يستلزم منهم إعلان هذه الحرب. لذا أقول: لو وجدت أي معلومات خاطئة وغير دقيقة في هذه الحلقة، فأشكر كل من يتواصل معنا بطريقة محترمة هادئة لمحاولة التصحيح. وهدفنا في النهاية هو أن نصل إلى الحق. أما من يمسك أي غلط أو حتى 10 أخطاء أو 100 خطأ ليضخمها ويمارس مغالطة رجل القش، فيجب أن نكون واعين لهذه المحاولات لنسف النظرية كاملة.
والهدف من كل ما قلناه هو مواجهة مشروع إبليس والانتباه لمكر الشياطين من الإنس والجن المسيطرين أصلاً، سواء شعرنا بذلك ولم نشعر. الصراع معهم لا يستثني أحداً، سواء كنا من عوام المسلمين أو من النخبة. حتى المسلم البسيط هو جزء من منظومة خاضعة لهم للأسف. فإن نعرف ما.
يحدث هو أول خطوة حتى نقاوم هذا المشروع وحتى ننتبه له. هذه الحلقة هي مجرد خلاصة. إذا سمعتها، فارجو أن تسمعها كاملة وأن تسمع الحلقات السابقة حتى تكتمل لديك الصورة.
نختم الحلقة الآن ببعض الأسئلة والاعتراضات التي جاءت بالفعل، حتى قبل أن نعرض الحلقة، فقط لما أخذوا مقطعاً قصيراً طوله بضعة ثوانٍ. النظرية ستؤدي للسلبية والاعتقاد بأن إبليس مسيطر على العالم. الرد على هذه الحجة بأنها للأسف تقال في كل ما نطرحه في ملف الجن وإبليس، وأيضاً لما نتحدث عن سيطرة بني إسرائيل والجماعات السرية على جزء كبير من العالم. لا بأس أن تقال هذه الاعتراضات في نقاشات سياسية، حركية، تنظيمية، عملية، ولكن ليس في نقاش فكري. الفكر يجب أن يكون مجرداً عن المشاعر وعن المخاوف السياسية. إذا وجدت مؤامرة فهذا شيء، وأن تخاف منها ومن نتائجها فهذا شيء آخر. النظرية تتحدث عن واقع موضوعي لا علاقة له لا بمشاعرنا ولا بمصالحنا السياسية. فبنفس الطريقة يمكن أن نقول أيضاً: انتباهك لمؤامرة عدو قد تدفعك في المقابل إلى الانتباه له ومقاومته وليس الخوف منه. وإذا كان يترجح عندك أنها ستؤدي للخوف، فنشرها بين الناس شيء وثبوتها شيء آخر. ونحن لا نقول أبداً أنه إبليس إله، نحن نقول أنه مشروع كله قائم على التأله. فنحن ننقض هذا التأله بمحاولة فهم ما الذي يفعله وكيف يفكر. وإذا لم تفهم كيف يفكر، فكيف ستحاربه وتتصدى لمشروعه؟ القرآن الكريم مليء بالتحذير، تحذير بني آدم من مشروع إبليس. إذا البعض يريد أن يتجاهل هذه الآيات وهذا التحذير ويعتقد أن التجاهل سيقلص خطره، فهذه مشكلة بصراحة، مشكلة حتى عقلية، لأن هذا يعني للأسف أنه نجح حتى في تضليل المسلمين الذين يعرفون أنه موجود، كما نجح في تضليل الماديين الذين أنكروا وجوده، فسيطر عليهم بطريقة. طريقة إذا لم تؤمن بوجوده فهذا أفضل له.
الاعتراض الآخر أن النظرية تعني تفضيل الجن على الإنس. هذا أول ما يخطر على بال الكثير من المتدينين للأسف، وهو تفكير رغبوي أيضاً وفيه شيء من العصبية لجنسنا نحن البشر، كما هو حال العصبية لجنس بشري ضد جنس آخر، أو عصبية لمذهب ضد مذهب. وذكرت في حلقة سابقة بعنوان "غريزة الجاهلية" أنه حتى الكثير من المسلمين العلماء المسلمين للأسف قد تكون هذه آخر شهوة غريزية تخرج من قلوبهم، وهي التعصب لطرف ضد آخر. فنحن هنا نتعصب للانس ضد الجن مثلاً. هناك نظريات عن أنه الفضائيين هم الذين بنوا الأهرامات أو الجن أنفسهم. هذه النظرية تثير للأسف غضب الكثير من العرب، لأن هذا يعني أنه ليس أجدادنا هم الذين بنوا الأهرامات. هذا شيء والحقيقة الموضوعية شيء آخر طبعاً. فإذا كنت مفكراً موضوعياً فيجب أن تبحث في التاريخ بغض النظر عن حبك لأجدادك. ذكرنا في حلقة بعنوان "الإنس والجن أيهما أفضل" كل ما يتعلق بهذه المغالطة، وذكرنا أن هناك مزايا متفاوتة لجنسي الإنس والجن. لا أستطيع الآن أن أكررها، ولكن أذكر فقط الآية: "أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ". يعني العهد هنا لم يكن للجن، العهد للإنسان، هم الذين قد يعبدوا هذا الكائن الجني المتخفي الذي هو إبليس ومعه جنوده. ولم نسمع أبداً في التاريخ ولن يحدث أصلاً أن يعبد الجني الإنسي. وأيضاً تقول الآية: "وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ". لأن الكثير من البشر كما نعرف عبدوا الملائكة، بما فيهم عرب الجاهلية، قالوا: "سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ". ولدينا الآية: "وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا". كل الآيات تتحدث على أنه الإنس هم الذين يتبعون الجن في هذه الضلالات وقد يعبدونهم.
هناك من اعترض أيضاً بأن الذي لديه علم من الكتاب من الإنس في قصة سليمان كان أقوى وأسرع من العفريت. وقلنا أيضاً هذا العلم قد يوجد حتى للعفريت. هنا مقارنة بين قوة العفريت وبين علم هذا الإنسي. هذا العلم ليس علماً خاصاً بالانس، قد يوجد لدى أيضاً العفريت. فالمفاضلة هنا ليست بين جنسين، المفاضلة هنا بين علم وجد عند أحد الجنسين وقد وجد عند أي جنس، وبين هذا الجني الذي كان قادراً على هذا النقل السريع. فهذه ليست ميزة للإنس، هذه ميزة لهذا الولي الصالح الذي كان في حاشية سليمان. أيضاً التقدم العلمي ليس أفضلية. إذا قلنا الجن عندهم تطور أكثر، هذا لا يعني أنهم أفضل بالمعنى الديني الشرعي القرآني من الإنس. معظم تاريخ البشر نعرف فيه أن الكفار كانوا أكثر علماً من البشر، وهذا هو حالنا الآن، الكفار متطورون أكثر من المسلمين. هذا لا يعني تفضيلاً للكفار الإنس على المسلمين من الإنس. فكل الحضارات على مر التاريخ كانت حضارات شيطانية للأسف ووثنية. قال ابن عباس في قوله: "يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ". يعني الكفار يعلمون عمران الدنيا وهم في أمر الدين جهال. وبعد كل ما سبق، أنا لا أقول هم سبقون لبعض الاكتشافات لأنهم أكثر ذكاء بالضرورة، بل قد تكون هناك اختلافات في قدراتهم وفي طبيعة عالمهم، فيرون جانباً من العالم الروحي الذي لا نراه بحواسنا، فيطلعون على جانب من ظواهر الطبيعة يستطيعون به تفسير ما يحدث، فينقلونه للبشر. هذا لا يعني حتى أنهم قد بحثوا ذلك بالتجربة وبمؤسسات علمية بالضرورة. ما قد يحدث أيضاً وهذا لا يعني تفضيلاً لهم علينا، فهم قد يرون هنا ترابط الجزيئات والذرات وأشياء أيضاً أخرى تحدث في الطبيعة في أجساد البشر أنفسهم نحن لا نراها وتحتاج منا إلى قرون من التجربة ومحاولات الاكتشاف، فهم استطاعوا أن يكتشفوها ونقلوها إلى أمثالهم من البشر.
اعتراض آخر هنا: لماذا لم يخبرنا الوحي عن هذه النظرية؟ أولاً، النظرية تستشهد أساساً بنصوص الوحي التي ذكرتها سابقاً وشرحنا مشروع إبليس ومهلة إبليس وطريقة تفكيره وتألهه، وهذا أيضاً من الوحي. لا تستطيع أن تعرفه إلا من الوحي. وذكرنا أيضاً قدرات الجن ومنها الطيران وقصة "آتيك به قبل أن تقوم من مقامك" وقصة سليمان أيضاً مع الجن، كل بناء وغواص وقدرتهم على التشكل وعلم السحر الخاص بهم أيضاً وقدرتهم على الانتقال بين العوالم والتشكل ورؤية عالمنا وعالمهم بينما لا نرى نحن ذلك. هذا كله من قدراتهم وهذا كله مما عرفناه في النصوص. ثانياً، لماذا انتشر في هذا العصر تحديداً فكرة أنه القرآن يجب أن يكون كتاباً لكل العلوم؟ فإذا لم تأتِ نظرية في القرآن، فإذا غير صحيحة. للأسف يعني في عصر الصحوة في الثمانينات كان شائع فكرة الإعجاز العلمي وشاع بين بعض المسلمين للأسف أنه يجب أن يكون القرآن نفسه هو كتاب علوم طبيعية. نعم، القرآن يدلنا على بعض الأشياء، بعض الظواهر الطبيعية حتى نتأمل فيها، ولكنه ليس كتاب علوم. فمثلاً تحدث القرآن الكريم عن مراحل تطور الجنين، عن برزخ بين البحرين، عن تنوع في النباتات ويسقى بماء واحد. هذا كله فقط للتدبر والإيمان، وليس كتاب لا فيزياء ولا بيولوجيا ولا فلك. أيضاً كل ما جاء في القرآن طبعاً من هذه الظواهر الطبيعية أكيد لن يتعارض مع العلم، فيمكن أن تقول فيه هذا إعجاز علمي إلى حد ما، ولكن ليس بالضرورة أنه هذا الكتاب هو كتاب علمي. وأيضاً بنفس الطريقة صار في عندنا موضة في السنوات الأخيرة أنه نظرية الأرض المسطحة التي ظهرت في جماعات ملحدة في الغرب لأنها ضد المؤامرات وضد ناسا. هناك من استوردها وحاول أن يؤصلها من القرآن. وللأسف هذه العقلية تقوم على فكرة أنه يجب أن نجد في القرآن شكل الأرض كما يجب أن نجد فيه أيضاً هذه النظرية أو أي شيء آخر. وهذا غير ضروري. والبعض هنا يستشهد بآية "مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ". لو نعود للآية كاملة: "وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ". القول الأول في تفسير هذه الآية لدى جمهور العلماء: الكتاب هنا هو اللوح المحفوظ الذي ذكرت فيه كل أقدار هذه الكائنات. والقول الثاني وهو ليس قول جمهور العلماء: الكتاب هنا هو القرآن الكريم ويرون أن الآية هي تقول إن القرآن لم يفرط في شيء من أصول الدين وقواعد الشريعة. وبعضهم أظن الرازي فقط قال أيضاً فيه مصالح الدين والدنيا للمكلف. ولكن الرازي نفسه ليس غبياً حتى يقول أيضاً أنك يجب أن تجد في القرآن أيضاً الطب مثلاً حتى لا تقول أنه فرط في شيء. ولكن حتى في الدين نفسه نعلم أن القرآن الكريم لم يصف كل الأحكام الشرعية بما فيها حتى الصلاة. هو ذكر فرض الصلاة ولم يذكر لنا عدد ركعات الصلاة. فلا نقول هنا أن الكتاب القرآن الكريم قد فرط في شيء. ولكن أصلاً السؤال نفسه هذا، مع احترامي لمن يطرحه، هو سؤال كسول. سؤال يريد أن يجد كل الحلول في القرآن الكريم يجب أن يكون كل شيء منصوص عليه. فحتى الاجتهاد بالنسبة له قد يكون فيه مشكلة. أي اجتهاد في محاولة فهم شيء غير منصوص عليه قد يكون بالنسبة له بدعة. وهذا طبعاً لا يقول به أي عالم من علماء الشريعة. فنحن لما نجتهد ببيان كيف أن الشياطين هذه تسللت إلى الوعي البشري في قصص وأساطير موجودة على مر التاريخ وصولاً إلى ما نراه الآن في العصر المادي الحديث من قصص قصص باطنية نجدها حتى في الإعلام في قصص ديزني والأنمي. هذا كله يجب أن يكون من الاجتهادات التجديدية عندنا في العلم. لماذا العقول الكسولة ترى أنه في هذا مشكلة وأننا هنا نعود إلى مصادر غير موثوقة؟ هذا كله يتقاطع مع الإسلام وكله يدعم ما نقوله من مشروع إبليس الذي تجده مؤصلاً في النصوص. فأين المشكلة في ذلك؟ المفروض نحن المسلمين نكون سباقين في كشف مشروع إبليس الذي يكتشفه الآن الكثير من الملحدين ولكن ينسبونه إلى فضائيين. وأيضاً في المقابل ترى أنه كتب التفسير نفسها حافلة بالكثير من الإسرائيليات بمصادر معرفة موجودة لدى كفار. لأن بعض المعلومات التاريخية التي ذكروها لم يذكرها النبي عليه الصلاة والسلام، ففسروا القرآن نفسه ببعض القصص التي جاءت من شعوب أخرى غير مسلمة لأنها تضيف بعض المعلومات. فما في مشكلة. والنبي عليه الصلاة والسلام قال: "حدثوا عنهم ولا حرج". وأضف إلى ذلك أيضاً كتب التفسير نفسها حافلة بالكثير من التفكير والاجتهادات. مثلاً انظر تفسير "وما أنزل على الملكين ببابل". بعضهم قال هذا إضافة أن الشياطين يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين، فهذا السحر يعلم من الشياطين ومما أنزل. وبعضهم قال: "وما أنزل" نفي، فيعني ما أنزل على مكان ليس هو السحر، لأنه الآية هنا ليست قطعية الدلالة. فالعالم هنا مضطر للاجتهاد والتفكير وذكر كل الاحتمالات ثم الترجيح بطريقة علمية ترجع لتفسير هذه الآية. في بعض الكتب تجده ربما عر صفحات يستهلك كل هذا الوقت من التفكير حتى يرى ما هو الأفضل، ما هو الأصح، ما هو الأقرب لمراد الشارع. فحتّى حتى في عالم السحر هذه القضية الخطيرة لم تكن الآية قطعية الدلالة. فيريد الآن البعض أن يجد في القرآن الكريم كل شيء متعلق بالملائكة والجن والسحر والغيبيات وكل ما نقوله. وإذا لم يجد كل شيء منصوص عليه بدلالة قطعية، إذا غير موجود. هكذا يقول بصراحة: غير موجود. يعني هو ينفيه تماماً. لذا نكرر مرة أخرى: الجن ليسوا كائنات دينية حتى نقول أن مصدرها الوحي كما هو حال الملائكة. الجن كائنات مكلفة لا دينية. لا يعني أنه ما في مصدر آخر. البشرية كانت طوال التاريخ تاريخ تتواصل معهم بطرق محرمة غالباً، وربما أحياناً بطرق على الأقل لا تستطيع أن تحرمها كما يفعل بعض الرقاة مثلاً بالتواصل مع جني مسلم. ولكن هذا كل العلماء أو معظمهم يحذرون منه، وأنا مع التحذير منه طبعاً. والمسلمون طوال تاريخهم يرون الجن ويسمعونهم ويتواصلون معهم ويعرفون بوجودهم وبسحرهم وبمشاكلهم وبتضليلهم وعبثهم. فقط في هذا العصر المادي وفقط في الجانب المادي من المسلمين سكان المدن تحديداً والمتعلمين منهم والمتعلمين في جامعات تأخذ بالعلم الغربي فقط، هؤلاء الذين عندهم مشكلة مع عالم السحر والجن. فقط هؤلاء. بقية الأرياف وبقية البداوة وبقية الكثير من سكان المدن الذين رأوا بأنفسهم وتعرضوا للسحر هم الذين يؤكدون كل ما نقوله ولا يرون في ذلك تعارضاً مع القرآن الكريم. لكن الذي طبع عقله بالعقل المادي هو الذي يرى مشكلة ويريد أن يدافع عن الإسلام بنفي هذه الخرافات منه بين قوسين.
اعتراض آخر: لماذا الجن المسلم لا يساعدنا ويعطينا العلم؟ مع احترامي أيضاً لمن من يقول بهذا، هذا سؤال طفولي أيضاً وقد يكون مناسباً فقط في مناظرات شعبوية. بغض النظر عن الجواب، فهذا لا ينقض أساس النظرية. فهذا السؤال يمكن أن تبحثه في الجانب السلوكي العملي للنظرية، ولكن لا يتعلق بوجود النظرية وأساسها وجوداً وعدماً. فالسؤال هنا يجب أن يطرح ليس بطريقة أنه هل يمكنهم فعل ذلك أو هل لديهم بالأصل مقدمات الفعل وهي العلم، يعني إثبات أن لديهم علم شيء، ثم هل يستخدمون هذا العلم أو يقدموه لنا هذا شيء منفصل. والجواب الذي سأقوله على هذه المسألة، سواء أقنعك أو لم يقنعك، لا يتعلق بالنظرية نفسها. هل هناك علم يأتي من الجن إلى الإنس؟ ما له علاقة بالإسلام والكفر. هنا أحيل مرة أخرى على حلقة "مغالطات عن الجن" ذكرنا فيها هذه الجزئية وقلنا: لماذا نتوقع أصلاً أن العلم والحضارة يجب أن يكون متاحاً لكل الجن؟ فالجن المسلم لديه هذا العلم ويجب عليه شرعاً أن ينقله إلى المسلمين من الإنس. والجواب ببساطة: الجن المسلم الأصل في أن يكون مستضعفاً كما هو حال الإنس المسلمين. نحن مستضعفون والحضارة عندنا أقل من الحضارة والعلم الذي يتاح للكفار. والمشكلة أيضاً أن من يطرح هذا السؤال ما زال حتى الآن لا يعرف أنه الجن ليسوا شعباً واحداً، ليسوا كياناً واحداً. هم شعوب وممالك وحضارات وأجناس متفاوته في شكلها وفي قدراتها وفي كل شيء. وبينهم أيضاً حروب ومعظمهم كفار غير مسلمين كما هو حال معظم البشر. وحتى أيضاً المسلم من الجن ليس بالضرورة تقياً، قد يكون فاسقاً حتى لو كان مسلماً، وقد يتلبس بالانس كما نسمع في بعض حالات الرقية. وأيضاً نقول حتى لو كان هناك شعب أو جماعة جن مسلمين لديهم علم، فلماذا نفترض أنه يجب عليهم أن يساعدونا؟ يعني ما هو الأساس هنا؟ حتى إذا لم يساعدونا فننفي فكرة وجود العلم عندهم. سؤال ببساطة نقول: لماذا باكستان لم تضرب بالسلاح النووي إسرائيل؟ لماذا تركيا لم تضرب بالمسيرات إسرائيل؟ لماذا السعودية التي عندها إف 16 ومصر وبقية الدول العربية لماذا لم ينقذوا غزة؟ العلم ووجود العلم والقدرات عند فئة من البشر شيء، وتطبيقها واستخدامها ونقلها للآخرين شيء آخر. هناك موازنات ومصالح. قد يكون في عالم الجن هناك مملكة من المسلمين من الجن لديهم علم، ولكن إبليس بسيطرتهم على عالم الجن كما تسيطر أمريكا وإسرائيل على عالم البشر قد يمنعه من ذلك، يمنعهم من تقديم هذه المعرفة للإنس من المسلمين. أين المشكلة؟ وأيضاً أضف إلى ذلك لو تواصل معك جني في يوم ما، أنت مسلم ورئيس دولة مسلمة وجاءك جني وقال لك: أنا مسلم ولدي علم أريد أن أقدمه لكم. كيف أتأكد؟ ما هي طريقة التحقق؟ هذه مشكلة مبحوثة حتى فقهياً في الاستعانة بالجني المسلم ذكرتها ولن أعود إليها. فالأصل هنا، الأصل أن الجن لا نتواصل معهم شرعاً. وحتى لو فرض أنهم مسلمين، والأصل أنهم كاذبون. أما الأصل عند الكفار من الإنس أن هؤلاء الجن هم من جنود إبليس ومصلحة هؤلاء تتقاطع مع هؤلاء، فيأخذ منهم بكل بساطة.
سؤال آخر أيضاً: لماذا لم يقل أحد من المفسرين أن الشياطين الذين أثبت القرآن مهاراتهم نقلوا لسيدنا سليمان علماً جديدة؟ هذا سؤال وجدته قبل تصوير الحلقة. من قال إني أقول إنهم نقلوا لسليمان علوم؟ أنا أرى أنه كانت لديهم خبرة بالهندسة وليسوا مجرد عمال بناء، فساعدوا سليمان عليه السلام في البناء كما تقول النصوص. والهندسة والعمارة من أقدس العلوم الباطنية عند الجمعيات السرية كما ذكرنا. لذلك الماسونية تسمي نفسها "البنائين الأحرار". وأعتقد أن أعظم آثار للتعاون بين الإنس والجن تركت في المعمار الهائل الذي أيضاً الجماعات السرية تنسبه إليها. ربما نقل هؤلاء الجن لسليمان عليه السلام بعض العلوم ولم يخبرنا القرآن بذلك، وهذا ليس ضرورياً. وعدم ذكره لا يعني أنه غير موجود. وربما أيضاً هنا لم يترك لنا سليمان عليه السلام هذه العلوم لأنه لم يترك لنا شيئاً، فحتى الآن لا نرى شيئاً من آثار سليمان ولا من الوحي الذي نزل عليه ولا من العلوم التي قد يكون أخذها من الجن. والقرآن لم يذكر ذلك. أين المشكلة؟ أين ضرورة أن يذكر لنا القرآن ذلك؟ وربما في المقابل هم لم ينقلوا لسليمان أصلاً أي علم، بل فقط ساعدوه في البناء لما سخر له وكان ذلك إجباراً وفرضاً عليهم. أما من يأخذ عنهم من البشر من العلوم كما ذكرنا طوال هذه الحلقة، فهم غالباً من الكفار وغالباً من السحرة ومن يتواصلون معهم في الجمعيات السرية. ولكن للأسف من يطرح هذه الاعتراضات هو نفس العقلية السابقة: يجب أن يذكر القرآن كل شيء، وأن لم يأتِ في القرآن شيء فهو غير موجود. ولكن كما ذكرنا، حتى في الأمور الدينية الشرعية، القرآن لم يفصل في كل شيء. وأيضاً لو اكتشفنا الآن في هذا العصر مثلاً مخطوطات قمران البحر الميت ومخطوطات أيضاً نجع حمادي الغنوصية، هذه من تاريخ اليهودية والمسيحية كشفت فقط في العصر الحديث. وهذه كشفت لنا أموراً دينية وأسطورية وسحرية لم تكن معروفة لما نزل القرآن الكريم. فهذه أثبتت لنا معارف جديدة الآن اكتشفناها كانت موجودة في أيام الأنبياء السابقين وفيما قبل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. فهذه مصادر جديدة نكتشفها الآن ونتعلم منها شيئاً جديداً عن تلك الشعوب السابقة. وبهذا نصحح بعض المعلومات عن تلك المعتقدات. هذا لم يأتِ في القرآن. أين المشكلة إذا اكتشفناه الآن؟ وأين المشكلة إذا اكتشفنا الآن من السحرة والجماعات السرية معلومات لم تنشر إلا في القرن العشرين عن تواصلهم مع الجن؟ وهذا كله لم يذكره القرآن. أين المشكلة؟
أيضاً اعتراض آخر: لو كان المقصود من قصة سليمان عليه السلام بيان فضل الجن على الحضارة البشرية في بعض العلوم، فيجب أن يصاحب القرآن بذلك. ولكن في المقابل القرآن بين أن الله سبحانه وتعالى هو مصدر العلوم التي قامت بها حضارة الإنسان، فقال: "وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا". وقال: "وَعَلَّمْنَاهُ صُنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ". وقال: "وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا". هذه الآيات الثلاثة هي آيات تتحدث عن علم قدم للأنبياء، لآدم عليه السلام، ولداود عليه السلام، وللخضر الذي هو إما نبي أو من الصالحين. فمن أين نستطيع أن نقول أن هذه الآيات تجزم بأن هذا العلم الذي قدم لهؤلاء الأنبياء يجب أن يعني أنه كل العلم المقدم للبشرية يأتي من الله سبحانه وتعالى؟ أين الإلزام في هذا؟ وأنا أيضاً أضيف لهذه الآيات: "وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا" للنبي عليه الصلاة والسلام. هناك علم يقدم للأنبياء، هناك علم أيضاً يكتشفه البشر بالاكتشافات التجريبية بالمعادلات. من قال إنه يجب أن يقدم من الله سبحانه وتعالى وأنه ما في علم آخر يأتي من الجن؟ أين النفي هنا وأين الحصر؟ وحتى لو استشهدنا بقصة العفريت في قصة سليمان أيضاً، فهذا كما ذكرت يعني أن له قوة بدنية وقدرة على النقل وليس قدرة علمية تكنولوجية حتى نقول: لماذا لم يذكرها القرآن؟
اعتراض وسؤال آخر: هل هذه النظرية تلغي السببية؟ هذه النظرية التي نتحدث عنها تتحدث عن وجود معرفة لدى الجن ونقلت إلى الإنس. وهذا لا ينفي السببية في كل شيء. وليست عن تدخل الجن في تنفيذ المعرفة بل نقلها من عالمهم إلى عالمنا جزئياً. يعني مثلاً هم لو نقلوا هندسة الطيران، فهذا لا يعني أنهم هم الذين يحملون هذه الطائرات ويحملوها من مكان إلى آخر، فننفي السببية المادية التجريبية. ولكن هم اكتشفوا هذه الهندسة جزئياً ونقلوها جزئياً إلى البشر، ثم البشر أضافوا إليها بالتجربة وبالمعادلات الرياضية وتحققوا منها وأثبتوا ذلك أيضاً بالتكرار. النظرية أيضاً لا تقول أن أي آلية اكتشفناها لظواهر الطبيعة هي بفعل الجن أو السحر. لا نقول كل شيء بالضرورة. ومسألة السببية المفروض تبحث في مجال السحر تحديداً وليس في هذه النظرية التي نتحدث عنها. وحتى السحر لو كنا نبحث في موضوع السببية، السحر نفسه لا يلغي السببية إلا إذا كنا نقول أنه هذا العالم مادي بحت وهذه هي العقلية المادية وهذا يتعارض مع الإسلام كما ذكرنا الذي فيه جوهرية للمادة وللروح. فالسحر لا يضع الفاعلية أصلاً في الأشياء بدون إرادة الله. ونحن المسلمون لا نرى أنه حتى لو الله سبحانه وتعالى هو خلق هذا العالم ووضع فيه القوانين، فالله ليس منسحباً من هذا العالم سبحانه وتعالى ويمكن أن يغير في هذه القوانين في أي لحظة. والسحر لما نؤمن بوجوده فله سببية أيضاً، ولكن سببيته سببية لا مادية، أي لا تفسرها الفيزياء المادية، ولكنه أيضاً ليس عشوائياً ولا ذاتياً.
السؤال الأخير: إذا اقتنعت أو لم أقتنع بهذه النظرية، ماذا أفعل؟ الجواب بكل بساطة: إذا اقتنعت بما قلناه، المفروض أن تصبح أكثر وعياً بالصراع الوجودي مع عالم إبليس وأكثر إيماناً وحرصاً على نفسك من أن تكون ضحية لهذا المشروع. لما تفهم خطر الشياطين من الإنس والجن ستحاربهم أكثر وستعلم أنهم يتغذون على معاصيك، معاصيك أنت الشخصية. وأنا أذكر هنا أيضاً بعض الشباب يذكرون لي أن كل محاولاتهم للإقلاع عن المخدرات وعن الإباحية نفسها وعن كل أشكال الإدمان كانت محاولات فاشلة. فقط لما استطاع أن يفكر بهذا المشروع وأن إبليس يستخدمه لهذا المشروع، مشروع وهناك جنود يحاولون أيضاً السيطرة عليه بهذه المعاصي. فقط لما فهم هذه المعادلة استطاع أن يتخلص منها، يتخلص من هذا الإدمان على الفواحش أو حتى على معاصي بسيطة يعني حتى لو لم تكن من الكبائر. لما تفهم أنك أنت هنا بمعصيتك الفردية قد تكون ضمن أجندة إبليسية تؤذي الأمة كلها وأنت هنا تساهم في ذلك، هنا فعلاً عملياً الكثير من الشباب استطاعوا أن يتخلصوا من هذا الإدمان. صار عنده هنا الآن صراع شخصي مع إبليس ومع جنوده وصار يعتبر أنه الآن تخلصه من هذا الإدمان هو خدمة لمشروع الأمة كله في مواجهة مشروع إبليس. أيضاً لما تفهم مشروع إبليس هذا ستستطيع أن تفهم أخيراً كيف يفكر الأعداء في الأمم الأخرى الذين يحاولون السيطرة على الأمة الإسلامية. ستفهم أيضاً كيف العدو الموجود في داخل أمتك، العلمانيين وغيرهم، كيف يفكرون وكيف يحاولون السيطرة وكيف يحاولون تضليلك أيضاً لأنهم جزء من هذا المشروع الإبليسي الضخم. ولو قضيت عمرك البشري القصير هذا في محاولة فهم كل النظريات الكفرية وكل الأديان المحرفة التي حرفت الدين الحقيقي الذي جاء به الأنبياء، لو أردت أن تفهم كيف تأتي النظريات العلمانية الجديدة، الإباحية، النسوية، الليبرالية، الرأسمالية، الشيوعية، إلى آخره، قد تقضي عمرك ولا ترى الروابط. الآن لو استطعت أن تفهم فقط رأس الهرم وكيف يفكر وما هو مشروعه سترى الروابط نفسها وسيكون مقاومتك لهذا المشروع كله ولهذه الأفكار ولهذه المدارس الفكرية أيضاً سيكون أسهل بكثير. فيعني حتى لو لم تفهم كيف ترد على الأفكار النسوية والعلمانية، ستفهم أصلاً ما هو أصلها وستعلم بطلانها. أما لو أردت أن تفهم كل رد على كل شبهة وكل فكرة منحرفة سينقض الأمر كله ولن تستطيع التعلم والرد ومحاولة المقاومة. ولكن في المقابل أيضاً إذا لم تقتنع بكل هذه النظرية التي ذكرناها، أقول بكل بساطة كما ذكرت سابقاً: تابع حياتك بكل بساطة. احرص على التحصن في الأذكار، حاول مقاومة مشروع الشيطان بأي طريقة تراها مناسبة تحت طبعاً غطاء الشريعة، واحذر على صعيدك الشخصي من الوسوسة ومن السحر. أكيد إذا كنت مسلماً تؤمن بالسحر. إذا لم تكن تؤمن بالمس الشيطاني كما ذكرناه والاستحواذ، فحاول أن تتحصن على الأقل. وهذا مذكور في النصوص. وأمر الإيمان بالمس هذا موضوع آخر. وتابع نضالك ضد أعداء الأمة ولا تنسى فقط على الأقل خطر الشيطان المنصوص عليه في القرآن. وإذا كنت تعمل في عيادة طبيباً أو في مختبر علمي، تابع عملك كما هو. لا تغير شيئاً. المهم أن تكون ضحية للفكر المادي الذي ينكر الروحانيات وثنائية جوهر المادة والروح. وتابع عملك كما هو. لا تكفر بالعلم التجريبي، ولكن لا تجعله مسيطراً على كل شيء ولا تجعل المادة مسيطرة على الوجود في كل شيء. وتابع عملك الدعوي أيضاً إذا كنت داعية، تابع نقدك للعلمانية، للأفكار النسوية كما ذكرنا، الليبرالية، شبهات كل ما ذكرناه. حتى لو لم تؤمن بأن هناك مؤامرة كبيرة لإبليس، تابع عملك كما هو. وتابع نضالك أيضاً ضد الاحتلال وضد أعداء الأمة كما هو. وادع لهذه الأمة بالخير والتوفيق. ولا تشغل بالك بكل ما ذكرناه من هذه النظرية. وشكراً لك على صبرك للاستماع إلى كل هذه الحلقة الطويلة. ولا تنسانا من دعائك بالتوفيق. والسلام عليكم ورحمة الله.