Transcription
حتى هذه اللحظه مشاهدينا تسجل تل ابيب ثلاثه قتلى. لكن الصدمه لا تكمن في الرقم وحده بل في السبب. لم يكن هجوما مسلحا ولا عمليه امنيه ولا صاروخا شق السماء. بل كانت عاصفه مطر واحده تحولت خلال ساعات قليله الى واحده من اعنف الكوارث الطبيعيه التي تضرب المدينه منذ عقود. وكشفت ما لم يكن احد يتوقعه لا في الشارع الاسرائيلي ولا داخل مؤسساته الرسميه.
ثلاثة اشخاص فقدوا حياتهم بطرق تهز الوجدان. رجلان حوصر داخل نفق مروري. غمرت المياه جسده بالكامل قبل ان تتمكن فرق الانقاذ من الوصول اليهما بعد ان تحول النفق الى فخ قاتل لا مخرج منه. وامراه عثر عليها ديساتا بعدما ارتفع منسوب المياه الى مستوى جعل النجاه مستحيله. في مشهد يختصر معنى العجز حين تتقدم الطبيعه بخطوه وتتراجع كل مظاهر الجاهزيه عشرات الخطوات الى الخلف.
ما تشهده تل ابيب اليوم ليس حدثا عابرا ولا حاله طقس استثنائيه يمكن تبريرها بمصطلحات فنيه بارده. انه انكشاف كامل امام عاصفه مطر واحده. انكشاف جعل المدينه بكل امكاناتها وبكل ما راكمته من صوره ذهنيه عن التنظ والتفوق والاستعداد الدائم تبدو وكانها فوجئت بما لم يكن في الحسبان. وكانها لم تستعد يوما لاختبار بسيط اسمه المطر.
ومن تل ابيب اليوم الاربعاء الموافق ال 24 من ديسمبر تتوالى المشاهد الصادمه. شوارع رئيسيه غرقت خلال دقائق معدوده. انفاق مروريه تحولت الى مصائد مغلقه. واحياء كامله بدت كما لو انها انفصلت عن المدينه تماما بلا طرق بلا اسعاف وبلا قدره على التواصل مع العالم الخارجي. مراسلنا من المكان يؤكد ان ما يجري لا يشبه باي حال من الاحوال منخفضا جويا عابرا.
سكان محاصرون يصرخون طلبا للمساعده من شرفات منازلهم. سيارات اسعاف عاجزه عن الوصول الى الضحايا رغم وجود اشخاص عالقين تحت المياه. وفرق انقاذ اضطرت للمره الاولى منذ سنوات طويله الى استخدام القوارب داخل شوارع يفترض انها قلب مدينه حديثه ومتطوره لطالما قدمت كنموذج للتخطيط والهندسه والجاهزيه.
وبحسب مراسلنا فان المشاهد الوارده من تل ابيب خلال الساعات الاخيره تكشف انهيارا مفاجئا في البنيه التحتيه. انهيارا لا يمكن تفسيره بمجرد غزاره الامطار بل يشير الى خلل اعمق صدم الاسرائيليين قبل غيرهم. وطرح تساؤلات محرجه داخل الاوساط السياسيه والاعلاميه. نحن امام مدينه سوقت نفسها لسنوات باعتبارها الاكثر استعدادا للطوارئ في المنطقه. فاذا بها اليوم مشلوله امام عاصفه واحده.
عاصفه لم تكشف ضعفا مؤقتا بل عر بنجن منظومه كامله كانت تقدم دوما كرمز للقوه والتنظيم والتفوق التقني. اليوم توصف تل ابيب حتى داخل الاعلام العبري بانها واب واحدا من اكثر مشاهدها قسوه خلال فصل الشتاء. لا لان العاصفه كانت غير مسبوقه بل لان نتائجها كشفت خللا اكبر واعمق مما كان يتخيله المواطن الاسرائيلي.
وبين مشاهد الانقاذ المتعثر والاحياء الغارقه وحصيله القتلى التي ارتفعت سريعا يبرز سؤال ثقيل يطرحه الاسرائيليون بانفسهم. اذا كانت الدوله عاجزه امام عاصفه مطر فكيف سيكون موقفها في سيناريو اكبر او اخطر؟
ثلاثة قتلى سقطوا لان نفقا غرق. لان شقه تحولت الى مصيده. لان منظومه كامله لم تعمل. اين خطط الطوارئ؟ اين المليارات التي صرفت على الجاهزيه والاستعداد؟ هل يعقل ان مدينه تقدم للعالم كنموذج للتخطيط حديث تنهار خلال ساعات امام عاصفه مطر؟ نحن نتحدث منذ سنوات عن سيناريوهات الحرب والكوارث الكبرى لكننا متلاثه عجزنا عن التعامل مع مياه امطار. هذا ليس قدرا هذا اهمال. اهمال في البنيه التحتيه. اهمال في الصيانه. واهمال في المحاسبه.
ما يثير غضبي اكثر هو محاولات التهرب من المسؤوليه. مره يقولون خلل غير متوقع ومره حجم امطار استثنائي. لا غير المقبول هو ان تترك الانفاق بلا حمايه وشبكات الصرف بلا تحديد والمواطن بلا انذار فعلي. انا اطالب اليوم بلجنه تحقيق مستقله لا شكليه وبمحاسبه واضحه تبدا من اعلى المستويات. لان السؤال الذي يخيفني ويخيف كل اسرائيلي صادق هو اذا عجزنا امام المطر فماذا سنفعل عندما يكون الحطر اكبر؟
ومع هذه الصور التي نعرضها لكم مشاهدينا من غزه قد يظن البعض للوهله الاولى انها مشاهد اعتادها سكان القطاع منذ سنوات. خيام تغرقها الامطار. طرق موحله. نازحون يحاولون حمايه ما تبقى من ممتلكاتهم تحت سماء لا ترحم. لكن المفارقه التي لا يمكن تجاهلها اليوم ان صورا شبه متطابقه خرجت قبل ساعات فقط من تل ابيب. المدينه التي لطالما قدمت بوصفها الاكثر استعدادا للطوارئ في المنطقه.
ومع ذلك لا مجال للمقارنه في حجم المعاناه. غزه تعيش هذه الظروف تحت حصار خانق وبامكانات شبه معدومه وبغياب كامل للبنيه التحتيه السليمه. بينما ما حدث في تل ابيب وقع رغم الامكانات الضخمه ورغم التحديرات المسبقه ورغم طبيعه المدينه الحديثه التي يفترض انها محصنه ضد مثل هذه الانهيارات.
الجهات الرسميه في اسرائيل خرجت قبل قليل بتصريحات اوليه. وزاره الامن الداخلي تحدثت عن خلل غير مسبوق في شبكات الصرف. اما بلديه تل ابيب فقد اعترفت بان ما جرى اليوم تجاوز كل السيناريوهات الموضوعه لحالات الطوارئ. وان التحقيقات بدات لمعرفه سبب هذا الانهيار المفاجئ وكيف تحولت ساعات مطر محدوده الى كارثه حقيقيه اسفرت عن قتلى ومفقودين وخسائر واسعه.
ما جرى اليوم لم يكن مجرد منخفض جوي ولا حادثا عابرا يمكن تجاوزه بخطاب اعلامي مطمئن. نحن امام ثلاثة قتلى احياء غمرتها المياه وبنيه تحتيه انهارت في دقائق. وامام سؤال كبير يفرض نفسه بقوه داخل اسرائيل. كيف انهارت مدينه كامله تحت اختبار المطر بينما كان العالم يصفها قبل ايام فقط بانها الاكثر جاهزيه في المنطقه؟
هذه الليله تلوا ابيب وغزه تواجهان المطر ذاته. لكن الفارق بين المشهدين يكشف اكثر مما تخفيه التصريحات الرسميه. التخطيقات مستمره والجهات المختصه تتحدث عن حاله طوارئ مفتوحه حتى اشعار اخر. ومع كل ساعه تمر تتضح الصورة اكثر. ما حدث اليوم لن يمر مرور الكرام بل سيترك اثره العميق على المستوى المدني والسياسي وربما الامني لفتره طويله قادمه.