Transcription
هل تلاحظون كيف يعود ملف الذاكرة كلما ظنت باريس أن الزمن سيغلقه؟ هل سألتم أنفسكم لماذا ترفض فرنسا حتى الآن تسليم الخرائط، والأهم، ماذا يوجد على هذه الخرائط حتى تتحول إلى خط أحمر في غرف القرار؟
اليوم، الجزائر لا تتحدث عن مجاملة دبلوماسية ولا عن عتاب بروتوكولي. الجزائر تعود إلى أصل الجرح. صحراء جُربت فوقها القنابل، وحدود زُرعت تحتها الألغام، ثم تُرِكت كفخ طويل العمر ينتظر الرعاة والمُارّة. هنا لا معنى لكلمة "مصالحة" إذا لم تبدأ بالدلائل. والدليل الأول في هذا الملف بسيط: أعطونا الخرائط.
قبل يوم واحد فقط، خرج السفير الفرنسي في الجزائر ستيفان روماتيه بتصريح مثير، قال فيه إن قانون تجريم الاستعمار سيعقد أزمة العلاقات الجزائرية الفرنسية وسيعيق تحقيق مصالحة سياسية بين البلدين. لكن الرد الجزائري جاء سريعًا ومن قلب البرلمان، وبلهجة مباشرة لا تقبل الالتفاف. رئيس المجلس الشعبي الوطني إبراهيم بوغالي، في برنامج بثته قناة بلجيكية اسمها "آتِيبِك"، قال إن الجزائر ما زالت تطالب باريس بتنظيف المواقع التي كانت مسرحًا للتفجيرات النووية، وتطالبها أيضًا بتسليم خرائط المدافن النووية وخرائط دفن النفايات في الصحراء.
بوغالي ذكر بأن السلطات الفرنسية نفذت تفجيرات نووية في الصحراء الجزائرية منذ عام 1960، وأن آثارها لم تختفِ. بيئة متضررة، وإنسان يتألم، وخطر باقٍ في الأرض وفي الذاكرة. ثم وضع الإصبع على بيت القصيد: فرنسا تماطل في تسليم الخرائط وترفض الإقرار بمسؤوليتها في تنظيف مناطق التفجيرات. تخيلوا المعادلة: دولة تطلب فقط الإحداثيات، والجهة التي زرعت الخطر ترفض حتى أن تعطي عنوانه.
ولكي لا يقول أحد إن هذا مجرد خطاب لحظة، فالطلب الجزائري قديم ومكرر ومعلن. الفريق الأول السعيد شنقريحة طالب عام 2022 وزير الدفاع الفرنسي السابق ورئيس الحكومة الحالي سيباستيان لوكورنو بتسليم الجزائر هذه الخرائط. والرئيس عبد المجيد تبون جدد المطالبة أكثر من مرة، لكن الجانب الفرنسي لم يرد بإيجابية. وفي منطق السياسة، الصمت هنا ليس حيادًا، الصمت موقف.
ثم نصل إلى الملف الأكثر رعبًا، لأنه يقتل بصمت: الألغام. بوغالي جدد مطالبة باريس بتسليم خرائط الألغام الفرنسية، لأن الجزائر لا تريد سرديات ولا اعتذارات لفظية. تريد إحداثيات لتطهير ما تبقى على الحدود الشرقية والغربية بطول 1710 كيلومترات. زرعت سلطات الاحتلال ما يقارب 12 مليون لغم بين عامي 1956 و 1962 لمنع تسلل الثوار الجزائريين من تونس والمغرب. انتهت الحرب، لكن الألغام بقيت حراسًا أشباحًا. والأرقام هنا ليست ديكورًا. بوغالي قال إن هذه الألغام ما زالت تتسبب حتى اليوم في سقوط ضحايا، خاصة من الرعاة، وأن تعداد الضحايا تجاوز 7000، بينهم 2470 منذ الاستقلال، إضافة إلى مئات الجرحى. أي أننا نتحدث عن حرب مؤجلة، كل ضحية فيها دليل جديد على أن الملف لم يُغلق، وأن الأرض لم تشفَ بعد.
بعد الاستقلال، لم تنتظر الجزائر أحدًا. أطلقت حملة للكشف عن الألغام وتدميرها بمساعدة دولية، وتمكنت من تدمير أكثر من 10 ملايين لغم وتطهير أكثر من 50 مليون هكتار من الأراضي التي أُعيد استغلالها في الزراعة والأنشطة الاقتصادية والتنمية المحلية، بعد أن ظلت لعقود ممنوعة من الاستغلال بسبب الخطر المزروع تحت التربة. ومع ذلك، ما يزال السؤال معلقًا: إذا كانت الجزائر فعلت كل هذا، فلماذا ترفض فرنسا تسليم خرائط ما تبقى؟ ماذا يعني أن تُحرم دولة من معرفة ما دُفن في أرضها؟
هنا يدخل قانون تجريم الاستعمار إلى المشهد كأداة ضغط، لا كزينة سياسية. بوغالي قال إن المشكلة مع الاستعمار الفرنسي أن باريس حاولت اللعب على عامل الوقت، معتقدة أن جيل الاستقلال سينسى الجرائم، وهذا غير صحيح. وأضاف أن الجزائر منحت فرصة للمقاربة الدبلوماسية لمعالجة ملف الذاكرة احترامًا لحساسية العلاقات، ومنحت للدبلوماسية الرسمية وقتًا لتتقدم بهدوء في مسار مصالحة يحفظ مصالح البلدين.
تبون أكد حزب بوغالي أن الجزائر لا تحتاج إلى تعويض مالي، لأن المال لا يعادل شهدائها ومجاهديها. لكن قوى خفية في فرنسا عطّلت المسار، فصدر قانون تجريم الاستعمار بإجماع نيابي وسياسي غير مسبوق في نهاية ديسمبر الماضي. ثم كشف السفير عن أولويات باريس الحالية: استئناف التعاون الأمني والتعاون في ملف الهجرة للسماح في نهاية المطاف بترحيل أشخاص صدرت بحقهم أوامر ترحيل من فرنسا إلى الجزائر. وأقر بأن التعاون الأمني كان الأكثر تأثرًا بالأزمة، إذ أدى إلى تعليق شبه كامل للتعاون. وكشف أن التحضيرات جارية لزيارة مرتقبة لوزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز إلى الجزائر على ضوء تقدم تفاهمات بشأن الأمن والهجرة، من دون إعلان موعد محدد. وفد فرنسي زار الجزائر بنهاية الشهر الماضي والتقى وزير الداخلية الجزائري سعيد سعيود لبحث ترتيبات الزيارة.
لكن روماتيه يعترف أيضًا بأن هذه الخطوات لا تعني انتهاء الأزمة، ويضع أمامها عقبتين: تصويت البرلمان الجزائري على قانون يجرم الاستعمار في يوم 24 ديسمبر الماضي، واستمرار توقيف الجزائر للصحفي الفرنسي كريستوف جليز المحكوم بالسجن. ودعا إلى مزيد من التهدئة، وحث القادة السياسيين في فرنسا على توخي الحذر الشديد واختيار كلماتهم عند الحديث عن الجزائر.
وفي الخلفية، هناك تفصيل قنصلي يكشف حرارة التوتر أكثر مما يكشفه الكلام الناعم. مصادر جزائرية مطلعة قالت إن باريس وافقت أخيرًا على اعتماد أربعة دبلوماسيين جزائريين عُيّنوا في القنصليات الجزائرية بمدن فرنسية. تمت الموافقة على اعتماد شعبان برجة قنصلًا عامًا في باريس بعد ما كان قنصلًا في نانت، وعلى اعتماد توفيق ثابت قنصلًا عامًا في قنصلية مرسيليا بعدما كان قنصلًا في بوردو، وعلى اعتماد آمال فرعون قنصلًا في القنصلية العامة بستراسبورغ قادمة من قنصلية غرونوبل، وعلى اعتماد قنصل جديد لإدارة قنصلية نانت. لكن باريس لم تمنح الاعتماد لخمسة قناصل آخرين، ما يبقي مصالح قنصلية جزائرية معطلة، وهو ما أدانته الحكومة الجزائرية في وقت سابق.
والخرائط هنا ليست أوراقًا في أرشيف قديم. هي مفاتيح النجاة. من دونها، يبقى التطهير تخمينًا، ويبقى كل متر على الحدود احتمالًا لانفجار جديد، ويبقى ملف الصحراء نقطة توتر دائمة. لهذا تتحرك الجزائر الآن، اليوم قبل الغد، وبلا أعذار. حقائق أولًا، ثم حديث السياسة. الجزائر ترفع السقف لأن الملف ملموس، لا يحتمل التزيين. خرائط لمدافن نووية، خرائط لنفايات، خرائط لألغام وضحايا ما زالوا يسقطون. وفرنسا تريد فتح قنوات في الأمن والهجرة، لكنها تتوتر عندما يصل الحديث إلى القانون والخرائط ومسؤولية التنظيف.
والآن، السؤال الذي يجب أن يبقى في رأس كل متابع: هل ستستمر باريس في لعبة الوقت، أم أن الضغط الجزائري، ومعه فكرة تدويل قانون تجريم الاستعمار، سيجبرها في النهاية على تسليم الدليل الذي لا يمكن تزويره؟ الخريطة.