Transcription
هل سمعتم عن القائد الذي مشى من بغداد إلى سور الصين العظيم؟ الرجل الذي لم توقفه جبال الثلج، ولا أنهار جيحون، ولا جيوش الترك؟ لكنه في النهاية لم يسقط بسيف عدو، أو رمح فارس غريب، بل سقط مقطوع الرأس بسيوف جنوده الذين فتح بهم نصف الأرض. إنه قتيبة بن مسلم الباهلي، فاتح المشرق، وأسطورة الفتوحات الأموية.
فقبل أن نبدأ رحلة الدم والذهب والخيانه في أراضي خراسان، أدعوك للاشتراك في القناة الآن لنتابع معًا أقوى قصص التاريخ، واكتب لنا في التعليقات ما هي المعركة التي تتمنى لو شاهدتها بعينك.
أما الآن، فلنعد بالزمن إلى العصر الذهبي للدولة الأموية الفتية، تحديدًا في زمن الخليفة القوي عبد الملك بن مروان ووليه الوليد، حيث كان العراق يغلي كالمرجل تحت حكم الحجاج بن يوسف الثقفي، ذلك الوالي المخيف الذي كانت ترتعد من ذكر اسمه الرجال والقادة. وفي تلك الأيام، كانت أنظار الحجاج تتجه نحو الشرق البعيد المضطرب، إلى إقليم خراسان الواسع الذي يمتد من إيران حتى حدود الهند. كانت تلك المنطقة مقبرة للولاة وساحة للفوضى والحروب القبلية، فالقبائل العربية هناك كانت مشغولة بقتال بعضها البعض، اليمانية ضد القيسية، وربيعة ضد مضر، في صراعات لا تنشد لها راية، بينما كان ملوك الترك والفرس ينتظرون اللحظة المناسبة للانقضاض.
أدرك الحجاج بدهائه السياسي أن خراسان يحتاج إلى نوع نادر من الرجال، لا يكفي أن يكون قائدًا عسكريًا، بل يجب أن يكون داهية وسفاحًا في آن. رجل لا ينتمي إلى القبائل الكبرى حتى لا يتعصب لطرف دون آخر. ووقع اختياره على شاب من قبيلة باهلة الصغيرة التي لا وزن لها، قتيبة بن مسلم، الذي كان يتمتع بطموح لا يحده سقف ولا جبل. استدعاه الحجاج إلى قصره في واسط، ونظر في عينيه نظرة اختبار، وقال له: "يا قتيبة، إني وليتك خراسان، فكن سيفًا على أعداء الدولة". وأوصاه بأن يشغل الجنود بالغزو والجهاد عن خلافاتهم الداخلية. فخرج قتيبة من عند الحجاج وهو يحمل عهد الولاية بين يديه، مدركًا أنه ذاهب في مهمة انتحارية قد لا يعود منها أبدًا.
وصل قتيبة إلى مدينة مرو، عاصمة خراسان، في سنة 86 للهجرة، فوجد الجيش ممزقًا، والقلوب متنافرة، والولاءات موزعة بين العشائر. فاجمع الناس في المسجد الجامع، وصعد المنبر وهو يرتدي درع الحرب. ولم يتكلم عن فضائل السلم، ولا عن الرخاء والوعود الكاذبة، بل خطب فيهم خطبة قصيرة وحاسمة كضربة السيف القاطع. قال لهم: "أيها الناس، إن الله قد أحلكم في هذه البلاد ليعز بكم دينه، وإني والله ما رأيت مثلكم في الشجاعة إن تركتم خلافاتكم. وأنا رجل لا أحب الكلام الكثير، بل أحب الفعل والطعن والضرب. فمن كان منكم يريد الجهاد والمغانم والمجد، فليلحق بي. ومن كان يريد الفتنة والنوم، فإن سيفي هذا سيكون أقرب إليه من ظله". فدب الرعب والحماس في قلوب الجنود في آن واحد، واستقام الأمر.
وبدأ قتيبة فورًا في إعادة هيكلة الجيش الإسلامي الضخم. فجعل كل قبيلة في كتيبة منفصلة تحت راية قائد منها، لكن الجميع يأتمرون بأمره هو وحده دون غيره. وكانت أولى خطواته هي استعادة هيبة المسلمين في إقليم طخارستان، حيث تمرد الملوك المحليون وظنوا أن انشغال العرب بالفتن فرصة. فزحف قتيبة بجيش جرار كالسيل نحو مدينة بلخ العريقة. وعندما رأى أهل بلخ غبار جيش قتيبه يسد الأفق، فتحوا الأبواب واستسلموا دون قتال خوفًا من بطش هذا القائد الجديد الصارم.
لكن قتيبة لم يكتفِ بهذا النصر السهل والسريع، فقد كان يعلم أن رأس الأفعى الحقيقي يكمن في مدينة بخارى، تلك المدينة المحصنة التي استعصت على كل من جاء قبلها، والتي يحكمها ملوك أشدّاء تتحالف معهم قبائل الترك الشرسه. فأصدرت الطبول أوامرها بالتحرك عبر نهر جحون العظيم، ذلك النهر الذي كان يمثل الحد الفاصل بين عالم العرب وعالم الترك. وعبر الجيش الإسلامي النهر في مشهد مهيب تقشعر له الأبدان، الخيول تسبح، الرايات السوداء ترف فوق المياه المتدفقة. وما أن وطئت أقدامهم الضفة الأخرى، حتى تغيرت التضاريس، أصبحوا الآن في بلاد ما وراء النهر، حيث الصحارى الباردة والأعداء الذين يكمنون خلف كل تلة وفي كل وادٍ ضيق.
وكان هدف قتيبة الأول هو مدينة بيكند، أو مدينة التجار، وهي مدينة غنية جدًا تعتبر بوابة بخارى ومخزن ثرواتها. فضرب حولها حصارًا خانقًا وقطع عنها كل طرق الإمداد. لكن أهل بيكند لم يكونوا مجرد تجار كما ظن البعض، بل كانوا مقاتلين يدافعون عن ذهبهم وأرضهم بشراسة مطلقة. واستنجدوا بقبائل السغد والترك لمهاجمة قتيبة من ظهره. فوجد قتيبة نفسه بين مطرقة المدينة المحاصرة وسندان الجيوش القادمة. كان موقفًا عصيبًا كاد أن يعصف بالحملة كلها في بدايتها.
لكن قتيبة برز في هذه اللحظة كقائد عبقري لا يعرف اليأس. قسم جيشه إلى قسمين بحركة تكتيكية بارعة وسريعة، قسم يستمر في حصار المدينة دون توقف لإشغال حاميتها، وقسم آخر من نخبة الفرسان يتصدى للجيوش القادمة من الخلف. ودارت معركة طاحنة في السهول المحيطة بالمدينة العنيدة، تطايرت فيها الرؤوس، واختلط صهيل الخيل بصيحات التكبير. ورأى جنود قتيبة قائدهم في قلب المعمعة لا يهاب الموت، مما بث في قلوبهم روح الثبات والإصرار على النصر. وانتهت المعركة بهزيمة جيوش الإمداد وفرارهم نحو الصحراء.
وعاد قتيبة ليشدد الخناق على مدينة بيكند، التي أيقنت بالهلاك، فأرسلوا يطلبون الصلح ودفع الجزية مقابل حقن الدماء. فوافق قتيبة وأخذ منهم أموالًا طائلة وأسلحة كثيرة، وترك فيها حامية صغيرة، وواصل سيره نحو الهدف الأكبر. لكن ما أن ابتعد الجيش قليلًا، حتى حدث ما لم يكن في الحسبان. فقد نقض أهل بيكند العهد، وقتلوا الحامية المسلمة ومثلوا بهم، وقطعوا أنوفهم وآذانهم في رسالة تحدٍ واضحة لقتيبة.
عندما وصل الخبر إلى قتيبة، توقف ونظر إلى خلفه بغضب، وأقسم أن يجعل من هذه المدينة عبرة لكل مدن الشرق. فأمر الجيش بالعودة فورًا، ونسف كل خطط التقدم المؤقتة، وعاد إلى بيكند كالإعصار المدمر الذي لا يبقي ولا يذر. واقتحم المدينة عنوة بعد حصار قصير ودموي جدًا، وأمر بقتل المقاتلة جميعًا، وسبي الذراري، وأخذ الأموال، ليعلم الجميع أن عهد قتيبه لا يمكن اللعب به أو نقضه.
وبعد أن فرغ من بيكند وأمن ظهره تمامًا من الخيانة، وجه وجهه شطر بخارى، حيث كانت تنتظره المواجهة الكبرى. تلك المدينة التي كانت تمثل القلب النابض لبلاد السغد، والتي اجتمعت فيها جيوش الترك من كل حدب وصوب، متحالفين لوقف الزحف الإسلامي الذي بدأ يقترب من عروشهم. وسار قتيبة بجنوده الذين أصبحوا يثقون به ثقة عمياء، يقطعون المفاوز والوديان، وعيونهم على أسوار بخارى العالية، حتى وصلوا إليها ورأوا جيوش العدو قد غطت السهل والجبل. فأدرك قتيبة أنه أمام اختبار هو الأصعب في مسيرته حتى الآن. فأمر جنوده بالنزول والاستعداد لملحمة سيذكرها التاريخ طويلًا.
ثم اندلعت المعركة التي اهتزت لها أركان الأرض والسماء. فقد خرجت جيوش الترك والسغد من حصونهم كالجراد المنتشر، يملؤون السهل صراخًا وضجيجًا يرعب القلوب والأفئدة. والتحم الجيشان في صراع دموي لم يشهد المشرق مثله. وكانت كفة المعركة في البداية تميل لصالح أهل بخارى بسبب كثرة عددهم ومعرفتهم بطبيعة الأرض والمكامن. فاضغطوا على ميمنة جيش قتيبة ضغطًا شديدًا كاد يكسرها، وتراجع المسلمون إلى الخلف تحت وطأة السهام والرماح، حتى وصل الترك إلى معسكر قتيبة وخيام النساء والأطفال.
وهنا حدث ما لم يتوقعه أحد في ساحة القتال المشتعلة. إذ خرجت نساء المسلمين من الخيام يحملن الأعمده والحجارة، ويضربن وجوه الخيول المدبرة، ويصرخن في وجوه الرجال يعيرنهن بالفرار، ويقلن لهن: "إلى أين تذهبون يا أشباه الرجال؟ أتسلمون نساءكم للعدو وأنتم تنظرون بأعينكم الجبانة؟". فكانت كلمات النساء أشد وقعًا على النفوس من ضرب السيوف. وتوقف الفارون وشعروا بالخزي والعار يملأ صدورهم.
وفي تلك اللحظة الحاسمة، تحرك قتيبة على جواده كالبرق، وأخذ يطوف على القبائل العربية قبيلة قبيلة يحرضهم. وصل إلى بني تميم وصرخ فيهم: "يا بني تميم، يا فرسان الموت! ألستم أنتم من كان الحجاج يهدد بكم أعداءه في العراق؟ فكيف ترضون اليوم بالذل والهوان أمام جموع الأعَاجم؟". ثم ذهب إلى الأزد وقيس وبكر يشعل النار في عروقهم، فثارت حمية العرب وعادوا إلى القتال بعزيمة حديدية، وشنوا هجومًا معاكسًا كاسحًا زلزل الأرض تحت أقدام الترك، واخترقوا صفوف العدو ومزقوها شر ممزق دون رحمة. وتحولت الدائرة على أهل بخارى، فقتل ملكهم وتشتت جمعهم وانهارت معنوياتهم أمام هذا الصمود الأسطوري للمسلمين. ففتحوا أبواب المدينة وطلبوا الأمان بعد أن أيقنوا بالهلاك.
ودخل قتيبة بخارى دخول الأبطال المنتصرين الرافعين للراية، وأمر ببناء مسجد داخل المدينة ليكون رمزًا للدين الجديد، وفرض عليهم الجزية، وأخذ منهم الرهائن لضمان الولاء. ولكن طموح قتيبة لم يتوقف عند أسوار بخارى العالية، فقد كانت عيناه ترنوان إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، إلى خوارزم وسمرقند، جواهر طريق الحرير التي لا تقدر بثمن. وجاءته الفرصة على طبق من ذهب دون أن يسعى إليها، فقد وصله رسول من ملك خوارزم يعرض عليه التحالف. كان الملك ضعيفًا يعاني من تسلط أخيه الأصغر خورزاد الذي كان شابًا ممارسًا للبطش والفساد وقهر الرعية. فاستغل قتيبة هذا الانقسام داخل البيت الملكي الخوارزمي، وتحرك بجيشه نحو خوارزم معلنًا أنه جاء لنصرة الملك. ففتح له الناس أبواب المدينة ورحبوا به مخلصين لهم، فقضى على الأخ المتمرد وسلم الحكم للملك تحت سلطة العرب، وغنم من خوارزم أموالًا لا تحصى، جهز بها جيشه للخطوة التالية.
الخطوة التي كان يحلم بها منذ أن وطئت قدماه خراسان، سمرقند، المدينة التي يقول عنها الترك إنها محفوظة بالسحر. كان يحكمها ملك داهية وعنيد يدعى غورك لا يعرف الاستسلام. أدرك غورك أن الدور قادم عليه لا محالة بعد سقوط بخارى، فحصن مدينته تحصينًا شديدًا، وجمع فيها المؤن لسنوات، وأرسل إلى ملك الصين وملك الشاش يطلب النجدة العاجلة. لكن قتيبة لم يمهله حتى تصل الإمدادات من أقاصي الأرض، فزحف إليه بجيش لجب سد الأفق، وأحاط بسمرقند كالسوار، ونصب المجانيق العملاقة حول أسوارها تقذفها بالكرات النارية.
وكان حصارًا طويلًا ومريرًا اختبرت فيه صبر الرجال وقوة العزائم، حيث استمات أهل سمرقند في الدفاع عن مدينتهم المقدسة، وكانوا يخرجون من الأبواب ليلاً لمهاجمة معسكر المسلمين، فتدور معارك جانبية طاحنة تحت جنح الظلام الدامس. ولكن إصرار قتيبة كان أقوى من حجارة أسوارهم الصلبة، فقد أقسم ألا يبرح مكانه حتى يفتحها أو يموت دونها. واستخدم الحيلة والخديعة والقوة في آن واحد لكسر صمودهم، فكان يرسل لهم رسائل التهديد تارة، ورسائل الترغيب تارة. وفي أحد الأيام، نجحت المجانيق في إحداث ثغرة في السور، فاندفع المسلمون نحوها كأمواج البحر الهائجة لا يوقفها شيء.
ورأى غورك أن المدينة قد سقطت عسكريًا وأن المقاومة انتحار، فطلب الصلح من الأمير العربي مقابل شروط قاسية جدًا. وافق قتيبة على الصلح، لكنه اشترط دخول المدينة للصلاة وبناء مسجد وتحطيم الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله. فدخل قتيبة سمرقند ومعه ألوف من جنوده المدججين بالسلاح، واتجه مباشرة نحو معابد النار والأوثان التي يقدسونها. ووقف أهل سمرقند ينظرون برعب ويتوقعون حلول اللعنة، إذ كانوا يعتقدون أن من يمس أصنامهم بسوء سيحترق فورًا. لكن قتيبة تقدم بنفسه وأمر بإشعال النار في الأصنام الخشبية، فاحترقت وتحولت إلى رماد دون أن تحدث أي معجزة أو لعنة. فأدرك الناس أن آلهتهم عاجزة وأن إله قتيبة هو الحق. فدخل الكثير منهم في الإسلام بعد هذا الموقف المشهود.
وبسقوط سمرقند، أصبحت بلاد ما وراء النهر كلها تحت السيطرة. ولكن قلب قتيبة كان لا يزال يملاه شغف التوسع والمجد. فلم يركن للراحة ولم يغره النعيم في القصور الجديدة، بل وجه بصره نحو الشرق الأقصى، حيث تقع مملكة الصين، تلك الأرض الأسطورية التي لم تطأها قدم فاتح عربي من قبل. وكان يعلم أن الطريق إليها يمر عبر إقليم فرغانة الوعر وتركستان الشرقية المليئة بالقبائل المتوحشة والمجاهيل. فبدأ يعد العدة لرحلة لم يسبقه إليها أحد في العالمين، رحلة ستكون هي الأعظم في تاريخه، وربما تكون هي النهاية.
وفي تلك الأثناء، كانت الأخبار تأتي من العراق ودمشق تحمل معها رياح التغيير التي قد تعصف بمستقبله السياسي. فالحجاج بدأ يشيخ، والخليفة الوليد قد لا يعيش إلى الأبد. لكن قتيبة لم يكن يبالي بالسياسة بقدر مبالاته بالفتح. فجمع جنوده مرة أخرى وخطب فيهم خطبة الوداع لسمرقند، معلنًا أن الهدف القادم هو بلاد الملوك ومصدر الحرير، وأنهم لن يتوقفوا حتى يطاوا أرض الصين بأقدامهم. فتعالت الهتافات وتحركت الأعلام نحو المجهول البعيد، قافلة عسكرية ضخمة تشق طريقها بين الجبال الثلجية تحمل رسالة السماء وسيف الأرض في يد قائد لا يلين.
وما أن وصلوا إلى حدود كاشغر على مشارف الإمبراطورية. وهناك وقف قتيبة يتأمل في تلك الأرض التي كانت في مخيلة العرب عالمًا من الأساطير والخيال، حيث ينتهي عالم البشر ويبدأ عالم التنانين والغموض الساحر. لكن قتيبة لم يكن يبحث عن الأساطير، بل عن الإخضاع والسيطرة. فأرسل عيونه وطلائعه لاستكشاف الطرق ومعرفة قوة الخصم. وعلم ملك الصين بوصول هذا القائد الذي لم يهزم قط، فأصابه الذعر وارتعدت فرائصه في قصره البعيد المحصن. فقد سمع ما فعله قتيبة بملوك الترك والسغد وكيف أذلهم. فأرسل وفدًا رفيع المستوى من الحكماء والوزراء لمقابلة القائد العربي ليعرفوا ماذا يريد هذا الرجل وكيف يمكن اتقاء شره.
وصل الوفد الصيني إلى معسكر قتيبة، فراوا منظرًا عجيبًا، جنود خشنون يفترشون الأرض ويلبسون ثيابًا بسيطة لكنها نظيفة، والخيول العربية الأصيلة تسهل في كل مكان كأنها توعد. دخلوا على قتيبة فوجدوه جالسًا في خيمته بين قادته بلا عرش، لكن هيبته كانت تملأ المكان أكثر من أي ملك على عرش مذهب. سألوه عن مطلبه وما الذي جاء به إلى أقاصي الأرض. فنظر إليهم قتيبة نظرة الثقة المطلقة، وقال لهم كلمات خالدة: "أقسمت بالله ألا أرجع حتى أطا أرضكم وأختم على رقاب ملوككم، وأن آخذ الجزية من ملككم صاغرة وهو يعترف بسلطاننا".
عاد الوفد إلى ملك الصين وأخبروه بما رأوا وما سمعوا. قالوا له: "إنهم قوم يحبون الموت كما نحب نحن الحياة، ولا يهمهم الذهب ولا الحرير بقدر ما يهمهم الوفاء بالعهود". فأدرك الملك أن المواجهة العسكرية مع هؤلاء قد تكون نهاية ملكه. فتفتقت ذهنيته عن حيلة ذكية ليرضي غرور قتيبة ويحمي بلاده. أرسل إليه هدايا عظيمة من الذهب والحرير الذي لم يرَ مثله، وأرسل معها صحافًا مملوءة بتراب أرض الصين الطاهر، وأرسل أربعة من أبناء الملوك والأمراء ليبر قتيبة بقسمه، وقال لرسوله: "قل لقتيبة: هذا تراب أرضنا فطأه بقدمك، وهؤلاء أبناء ملوكنا فاختم على رقابهم كما أردت، وهذه الجزية التي طلبتها، فلا حاجة للحرب والدمار".
عندما وصلت الهدايا والتراب إلى قتيبة، ابتسم ابتسامة النصر، وأدرك أن سمعته وحدها كانت كافية لإخضاع إمبراطورية الصين. فقبل الجزية، وأمر بإطلاق سراح الأمراء بعد أن وسمهم. ثم وقف أمام جيشه ووضع تراب الصين على الأرض وداسه بقدمه، وكبر المسلمون تكبيرة هزت جبال كاشغر الشاهقة. وبذلك بر قتيبة بقسمه دون أن يخاطر بحياة جندي واحد. وكانت هذه اللحظة هي ذروة مجد قتيبة وقمة انتصاراته، فقد أصبح سيد المشرق بلا منازع من خراسان إلى سور الصين.
ولكن الدنيا كما هي عادتها لا تبقي على حال ولا تدوم لأحد. ففي غمرة هذه الأفراح والانتصارات التي لا تصدق، جاء رسول البريد من بغداد يحمل خبرًا نزل زل على قتيبة الصاعقة. مات الحجاج بن يوسف الثقفي، السند والظهر والداعم الأول. حزن قتيبة حزنًا شديدًا على وفاة معلمه وصانع مجده، لكنه تماسك وقال: "إن مات الحجاج، فإن أمير المؤمنين الوليد حي". وكان الوليد بن عبد الملك يحب قتيبة ويقدر جهاده وفتوحاته، فاطمأن قتيبة قليلًا وواصل ترتيب أوضاع الولاية الكبيرة.
ولم يمر وقت طويل حتى جاءت الطامة الكبرى والمصيبة الأعظم. مات الخليفة الوليد بن عبد الملك وانتقل الحكم إلى أخيه سليمان. وهنا تغير وجه قتيبة واصفر لونه، وأدرك أن النهاية قد اقتربت. فقد كان بين قتيبة وسليمان بن عبد الملك عداوة قديمة ومستحكمة، سببها أن قتيبة كان يؤيد الوليد في خلع أخيه سليمان من ولاية العهد وتولية ابنه عبد العزيز بن الوليد بدلًا منه ليكون الخليفة. وقد جاهر قتيبة بهذا الرأي وأرسل كتبًا يهاجم فيها سليمان، بل ووصفه بأوصاف لا يمكن لملك أن ينساها أو يغفرها أبدًا. والآن أصبح سليمان هو الخليفة وبيده مقاليد الأمور كلها. وعرف قتيبة أن سليمان لن يتركه في منصبه ولن يرضى عنه.
فجلس في خيمته يفكر في مصيره ومصير جيشه الكبير. هل يسلم الأمر لسليمان وينتظر العزل والذل والمحاكمة؟ أم يتمرد ويعصي الخليفة معتمدًا على قوة جيشه وبعد مسافته؟ كان خيارًا صعبًا ومُرًا كالعلقم، لكنه الخيار الوحيد المتاح. فكتب قتيبة ثلاثة كتب ورسائل إلى الخليفة الجديد سليمان. الكتاب الأول كان لينًا يهنئه بالخلافة ويذكر بلاءه في الفتوحات ويعده بالطاعة والولاء إن أقره على خراسان ولم يعزله. والكتاب الثاني كان فيه شيء من الشدة والتهديد المبطن، يذكره فيه بقوته وسيطرته على المشرق وهيبته بين الأعَاجم. أما الكتاب الثالث فكان إعلان خلع وتمرد صريح وواضح، كاتب فيه: "إن لم تقرني على عملي وحاولت عزلي أو إذلالي، لأملأن عليك الأرض خيلًا ورجالًا من خراسان إلى باب دمشق".
وأعطى هذه الكتب الثلاثة لرسول يثق به ثقة عمياء، وقال له: "ادفع إليه الأول، فإن قرأه وأعطاك جائزة فلا تزد. وإن قرأه وسكت أو عبس وجهه، فادفع إليه الثاني. فإن رأيته غضب وأظهر الشر، فادفع إليه الثالث". انطلق الرسول يقطع المسافات الطويلة من أقصى الشرق إلى دمشق، بينما بقي قتيبة في حيرة وقلق ينتظر الرد الذي سيحدد المصير.
وفي تلك الأثناء، بدأت الأمور تضطرب داخل صفوف الجيش نفسه. فقد كانت القبائل العربية تتململ من طول الغياب وكثرة الحروب، وكان هناك من يكره قتيبة من القادة الذين يحسدونه على المكانة، وبدأوا يهمسون في آذان الجنود بأن قتيبة يريد توريطهم وأنه يخاطر بدمائهم من أجل ملكه الشخصي وطموحه المجنون.
وصل رسول قتيبة إلى دمشق ودخل على سليمان بن عبد الملك، فدفع إليه الأول، فقرأه سليمان ثم رماه جانبًا ولم يرد. فأدرك الرسول أن الأمر ليس بخير، فدفع إليه الثاني، فقرأه سليمان واحمر وجهه غضبًا وبدت عليه علامات الشر. فأخرج الرسول الكتاب الثالث والأخير وسلمه للخليفة. فما أن قرأ سليمان التهديد الصريح حتى انتفض من مجلسه وقال للرسول: "ارجع إلى صاحبك وقل له: إنا قد عزلناه ولن يرى منا إلا السيف إن لم يسمع ويطع لأمير المؤمنين".
ولم يكتفِ سليمان بذلك، بل أرسل رسائل سرية لقادة الجيش يحرضهم فيها على قتيبة ويعدهم بالإمارة والمال إن خلعوه. وصلت الأخبار إلى قتيبة بأن سليمان قد عزله وهدده، فأجمع الناس وأراد أن يخطب فيهم. ونظر إلى وجوههم فلم يرَ فيها الحب. ففتح فمه لينطق بكلمات كانت أمضى من حد السيف، كلمات خرجت من صدر مجروح وكبرياء جريح لا يعرف المداراة. فبدلًا من أن يستميل قلوب الجنود ويذكرهم بأيام النصر، وبدلاً من أن يعدهم بالجوائز والعطايا ليضمن ولاءهم في المحنة، صب عليهم جام غضبه وأخرج كل ما في قلبه من احتقار.
نظر إلى قبائل العرب التي تشكل عمود جيشه الفقري وقال لهم: "يا أهل السفالة، ويا أهل الغدر والخيانه والنفاق! ألم يوازركم الله بي ورفعكم فوق الأمم؟ ألم أجدكم فقراء لا تملكون شيئًا فأغنيتكم من غنائم الترك، الموافون من ظلكم فجعلتكم ملوكًا على هذه الأرض؟". ثم بدأ يسمي القبائل باسمائها واحدة واحدة ويشتمها. فالتفت إلى قبيلة بكر بن وائل وقال لهم: "يا بكر الغدر، يا من كنتم لا تعرفون من الحياة إلا رعي الشياه والإبل، أنسيتم يوم كنتم تساقون كالعبيد حتى حررتكم بسيفي؟". ثم نظر إلى قبيلة تميم وهي أكبر قبائل الجيش وأقواها وقال لهم: "يا بني تميم، يا أهل الشقاق ويا رؤوس الفتنة! ألستم أنتم من قتل عثمان وحارب عليًا وخذل الحسين؟ والله لأحصدن رؤوسكم حصداً إن لم تعودوا إلى الطاعة!". ولم يترك قبيلة من القبائل إلا ووجه لها سهمًا من لسانه، حتى الأزد الذين كانوا أخواله وأقرب الناس إليه شتمهم وقال لهم: "تبًا لكم يا معشر الأزد، يا من لا عهد لكم ولا ذمة!". كانت الخطبة طويلة ومؤلمة، جرحت كرامة كل عربي في المعسكر. فالعربي قد يصبر على الجوع والعطش والموت في المعارك، لكنه لا يصبر أبدًا على الإهانة في نسبه وشرف قبيلته.
نزل قتيبة من المنبر وهو يظن أنه قد أخافهم وأرعبهم، ودخل إلى قصره في فرغانة وأغلق الباب دون أن يسمع الرد. لكن المعسكر خارج القصر كان يغلي كالبركان الذي يوشك على الانفجار. اجتمعت القبائل في الليل، كل قبيلة في خيامها تتداول الأمر، وقالوا: "كيف نسكت على هذا الطاغية الذي يهين آباءنا وأجدادنا؟ هل أصبحنا عبيدًا لقتيبة يبيعنا ويشترينا كما يشاء؟". وفي هذه الأجواء المشحونة بالغضب والحقد والرغبة في الانتقام، ظهر الرجل الذي كان ينتظر هذه الفرصة منذ زمن بعيد. إنه وكيع بن أبي سود التميمي، أحد قادة الجيش الكبار، رجل داهية وماكر. قتيبة قد عزله وأهانه سابقًا، فأخذ وكيع يطوف على القبائل في الظلام ويحرضهم على الثورة، يقول لهم: "إن قتيبة قد كفر بالخليفة وخرج عن طاعة المسلمين، وإن سليمان بن عبد الملك قد أهدر دمه ووعد من يقتله بالجائزة".
فاتتفقت القبائل جميعًا على خلع قتيبة وتولية وكيع أميرًا عليهم. وكانت الخطة أن يبدأ التمرد في الصباح الباكر دون تأخير. وفي تلك الليلة، رأى قتيبة في منامه رؤيا أفزعته وأيقظته. رأى كأن سيفه قد انكسر في يده وأن عمامته قد سقطت. فاستيقظ والعرق يتصبب من جبينه، وأدرك أن الأمر خطير. خرج في الصباح ليتفقد الجيش، فوجد حركة غريبة وهمسًا مريبًا. لم يخرج الجنود لاستقباله كالعادة، بل كانوا ينظرون إليه شزرًا. فأرسل قتيبة إلى وكيع يطلب حضوره فورًا ليسأله عما يجري. لكن وكيعًا تمارض وادعى أنه مريض لا يستطيع المشي والحركة. وكان هذا رفضًا واضحًا للأمر وبداية للعصيان المسلح المكشوف.
فغضب قتيبة وأرسل إليه الشرطة ليحضروه مجرورًا على وجهه. ولكن عندما وصل رجال الشرطة إلى خيمة وكيع، وجدوها محروسة، وخرج عليهم شباب بني تميم بالسيوف وطردوهم شر طردة. وعاد الشرط إلى قتيبة يخبرونه أن وكيعًا قد أعلن الحرب. هنا أدرك قتيبة أن السيف قد سبق العذل، وأن الخطبة كانت خطأ. فحاول أن يتدارك الموقف وأن يصلح ما أفسده لسانه بالمال. فأخرج كميات هائلة من الذهب والفضة من خزائنه المليئة، وأمر بتوزيعها على الجنود لعلهم يرجعون عن غيهم وتمردهم. لكن الجنود رفضوا المال وقالوا: "لا حاجة لنا بذهبك يا ابن باهلة، نحن لا نبيع ديننا ولا كرامتنا بعرض من الدنيا قليل وزائل".
واشتد الأمر، وبدأت الخيام تتحرك والرايات ترتفع ضد القصر. تحالفت ربيعة ومضر واليمانية ضد قائده الذي وحدهم سنين، ونسوا كل الفتوحات وكل الأمجاد التي حققوها تحت رايته. لم يتذكروا إلا الإهانة الأخيرة والخوف من بطش الخليفة الجديد. فتحصن قتيبة داخل قصره مع أهل بيته وإخوته وخاصته، وكان معه إخوته عبد الرحمن وعبد الله وصالح وحسين، وهم فرسان أشداء، لكنهم قلة أمام طوفان الجيش الغاضب. حاول أخو قتيبة الخروج لمفاوضة المتمردين وتهدئة النفوس، لكن السهام انهالت عليهم كالمطر، فأجبرتهم على التراجع.
وبدأ الحصار الفعلي لمقر القيادة من قبل الجنود الأشقاء. كان مشهدًا مؤلمًا ومأساويًا يدمي له القلب وتدمع له العين. الجيش الذي فتح الصين يرفع السيف في وجه قائده الفاتح. وقتيبة ينظر من شرفة قصره ولا يصدق أن هؤلاء هم رجاله الذين قاسمهم الجوع والعطش والنصر في سهول سمرقند وبخارى. صرخ فيهم من أعلى السور: "يا قوم، أتقاتلون رجلاً يقول ربي الله؟ ألم أفتح لكم البلاد وأملأ أيديكم بالغنائم والخيرات؟ أليس فيكم رجل رشيد يذكر العهد والميثاق الذي بيننا؟". لكن أصواتهم كانت تعلو بالهتاف لوكيع والموت لقتيبة.
وتقدم الرماة وأشعلوا النيران في اسطبلات الخيل المحيطة بالقصر، فارتفعت ألسنة اللهب والدخان لتغطي سماء فرغانة بالسواد. وأدرك قتيبة أن الكلام قد انتهى وأن وقت السيف قد حان. فلبس لامة حربه وتقلد سيفه الذي طالما قطع به رقاب الأعَاجم، وجمع مع إخوته وأبنائه ونسائه في البهو الكبير للقصر، وقال لهم: "إن هؤلاء القوم لن يرضوا إلا برأسي ورؤوسكم، فلا تموتوا إلا وأنتم تقاتلون قتال الأبطال الشرفاء، لا تمكنوهم من أنفسكم فيأخذوكم أسرى ليذبحوكم كالشياه".
وفي تلك اللحظة، بدأت البوابة الخشبية للقصر تهتز بعنف تحت ضربات الفؤوس، وسمع صوت تحطم الأخشاب يمتزج بصيحات الانتقام الوحشية. فاندفع السيل البشري الغاضب إلى داخل القاعة الرئيسية، حيث كان قتيبة يقف كالطود الشامخ وسط إخوته وأهله. لم يهرب ولم يختبئ خلف الستائر كما يفعل الجبناء، بل شهر سيفه المسقول الذي طالما قطع به رقاب الأعَاجم، ونظر إلى وجوه قاتليه الذين كانوا بالأمس جنوده وأتباعه. عرفهم واحدًا واحدًا، فهذا من تميم، وهذا من بكر، وهذا من الأزد، كلهم جاؤوا اليوم ليغمسوا سيوفهم في دم صانع مجدهم.
وصرخ الشجاع عبد الرحمن بن مسلم في وجوه المقتحمين: "أتقتلون قتيبة وهو الذي أطعمكم من الجوع وآمنكم من الخوف؟". لكن صراخه ضاع وسط ضجيج الحقد وصليل السيوف المتضاربة. وانقضت الذئاب البشرية على الأسود المحاصرة في الزاوية. ودارت معركة غير متكافئة في مساحة ضيقة لا تسمح بالكر والفر. تقدم صالح بن مسلم أخو قتيبة، وكان راميًا لا يخطئ الهدف، فأخذ يرميهم بالسهام سهمًا تلو الآخر حتى فرغت جعبته، ثم استل سيفه وخاض في غمار يضرب يمينًا وشمالًا حتى تكاثروا عليه وطعنوه عدة طعنات أردته قتيلًا. وسقط أول الأعمدة من بيت قتيبة أمام عيني أخيه الأكبر.
ولم يتوقف القتل عند هذا الحد، بل اشتدت الضراوة وهجم حسين بن مسلم يدافع عن نساء البيت اللواتي على صراخهن، فكان يقاتل قتال المستميت الذي يطلب الموت بشرف. لكن الكثرة تغلب الشجاعة كما تقول العرب في أمثالها، فتمزق جسده بالسيوف وسقط مدرجًا بدمائه الزكية. وبقي قتيبة وحيدًا مع عدد قليل من أبنائه وغلمانه. كان قد أصيب بجرح بليغ في ساقه أقعده عن الحركة، فجلس على كرسيه في صدر القاعة والدم ينزف منه ولم يستطع الوقوف، لكنه لم يسقط السيف من يده اليمنى، وكان ينظر إليهم نظرة احتقار أرعبتهم وهو في حالة الضعف.
تراجع المهاجمون قليلًا هيبة منه وخوفًا من بأسه المعروف، فصاح فيهم وكيع بن أبي سود من خلف الصفوف يحرضهم ويحكم: "أجبنتم عن رجل جريح لا يقوى على القيام؟ اضربوه بالنبل من بعيد إن كنتم تخافون سيفه القر!". فانهالت السهام على قتيبة كالمطر من كل جانب، فأصابته في صدره وكتفه حتى صار كالقنفذ من السهام. ومع ذلك بقي جالسًا رابط الجأش يلفظ أنفاسه الأخيرة. وفي تلك اللحظة، تقدم رجل من قبيلة مذحج يدعى الجهم، كان رجلاً مجهولًا لا يعرف له ذكر في سجلات الأبطال، لكنه أراد أن يدخل التاريخ من بابه الأسود بقتل الفاتح. فاقترب من قتيبة وهو ينازع الموت، ورفع سيفه عاليًا وضرب قتيبة على عاتقه ضربة قوية هوى بها على الأرض.
وسقط الأسد الذي دانت له الرقاب في شرق الأرض وغربها، سقط مدرجًا بدمائه بين أرجل جنوده الذين أطعمهم وماء أن سقط حتى انقض عليه الآخرون كالوحوش الضارية. هذا يطعن، وهذا يضرب، وهذا يسلب ما عليه من ثياب في مشهد همجي لا يمت للإسلام ولا للعروبة بصلة. ثم تقدم أحدهم وجز رأس قتيبة وفصله عن جسده، ورفعه على سنان رمح طويل ليراه الجميع في الساحة. فارتفعت صيحات التهليل والتكبير، كأنهم فتحوا حصنًا للعدو، ونسوا أن هذا الرأس هو الذي خطط لفتح بخارى وسمرقند، وهو الرأس الذي انحنى له ملك الصين وملوك الترك.
لم يكتفِ وكيع بقتل قتيبة، بل أراد استئصال شأفته بأهله، فأمر بإحضار كل من تبقى من إخوة قتيبة وأبنائه، فجيء بهم أسرى مكبلين بالحبال والسلاسل والأغلال، وأمر بقطع رؤوسهم جميعًا أمام القصر المحترق. فقتل في ذلك اليوم 11 رجلاً من أمراء باهلة. لم ينجُ منهم إلا طفل صغير يدعى عمرو بن مسلم، أخو قتيبة، راه أحد قادة تميم فرق له قلبه لصغر سنه وبراءته، فخبأه تحت عباءته وقال لوكيع: "إنه غلام لا ذنب له". فتركوه ليكون الشاهد الوحيد على المذبحة العائلية.
وبعد أن فرغوا من القتل، اندفعوا لنهب القصر والخزائن، فأخرجوا منها أموالًا لا تأكلها النيران من كثرتها، تلك الأموال التي جمعها قتيبة ليجهز بها جيش غزو الصين. تقاسمها القتلة فيما بينهم وتخاصموا عليها كالصوص. ونهبت خيام قتيبة وسلمت نساؤه في سابقة شنيعة. حتى أن إحدى زوجات قتيبة وقفت تنظر إلى الرأس المقطوع وقالت لهم: "يا معشر العرب، قتلتم قتيبة! والله لقد كان لكم عزًا، ولن تروا بعده إلا الذل والهوان على يد الترك والعجم". وصدقت المرأة في نبوءتها كما ستثبت الأيام اللاحقة.
انتهت المعركة الداخلية وهدأ غبار الفتنة في فرغانة، وجلس وكيع بن أبي سود على كرسي قتيبة الملطخ بالدماء، وأمامه رؤوس بني باهلة مصفوفة في طبق كبير مرعب، ينظر إليها بتشفٍ وشماتة لا تليق بقائد مسلم منتصر. ثم أمر بتجهيز الرأس وتطييبه ووضعه في صندوق خاص ليرسله هدية إلى الخليفة سليمان بن عبد الملك في دمشق مع رسالة يقول فيها: "أنا قد كفيناك مؤونة الطاغية الباغي، وأعدنا خراسان إلى حظيرة الطاعة والولاء لأمير المؤمنين". وتحرك الرسول يحمل الرأس الذي كان يساوي ألف ألف رجل، يقطع به الفيافي والقفار عائدًا إلى بلاد الشام البعيدة، مرورًا بالمدن التي فتحها هذا الرأس وبنى فيها المساجد.
فكان الناس في بخارى وسمرقند ينظرون إلى الرأس بذهول ويبكون بكاءً مرًا على القائد الذي كسر شوكة أعدائهم. وقال أهل سمرجان قولهم المشهور الذي سارت به الركبان: "يا معشر العرب، قتلتم قتيبة! والله لو كان منا لوضعناه في تابوت واستسقينا به الغمامة إذا انقطع عنا المطر تبركًا به". لكن العرب في تلك الساعة كانوا غارقين في نشوة الانتقام، غافلين عن الكارثة التي صنعوها بأيديهم وسيوفهم الطائشة.
وصل الرسول إلى دمشق ودخل على سليمان بن عبد الملك، فوضع الرأس بين يديه، فسجد سليمان شكرًا لله على ذلك، وأمر بنصب الرأس في المسجد الأموي ليرآه الناس. فكان منظرًا مؤلمًا لكل من عرف قدر هذا البطل المغوار. لكن المشهد الأكثر تأثيرًا لم يكن في دمشق، بل في خراسان، حيث بدأت الفوضى تعود من جديد بعد غياب يد قتيبة. وتمرد ملوك الترك الذين كانوا يدفعون الجزية صاغرين، وقالوا: "قد مات الساحر الذي كان يمنعنا من الكلام". وتحركت جيوش الصين التي كانت ترتعد من ذكر اسمه لتستعيد ما فقدته من هيبة ونفوذ على طريق الحرير.
أما الجيش العربي الذي قتل قائده، فقد دب فيه الخلاف وتنازع وكيع مع بقية القادة على الغنائم والإمارة، وعادت العصبية القبلية لتنهش جسد الأمة من جديد. وأدرك الجميع، ولكن بعد فوات الأوان، أنهم لم يقتلوا رجلاً، بل قتلوا فتحًا كان يمكن أن يصل إلى أقاصي المحيط. وبدأ الشعراء يرثون قتيبة بقصائد تبكي الصخر الأصم. ومنهم شاعر أعجمي قال بيتًا ترجمه العرب لصدقه، قال: "ذهبتم بقتيبة لا قتيبة بعده، فلا بكت عليكم العيون".
وما أن انتشرت هذه القصائد بين الناس حتى استيقظت الضمائر. فقد كان صوت الشعراء أقوى من صليل السيوف وضجيج الفتنة. وبدأ الجنود الذين شاركوا في القتل ينظرون إلى أيديهم الملطخة يتساءلون في أنفسهم: كيف طاوعتهم قلوبهم على ذبح قائدهم؟ ذلك القائد الذي كان يقف في مقدمة الصفوف قبلهم، ويأكل مما يأكلون، ويصبر على ما يصبرون في الحر والقر.
أما وكيع بن أبي سود الذي تولى الإمارة بعد قتيبة، فقد حاول أن يملأ الفراغ الهائل الذي تركه الأسد القتيل. فصعد المنبر ليخطب في الناس ويظهر قوته وسلطته، لكنه كان رجلاً فظًا غليظًا لا يملك فصاحة قتيبة ولا بيانه، فارتج عليه الكلام وتلعثمه ولم يستطع أن يكمل جملة مفيدة. فضحك الجنود منه وسخروا من هيئته وهو على المنبر، وقالوا: "شتان بين الثرى والثريا، وبين قتيبة وبين وكيع". وعرفوا أنهم قد استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير.
ولم يمضِ وقت طويل حتى بدأت اللعنة تطارد قتلة قتيبة. فقد غضب سليمان بن عبد الملك على وكيع رغم خدمته، ورأى أن رجلاً يجرؤ على قتل أميره لا يمكن الوثوق به. فعزله بعد شهور قليلة، وأرسل يزيد بن المهلب والي اليمامة جاء يزيد بن المهلب إلى خراسان وقبض على وكيع وأهانه، وأخذ يعذبه ويستخرج منه الأموال التي نهبها من قتيبة. فذاق وكيع من نفس الكأس الذي أذاقه لقائده السابق، وعاش بقية حياته مذمومًا مدحورًا لا يقيم له الناس وزنًا.
وأما الجيش العربي في خراسان، فقد دب فيه الوهن والضعف وتوقفت الفتوحات العظيمة التي كانت تهزم الإمبراطوريات. بل إن بعض المناطق التي فتحها قتيبة تمردت وعادت للكفر، واضطر المسلمون لخوض حروب دفاعية بدلًا من الهجوم. ووصل الخبر إلى ملك الصين الذي كان يرتعد خوفًا، فتنفس السعداء وأقام الاحتفالات في قصوره البعيدة، وقال لوزرائه: "لقد مات الرجل الذي كان يريد أن يدوس أرضنا، وأن العرب قد قتلوا أنفسهم بأنفسهم وكفينا شر القتال".
وفي بخارى وسمرقند، كان الأهالي يتحدثون عن قتيبة باحترام، ويقولون إن إله العرب قد غضب عليهم لأنهم قتلوا فتاهم، وظل قبر قتيبة في فرغانة مزارًا لسنوات طويلة جدًا، يزوره المسلمون ويترحمون على صاحب الهمة العالية، ويزوره حتى غير المسلمين من أهل تلك البلاد تبركًا بشجاعته، فقد كانوا يقدسون لأبطاله ويرون فيه بطلاً أسطوريًا نادرًا. وحكي أن رجلاً من أهل خراسان مر بقبر قتيبة بعد سنين، فوجد حوله سرجًا مضاءة وناسًا يدعون عند رأسه، فسألهم: "من هذا صاحب القبر الذي تعظمونه كل هذا التعظيم؟". فقالوا: "هذا قبر الرجل الذي فتح الدنيا وقتلته قومه حسدًا". فبكى الرجل وقال: "صدق والله، لقد ضيعناه وضيعنا أنفسنا".
ومرت السنون وتوالت الأحداث وسقطت الدولة الأموية، لكن اسم قتيبة بن مسلم الباهلي بقي محفورًا في الذاكرة، كواكب من المدن الإسلامية في آسيا الوسطى تدين له بالفضل. بخارى التي أخرجت البخاري صاحب أصح كتاب بعد القرآن، وترمذي التي أخرجت الترمذي، وسمرقند، ونيسابور، وبيهق. كل هؤلاء العلماء والفقهاء والمحدثين الذين ملأوا الأرض علمًا، كانوا ثمرة من ثمار جهاد قتيبة وغرسه الذي رواه بالدم. فلولا الله ثم فتوحات قتيبة لما وصل الإسلام إلى تلك الصقاع، ولما سمعنا عن هؤلاء الأئمة الذين حفظوا الدين والسنة.
لقد كان قتيبة ينظر بنور إلى مستقبل لم يره قاتلوه. كان يعلم أن هذه الشعوب إذا دخلت الإسلام ستحمل الراية، وأن قوة الإسلام ليست في العرب وحدهم، بل في جميع الأمم. ولذلك كان يصر على دمج العجم في الجيش وتعليمهم، الأمر الذي أغضب القبائل العربية المتعصبة ودفعهم لقتله. فدفعوا ثمن عصبيتهم تأخرًا وتراجعًا لقرون طويلة. وبقيت قصة قتيبة درسًا قاسيًا لكل من يقرأ التاريخ، درسًا يقول إن الأمم لا تهزم من خارجها مهما كان العدو قويًا، وإنما تهزم من داخلها عندما يدب الخلاف والشقاق بين أبنائها، عندما يقدم الجنود مصالحهم الشخصية على مصلحة الأمة، وعندما يتحول السيف من صدر العدو إلى صدر الأخ والقائد.
لقد مات قتيبة وهو في قمة مجده ولم يتجاوز الخمسين عامًا، تاركًا خلفه إرثًا عسكريًا وحضاريًا لا يمكن إنكاره. وقد حاول خصومه تشويه سمعته ووصفه بالغدر والقسوة، لكن إنجازاته على الأرض كانت أقوى من كل افتراء. فما زالت مآذن بخارى وسمرقند تصدح "الله أكبر" إلى اليوم، شاهدة على ذلك الفارس الذي جاء من صحراء العراق ليغرس نخلة الإسلام في ثلوج آسيا وسهول الصين. وكلما ذكر الناس فتح المشرق، ذكروا اسم قتيبة بإجلال وترحموا على روحه التي صعدت إلى بارئها مظلومة.
ولعل أبلغ ما قيل في نهايته هي كلمات المؤرخ الكبير ابن كثير حين قال: "وكان قتيبة من القادة النجباء الأبطال شجاعًا، ولولا ما وقع منه في حق الخليفة لكان من خيار عباد الله، لكن الله يفعل ما يريد ويحكم لا معقب لحكمه. فسلام على قتيبة في الأولين، وسلام عليه في الآخرين، وسلام على كل من حمل هم هذا الدين ومات في سبيله".
تلك كانت قصة قتيبة بن مسلم الباهلي، فاتح الصين، الرجل الذي قتله سيف الغدر قبل أن يقتله سيف الأعداء، والبطل الذي بنى مجدًا شامخًا فهدمه أهله فوق رأسه. فلتكن قصته عبرة لنا جميعًا لنعلم أن قوتنا في وحدتنا، وأن تمزقنا هو الباب الوحيد الذي يدخل منه العدو ليكسرنا.
ولتبقى ذكراه خالدة تذكرنا بأن الرجال مواقف وأفعال، وليس مجرد أسماء وقبائل تتناحر على فتاة الدنيا الزائلة. وهكذا نطوي آخر صفحة في كتاب هذا القائد العظيم، ونترك الحكم للتاريخ وللأجيال القادمة لتنصفه، فقد أدى قتيبة ما عليه ومضى إلى ربه شهيدًا وشاهدًا، وبقيت آثاره تتحدث عنه بلسان عربي مبين في قلب العجم. فسلام على قتيبة في الأولين والآخرين.