Transcription
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على اشرف الانبياء والمرسلين نبينا محمد عليه افضل الصلاة واتم التسليم. اما بعد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم. قاعدة جليلة: كيف تنتفع بالقرآن؟ اذا اردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه، والق سمعك، واحضر حضور من يخاطبه به. من تكلم به سبحانه منه اليه، فانه خطاب منه لك على لسان رسوله. قال تعالى: "ان في ذلك لذكرى لمن كان له قلب او القى السمع وهو شهيد".
وذلك ان تمام التأثير لما كان موقوفاً على مؤثر مقتضٍ ومحلٍ قابلٍ وشرطٍ لحصول الأثر وانتفاء المانع الذي يمنع منه، تضمنت الآية بيان ذلك كله بأوجز لفظ وأبينه، وأدلّه على المراد. فقوله: "ان في ذلك لذكرى" اشارة الى ما تقدم من اول السورة الى هاهنا، وهذا هو المؤثر. وقوله: "لمن كان له قلب" فهذا هو المحل القابل، والمراد به القلب الحي الذي يعقل عن الله، كما قال تعالى: "ان هو الا ذكر وقران مبين لينذر من كان حياً اي حي القلب". وقوله: "او القى السمع" اي وجه سمعه واصغى حاسة سمعه الى ما يقال له، وهذا شرط التأثر بالكلام. وقوله: "وهو شهيد" اي شاهد القلب حاضر غير غائب. قال ابن قتيبة: استمع كتاب الله وهو شاهد القلب والفهم، ليس بغافل ولا ساهٍ. وهو اشارة الى المانع من حصول التأثير، وهو سهو القلب وغيبته عن تعقل ما يقال له والنظر فيه وتأمله.
فاذا حصل المؤثر وهو القرآن، والمحل القابل وهو القلب الحي، ووجد الشرط وهو الاصغاء، وانتفى المانع وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب وانصرافه عنه الى شيء آخر، حصل الأثر وهو الانتفاع والتذكر. وقد جمعت هذه السورة من اصول الايمان ما يكفي ويشفي ويغني، فانها تضمنت تقرير المبدا والمعاد، والتوحيد، والنبوه، والايمان بالملائكة، وانقسام الناس الى هالك شقي وفائز سعيد، واوصاف هؤلاء وهؤلاء. وذكر فيها القيامتين الصغرى والكبرى، والعالمين الأكبر وهو عالم الآخرة، والأصغر وهو عالم الدنيا. وذكر فيها خلق الانسان ووفاته واعادته، وحاله عند وفاته ويوم معاده، واحاطته سبحانه به من كل وجه حتى علمه بوساوس نفسه، واقامة الحفظة عليه يحصون عليه كل لفظة يتكلم بها، وانه يوافية يوم القيامة ومعه سائق يسوقه اليه وشاهد يشهد عليه. فاذا احضره السائق قال: "هذا ما لدي عتيد" اي هذا الذي امرت باحضاره قد احضرته. فيقال عند احضاره: "القيَا في جهنم كل كفار عنيد" كما يحضر الجاني الى حضرة السلطان فيقال: هذا فلان قد احضرته، فيقول: اذهبوا به الى السجن وعاقبوه بما يستحقه.
فائدة جليلة في تسخير الله الأرض للانسان. قوله تعالى: "هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه واليه النشور". اخبر سبحانه جعل الأرض ذلولا لا منقادة للوطء عليها وحفرها وشقها والبناء عليها، ولم يجعلها مستصعبة ممتنعة على من أراد ذلك منها. والمقصود انه سبحانه جعل لنا الأرض كالجمل الذلول كيفما يقاد ينقاد. وحسن التعبير بمناكبها عن طرقها وفجاجها لما تقدم من وصفها بكونها ذلولا، فالماشي عليها يطأ على مناكبها وهو أعلى شيء فيها. ولهذا فسرت المناكب بالجبال كمناكب الانسان وهي أعاليه. قالوا: وذلك تنبيه على أن المشي في سهولها أيسر. وقالت طائفة: بل المناكب الجوانب والنواحي، ومنه مناكب الانسان لجوانبه. والذي يظهر أن المراد بالمناكب الأعالي، وهذا الوجه الذي يمشي عليه الحيوان هو العالي من الأرض دون الوجه المقابل له، فإن سطح الكرة أعلاها، والمشي إنما يقع في سطحها. وحسن التعبير عنه بالمناكب لما تقدم من وصفها أنها ذلول. فتضمنت الآية الدلالة على ربوبيته ووحدانيته وقدرته وحكمته ولطفه، والتذكير بنعمه وإحسانه، والتحذير من الركون إلى الدنيا واتخاذها وطناً ومستقراً، بل نسرع فيها السير إلى داره وجنته. فلله ما في ضمن هذه الآية من معرفته وتوحيده، والتذكير بنعمه، والحث على السير إليه والاستعداد للقائه والقدوم عليه، والإعلام بأنه سبحانه يطوي هذه الدار كأن لم تكن، وأنه يحيي أهلها بعدما أماتهم، وإليه النشور.
فائدة جليلة: أسباب سعادة الإنسان. للإنسان قوتان: قوة علمية نظرية، وقوة عملية إرادية. وسعادته التامة موقوفة على استكمال قوتيه العلمية والإرادية. واستكمال القوة العلمية إنما يكون بمعرفة فاطره وبارئه، ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله، ومعرفة الطريق التي توصل إليه، ومعرفة نفسه ومعرفة عيوبها. فبهذه المعارف الخمسة يحصل كمال قوته العلمية. واعلم الناس أعرفهم بها وأفقههم فيها. واستكمال القوة العملية الإرادية لا يحصل إلا بمراعاة حقوقه سبحانه على العبد والقيام بها إخلاصاً وصدقاً ونصْحاً وإحساناً ومتابعة، وشهوداً لمنته عليه وتقصيره هو في أداء حقه، فهو مستحق من مواجهته بتلك الخدمة لعلمه أنها دون ما يستحقه عليه ودون دون ذلك. وأنه لا سبيل له إلى استكمال هاتين القوتين إلا بمعونته، فهو مضطر إلى أن يهديه الصراط المستقيم الذي هدى إليه أولياءه وخاصته، وأن يجنبه الخروج عن ذلك الصراط إما بفساد في قوته العلمية فيقع في الضلال، وإما في قوته العملية فيوجب له الغضب. فكمال الإنسان وسعادته لا تتم إلا بمجموع هذه الأمور. وقد تضمنتها سورة الفاتحة وانتظمتها أكمل انتظام. فأول السورة رحمة، وأوسطها هداية، وآخرها نعمة. وحظ العبد من النعمة على قدر حظه من الهداية، وحظه منها على قدر حظه من الرحمة. فعاد الأمر كله إلى نعمته ورحمته. والنعمة والرحمة من لوازم ربوبيته، فلا يكون إلا رحيماً منعماً. وذلك من موجبات إلهيته، فهو الإله الحق وإن جحده الجاحدون وعدل به المشركون. فمن تحقق بمعاني الفاتحة علماً ومعرفة وعملاً وحالاً، فقد فاز من كماله بأوفر نصيب، وصارت عبوديته عبودية الخاصة الذين ارتفعت درجتهم عن عوام المتعبدين. والله المستعان.
فائدة جليلة: كيف تعرف ربك؟ الرب تعالى يدعو عباده في القرآن إلى معرفته من طريقين: أحدهما النظر في مفعولاته، والثاني التفكر في آياته وتدبرها. فتلك آياته المشهودة، وهذه آياته المسموعة المعقولة. فالنوع الأول كقوله: "ان في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس" إلى آخرها. وقوله: "ان في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب". وهو كثير في القرآن. والثاني كقوله: "أفلا يتدبرون القرآن؟" وقوله: "أفلم يدبروا القول؟" وقوله: "كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته". وهو كثير أيضاً. قال تعالى: "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق". أي أن القرآن حق. فأخبر أنه لابد أن يريهم من آياته المشهودة ما يبين لهم أن آياته المتلوة حق. ثم أخبر بكفاية شهادته على صحة خبره بما قام من الدلائل والبراهين على صدق رسوله. فآياته شاهدة بصدقه، وهو شاهد بصدق رسوله بآياته. فهو الشاهد والمشهود له، وهو الدليل والمدلول عليه. فهو الدليل بنفسه على نفسه، كما قال بعض العارفين: كيف أطلب الدليل على من هو دليل لي على كل شيء؟ فأي دليل طلبته عليه، فوجوده أظهر منه. ولهذا قال الرسل لقومهم: "أفي الله شك؟" فهو أعرف من كل معروف وأبين من كل دليل. فالأشياء عرفت به في الحقيقة، وإن كان عرف بها في النظر والاستدلال بأفعاله وأحكامه عليه.
فائدة: دعاء الهم والحزن. في المسند وصحيح أبي حاتم من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أصاب عبداً هم ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي، إلا أذهب الله همه وغمه، وأبدله مكانه فرحاً". قالوا: يا رسول الله، أفلا نتعلمهن؟ قال: "بلى، ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن". فتضمن هذا الحديث العظيم أموراً من المعرفة والتوحيد والعبودية: منها أن الداعي به صدر سؤاله بقوله: "إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك". وهذا يتناول من فوقه من آبائه وأمهاته إلى أبويه آدم وحواء. وفي ذلك تملق له واستخذاء بين يديه، واعتراف بأنه مملوكه وأباءه مماليكه، وأن العبد ليس له غير باب سيده وفضله وإحسانه، أنه سيده إن أهمله وتخلى عنه هلك ولم يؤوه أحد ولم يعطف عليه، بل يضيع أعظم ضيعة. فتحت هذا الاعتراف: إني لا غنى لي عنك طرفة عين، وليس لي من أعوذ به وألوذ به غير سيدي الذي أنا عبده. وفي ضمن ذلك الاعتراف بأنه مربوب مدبر مأمور منهي، إنما يتصرف بحكم العبودية لا بحكم الاختيار لنفسه، فليس هذا شأن العبد بل شأن الملوك والأحرار، وأما العبيد فتصرفهم على محض العبودية. فهؤلاء عبيد الطاعة المضافون إليه سبحانه في قوله: "إن عبادي ليس لك عليهم سلطان". وقوله: "وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا". ومن عداهم عبيد القهر والربوبية، فأضيفتهم إليه كإضافة سائر البيوت إلى ملكه، وإضافة أولئك كإضافة البيت الحرام إليه، وإضافة ناقته إليه، ودارة التي هي الجنة إليه، وإضافته عبودية رسوله إليه بقوله: "وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا". "سبحان الذي أسرى بعبده". "وأنه لما قام عبد الله يدعوه". وفي التحقق بمعنى قوله: "إني عبدك" التزام عبوديته من الذل والخضوع والإنابة، وامتثال أمر سيده واجتناب نهيه، ودوام الافتقار إليه واللجأ إليه والاستعانة به والتوكل عليه، وعياذ العبد به ولياذه به، وأن يتعلق قلبه بغيره محبة وخوفاً ورجاء. ثم قال: "ناصيتي بيدك". ومتى شهد العبد أن ناصيته ونواصي العباد كلها بيد الله وحده يصرفهم كيف يشاء، لم يخفهم بعد ذلك ولم يرجهم ولم ينزلهم منزلة المالكين، بل منزلة عبيد مقهورين مربوبين المتصرف فيهم سواهم والمدبر لهم غيرهم. فمن شهد نفسه بهذا المشهد صار فقره وضرورته إلى ربه وصفاً لازماً له. ومتى شهد الناس كذلك لم يفتقر إليهم ولم يعلق أمله ورجاه بهم، فاستقام توحيده وتوكله وعبوديته. ولهذا قال هود لقومه: "إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم". وقوله: "ماضٍ في حكمك، عدل في قضاؤك". فرق بين الحكم والقضاء وجعل المضاء للحكم والعدل للقضاء، فإن حكمه سبحانه يتناول حكمه الديني الشرعي، وحكمه الكوني القدري. والنوعان نافذان في العبد ماضيان فيه وهو مقهور تحت الحكمين قد مضيا ونفذا فيه أم أبى، لكن الحكم الكوني لا يمكنه مخالفته، وأما الديني الشرعي فقد يخالفه. وقوله: "أسألك بكل اسم" إلى آخره، توسل إليه بأسمائه كلها ما علم العبد منها وما لم يعلم. وهذه أحب الوسائل إليه، فإنها وسيلة بصفاته وأفعاله التي هي مدلول أسمائه. وقوله: "أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري". الربيع المطر الذي يحيي الأرض، شبه القرآن به لحياة القلوب به، وكذلك شبهه الله بالمطر وجمع بين الماء الذي تحصل به الحياة والنور الذي تحصل به الإضاءة والإشراق، كما جمع بينهما سبحانه في قوله: "أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبداً رابياً ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية فتضمن الدعاء أن يحيي قلبه بربيع القرآن وأن ينور به صدره فتجتمع له الحياة والنور. قال تعالى: "أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا". ولما كان الصدر أوسع من القلب كان النور الحاصل له يسري منه إلى القلب لأنه قد حصل لما هو أوسع منه. ولما كانت حياة البدن والجوارح كلها بحياة القلب تسري الحياة منه إلى الصدر ثم إلى الجوارح، سأل الحياة له بالربيع الذي هو مادته. ولما كان الحزن والهم والغم يضاد حياة القلب واستنارته، سأل أن يكون ذهابها بالقرآن، فإنها أحري ألا تعود. وأما إذا ذهبت بغير القرآن من صحة أو دنيا أو جاه أو زوجة أو ولد، فإنها تعود بذهاب ذلك. والمكروه الوارد على القلب إن كان من أمر ماض أحدث الحزن، وإن كان من مستقبل أحدث الهم، وإن كان من أمر حاضر أحدث الغم. والله أعلم.
فائدة: تأملات في خطاب القرآن. تأمل خطاب القرآن تجد ملكاً له الملك كله وله الحمد كله، أزمة الأمور كلها بيده ومصدرها منه ومدها إليه، لا تخفى عليه خافية في أقطار مملكته، عالماً بما في نفوس عبيده، مطلعاً على أسرارهم وعلانيتهم، منفرداً بتدبير المملكة، يسمع ويرى، ويعطي ويمنع، ويثيب ويعاقب، ويكرم ويهين، ويخلق ويرزق، ويحيي ويميت، ويقدر ويقضي، ويدبر الأمور نازلة من عنده دقيقها وجليلها وصاعدة إليه، لا تتحرك ذرة إلا بإذنه، ولا تسقط ورقة إلا بعلمه، ويثني على أوليائه بصالح أعمالهم وأحسن أوصافهم، ويذم أعداءه بسيء أعمالهم وقبيح صفاتهم، ويضرب الأمثال وينوع الأدلة والبراهين، ويجيب عن شبه أعدائه أحسن الأجوبة، ويصدق الصادق ويكذب الكاذب، ويقول الحق ويهدي السبيل، ويدعو إلى دار السلام ويذكر أوصافها وحسنها ونعيمها، ويحذر من دار البوار ويذكر عذابها وقبحها وآلامها، ويذكر عباده فقرهم إليه وشدة حاجتهم إليه من كل وجه، وأنهم لا غنى لهم عنه طرفة عين، ويذكر غناه عنهم وعن جميع الموجودات، وأنه الغني بنفسه عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه بنفسه، وأنه لا ينال أحد ذرة من الخير فما فوقها إلا بفضله ورحمته، ولا ذرة من الشر فما فوقها إلا بعدله وحكمته. فإذا شهدت القلوب من القرآن ملكاً عظيماً رحيماً جواداً جميلاً هذا شأنه، فكيف لا تحبه وتنافس في القرب منه وتنفق أنفاسها في التودد إليه، ويكون أحب إليها من كل ما سواه، ورضاه أثر عندها من رضا كل ما سواه، وكيف لا تلهج بذكره ويصير حبه والشوق إليه والانس به هو غذاؤها وقوتها ودواؤها بحيث إن فقدت ذلك فسدت وهلكت ولم تنتفع بحياتها.
فائدة جليلة: نظرات في سورة التكاثر. قال تعالى: "الهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين ثم لتسألن يومئذ عن النعيم". أخلصت هذه السورة للوعيد والتهديد، وكفى بها موعظة لمن عقلها. فقوله تعالى: "الهاكم" إن شغلكم على وجه تعذرون فيه، فإن الإلهاء عن الشيء هو الاشتغال عنه. فإن كان بقصد فهو محل التكليف، وإن كان بغير قصد كقوله صلى الله عليه وسلم في الخميصة: "إنها ألهتني أنفاً عن صلاتي" كان صاحبه معذوراً، وهو نوع من النسيان. وفي الحديث: "فلها صلى الله عليه وسلم عن الصبي" أي ذهب عنه. ويقال: ألهاه بالشيء أي اشتغل به، وألهاه عنه إذا انصرف عنه. والله للقلب واللعب للجوارح، ولهذا يجمع بينهما. ولهذا كان قوله: "الهاكم التكاثر" أبلغ في الذم من شغلكم، فإن العامل قد يستعمل جوارحه بما يعمل وقلبه غير لاهٍ به، فلهو ذهول وإعراض. والتكاثر تفاعل من الكثرة، أي مكاثرة بعضكم لبعض. فالتكاثر في كل شيء من مال أو جاه أو رياسة أو نسوة أو حديث أو علم، ولا سيما إذا لم يحتج إليه. والتكاثر في الكتب والتصانيف، وكثرة المسائل وتفريعها وتوليدها. والتكاثر أن يطلب الرجل أن يكون أكثر من غيره، وهذا مذموم إلا فيما يقرب إلى الله، فالتكاثر فيه منافسة في الخيرات ومسابقة إليها. وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن الشخير أنه انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ: "الهاكم التكاثر" قال: "يقول ابن آدم: مالي مالي. وهل لك من مالك إلا ما تصدقت فأمضيت، أو أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت؟".
فصل: حقيقة الدنيا. الدنيا كامرأة راه بغي لا تثبت مع زوج، إنما تخطب الأزواج ليستحسنوا عليها، فلا ترضى إلا بالدياثة. ميزت بين جمالها وفعالها، فإذا الملاحة بالقُبَاحَة، لا تفي. حلفت لنا ألا تخون عهودنا، فكانها حلفت لنا ألا تفي. السير في طلبها سير في أرض مسبعة، والسباحة فيها سباحة في غدير تمساح. المفروح به منها هو عين المحزون عليه، آلامها متولدة من لذاتها، وأحزانها من أفراحها. لما عرف الموفقون قدر الحياة الدنيا وقلة المقام فيها، أماتوا فيها الهوى طلباً لحياة الأبد. ولما استيقظوا من نوم الغفلة استرجعوا بالجد من انتهبه العدو منهم في زمن البطالة. فلما طالت عليهم الطريق تلمحوا المقصد فقرب عليهم البعيد. وكلما أُمرت لهم الحياة حلي لهم تذكر: "هذا يومكم الذي كنتم توعدون". وركبوا سروا والليل ملقٍ رواقه على كل مغبر المطالع، قائم حدوا عزمات ضاعت الأرض بينها، فصار سراهم في ظهور العزائم، تريهم نجوم الليل ما يبتغونه على عاتق الشعر، وها من نعائمه إذا اضطردت في معرك الجد، قصفوا رماح العطايا في صدور المكارم.
فصل: أعجب الأشياء. من أعجب الأشياء أن تعرفه ثم لا تحبه، وأن تسمع داعيه ثم تتأخر عن الإجابة، وأن تعرف قدر الربح في معاملته ثم تعامل غيره، وأن تعرف قدر غضبه ثم تتعرض له، وأن تذوق ألم الوحشة في معصيته ثم لا تطلب الأنس بطاعته، وأن تذوق عصرة القلب عند الخوض في غير حديثه والحديث عنه، ثم لا تشتاق إلى انشراح الصدر بذكره ومناجاته، وأن تذوق العذاب عند تعلق القلب بغيره ولا تهرب منه إلى نعيم الإقبال عليه والإنابة إليه. وأعجب من هذا علمك أنك لا بد لك منه وأنك أحوج شيء إليه، أنت عنه معرض وفيما يبعدك عنه راغب.
فائدة جليلة: أسباب الوقوع في الحرام. ما أخذ العبد ما حرم عليه إلا من جهتين: إحداهما سوء ظنه بربه، وأنه لو أطاعه وآثره لم يعطه خيراً منه حلالاً. والثانية أن يكون عالماً بذلك وأن من ترك لله شيئاً أعاضه خيراً منه، ولكن تغلب شهوته صبره وهواه عقله. فالأول من ضعف علمه، والثاني من ضعف عقله وبصيرته.
فصل: ظهر الفساد في البر والبحر. كيف يسلم من له زوجة لا ترحمه، وولد لا يعذره، وجار لا يأمنه، وصاحب لا ينصحه، وشريك لا ينصفه، وعدو لا ينام عن معاداته، ونفس أمارة بالسوء، ودنيا مزينة، وهوى مرد، وشهوة غالبة له، وغضب قاهر، وشيطان مزين، وضعف مستولٍ عليه؟ فإن تولاه الله وجذبه إليه انقهرت له هذه كلها، وإن تخلى عنه ووكله إلى نفسه اجتمعت عليه فكانت الهلكة. لما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة والمحاكمة إليهما، واعتقدوا عدم الاكتفاء بهما وعدلوا إلى الآراء والقياس والاستحسان وأقوال الشيوخ، عرض لهم من ذلك فساد في فطرهم وظلمة في قلوبهم وكدر في أفهامهم ومحق في عقولهم، وعمتهم هذه الأمور وغلبت عليهم حتى ربى فيها الصغير وهرم عليها كبير، فلم يروها منكراً. فجاءتهم دولة أخرى قامت فيها البدع مقام السنن، والنفس مقام العقل، والهوى مقام الرشد، والضلال مقام الهدى، والمنكر مقام المعروف، والجهل مقام العلم، والرياء مقام الإخلاص، والباطل مقام الحق، والكذب مقام الصدق، والمداهنة مقام النصيحة، والظلم مقام العدل. فصارت الدولة والغلبه لهذه الأمور وأهلها هم المشار إليهم. وكانت قبل ذلك لأضدادها وكان أهلها هم المشار إليهم. فإذا رأيت دولة هذه الأمور قد أقبلت وراياتها قد نصبت وجيوشها قد ركبت، فبطن الأرض والله خير من ظهرها، وقلل الجبال خير من السهول، ومخالطة الوحش أسلم من مخالطة الناس. اقشعرت الأرض وأظلمت السماء، وظهر الفساد في البر والبحر من ظلم الفجرة، وذهبت البركات وقلت الخيرات، وهزلت الوحوش وتكدرت الحياة من فسق الظلمة، وبكى ضوء النهار وظلمة الليل من الأعمال الخبيثة والأفعال الفظيعة، وشكى الكرام الكاتبون والمعقبات إلى ربهم من كثرة الفواحش وغلبه المنكرات والقبائح. وهذا والله منذِر بسيل عذاب قد انعقد غمامه ومؤذن بليل بلاء قد أدلهم ظلامه. فاعتزلوا عن طريق هذا السبيل بتوبة نصوح ما دامت التوبة ممكنة وبابها مفتوح، وكأنكم بالباب وقد أغلق، وبالرهن وقد غلق، وبالجناح وقد علق. "وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون".
فصل: قبل الندم. اشتري نفسك اليوم، فإن السوق قائمة والثمن موجود والبضائع رخيصة. وسياتي على تلك السوق والبضائع يوم لا تصل فيه إلى قليل ولا كثير. ذلك يوم التغابن. "ويوم يعض الظالم على يديه". إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى، وأبصرت يوم الحشر من قد تزودا، ندمت على ألا تكون كمثله، وأنك لم ترصد كما كان أرصدا. العمل بغير إخلاص ولا اقتداء، كالمسافر يملأ جرابه رملاً يثقله، ولا ينفعه. إذا حملت على القلب هموم الدنيا وأثقالها، وتهاونت بأوراده التي هي قوته وحياته، كنت كالمسافر الذي يحمل دابته فوق طاقتها ولا يوفيها علفها، فما أسرع ما تقف به. ومشتت العزمات ينفق عمره حيران لا ظفر ولا إخفاق.
قاعدة جليلة: من فوائد التوحيد. التوحيد مفزع أعدائه وأوليائه. فأما أعداؤه فينجيهم من كرب الدنيا وشدائدها، فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين الدين، فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون. وأما أولياؤه فينجيهم من كربات الدنيا والآخرة وشدائدها. ولذلك فزع إليه يونس فنجاه الله من تلك الظلمات، وفزع إليه أتباع الرسل فنجوا به مما عذب به المشركون في الدنيا وما أعد لهم في الآخرة. ولما فزع إليه فرعون عند معاينة الهلاك وإدراك الغرق لم ينفعه، لأن الإيمان عند المعاينة لا يقبل. هذه سنة الله في عباده. فما دفعت شدائد الدنيا بمثل التوحيد، ولذلك كان دعاء الكرب بالتوحيد، ودعوة ذي النون التي ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربه بالتوحيد. فلا يلقي في الكرب العظام إلا الشرك، ولا ينجي منها إلا التوحيد. فهو مفزع الخليقة وملجأها وحصنها وغياثها. وبالله التوفيق.
فائدة جليلة: أعظم اللذات. اللذة تابعة للمحبة، تقوى بقوتها وتضعف بضعفها. فكلما كانت الرغبة في المحبوب والشوق إليه أقوى كانت اللذة بالوصول إليه أتم. والمحبة والشوق تابع لمعرفته والعلم به، فكلما كان العلم به أتم كانت محبته أكمل. فإذا الرجع كمال النعيم في الآخرة وكمال اللذة إلى العلم والحب. فمن كان يؤمن بالله وأسمائه وصفاته وبه أعرف كان له أحب، وكانت لذته بالوصول إليه ومجاورته والنظر إلى وجهه وسماع كلامه أتم. وكل لذة ونعيم وسرور وبهجة بالإضافة إلى ذلك كقطرة في بحر. فكيف يؤثر من له عقل لذة ضعيفة قصيرة مشوبة بالآلام على لذة عظيمة دائمة أبد الآباد. وكمال العبد بحسب هاتين القوتين: العلم والحب. وأفضل العلم بالله وأعلى الحب الحب له، وأكمل اللذة بحسبهما. الله المستعان.
فائدة جليلة: الحبس المحمود. طالب الله والدار الآخرة لا يستقيم له سيره وطلبه إلا بحبسين: حبس قلبه في طلبه ومطلوبه، وحبسه عن الالتفات إلى غيره. وحبس لسانه عما لا يفيد مفيد، وحبسه على ذكر الله وما يزيد في إيمانه ومعرفته. وحبس جوارحه عن المعاصي والشهوات، وحبسها على الواجبات والمندوبات. فلا يفارق الحبس حتى يلقى ربه فيخلصه من السجن إلى أوسع فضاء وأطيبه. ومتى لم يصبر على هذين الحبسين وفر منهما إلى فضاء الشهوات، عقبه ذلك الحبس الفظيع عند خروجه من الدنيا. فكل خارج من الدنيا إما متخلص من الحبس، وإما ذاهب إلى الحبس. وبالله التوفيق.
فائدة جليلة في الجمع بين تقوى الله وحسن الخلق. جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين تقوى الله وحسن الخلق، لأن تقوى الله تصلح ما بين العبد وبين ربه، وحسن الخلق يصلح ما بينه وبين خلقه. فتقوى الله توجب له محبة الله، وحسن الخلق يدعو الناس إلى محبته.
فائدة: الطريق إلى الله. بين العبد وبين الله والجنه قنطرة تقطع بخطوتين: خطوة عن نفسه، وخطوة عن الخلق. فيسقط نفسه ويلغيها فيما بينه وبين الناس، ويسقط الناس ويلغيهم فيما بينه وبين الله. فلا يلتفت إلا إلى من دله على الله وعلى الطريق الموصلة إليه. الطريق إلى الله خالٍ من أهل الشك ومن الذين يتبعون الشهوات، وهو معمور بأهل اليقين والصبر. وهم على الطريق كالآعلام. "وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون".
قاعدة جليلة: فضل كلمة الإخلاص عند الموت. لشهادة أن لا إله إلا الله عند الموت تأثير عظيم في تكفير السيئات وإحباطها، لأنها شهادة من عبد موقن بها عارف بمضمونها، قد ماتت منه الشهوات ولانت نفسه المتمرّدة وانقادت بعد إبائها واستعصائها، وأقبلت بعد إعراضها وذلت بعد عزها، وخرج منها حرصها على الدنيا وفضولها، واستخذت بين يدي ربها وفاطرها ومولاها الحق، أذل ما كانت له، وأرجى ما كانت لعفوه ومغفرته ورحمته، وتجرد منها التوحيد بانقطاع أسباب الشرك وتحقق بطلانه، فزالت منها تلك المنازعات التي كانت مشغولة بها، واجتمع همها على من أيقنت بالقدوم عليه والمصير إليه، فوجه العبد وجهه بكليته إليه وأقبل بقلبه وروحه وهمه عليه، فاستسلم وحده ظاهراً وباطناً، واستوى سره وعلانيته. فلو حصلت له الشهادة على هذا الوجه في أيام الصحة لاستوحش من الدنيا وأهلها وفر إلى الله من الناس وأنس به دون ما سواه. لكنه شهد بها بقلب مشحون بالشهوات وحب الحياة وأسبابها، ونفس مملوءة بطلب الحظوظ والالتفات إلى غير الله. فلو تجردت كتجردها عند الموت لكان لها نبأ آخر وعيش عيش آخر سوى عيشها البهيمي. والله المستعان.
ماذا تملك من أمرك؟ ماذا يملك من أمره؟ ناصيته بيد الله، ونفسه بيده، وقلبه بين إصبعين من أصابعه يقلبه كيف يشاء، وحياته بيده وموته بيده، وسعادته بيده وشقاوته بيده، وحركاته وسكناته وأقواله وأفعاله بإذنه ومشيئته. فلا يتحرك إلا بإذنه ولا يفعل إلا بمشيئته. إن وكله إلى نفسه وكله إلى عجز وتفريط وذنب وخطيئة. وإن وكله إلى غيره وكله إلى من لا يملك له ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً. وإن تخلى عنه استولى عليه عدوه وجعله أسيراً له. فهو لا غنى له عنه طرفة عين، بل هو مضطر إليه على مدى الأنفاس في كل ذرة من ذراته باطناً وظاهراً. فاقته تامة إليه، ومع ذلك فهو متخلف عنه معرض عنه، يتبغض إليه بمعصيته مع شدة الضرورة إليه من كل وجه، قد صار لذكره نسياً واتخذه وراء ظهره. هذا وإليه مرجعه وبين يديه موقفه.
عناية الله بالإنسان. فرّغ خاطرك لله بما أمرت به، ولا تشغله بما ضمن لك، فإن الرزق والأجل قرينان مضمنان، فما دام الأجل باقياً كان الرزق آتياً. وإذا سد عليك بحكمته طريقاً من طرقه فتح لك برحمته طريقاً أنفع لك منه. فتأمل حال الجنين يأتيه غذاؤه وهو الدم من طريق واحدة وهي السرة، فلما خرج من بطن الأم وانقطعت تلك الطريق فتح له طريقين اثنين وأجرى له فيهما رزقاً أطيب وألذ من الأول: لبناً خالصاً سائغاً. فإذا تمت مدة الرضاع وانقطعت الطريقان بالفطام فتح طرقاً أربعة أكمل منها طعامان وشرابان، فالطعامان من الحيوان والنبات، والشرابان من المياه والألبان وما يضاف إليهما من المنافع والملاذ. فإذا مات انقطعت عنه هذه الطرق الأربعة، لكنه سبحانه فتح له إن كان سعيداً طرقاً ثمانية وهي أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء. وهكذا الرب سبحانه لا يمنع عبده المؤمن شيئاً من الدنيا إلا ويؤتيه أفضل منه وأنفع له، وليس ذلك لغير المؤمن، فإنه يمنعه الحظ الأدنى الخسيس ولا يرضى له به ليعطيه الحظ الأعلى النفيس. والعبد لجهله بمصالح نفسه وجهله بكرم ربه وحكمته ولطفه لا يعرف التفاوت بين ما منع منه وبين ما ذخر.
فائدة: كيف تحقق مصالح الدنيا والآخرة؟ جمع النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "فاتقوا الله وأجملوا في الطلب" بين مصالح الدنيا والآخرة. ونعيمها ولذاتها إنما ينال بتقوى الله وراحة القلب والبدن، وترك الاهتمام والحرص الشديد والتعب والعناد والكد والشقاء في طلب الدنيا إنما ينال بالإجمال في الطلب. فمن اتقى الله فاز بلذة الآخرة ونعيمها، ومن أجمل في الطلب استراح من نكد الدنيا وهمومها. فالله المستعان. قد نادت الدنيا على نفسها: لو كان في ذا الخلق من يسمع، كمواثق بالعيش أهلكته، وجامع فرقت ما يجمع.
فائدة في الجمع بين المآثم والمغارم. جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين المآثم والمغارم، فإن المآثم يوجب خسارة الآخرة، والمغرم يوجب خسارة الدنيا.
فائدة: أكمل الناس هداية. قال تعالى: "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين". علق سبحانه الهداية بالجهاد، فأكمل الناس هداية أعظمهم جهاداً. وأفرض الجهاد جهاد النفس وجهاد الهوى وجهاد الشيطان وجهاد الدنيا. فمن جاهد هذه الأربعة في الله هداه الله سبل رضاه الموصلة إلى جنته. ومن ترك الجهاد فاته من الهدى بحسب ما عطل من الجهاد. قال الجنيد: "والذين جاهدوا أهواءهم فينا بالتوبة لنهدينهم سبل الإخلاص". ولا يتمكن من جهاد عدوه في الظاهر إلا من جاهد هذه الأعداء باطناً. فمن نصر عليها نصر على عدوه، ومن نصرت عليه نصر عليه عدوه.
فصل: أعلى الهمم. أعلى الهمم في باب الإرادة أن تكون الهمة متعلقة بمحبة الله والوقوف مع مراده الديني الأمري، وأسفلها أن تكون الهمة واقفة مع مراد صاحبها من الله، فهو إنما يعبده لمراده منه لا لمراد الله منه. فالأول من الله ويريد مراده، والثاني يريد من الله وهو فارغ عن إرادته.
صفة علماء السوء. علماء السوء جلسوا على باب الجنة يدعون إليها الناس بأقوالهم، ويدعونهم إلى النار بأفعالهم. فكلما قالت أقوالهم للناس: هلموا، قالت أفعالهم: لا تسمعوا منهم. فلو كان ما دعوا إليه حقاً لكانوا أول المستجيبين له. فهم في الصورة أدلاء، وفي الحقيقة قطاع طرق.
فصل: أصول المعاصي. أصول المعاصي كلها كبارها وصغارها ثلاثة: تعلق القلب بغير الله، وطاعة القوة الغضبية والقوة الشهوانية، وهي الشرك والظلم والفواحش. فغاية التعلق بغير الله شرك، وأن يدعى معه إله آخر. وغاية طاعة القوة الغضبية القتل. وغاية طاعة القوة الشهوانية الزنا. ولهذا جمع الله سبحانه بين الثلاثة في قوله: "والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون". وهذه الثلاثة يدعو بعضها إلى بعض. فالشرك يدعو إلى الظلم والفواحش، كما أن الإخلاص والتوحيد يصرفهما عن صاحبه. قال تعالى: "كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين".
فائدة جليلة: أنواع هجر القرآن. هجر القرآن أنواع: أحدها هجر سماعه والإيمان به والاصغاء إليه. والثاني هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه، وإن قرأه وآمن به. والثالث هجر تحكيمه والتحاكم إليه. والرابع هجر تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد المتكلم به منه. والخامس هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلوب وأدوائها، فيطلب شفاء دائه من غيره ويهجر تداوي به. وكل هذا داخل في قوله: "وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً". وإن كان بعض الهجر أهون من بعض. فكل هؤلاء في صدورهم حرج من القرآن وهم يعلمون ذلك من نفوسهم ويجدونه في صدورهم. ولا تجد مبتدعاً في دينه قط إلا وفي قلبه حرج من الآيات التي تخالف بدعته، كما أنك تجد ظالماً فاجراً إلا وفي صدره حرج من الآيات تحول بينه وبين إرادته. فتدبر هذا المعنى ثم ارض لنفسك بما تشاء.
فائدة جليلة: فرّغ قلبك للآخرة. إذا أصبح العبد وأمسى وليس همه إلا الله وحده، تحمل الله سبحانه حوائجه كلها وحمل عنه كل ما ضمن. وفرّغ قلبه لمحبته ولسانه لذكره وجوارحه لطاعته. وإن أصبح وأمسى والدنيا همه، حمله الله همومها وغمومها وأنكادها، ووكله إلى نفسه، فشغل قلبه عن محبته بمحبة الخلق، ولسانه عن ذكره بذكرهم، وجوارحه عن طاعته بخدمتهم وإشغالهم. قال تعالى: "ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين".
قاعدة جليلة: ظاهر الإيمان وباطنه. للإيمان ظاهر وباطن. وظاهره قول اللسان وعمل الجوارح، وباطنه تصديق القلب وانقياده ومحبته. فلا ينفع ظاهر لا باطن له، وإن حقن به الدماء وعصم به المال والذرية. ولا يجزي باطن بباطل ظاهر له إلا إذا تعذر بعجز أو إكراه وخوف هلاك. فتخلف العمل ظاهراً مع عدم المانع دليل على فساد الباطن وخلوه من الإيمان ونقصه دليل نقصه وقوته دليل قوته. فالإيمان قلب الإسلام ولبه، واليقين قلب الإيمان ولبه. وكل علم وعمل لا يزيد الإيمان واليقين قوة فمدخول. وكل إيمان لا يبعث على العمل فمدخول.
فائدة جليلة: أنواع التوكل وحقيقته. التوكل على الله نوعان: أحدهما ما توكل عليه في جلب حوائج العبد وحظوظه الدنيوية أو دفع مكروهات ومصائب دنيوية. والثاني التوكل عليه في حصول ما يحبه هو ويرضاه من الإيمان واليقين والجهاد والدعوة إليه. وبين النوعين من الفضل ما لا يحصيه إلا الله. فمتى توكل وكل عليه العبد في النوع الثاني حق توكله كفاه النوع الأول تمام الكفاية. ومتى توكل عليه في النوع الأول دون الثاني كفاه أيضاً، لكن لا يكون له عاقبة المتوكل فيما يحبه ويرضاه. فأعظم التوكل عليه التوكل في الهداية وتجريد التوحيد ومتابعة عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وجهاد أهل الباطل. فهذا توكل الرسل وخاصة أتباعهم. وسر التوكل وحقيقته هو اعتماد القلب على الله وحده، فلا يضره مباشرة الأسباب مع خلو القلب من الاعتماد عليها والركون إليها، كما لا ينفعه قوله: توكلت على الله مع اعتماده على غيره وركونه إليه وثقته به. فتوكل اللسان شيء وتوكل القلب شيء، كما أن توبة اللسان مع إصرار القلب شيء وتوبة القلب وإن لم ينطق اللسان شيء. فقول العبد: توكلت على الله مع اعتماد قلبه على غيره مثل قوله: تبت إلى الله وهو مصر على معصيته مرتكب لها.
فائدة جليلة: غاية الجهل. الجاهل يشكو الله إلى الناس، وهذا غاية الجهل بالمشكو والمشكو إليه، فإنه لو عرف ربه لما شكاه، ولو عرف الناس لما شكا إليهم. ورأى بعض السلف رجلاً يشكو إلى رجل فاقته وضرورته، فقال: يا هذا، والله ما زدت على أن شكوت من يرحمك إلى من يرحمك. وفي ذلك قيل: وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم. "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم". وقوله: "وما أصابك من سيئة فمن نفسك". وقوله: "أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم". فالمراة ثلاثة: أخسها أن تشكو الله إلى خلقه، وأعلاها أن تشكو نفسك إليه، وأوسطها أن تشكو خلقه إليه.
قاعدة جليلة: الاستجابة لله وللرسول. قال الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون". فتضمنت هذه الآية أموراً: أن الحياة النافعة إنما تحصل بالاستجابة لله ورسوله، فمن لم تحصل له هذه الاستجابة فلا حياة له، وإن كانت له حياة بهيمية مشتركة بينه وبين أرذل الحيوانات. فالحياة الحقيقية الطيبة هي حياة من استجاب لله والرسول ظاهراً وباطناً، فهؤلاء هم الأحياء وإن ماتوا، وغيرهم أموات وإن كانوا أحياء الأبدان. ولهذا كان أكمل الناس حياة أكملهم استجابة لدعوة الرسول، فإن كل ما دعا إليه ففيه الحياة، فمن فاته جزء منه فاته جزء من الحياة، وله من الحياة بحسب ما استجاب للرسول.
فائدة جليلة: أنفع الأشياء مخالفة النفس. قوله تعالى: "كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون". وقوله عز وجل: "فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً". فالآية الأولى في الجهاد الذي هو كمال القوة الغضبية، والثانية في النكاح الذي هو كمال القوة الشهوانية. فالعبد يكره مواجهة عدوه بقوته الغضبية خشية على نفسه منه، وهذا المكروه خير له في معاشه ومعاده، ويحب الموادعة والمتاركة وهذا المحبوب شر له في معاشه ومعاده. وكذلك يكره المرأة لوصف من أوصافها وله في إمساكها خير كثير لا يعرفه، ويحب المرأة لوصف من أوصافها وله في إمساكها شر كثير لا يعرفه. فالإنسان كما وصفه خالقه ظلوم جهول، فلا ينبغي أن يجعل المعيار على ما يضره وينفعه ميله وحبه ونفرته وبغضه، بل المعيار على ذلك ما اختاره الله له بأمره ونهيه. فإن أنفع الأشياء له على الإطلاق طاعة ربه بظاهره وباطنه، وأضر الأشياء عليه على الإطلاق معصيته بظاهره وباطنه. فمن قام بطاعته وعبوديته مخلصاً له، فكل ما يجري عليه مما يكرهه يكون خيراً له. وإذا تخلى عن طاعته وعبوديته، فكل ما هو فيه من محبوب هو شر له. فمن صحت له معرفة ربه والفقه في أسمائه وصفاته علم يقيناً أن المكروهات التي تصيبه والمحن التي تنزل به فيها ضروب من المصالح والمنافع التي لا يحصيها علمه ولا فكرته، بل مصلحة العبد فيما يكره أعظم منها فيما يحب. فعامة مصالح النفوس في مكروهاتها، كما أن عامة مضارها وأسباب هلكتها في محبوباتها. فأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأعلم العالمين الذي هو أرحم بعباده منهم بأنفسهم ومن آبائهم وأمهاتهم، إذا أنزل بهم ما يكرهون كان خيراً لهم من ألا ينزله بهم نظراً منه لهم وإحساناً إليهم ولطفاً بهم، ولو مكنوا من الاختيار لأنفسهم لعجزوا عن القيام بمصالحهم علماً وإرادة وعملاً. لكنه سبحانه تولى تدبير أمورهم بموجب علمه وحكمته ورحمته، أحبوا أم كرهوا. فعرف ذلك الموقنون بأسمائه وصفاته فلم يتهموه في شيء من أحكامه، وخفي ذلك على الجهال به وبأسمائه وصفاته فنازعوه تدبيره وقدحوا في حكمته ولم ينقادوا لحكمه وعارضوا حكمه بعقولهم الفاسدة وأرائهم الباطلة وسياساتهم الجائرة، فلا لربهم عرفوا ولا لمصالحهم حصلوا. والله الموفق.
الى نفسك. وقد أجمع العارفون على أن كل خير فاصله بتوفيق الله للعبد، وكل شر فاصله خذلانه لعبده. وأجمعوا أن التوفيق ألا يكلك الله إلى نفسك، وأن الخذلان هو أن يخلي بينك وبين نفسك. فإذا كان كل خير فاصله التوفيق، وهو بيد الله لا بيد العبد، فمفتاحه الدعاء والافتقار وصدق اللجا والرغبة والرهبة إليه. فمتى أعطى العبد هذا المفتاح، فقد أراد أن يفتح له، ومتى ظله عن المفتاح، بقي باب الخير مرته.
قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: إني لا أحمل هم الإجابة، ولكن هم الدعاء. فإذا ألهمت الدعاء، فإن الإجابة معه.
وعلى قدر نية العبد وهمته ومراده ورغبته في ذلك، يكون توفيقه سبحانه وإعانته. فالمعونة من الله تنزل على العباد على قدر هممهم وثباتهم ورغبتهم ورهبتهم، والخذلان ينزل عليهم على حسب ذلك. فالله سبحانه أحكم الحاكمين وأعلم العالمين، يضع التوفيق في مواضعه اللائقة به، والخذلان في مواضعه اللائقة به، وهو العليم الحكيم.
وما أوتي من أوتي إلا من قبل إضاعته الشكر وإهمال الافتقار والدعاء. ولا ظفر من ظفر بمشيئة الله وعونه إلا بقيامه بالشكر وصدق الافتقار والدعاء. وملاك ذلك الصبر، فإنه من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد. فإذا قطع الرأس، فلا بقاء للجسد.
فائدة جليلة: مفاسد إيثار الدنيا.
كل من آثر الدنيا من أهل العلم واستحبها، فلا بد أن يقول على الله غير الحق في فتوى واه وحكمه في خبره وإلزامه. لأن أحكام الرب سبحانه كثيرًا ما تأتي على خلاف أغراض الناس، ولا سيما أهل الرياسة والذين يتبعون الشهوات. فإنهم لا تتم لهم أغراضهم إلا بمخالفة الحق ودفعه كثيرًا.
فإذا كان العالم والحاكم محبًا للرئاسة، متبعًا للشهوات، لم يتم له ذلك إلا بدفع ما يضاده من الحق، ولا سيما إذا قامت له شبهة. فتتفق الشبهة والشهوة، ويثور الهوى، فيخفى الصواب، وينطمس وجه الحق. وإن كان الحق ظاهرًا لا خفى بي ولا شبهة فيه، أقدم على مخالفته، وقال: لي مخرج بالتوبة.
وفي هؤلاء وأشباههم قال تعالى: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات}. وقال تعالى فيهم أيضًا: {فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه}. {ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون؟}.
فائدة عظيمة: أفضل ما اكتسبته النفوس.
أفضل ما اكتسبته النفوس وحصلته القلوب، ونال به العبد الرفعة في الدنيا والآخرة، هو العلم والإيمان. ولهذا قرن بينهما سبحانه في قوله: {وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث}، وقوله: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات}. وهؤلاء هم خلاصة الوجود ولبه، والمؤهلون للمراتب العالية. ولكن أكثر الناس غالطون في حقيقة مسمى العلم والإيمان الذين بهما السعادة والرفعة، وفي حقيقتهما، حتى إن كل طائفة تظن أن ما معها من العلم والإيمان هو هذا الذي به تنال السعادة، وليس كذلك. بل أكثرهم ليس معهم إيمان ينجي ولا علم يرفع، بل قد سدوا على نفوسهم طرق العلم والإيمان الذين جاء بهما الرسول صلى الله عليه وسلم، ودعا إليهما الأمة، وكان عليها هو وأصحابه من بعده، وتابعوهم على مناهجهم وآثارهم.
فصل: الإيمان بين الدعوة والحقيقة.
وأما الإيمان، فأكثر الناس أو كلهم يدعونه. {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين}. وأكثر المؤمنين إنما عندهم إيمان مجمل. وأما الإيمان المفصل بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم: معرفة وعلمًا وإقرارًا ومحبة، ومعرفة بضده وكراهيته وبغضه، فهذا إيمان خواص الأمة وخاصة الرسول، وهو إيمان الصديق وحزبه.
وكثير من الناس حظهم من الإيمان الإقرار بوجود الصانع. وآخرون: الإيمان عندهم هو التكلم بالشهادتين. وآخرون عندهم الإيمان مجرد تصديق بأن الله سبحانه خالق السماوات والأرض، وأن محمدًا عبده ورسوله، وإن لم يقر بلسانه ولم يعمل شيئًا. وآخرون عندهم الإيمان هو جحد صفات الرب تعالى. وآخرون عندهم الإيمان عبادة الله بحكم أذواقهم ومواجيدهم. وآخرون: الإيمان عندهم ما وجدوا عليه آباءهم وأسلافهم، بل إيمانهم مبني على مقدمتين: إحداهما أن هذا قول أسلافنا وآبائنا، والثانية أنما قالوه فهو الحق. وآخرون عندهم الإيمان مكارم الأخلاق وحسن المعاملة. وآخرون عندهم الإيمان التجرد من الدنيا وعلائقها.
وكل هؤلاء لم يعرفوا حقيقة الإيمان ولا قاموا به ولا قام بهم، وهم أنواع. منهم من جعل الإيمان ما يضاد الإيمان. ومنهم من جعل الإيمان ما لا يعتبر في الإيمان. ومنهم من جعله ما هو شرط فيه ولا يكفي في حصوله. ومنهم من اشترط في ثبوته ما يناقضه ويضاده. ومنهم من اشترط فيه ما ليس منه بوجه. والإيمان وراء ذلك كله، وهو حقيقة مركبة من معرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، والتصديق به عقدًا، والإقرار به نطقًا، والانقياد له محبة وخضوعًا، والعمل به باطنًا وظاهرًا، وتنفيذه، والدعوة إليه بحسب الإمكان. وكماله في الحب في الله والبغض في الله، والعطاء لله والمنع لله، وأن يكون الله وحده إلهه ومعبوده. والطريق إليه تجريد متابعة رسوله ظاهرًا وباطنًا، وتغميض عين القلب عن التفات إلى سوى الله ورسوله. وبالله التوفيق.
فائدة جليلة: أسباب السعادة.
الأصول التي تنبني عليها سعادة العبد ثلاثة، ولكل واحد منها ضد، فمن فقد ذلك الأصل حصل على ضده. التوحيد وضده الشرك، والسنة وضدها البدعة، والطاعة وضدها المعصية. ولهذه الثلاثة ضد واحد، وهو خلو القلب من الرغبة في الله وفيما عنده، ومن الرهبة منه ومما عنده.
فائدة جليلة: سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين.
قال الله تعالى: {وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين}. وقال: {ومن يشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى}. والله تعالى قد بين في كتابه سبيل المؤمنين مفصلة، وسبيل المجرمين مفصلة، وعاقبة هؤلاء مفصلة، وعاقبة هؤلاء مفصلة، وأعمال هؤلاء وأعمال هؤلاء، وأولياء هؤلاء وأولياء هؤلاء، وخذلانه لهؤلاء وتوفيقه لهؤلاء، والأسباب التي وفق بها هؤلاء، والأسباب التي خذل بها هؤلاء. وجل سبحانه الأمرين في كتابه وكشفهما وأوضحهما وبينهما غاية البيان، حتى شاهدتهما البصائر كمشاهدة الأبصار للضياء والظلام.
فمن لم يعرف سبيل المجرمين ولم تستب له، أوشك أن يظن في بعض سبيلهم أنها من سبيل المؤمنين. كما وقع في هذه الأمة من أمور كثيرة في باب الاعتقاد والعلم والعمل، هي من سبيل المجرمين والكفار وأعداء الرسل، أدخلها من لم يعرف أنها من سبيلهم في سبيل المؤمنين، ودعا إليها، وكفر من خالفها، واستحل منه ما حرمه الله ورسوله. كما وقع لأكثر أهل البدع من الجهمية والقدرية والخوارج والروافض وأشباههم، ممن ابتدع بدعة ودعا إليها، وكفر من خالفها.
فصل: أعظم الإضاعات.
عشرة أشياء ضائعة لا ينتفع بها:
علم لا يعمل به. وعمل لا إخلاص فيه ولا اقتداء. ومال ينفق منه فلا يستمتع به جامعه في الدنيا، ولا يقدمه أمامه إلى الآخرة. وقلب فارغ من محبة الله والشوق إليه والأنس به. وبدن معطل من طاعته وخدمته. ومحبة لا تتقيد برضاء المحبوب وامتثال أوامره. ووقت معطل عن استدراك فارط أو اقتنام بر وقربة. وفكر يجول فيما لا ينفع. وخدمة من لا تقربك خدمته إلى الله، ولا تعود عليك بصلاح دنياك. وخوفك ورجاؤك لمن ناصيته بيد الله، وهو أسير في قبضته، ولا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا.
وأعظم هذه الإضاعات إضاعتان هما أصل كل إضاعة: إضاعة القلب وإضاعة الوقت. فإضاعة القلب من إيثار الدنيا على الآخرة، وإضاعة الوقت من طول الأمل. فاجتمع الفساد كله في اتباع الهوى وطول الأمل، والصلاح كله في اتباع الهدى والاستعداد للقاء. والله المستعان.
فصل: أحب الخلق إلى الله.
لله سبحانه على عبده أمر أمره به، وقضاء يقضيه عليه، ونعمة ينعم بها عليه، فلا ينفك من هذه الثلاثة. والقضاء نوعان: إما مصائب، وإما معايب. وله عليه عبودية في هذه المراتب كلها، فأحب الخلق إليه من عرف عبوديته في هذه المراتب ووفاها حقها، فهذا أقرب الخلق إليه. وأبعدهم منه جهل عبوديته في هذه المراتب، فعطلها علمًا وعملًا.
فعبوديته في الأمرثاله إخلاصًا واقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي النهي اجتنابه خوفًا منه وإجلالًا ومحبة. وعبوديته في قضاء المص صائب الصبر عليها، ثم الرضا بها وهو أعلى منه، ثم الشكر عليها وهو أعلى من الرضا. وعبوديته في قضاء المعايب المبادرة إلى التوبة منها والتنصل، والوقوف في مقام الاعتذار والانكسار، عالمًا بأنه لا يرفعها عنه إلا هو، ولا يقيه شرها سواه. وأنها إن استمرت أبعدته من قربه وطردته من بابه، فيراها من الضر الذي لا يكشفه غيره، حتى إنه ليراها أعظم من ضر البدن.
وأما عبودية النعم فمعرفتها والاعتراف بها أولًا، ثم العياذ به أن يقع في قلبه نسبتها وإضافتها إلى سواه. وإن كان سببًا من الأسباب، فهو مسببه ومقيمه، فالنعمة منه وحده بكل وجه واعتبار. ثم الثناء بها عليه ومحبته عليها، وشكره بأن يستعملها في طاعته. ومن لطائف التعبد بالنعم أن يستكثر قليلها عليه، ويستقل كثير شكره عليها، ويعلم أنها وصلت إليه من سيده من غير ثمن بذله فيها، ولا وسيلة منه توسل بها إليه، ولا استحقاق منه لها، وأنها لله في الحقيقة لا للعبد. فلا تزيده النعم إلا انكسارًا وذلًا وتواضعًا ومحبة للمنعم. وكلما جدد له نعمة، أحدث لها عبودية ومحبة وخضوعًا وذلًا. وكلما أحدث له قبضًا، أحدث له رضا. وكلما أحدث ذنبًا، أحدث له توبة وانكسارًا واعتذارًا. فهذا هو العبد الكيس، والعاجز بمعزل عن ذلك. وبالله التوفيق.
نصيحة: أقرب الطرق إلى الجنة.
هلم إلى الدخول على الله ومجاورته في دار السلام، بلا نصب ولا تعب ولا عناء، بل من أقرب الطرق وأسهلها. وذلك أنك في وقت بين وقتين، وهو في الحقيقة عمرك، وهو وقتك الحاضر بين ما مضى وما يستقبل. فالذي مضى تصلحه بالتوبة والند الندم والاستغفار، وذلك شيء لا تعب عليك فيه ولا نصب ولا معاناة عمل شاق، إنما هو عمل القلب. وتمتنع فيما يستقبل من الذنوب، وامتناعك ترك وراحة، ليس هو عملًا بالجوارح يشق عليك معاناته، وإنما هو عزب ونية جازمة تريح بدنك وقلبك وسرك. فما مضى تصلحه بالتوبة، وما يستقبل تصلحه بالامتناع والعزم والنية، وليس للجوارح في هذين نصب ولا تعب. ولكن الشأن في عمرك، وهو وقتك الذي بين الوقت. فإن أضعته، أضعت سعادتك ونجاتك. وإن حفظته مع إصلاح الوقت الذين قبله وبعده بما ذكر، نجوت وفزت بالراحة واللذة والنعيم. وحفظه أشق إصلاح ما قبله وما بعده، فإن حفظه أن تلزم نفسك بما هو أولى بها وأنفع لها وأعظم تحصيلًا لسعادتها. وفي هذا تفاوت الناس أعظم تفاوت. فهي والله أيامك الخالية التي تجمع فيها الزاد لمعادك، إما إلى الجنة وإما إلى النار. فإن اتخذت منها سبيلًا إلى ربك، بلغت السعادة العظمى والفوز الأكبر في هذه المدة اليسيرة التي لا نسبة لها إلى الأبد. وإن آثرت الشهوات والراحات والله واللعب، انقضت عنك بسرعة، وأعقبتك الألم العظيم الدائم الذي مقاساته ومعاناته أشق وأصعب وأدوم من معاناة الصبر عن محارم الله، والصبر على طاعته ومخالفته الهوى لأجله.
فصل: كن مع الله.
إذا استغنى الناس بالدنيا، فاستغن أنت بالله. وإذا فرحوا بالدنيا، فافرح أنت بالله. وإذا أنسوا بأحبابهم، فاجعل أنسك بالله. وإذا تعرفوا إلى ملوكهم وكبرائهم وتقربوا إليهم لينالوا بهم العزة والرفعة، فتعرف أنت إلى الله وتودد إليه، تنل بذلك غاية العز والرفعة.
فصل: أقسام الزهد.
الزهد أقسام:
زهد في الحرام وهو فرض عين. وزهد في الشبهات وهو بحسب مراتب الشبهة، فإن قويت التحقت بالواجب، وإن ضعفت كان مستحبًا. وزهد في الفضول. وزهد فيما لا يعني من الكلام والنظر والسؤال واللقاء وغيره. وزهد في الناس. وزهد في النفس بحيث تهون عليه نفسه في الله. وزهد جامع لذلك كله، وهو الزهد فيما سوى الله وفي كل ما شغلك عنه. وأفضل الزهد إخفاء الزهد، وأصعبه الزهد في الحظوظ. والفرق بينه وبين الورع أن الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما يخشى ضرره في الآخرة. والقلب المعلق بالشهوات لا يصح له زهد ولا ورع.
فصل: بين الذكر والشكر.
مبنى الدين على قاعدتين: الذكر والشكر. قال تعالى: {فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون}. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: والله إني لأحبك، فلا تنس أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. وليس المراد بالذكر مجرد ذكر اللسان، بل الذكر القلبي واللسان. وذكره يتضمن ذكر أسمائه وصفه صفاته، وذكر أمره ونهيه، وذكره بكلامه. وذلك يستلزم معرفته والإيمان به وبصفات كماله ونعوت جلاله، والثناء عليه بأنواع المدح، وذلك لا يتم إلا بتوحيده. فذكره الحقيقي يستلزم ذلك كله، ويستلزم ذكر نعمه وآلائه وإحسانه إلى خلقه. وأما الشكر فهو القيام له بطاعته والتقرب إليه بأنواع محابه ظاهرًا وباطنًا. وهذان الأمران هما جماع الدين، فذكره مستلزم لمعرفته، وشكره متضمن لطاعته. وهذان هما الغاية التي خلق لأجلها الجن والإنس والسماوات والأرض، ووضع لأجلها الثواب والعقاب، وأنزل الكتب وأرسل الرسل. وهي الحق الذي به خلقت السماوات والأرض وما بينهما، وضدها هو الباطل والعبث الذي يتعالى ويتقدس عنه.
فصل: سبب الهداية والضلال.
تكرر في القرآن جعل الأعمال القائمة بالقلب والجوارح سبب الهداية والإضلال. فيقوم بالقلب والجوارح أعمال تقتضي الهدى اقتضاء السبب لمسببه والمؤثر لأثره، وكذلك الضلال. فأعمال البر تثمر الهدى، وكلما ازداد منها ازداد هدى، وأعمال الفجور بالضد. وذلك أن الله سبحانه يحب أعمال البر فيجازي عليها بالهدى والفلاح، ويبغض أعمال الفجور ويجازي عليها بالضلال والشقاء. وأيضًا فإنه البر ويحب أهل البر فيقرب قلوبهم منه بحسب ما قاموا به من البر، ويبغي يبغض الفجور وأهله فيبعد قلوبهم منه بحسب ما اتصفوا به من الفجور. فمن الأصل الأول قوله تعالى: {الم م ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين}. وأما الأصل الثاني وهو اقتضاء الفجور والكبر والكذب للضلال، فكثير أيضًا في القرآن، كقوله تعالى: {يضل به كثيرًا ويهدي به كثيرًا وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون}. وقال تعالى: {وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلًا ما يؤ مؤمنون}.
فصل: إياك والكذب.
إياك والكذب، فإنه يفسد عليك تصور المعلومات على ما هي عليه، ويفسد عليك تصويرها وتعليمها للناس. فإن الكاذب يصور المعدوم موجودًا، والموجود معدومًا، والحق باطلًا، والباطل حقًا، والخير شرًا، والشر خيرًا، فيفسد تصوره وعلمه عقوبة له. ولهذا كان الكذب أساس الفجور، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار". وأول ما يسري الكذب من النفس إلى اللسان فيفسده، ثم يسري إلى الجوارح فيفسد عليها أعمالها، كما أفسد على اللسان أقواله، فيعم كذب أقواله وأعماله وأحواله، فيستحكم عليه الفساد، ويترامى داؤه إلى الهلكة إن لم يتداركه الله بدواء الصدق اقلع تلك المادة من أصلها. ولهذا كان أصل أعمال القلوب كلها الصدق، وأضدادها من الرياء والعجب والكبر والفخر والخيلاء والبطر والأشر والعجز والكسل والجبن والمهانة وغير غيرها، أصلها الكذب. فكل عمل صالح ظاهر أو باطن فمنشؤه الصدق، وكل عمل فاسد ظاهر أو باطن فمنشؤه الكذب. والله تعالى يعاقب الكذاب بأن يقعده ويثبطه عن مصالحه ومنافعه، ويثيب الصادق بأن يوفقه للقيام بمصالح دنياه وآخرته. فما استجلبت مصالح الدنيا والآخرة بمثل الصدق، ولا مفاسدهما ومضارهما بمثل الكذب. قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين}. وقال تعالى: {هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم}. وقال تعالى: {فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرًا لهم}. وقال تعالى: {وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد بعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم}.
فصل: {وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم}.
في قوله تعالى: {وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون}. في هذه الآية عدة حكم وأسرار ومصالح للعبد. فإن العبد إذا علم أن المكروه قد يأتي بالمحبوب، والمحبوب قد يأتي بالمكروه، لم يأمن أن توافيه المضرة من جانب المسرة، ولم ييأس أن تأتيه المسرة من جانب المضرة لعدم علمه بالعواقب، فإن الله يعلم منها ما لا يعلمه العبد. وأوجب له ذلك أمورًا، منها أنه لا أنفع له من امتثال الأمر وإن شق عليه في الابتداء، لأن عواقبه كلها خيرات ومسرات ولذات وأفراح، وإن كرهته نفسه فهو خير لها وأنفع. وكذلك لا شيء أضر عليه من ارتكاب النهي وإن هويته نفسه ومالت إليه، فإن عواقبه كلها آلام وأحزان وشرور ومصائب. وخاصة العقل تحمل الألم اليسير لما يعقبه من اللذة العظيمة والخير الكثير، واجتناب اللذة اليسيرة لما يعقبها من الألم العظيم والشر الطويل.
ومن أسرار هذه الآية أنها تقتضي من العبد التفويض إلى من يعلم عواقب الأمور، والرضا بما يختاره له ويقضيه له لما يرجو فيه من حسن العاقبة. ومنها أنه لا يقترح على ربه ولا يختار عليه، ولا يسأله ما ليس له به علم، فلعل مضرته وهلاكه فيه وهو لا يعلم. فلا يختار على ربه شيئًا، بل يسأله حسن الاختيار له، وأن يرضيه بما يختاره، فلا أنفع له من ذلك. ومنها أنه إذا فوض إلى ربه ورضي بما يختاره له، أمده فيما يختاره له بالقوة عليه والعزيمة والصبر، وصرف عنه الآفات التي هي عرضة اختيار العبد لنفسه، وأراه من حسن عواقب اختياره له ما لم يكن ليصل إلى بعضه بما يختاره ولنفسه. ومنها أنه يريحه من الأفكار المتعبة في أنواع الاختيارات، ويفرغ قلبه من التقديرات والتدبيرات التي يصعد منها في عقبه وينزل في أخرى. ومع هذا فلا خروج له عما قدر عليه. فلو رضي باختيار أصابه القدر وهو محمود مشكور ملطوف به فيه، وإلا جرى عليه القدر وهو مذموم غير ملطوف به، لأنه مع اختياره لنفسه. ومتى صح تفويضه ورضاه، اكتنفه في المقدور العطف عليه واللطف به، فيصير بين عطفه ولطفه. فعطفه يقيه ما يحذره، ولطفه يهون عليه ما قدره. إذا نفذ القدر في العبد، كان من أعظم أسباب نفوذه تحيله في رده. فلا أنفع له من الاستسلام وإلقاء نفسه بين يدي القدر طريحًا كالميتة، فإن السبع لا يرضى باكل الجيف.
فصل: مضار الشهوات.
الصبر عن الشهوة أسهل من الصبر على ما توجبه الشهوة، فإنها إما أن توجب ألمًا وعقوبة، وإما أن تقطع لذة أكمل منها، وإما أن تضيع وقتًا إضاعته حسرة وندامة، وإما أن تثلم عرضًا توفيره أنفع للعبد من ثلمه، وإما أن تذهب ما لمقاؤه خير له من ذهابه، وإما ما أن تضع قدرًا وجاهًا قيامه خير من وضعه، وإما أن تسلب نعمة بقاؤها ألذ وأطيب من قضاء الشهوة، وإما أن تطرق لوضيع إليك طريقًا لم يكن يجدها قبل ذلك، وإما أن تجلب همًا وغمًا وحزنًا وخوفًا لا يقارب لذة الشهوة، وإما أن تنسي علمًا ذكره ذ من نيل الشهوة، وإما أن تشمت عدوًا وتحزن وليًا، وإما أن تقطع الطريق على نعمة مقبلة، وإما أن تحدث عيبًا يبقى صفة لا تزول. فإن الأعمال تورث الصفات والأخلاق.
فصل: حدود الأخلاق.
للأخلاق حد، متى جاوزته صارت عدوانًا، ومتى قصرت عنه كان نقصًا ومهانة. فللغضب حد، وهو الشجاعة المحمودة والأنفة من الرذائل والنقائص، وهذا كماله. فإذا جاوز حده، تعدى صاحبه وجار. وإن نقص عنه، جبن ولم يأنف من الرذائل. وللحرص حد، وهو الكفاية في أمور الدنيا وحصول البلاغ منها. فمتى نقص من ذلك، كان مهانة وإضاعة. ومتى زاد عليه، كان شرهًا ورغبة فيما لا تحمد الرغبة فيه. وللحسد حد، وهو المنافسة في طلب بالكمال والأنفة أن يتقدم عليه نظيره. فمتى تعدى ذلك، صار بغيًا وظلمًا يتمنى معه زوال النعمة عن المحسود، ويحرص على إيذائه. ومتى نقص عن ذلك، كان دناءة وضعف همة وصغر نفس. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا حسد إلا فتنه ين رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس". فهذا حسد منافسة يطالب الحاسد به نفسه أن يكون مثل المحسود، لا حسد مهانة يتمنى به زوال النعمة عن المحسود. وللشهوة حد، وهو راحة القلب والعقل من كد الطاعة واكتساب الفضائل، والاستعانة بقضائها على ذلك. فمتى زادت على ذلك، صارت نهمة وشبقًا، والتحق صاحبها بدرجة الحيوانات. ومتى نقصت عنه ولم يكن فراغًا في طلب الكمال والفضل، كانت ضعفًا وعجزًا ومهانة. وللراحة حد، وهو إجمام النفس والقوى المدركة والفعالة للاستعداد للطاعة واكتساب الفضائل، وتوفرها على ذلك بحيث لا يضعفها الكد والتعب ويضعف أثرها. فمتى زاد على ذلك، صار تويًا وكسلًا وإضاعة، وفات به أكثر مصاب صالح العبد. ومتى نقص عنه، صار مضرًا بالقوى موهنًا لها، وربما انقطع به كالمنت الذي لا ارضا ولا ظهرا أبقى. والجود له حد بين طرفين، فمتى جاوز حده صار إسرافًا وتبذيرًا، ومتى نقص عنه كان بخلًا وتقتيرًا. وللشجاعة حد، إذا جاوزته صارت تهورًا، ومتى نقصت عنه صارت جبنًا وخورًا. وحدها الإقدام في مواضع الإقدام والإحجام في مواضع الإحجام. كما قال معاوية لعمرو بن العاص: "أعياني أن أعرف أشجاع أنت أم جبان؟ تقدم حتى أقول من أشجع الناس، وتجبن حتى أقول من أجبن الناس". فقال: "شجاع إذا أمكنتني فرصة، فإن لم تكن لي فرصة فجبان". والغيرة لها حد، إذا جاوزته صارت تهمة وظنًا سيئًا بالبريء، وان قصرت عنه كانت تغافلًا ومبادئ دياثة. وللتواضع حد، إذا جاوزه كان ذلًا ومهانة، ومن قصر عنه انحرف إلى الكبر والفخر. وللعز حد، إذا جاوزه كان كبرًا وخلقًا مذمومًا، وإن قصر عنه انحرف إلى الذل والمهانة. وضابط هذا كله العدل، وهو الأخذ بالوسط الموضوع بين طرفي الإفراط والتفريط، وعليه بناء مصالح الدنيا والآخرة. بل لا تقوم مصلحة البدن إلا به، فإنه متى خرج بعض أخلاطه عن العدل وجاوزه أو نقص عنه، ذهب من صحته وقوته بحسب ذلك. وكذلك الأفعال الطبيعية كالنوم والسهر والأكل والشرب والجماع والحركة والرياضة والخلوة والمخالطة وغير ذلك، إذا كانت وسطًا بين الطرفين المذمومين كانت عدلًا، وإن انحرفت إلى أحدهما كانت نقصًا وأثمرت نقصًا.
فصل: أصل الأخلاق المذمومة والمحمودة.
أصل الأخلاق المذمومة كلها الكبر والمهانة والدناءة، وأصل الأخلاق المحمودة كلها الخشوع وعلو الهمة. فالفخر والبطر والأشر والعجب والحسد والبغي والخيلاء والظلم والقسوة والتجبر والإعراض وإباء قبول النصيحة والاستئث وطلب العلو وحب الجاه والرئاسة وأن يحمد بما لم يفعل أمثال ذلك كلها ناشئة من الكبر. وأما الكذب والخسه والخيانه والرياء والمكر والخديعة والطمع والفزع والجبن والبخل والعجز والكسل والذل لغير الله واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير ونحو ذلك، فكلها من المهانه والدناءة وصغر النفس. وأما الأخلاق الفاضلة كالصبر والشجاعة والعدل والمروءة والعفة والصيانة والجود والحلم والعفو والصفح والاحتمال والإيثار وعزة النفس عن الدناءات والتواضع والقناعة والصدق والإخلاص والمكافأة على الإحسان بمثله أو أفضل والتغافل عن زلات الناس وترك الاشتغال بما لا يعنيه وسلامة القلب من تلك الأخلاق المذمومة ونحو ذلك، فكلها ناشئة عن الخشوع وعلو الهمة. والله سبحانه أخبر عن الأرض بأنها تكون خاشعة، ثم ينزل عليها الماء فتهتز وتربو وتأخذ زينتها وبهجتها، فكذلك المخلوق منها إذا أصابه حظه من التوفيق. وأما النار فطبعها العلو والإفساد، ثم تخمد فتصير أحقر شيء وأذله، وكذلك المخلوق منها. فهي دائمًا بين العلو إذا هاجت واضطربت، وبين الخسة والدناءة إذا خمدت وسكنت. والأخلاق المذمومة تابعة للنار والمخلوق منها، والأخلاق الفاضلة تابعة للأرض والمخلوق منها. فمن علت همته وخشعت نفسه، اتصف بكل خلق جميل. ومن دنت همته وطغت نفسه، اتصف بكل خلق رذيل.
فصل: دواعي الإخلاص.
لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس، إلا كما يجتمع الماء والنار والضب والحوت. فإذا حدثتك نفسك بطلب الإخلاص، فأقبل على الطمع أولًا فاذبحه بسكين اليأس، وأقبل على المدح والثناء فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة. فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح، سهل عليك الإخلاص. فإن قلت: وما الذي يسهل علي ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح؟ قلت: أما ذبح الطمع فيسهله عليك علمك يقينًا أنه ليس من شيء يطمع فيه إلا وبيد الله وحده خزائنه، لا يملكها غيره، ولا يؤتي العبد منها شيئًا سواه. وأما الزهد في الثناء والمدح فيسهله عليك علمك أنه ليس أحد ينفع مدحه ويزين، ويضر ذمه ويشين، إلا الله وحده. كما قال ذلك الأعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم: "إن مدحي زين وذمي شيء". فقال: "ذلك الله عز وجل". فازهد في مدح من لا يزينك مدحه، وفي ذم من لا يشينك ذمه، وارغب في مدح من كل الزين في مدحه، وكل الشين في ذمه. ولن تقدر على ذلك إلا بالصبر واليقين، فمتى فقدت الصبر واليقين، كنت كمن أراد سفر في البحر في غير مركب. قال تعالى: {فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون}. وقال تعالى: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا باياتنا يوقنون}.
فصل: أكمل الناس لذة.
لذة كل أحد على حسب قدره وهمته وشرف نفسه. فأشرف الناس وأعلاهم همة وأرفعهم قدرًا من لذته في معرفة الله ومحبته والشوق إلى لقائه، والتودد إليه بما يحبه ويرضاه. فلذته في إقبال عليه وعكوف همته عليه. ودون ذلك مراتب لا يحصيها إلا الله، حتى تنتهي إلى من لذته في أخس الأشياء من القاذورات والفواحش في كل شيء من الكلام والفعال والأشغال. فلو عرض عليه ما يلتذ به الأول، لم تسمح نفسه بقبوله ولا الالتفات إليه، وربما تالمت من ذلك. كما أن الأول إذا عرض عليه ما يلتذ به هذا، لم تسمح نفسه به ولم تلتفت إليه، ونفرت نفسه منه. وأكمل الناس لذة من جمع له بين لذة القلب والروح ولذة البدن، فهو يتناول لذاته المباحة على وجه لا ينقص حظه من الدار الآخرة، ولا يقطع عليه لذة المعرفة والمحبة والأنس بربه. فهذا ممن قال تعالى فيه: {هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة}. وأبخسهم حظًا من اللذة من تناولها على وجه يحول بينه وبين لذات الآخرة، فيكون ممن يقال لهم يوم استيفاء اللذات: {اذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا استمتعتم بها}.
من فوائد ترك الذنوب والمعاصي.
سبحان الله رب العالمين! لو لم يكن في ترك الذنوب والمعاصي إلا إقامة المروءة، وصون العرض، وحفظ الجاه، وصيانة المال الذي جعله الله قوامًا لمصالح الدنيا والآخرة، ومح محبة الخلق وجواز القول بينهم، وصلاح المعاش، وراحة البدن، وقوة القلب، وطيب النفس، ونعيم القلب، وانشراح الصدر، والأمن من مخاوف الفساق والفجار، وقلة الهم والغم والحزن، وعز النفس عن احتمال الذل، وصون نور القلب أن تطفئه ظلمة المعصية، وحصول المخرج له مما ضاق على الفساق والفجار، وتيسير الرزق عليه من حيث لا يحتسب، وتيسير ما عسر على أرباب الفسوق والمعاصي، وتسهيل الطاعات عليه، وتيسير العلم والثناء الحسن في الناس، وكثرة الدعاء له، والحلاوة التي يكتسبها وجهه، والمها هابه التي تلقى له في قلوب الناس، وانتصارهم وحميتهم له إذا أوذي وظلم، وذبهم عن عرضه إذا اغتابه مغتاب، وسرعة إجابة دعائه، وزوال الوحشة التي بينه وبين الله، وقرب الملائكة منه، وبعد شياطين الإنس والجن عنه، وتنافس الناس على خدمته وقضاء حوائجه، وخطبتهم لمودته وصحبته، وعدم خوفه من الموت بل يفرح به لقدومه على ربه ولقائه له ومصيره إليه، وصغر الدنيا في قلبه وكبر الآخرة عنده، وحرصه على الملك الكبير والفوز العظيم فيها، وذوق حلاوة الطاعة، ووجد حلاوة الإيمان، ودعاء حملة العرش ومن حوله من الملائكة له، وفرح الكاتبين به ودعاؤهم له كل وقت، والزيادة في عقله وفهمه وإيمانه ومعرفته، وحصول محبة الله له وإقباله عليه، وفرحه بتوبته. وهكذا يجازيه بفرح وسرور لا نسبة له إلى فرحه وسروره بالمعصية بوجه من الوجوه. فهذه بعض آثار ترك المعاصي في الدنيا. فإذا مات، تلقته الملائكة بالبشرى من ربه بالجنه، وبأنه لا خوف عليه ولا حزن، وينتقل من سجن الدنيا وضيقها إلى روضة من رياض الجنة ينعم فيها إلى يوم القيامة. فإذا كان يوم القيامة، كان الناس في الحر والعرق وهو في ظل العرش. فإذا انصرفوا من بين يدي الله، أخذ به ذات اليمين مع أوليائه المتقين وحزبه المفلحين. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
فصل: حاجة الخلاء ق إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.
لما كمل الرسول صلى الله عليه وسلم مقام الافتقار إلى الله سبحانه، أحوج الخلائق كلهم إليه في الدنيا والآخرة. أما حاجتهم إليه في الدنيا فأشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب والنفس الذي به حياة أبدانهم. وأما حاجه إليه في الآخرة، فإنهم يستشفعون بالرسل إلى الله حتى يريحهم من ضيق مقامهم. فكلهم يتأخر عن الشفاعة، فيشفع لهم وهو الذي يستفتح لهم باب الجنة.
فصل: من علامات السعادة والفلاح.
من علامات السعادة والفلاح أن العبد د كلما زيد في علمه، زيد في تواضعه ورحمته. وكلما زيد في عمله، زيد في خوفه وحذره. وكلما زيد في عمره، نقص من حرصه. وكلما زيد في ماله، زيد في سخائه وبذله. وكلما زيد في قدره وجاهه، زيد في قربه من الناس وقضاء حوائجهم والتواضع لهم. وعلامات الشقها خاوه أنه كلما زيد في علمه، زيد في كبره وتيهه. وكلما زيد في عمله، زيد في فخره واحتقاره للناس وحسن ظنه بنفسه. وكلما زيد في عمره، زيد في حرصه. وكلما زيد في ماله، زيد في بخله وإمساكه. وكلما زيد في قدره وجاهه، زيد في كبره وتيههيه. وهذه الأمور ابتلاء من الله وامتحان، يبتلي بها عباد، فيسعد بها أقوام ويشقى بها أقوام. وكذلك الكرامات امتحان وابتلاء كالملك والسلطان والمال. قال تعالى عن نبيه سليمان لما رأى عرش بلقيس عنده: {هذا من فضل ربي ليبلوني اشكر ام اكفر}. فالنعم ابتلاء من الله وامتحان، يظهر بها شكر الشكور وكفر الكفور، كما أن المحن بلوى منه سبحانه. فهو يبتلي بالنعم كما يبتلي بالمصائب. قال تعالى: {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن واما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي اهانا كلا}. أي ليس كل من وسعت عليه وأكرمته ونعمته يكون ذلك إكرامًا مني له، ولا كل من ضيقت عليه رزقه وابنيته يكون ذلك إهانة منيله.
فصل: أركان الكفر الأربعة.
أركان الكفر أربعة: الكبر والحسد والغضب والشهوة. فالكبر يمنعه الانقياد، والحسد يمنعه قبول النصيحة وبذلها، والغضب يمنعه العدل، والشهوة تمنعه التفرغ للعبادة. ومنشأ هذه الأربعة من جهله بنفسه، فإنه لو عرف ربه بصفات الكمال ونعوت الجلال، وعرف نفسه بالنقائص والآفات، لم يتكبر ولم يغضب لها ولم يحسد أحدًا على ما آتاه الله. فإن الحسد في الحقيقة نوع من معاداة الله، فإنه يكره نعمة الله على عبده وقد أحبها الله، ويحب زوالها عنه والله يكره ذلك، فهو مضاد لله في قضائه وقدره ومحبته وكراهته. ولذلك كان إبليس عدوه حقيقة، لأن ذنبه كان عن كبر وحسد. فقلع هاتين الصفتين بمعرفة الله وتوحيده والرضا به وعنه والإنابة إليه. وقلع الغضب بمعرفة النفس وأنها لا تستحق أن يغضب لها وينتقم لها، فإن ذلك إيثار لها بالرضا والغضب على خالقها وفاطرها. وأعظم ما تدفع به هذه الآفة أن يعودها أن تغضب له سبحانه وترضى له. فكلما دخ من الغضب والرضا له، خرج منها مقابله من الغضب والرضا لها، وكذا بالعكس. أما الشهوة فداؤها صحة العلم والمعرفة بأن إعطائها شهواتها أعظم أسباب حرمانها إياها ومنعها منها، وحميتها أعظم أسباب اتصالها إليها. فكلما ما فتحت عليها باب الشهوات، كنت ساعيًا في حرمانها إياها. وكلما أغلقت عنها ذلك الباب، كنت ساعيًا في إيصالها إليها على أكمل الوجوه. فالغضب مثل السبع إذا أفلته صاحبه، بدأ بأكله. والشهوة مثل النار إذا أضرمها صاحبها، بدأت بإحراقه. والكبر بمنزلة منازعة الملك ملكه، فإن لم يهلكك طردك عنه. والحسد بمنزلة معاداة من هو أقدر منك. والذي يغلب شهوته وغضبه، يفرق الشيطان من ظله. ومن تغلبه شهوته وغضبه، يفرق من خياله.
فصل: غراس العمر.
السنة شجرة، والشهور فروعها، والأيام أغصانها، والساعات أوراقها، والأنفاس ثمرها. فمن كانت أنفاسه في طاعة، فثمرة شجرته طيبة. ومن كانت في معصية، فثمرته حنظل. وإنما يكون الجداد يوم المعاد، فعند الجداد يتبين حلو الثمار من مرها. والإخلاص والتوحيد شجرة في القلب، فروعها الأعمال، وثمرها طيب الحياة في الدنيا والنعيم المقيم في الآخرة. وكما أن ثمار الجنة لا مقطوعة ولا ممنوعة، فثمرة التوحيد والإخلاص في الدنيا كذلك. والشرك والكذب والرياء شجرة في القلب، ثمرها في الدنيا الخوف والهم والغم وضيق الصدر وظلمة القلب، وثمرها في الآخرة الزقوم والعذاب المقيم. وقد ذكر الله هاتين الشجرتين في سورة إبراهيم.
فصل: حياة الأرواح.
خلق بدن ابن آدم من الأرض، وروحه من ملكوت السماء، وقرن بينهما. فإذا جاع بدنه وأسره وأقامه في الخدمة، وجدت روحه خفة وراحة، فتاقت إلى الموضع الذي خلقت منه، واشتاقت إلى عالمها العلوي. وإذا أشبعه ونعمه ونومه واشتغل بخدمته وراحته، أخلد البدن إلى الموضع الذي خلق منه، فانجذبت الروح معه فصارت في السجن. فلولا أنها السجن، لاستغاثت من المفارقتها وانقطاعها عن عالمها الذي خلقت منه، كما يستغيث المعذب. وبالجملة فكلما خف البدن، لطفت الروح وخفت وطلبت عالمها العلوي. وكلما ثقل وأخلد إلى الشهوات والراحة، ثقلت الروح وهبطت من عالمها وصارت أرضية سفلية.
فصل: أنواع معرفه سبحانه.
معرفته سبحانه نوعان:
الأول: معرفة إقرار، وهي التي اشترك فيها الناس البر والفاجر والمطيع والعاصي.
والثاني: معرفة توجب الحياء منه والمحبة إليه، وتعلق القلب به، والشوق إلى لقائه، وخشيته، والإنابة إليه، والأنس به، والفرار من الخلق إليه.
ولهذه المعرفة بابان واسعان:
الباب الأول: التفكر والتأمل في آيات القرآن كلها، والفهم الخاص عن الله ورسوله.
والباب اني: التفكر في آياته المشهودة، وتأمل حكمته فيها وقدرته ولطفه وإحسانه وعدله وقيامه بالقسط على خلقه. وجماع ذلك الفقه في معاني أسمائه الحسنى وجلالها وكمالها وتفرده بذلك، وتعلقها بالخلق والأمر. فيكون كون فقيهًا في أوامره ونواهيه، فقيهًا في قضائه وقدره، فقيهًا في أسمائه وصفاته، فقيهًا في الحكم الديني الشرعي والحكم الكوني القدري. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
فصل: أنواع الدراهم.
الدرا ابراهيم أربعة:
درهم اكتسب بطاعة الله وأخرج في حق الله، فذاك خير الدراهم. ودرهم اكتسب بمعصية الله وأخرج في معصية الله، فذاك شر الدراهم. ودرهم اكتسب بأذى مسلم وأخرج في أذى مسلم، فهو كذلك. ودرهم اكتسب بمبا مباح وأنفق في شهوة مباحة، فذاك لا له ولا عليه. هذه أصول الدراهم، ويتفرع عليها دراهم أخر. منها: درهم اكتسب بحق وأنفق في باطل. ودرهم اكتسب بباطل وأنفق في حق، فإنفاقه كفارته. ودرهم اكتسب من شبهة، فكفارته أن ينفق في طاعة. وكما يتعلق الثواب والعقاب والمدح والذم بإخراج الدرهم، فكذلك يتعلق باكتسابه. وكذلك يسأل عن مستخرجه ومصروفه: من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟
فصل: أنواع المواساة للمؤمنين.
المواساة للمؤمنين أنواع:
مواساة بالمال. ومواساة بالجاه. ومواساة بالبدن والخدمة. ومواساة بالنصيحة والإرشاد. ومواساة بالدعاء والاستغفار لهم. ومواساة بالتوجع لهم. وعلى قدر الإيمان تكون هذه المواساة، فكلما ضعف الإيمان ضعفت المواساة، وكلما قوي قوي. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم الناس مواساة لأصحابه بذلك كله، فلاتباعه من المواساة بحسب اتباعهم له.
فصل: أقسام النعم.
النعم ثلاثة:
نعمة حاصلة يعلم بها العبد. ونعمة منتظرة يرجوها. ونعمة هو فيها لا يشعر بها. فإذا أراد الله إتمام نعمته على عبده، عرفه نعمته الحاضرة، وأعطاه من شكره قيدًا يقيدها به حتى لا تشرد، فإنها تشرد بالمعصية وتقيد بالشكر. ووفقه لعمل عمل يستجلب به النعمة المنتظرة، وبصره بالطرق التي تسدها وتقطع طريقها، ووفقه لاجتنابها، وإذا بها قد وافت إليه على أتم الوجوه. وعرفه النعم التي هو فيها ولا يشعر بها.
قاعدة جليلة: أهمية الخواطر والتصورات.
مبدأ كل علم نظري وعمل اختياري هو الخواطر والأفكار، فإنها توجب التصورات، والتصورات تدعو إلى الإرادات، والإرادات تقتضي وقوع الفعل، وكثرة تكراره تعطي العادة. فصلاح هذه المراتب بصلاح الخواطر والأفكار، وفسادها بفسادها. فصلاح الخواطر بأن تكون مراقبة لوليها وإلهها، صاعدة إليه، دائرة على مرضاته ومحابه، فإنه سبحانه به كل صلاح، ومن عنده كل هدى، ومن توفيقه كل رشد، ومن توليه لعبده كل حفظ، ومن توليه وإعراضه عنه كل ضلال وشقى. فيظفر العبد بكل خير وهدى ورشد بقدر إثبات عين فكرته في آلائه ونعمه وتوحيده وطرق معرفته وطرق عبوديته، وإنزاله إياه حاضرًا معه، مشاهدًا له، ناظرًا إليه، رقيبًا عليه، مطلعًا على خواطره وإرادته وهمه. فحينئذ يستحيي منه ويجله أن يطلعه منه على عورة يكره أن يطلع عليها مخلوق مثله، أو يرى في نفسه خاطرًا يمقته عليه. واعلم أن الخطرات والوساوس تؤدي متعلقاتها إلى الفكر، فيأخذها الفكر فيؤديها إلى التذكر، فيأخذها الذكر فيؤديها إلى الإرادة، فتأخذها الإرادة فتؤديها إلى الجوارح والعمل، فتستحكم فتصير عادة. فردها إلى مبادئها أسهل من قطعها بعد قوتها وتمامها. فإذا دفعت الخاطر الوارد عليك، اندفع عنك ما بعده. وإن.
قبلته صار فكراً جوالاً، فاستخدم الإرادة، فتساعدت هي والفكر على استخدام الجوارح. فإن تعذر استخدامها، رجع إلى القلب بالتمني والشهوة، وتوجهه إلى جهة المراد. وإياك أن تمكّن الشيطان من بيت أفكارك وإرادتك، فإنه يفسدها عليك فساداً يصعب تداركه، ويلقي إليك أنواع الوساوس والأفكار المضرة، ويحول بينك وبين الفكر فيما ينفعك. وأنت الذي أعنته على نفسك بتمكينه من قلبك وخواطرك، فملكها عليك.
والذي يلقيه الشيطان في النفس لا يخرج عن الفكر فيما كان ودخل في الوجود، لو كان على خلاف ذلك، وفيما لم يكن، لو كان كيف يكون، أو فيما يملك الفكر فيه من أنواع الفواحش والحرام، أو في خيالات وهمية لا حقيقة لها، أو في باطل، أو فيما لا سبيل إلى إدراكه من أنواع ما طوي عنه علمه، فيلقيه في تلك الخواطر التي لا يبلغ منها غاية، ولا يقف منها على نهاية، فيجعل ذلك مجال فكره ومسرح وهمه.
وجماع إصلاح ذلك أن تشغل فكرك في باب العلوم والتصورات بمعرفة ما يلزمك من التوحيد وحقوقه، وفي الموت وما بعده إلى دخول الجنة والنار، وفي آفات الأعمال وطرق التحرز منها. وفي باب الإرادات والعزوم أن تشغل نفسك بإرادة ما ينفعك إرادته، وطرح إرادة ما يضرك إرادته. وعند العارفين أن تمني الخيانة وإشغال الفكر والقلب أضر على القلب من نفس الخيانة، ولا سيما إذا فرغ قلبه منها بعد مباشرتها، فإن تمنيها يشغل القلب ويملاه منها، ويجعلها همه ومراده.
فائدة: لا تملّ النعم من الآفات الخفية العامة أن يكون العبد في نعمة أنعم الله بها عليه واختارها له، فيملها ويطلب الانتقال منها إلى ما يزعم لجهله أنه خير له منها، وربه برحمته لا يخرجه من تلك النعمة ويعذره بجهله وسوء اختياره لنفسه، حتى إذا ضاق ذرعاً بتلك النعمة وسخطها وتبرم بها واستحكم ملله لها، سلبه الله إياها. فإذا انتقل إلى ما طلبه ورأى التفاوت بين ما كان فيه وما صار إليه، اشتد قلقه وندمه وطلب العودة إلى ما كان فيه.
فإذا أراد الله بعبده خيراً ورشداً، أشهمه أن ما هو فيه نعمة من نعمه عليه، ورضاه به، وأوزعه شكره عليه. فإذا حدثته نفسه بالانتقال عنه، استخار ربه استخارة جاهل بمصلحته عاجز عنها، ها مفوض إلى الله طالب منه حسن اختياره له. وليس على العبد أضر ملله لنعم الله، فإنه لا يراها نعمة ولا يشكره عليها ولا يفرح بها، بل يسخطها ويشكوها ويعدها مصيبة، وهذا وهي من أعظم نعم الله عليه. فاكثر الناس أعداء نعم الله عليهم ولا يشعرون، بفتح الله عليهم نعمة وهم مجتهدون في دفعها وردها جهلاً وظلماً. فكم سعت إلى أحدهم من نعمة وهو ساعٍ في ردها بجهده، وكم وصلت إليه وهو ساعٍ في دفعها وزوالها بظلمه وجهله.
قال تعالى: "ذلك بأن الله لم يكن مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" وقال تعالى: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم". فليس للنعم أعدى من نفس العبد، فهو مع عدوه ظهير على نفسه، فعدوه يطرح النار في نعمه وهو ينفخ فيها، فهو الذي مكنه من طرح النار ثم أعانه بالنفخ، فإذا اشتد ضرامها استغاث من الحريق، وكان غايته معاتبة الأقدار، وعاجز الرأي مضيع لفرصته، حتى إذا فات أمر عاتب القدَر.
فصل: صدقُ الله مع الله ليس للعبد شيء أنفع من صدقه ربه في جميع أموره مع صدق العزيمة، فيصدقه في عزمه وفي فعله. قال تعالى: "فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيراً لهم". فسعادته في صدق العزيمة وصدق الفعل، فصدق العزيمة جمعها وجزمها وعدم التردد فيها، بل تكون عزيمة لا يشوبها تردد ولا لوم. فإذا صدقت عزيمته بقي عليه صدق الفعل، وهو استفراغ الوسع وبذل الجهد فيه، وأن لا يتخلف عنه بشيء من ظاهره وباطنه. فعزيمة القصد تمنعه من ضعف الإرادة والهمة، وصدق الفعل يمنعه من الكسل والفتور. ومن صدق الله في جميع أموره صنع الله له فوق ما يصنع لغيره، وهذا الصدق معنى يلتئم من صحة الإخلاص وصدق التوكل. فأصدق الناس من صح إخلاصه وتوكله.
فصل: أعظم الظلم والجهل لأن تطلب التعظيم والتوقير لك من الناس وقلبك خالٍ من تعظيم الله وتوقيره، فإنك توقر المخلوق وتجله أن يراك في حال لا توقر الله أن يراك عليها. قال تعالى: "ما لكم لا ترجون لله وقاراً". والمقصود أن من لا يوقر الله وكلامه وما آتاه من العلم والحكمة، كيف يطلب من الناس توقيره وتعظيمه؟
القرآن والعلم وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم صلاة من الحق وتنبيهات وروادع وزواجر واردة إليك، والشيب زاجر ورادع موقظ قائم بك، فلا ما ورد إليك وعظك، ولا ما قام بك نصحك. ومع هذا تطلب التوقير والتعظيم من غيرك، فأنت كمصاب لم تؤثر فيه مصيبته وعظاً وانزجاراً، وهو يطلب من غيره أن يتعظ وينزجر بالنظر إلى مصابه. فالضرب لم يؤثر فيه زجراً، وهو يريد الانزجار ممن نظر إلى ضربه.
فالطالب الصادق في طلبه كلما خرب شيء من ذاته جعله عمارة لقلبه وروحه، وكلما نقص شيء من دنياه جعله زيادة في آخرته، وكلما منع شيئاً من لذات دنياه جعله زيادة في لذات آخرته، وكلما ناله هم أو حزن أو غم جعله في أفراح آخرته. فنقصانه بدنه ودنياه ولذته وجاهه ورئاسته إن زاد في حصول ذلك وتوفيره عليه في معاده كان رحمة به وخيراً له، وإلا كان حرماناً وعقوبة على ذنوب ظاهرة أو باطنة، أو ترك واجب ظاهر أو باطن، فإن حرمان خير الدنيا والآخرة مرتب على هذه الأربعة. وبالله التوفيق.
فائدة جليلة: السفر إلى الله تعالى الناس منذ خلقوا لم يزالوا مسافرين، وليس لهم حط عن رحالهم إلا في الجنة أو النار. والعاقل يعلم أن السفر مبني على المشقة وركوب الأخطار، ومن المحال عادة أن يطلب فيه نعيم ولذة وراحة، إنما ذلك بعد انتهاء السفر. ومن المعلوم أن كل وطأة قدم أو كل هنئة السفر غير واقفة، ولا المكلف واقف، وقد ثبت أنه مسافر على الحال التي يجب أن يكون المسافر عليها من تهيئة الزاد الموصل. وإذا نزل أو نام أو استراح فعلى قدم الاستعداد للسير.
فائدة جليلة: من مداخل الشيطان على العبد كل ذي لب يعلم أنه لا طريق للشيطان عليه إلا من ثلاث جهات: إحداها التزيين والإسراف، فيزيد على قدر الحاجة فتصير فضلة وهي حظ الشيطان ومدخله إلى القلب. وطريق الاحتراز منه الاحتراز من إعطاء النفس تمام مطلوبها من غذاء أو نوم أو لذة أو راحة، فمتى أغلقت هذا الباب حصل الأمان من دخول العدو منه. الثانية الغفلة، فإن الذاكر في حصن الذكر، فمتى غفل فتح باب الحصن فولجه العدو فيعسر عليه أو يصعب إخراجه. الثالثة تكلف ما لا يعنيه من جميع الأشياء.
فائدة: أفضل الذكر وأنفعه من الذاكرين من يبتدئ بذكر اللسان، وإن كان على غفلة، ثم لا يزال فيه حتى يحضر قلبه فيتواطأ على الذكر. ومنهم من لا يرى ذلك ولا يبتدئ على غفلة، بل يسكن حتى يحضر قلبه فيشرع في الذكر بقلبه، فإذا قوي استتبع لسانه فتواطأ جميعاً. فالأول ينتقل الذكر من لسانه إلى قلبه، والثاني ينتقل من قلبه إلى لسانه من غير أن يخلو قلبه منه، بل يسكن أولاً حتى يحس بظهور الناطق فيه، فإذا أحس بذلك نطق قلبه، ثم انتقل النطق القلبي إلى الذكر اللساني، ثم يستغرق في ذلك حتى يجد كل شيء منه ذاكراً. وأفضل الذكر وأنفعه ما تواطأ فيه القلب اللسان، وكان من الأذكار النبوية، وشهد الذاكر معانيه ومقاصده.
فصل: أنفع الناس للناس أنفع الناس لك رجل مكنك من نفسه حتى تزرع فيه خيراً أو تصنع إليه معروفاً، فإنه نعم العون لك على منفعتك وكمالك، فأنتفاعك به في الحقيقة مثل انتفاعه بك أو أكثر. وأضر الناس عليك من مكن نفسه منك حتى تعصي الله فيه، فإنه عون على مضرتك ونقصك.
فائدة جليلة: حفظ الجوارح لله على العبد في كل عضو من أعضائه أمر، وله عليه فيه نهي، وله فيه نعمة، وله به منفعة ولذة. فإن قام لله في ذلك العضو بأمره واجتنب فيه نهيه، فقد أدى شكر نعمته عليه فيه، وسعى في تكميل انتفاعه ولذته به. وإن عطل أمر الله ونهيه فيه، عطله الله من انتفاعه بذلك العضو وجعله من أكبر أسباب المه ومضرته. وله عليه في كل وقت من أوقاته عبودية تقدمه إليه وتقربه منه، فإن شغل وقته بعبودية وقت تقدم إلى ربه، وإن شغله بهوى أو راحة وبطالة تأخر. فالعبد لا يزال في تقدم أو تأخر، ولا وقوف في الطريق البته. قال تعالى: "لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر".
فائدة جليلة: فرق قلبك من غير الله تعالى ترك الشهوات لله، وإن أنجى من عذاب الله وأوجب الفوز برحمته، فذخائر الله وكنوز البر ولذة الأنس والشوق إليه والفرح والابتهاج به لا تحصل في قلب فيه غيره، وإن كان من أهل العبادة والزهد والعلم. فإن الله سبحانه أبى أن يجعل ذخائره في قلب فيه سواه وهمته متعلقة بغيره، وإنما يودع ذخائره في قلب يرى الفقر غنى مع الله، والغنى فقراً دون الله، والعز ذلاً دونه، والذل عزاً معه، والنعيم عذاباً دونه، والعذاب نعيماً معه. وبالجملة فلا يرى الحياة إلا به ومعه، والموت والألم والهم والغم والحزن إذا لم يكن معه. فهذا له جنتان: جنة في الدنيا معجلة، وجنة يوم القيامة.
فائدة جليلة: حقيقة الإنابة هي عكوف القلب على الله عز وجل كاعتكاف البدن في المسجد لا يفارقه. وحقيقة ذلك عكوف القلب على محبته وذكره بالإجلال والتعظيم، وعكوف الجوارح على طاعته بالإخلاص له والمتابعة لرسوله. ومن لم يعكف قلبه على الله وحده، عكف على التماثيل المتنوعة، كما قال إمام الحنفاء لقومه: "ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون".
قاعدة نافعة: أنفع الفكر أصل الخير والشر، الشر من قبل التفكر، فإن الفكر مبدأ الإرادة والطلب في الزهد والترك والحب والبغض. وأنفع الفكر الفكر في مصالح المعاد وفي طرق اجتلابها، وفي دفع مفاسد المعاد وفي طرق اجتنابها. فهذه أربعة أفكار هي أجل الأفكار. ويليها أربعة: فكر في مصالح الدنيا وطرق تحصيلها، وفكر في مفاسد الدنيا وطرق الاحتراز منها. فعلى هذه الأقسام الثمانية دارت أفكار العقلاء.
قاعدة نافعة: جوامع الخير: الطلب لقاح الإيمان، فإذا اجتمع الإيمان والطلب أثمر العمل الصالح. وحسن الظن بالله لقاح الافتقار والاضطرار إليه، فإذا اجتمع أثمر إجابة الدعاء. والخشية لقاح المحبة، فإذا اجتمع أثمر امتثال الأوامر واجتناب المناهي. والصبر لقاح اليقين، فإذا اجتمع أورث الإمامة في الدين. قال تعالى: "وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون". وصحة الاقتداء بالرسول لقاح الإخلاص، فإذا اجتمع أثمر قبول العمل والاعتداد به. والعمل لقاح العلم، فإذا اجتمع كان الفلاح والسعادة، وإنفرد أحدهما عن الآخر لم يفد شيئاً. والحلم لقاح العلم، فإذا اجتمع حصلت سيادة الدنيا والآخرة وحصل الانتفاع بعلم العالم، وإنفرد أحدهما عن صاحبه فات النفع والانتفاع. والعزيمة لقاح البصيرة، فإذا اجتمعا نال صاحبهما خير الدنيا والآخرة وبلغت به همته من العلياء كل مكان، فتخلف الكمالات إما من عدم البصيرة، وإما من عدم العزيمة. وحسن القصد لقاح صحة الذهن، فإذا فقد فقد الخير كله، وإذا اجتمع أثمر أنواع الخيرات. وصحة الرأي لقاح الشجاعة، فإذا اجتمع كان النصر والظفر، وإن فقد فالخذلان والخيبة. وإن وجد الرأي بلا شجاعة فالجبن والعجز، وإن حصلت الشجاعة بلا رأي فالتهور والعطب. والصبر لقاح البصيرة، فإذا اجتمعا فالخير في اجتماعهما. قال الحسن: إذا شئت أن ترى بصيراً لا صبر له رأيته، وإذا شئت أن ترى صابراً لا بصيرة له رأيته، فإذا رأيت صابراً بصيراً فذاك. والنصيحة لقاح العقل، فكلما قويت النصيحة قوي العقل واستنار. والتذكر والتفكر كل منهما لقاح الآخر، إذا اجتمع أنتج الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة. والتقوى لقاح التوكل، فإذا اجتمع استقام القلب. ولقاح أخذ أهبة الاستعداد للقاء قصر الأمل، فإذا اجتمع فالخير كله في اجتماعهما والشر في فرقتهما. ولقاح الهمة العالية النية الصحيحة، فإذا اجتمع بلغ العبد غاية المراد.
قاعدة جليلة: حالنا مع الصلاة للعبد بين يدي الله موقفان: موقف بين يديه في الصلاة، وموقف بين يديه يوم لقائه. فمن قام بحق الموقف الأول هون عليه الموقف الآخر، ومن استهان بهذا الموقف ولم يوفه حقه شدد عليه ذلك الموقف. قال تعالى: "ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلاً طويلاً. إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوماً ثقيلاً".
قاعدة نافعة: الفرق بين لذة الدنيا ولذة الآخرة اللذة من حيث هي مطلوبة للإنسان بل ولكل حي، فلا تذم من جهة كونها لذة، وإنما تذم ويكون تركها خيراً من نيلها وأنفع إذا تضمنت فوات لذة أعظم منها وأكمل، أو أعقبت ألماً حصوله أعظم من ألم فواتها. فها هنا يظهر الفرق بين العاقل الفطن والأحمق الجاهل. فمتى عرف العقل التفاوت بين اللذتين والألمين وأنه لا نسبة لأحدهما إلى الآخر، هان عليه ترك أدنى اللذتين لتحصين أعلاهما، واحتمال أيسر الألمَين لدفع أعلاهما. وإذا تقررت هذه القاعدة فلذة الآخرة أعظم وأدوم، ولذة الدنيا أصغر وأقصر، وكذلك الآخرة والم الدنيا. والمعول في ذلك على الإيمان واليقين، فإذا قوي اليقين وباشر القلب أثر الأعلى على الأدنى في جانب اللذة، واحتمل الألم الأسهل على الأصعب. والله المستعان.
فائدة جليلة: أدب الأنبياء في الدعاء قال تعالى: "وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين". جمع في هذا الدعاء بين حقيقة التوحيد، وإظهار الفقر والفاقة إلى ربه، ووجود طعم المحبة في التملق له، والإقرار له بصفة الرحمة وأنه أرحم الراحمين، والتوسل إليه بصفاته سبحانه، وشدة حاجته هو وفقره. ومتى وجد المبتلى هذا كشفت عنه بلوته. وقد جرب أنه من قالها سبع مرات ولا سيما هذه المعرفة كشف الله ضره. وقوله تعالى عن يوسف نبيه أنه قال: "أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلماً وألحقني بالصالحين". جمعت هذه الدعوة الإقرار بالتوحيد، والاستسلام للرب، وإظهار الافتقار إليه، والبراءة من موالاة غيره سبحانه، وكون الوفاة على الإسلام أجل غايات العبد، وأن ذلك بيد الله لا بيد العبد، والاعتراف بالمعاد والطلب مرافقة السعداء.
قاعدة جليلة: ففروا إلى الله قال تعالى: "وإن من شيء إلا عندنا خزائنه". متضمن لكنز من الكنوز وهو أن كل شيء لا يطلب إلا ممن عنده خزائنه ومفاتيح تلك الخزائن بيديه، وأن طلبه من غيره طلب ممن ليس عنده ولا يقدر عليه. وقوله: "وأن إلى ربك المنتهى". متضمن لكنز عظيم وهو أن كل مراد إن لم يرد لأجله ويتصل به فهو مضمحل منقطع قطع، فإنه ليس إليه المنتهى، وليس المنتهى إلا إلى الذي انتهت إليه الأمور كلها، فانتهى إلى خلقه ومشيئته وحكمته وعلمه، فهو غاية كل مطلوب وكل محبوب لا يحب لأجله فمحبته عناء وعذاب، وكل عمل لا يراد لأجله فهو ضائع وباطل، وكل قلب لا يصل إليه فهو شقي محجوب عن سعادته وفلاحه. فاجتمع ما يراد منه كله في قوله: "وإن من شيء إلا عندنا خزائنه". واجتمع ما يراد له كله في قوله: "وأن إلى ربك المنتهى". فليس وراءه سبحانه غاية تطلب، وليس دونه غاية إليها المنتهى. وتحت هذا سر عظيم من أسرار التوحيد وهو أن القلب لا يستقر ولا يطمئن ويسكن إلا بالوصول إليه، وكل ما سواه مما يحب ويراد فمراد لغيره، وليس المراد المحبوب لذاته إلا واحداً إليه المنتهى، ويستحيل أن يكون المنتهى إلى اثنين كما يستحيل أن يكون ابتداء المخلوقات من اثنين. فمن كان انتهاء محبته ورغبته وإرادته وطاعته إلى غيره بطل عليه ذلك وزال عنه وفارقه أحوج إليه، ومن كان انتهاء محبته ورغبته ورهبته وطلبه هو سبحانه ظافر بنعيمه ولذته وبهجته وسعادته أبد الآباد.
قاعدة جليلة: أسباب التوفيق والخذلان قد فكرت في هذا الأمر، فإذا أصله أن تعلم أن النعم كلها من الله وحده، نعم الطاعات ونعم اللذات، ففتر إليه أن يلهمك ذكرها ويوزعك شكرها. قال تعالى: "وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجارون". وقال: "فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون". وقال: "واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون". وكما أن تلك النعم منه ومن مجرد فضله، فذكرها وشكرها لا ينال إلا بتوفيقه. والذنوب من خذلانه وتخليته عن عبده وتخليته بينه وبين نفسه، وإن لم يكشف ذلك عن عبده فلا سبيل له إلى كشفه عن نفسه. فإذا هو مضطر إلى التضرع والابتهال إليه أن يدفع عنه أسبابها حتى لا تصدر. وإذا وقعت بحكم المقادير ومقتضى البشرية، فهو مضطر إلى التضرع والدعاء أن يدفع عنه موجباتها وعقوباتها. فلا ينفك العبد عن ضرورته إلى هذه الأصول الثلاثة، ولا فلاح له إلا بها: الشكر، وطلب العافية، والتوبة النصوح.
ومما ينبغي أن يعلم أن أسباب الخذلان مع بقاء النفس على ما خلقت عليه في الأصل وإهمالها وتخليتها، فأساب الخذلان منها وفيها. وأسباب التوفيق من جعل الله سبحانه لها قابلة للنعمة، فسبب التوفيق منه ومن فضله، وهو الخالق لهذه وهذه، كما خلق أجزاء الأرض هذه قابلة للنبات وهذه غير قابلة له، وخلق الشجر هذه تقبل الثمرة وهذه لا تقبلها، وخلق النحلة قابلة لأن يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه والزنبور غير قابل لذلك، وخلق الأرواح الطيبة قابلة لذكره وشكره ومحبته وإجلاله وتعظيمه وتوحيده ونصيحة عباده، وخلق الأرواح الخبيثة غير قابلة لذلك بل لضده، وهو الحكيم العليم.