Transcription
في الساعات القليله الماضيه وتحديدا مساء الثاني من ديسمبر 2025 اهتزت اروقه وزاره الخارجيه الامريكيه في واشنطن على وقع قرار رئاسي اقل ما يقال عنه انه مجزره دبلوماسيه غير مسبوقه. بينما كان العالم يستعد لاغلاق ملفات عام 2025 والجميع منشغل باحتفالات الكريسماس، كان القلم الاحمر في البيت الابيض يخط قرارات ستغير وجه العلاقات الدوليه في العام القادم.
الخبر الذي تسلل عبر وكالات الانباء العالميه مثل اسوشيتد بريس والجارديان لم يكن مجرد تعدير وزاري او روتيني، بل كان اعلانا صريحا عن بدايه مرحله تكسير العظام. دونالد ترامب في سنته الاولى بعد العوده يصدر امرا فوريا بانهاء مهام واستبعاء 30 سفيرا امريكيا دفعه واحده وعلى راس القائمه سفراء الولايات المتحده في دول الثقل العربي والافريقي الجزائر ومصر.
ما الذي يحدث في الكواليس ولماذا قرر سيد البيت الابيض طرد مبعوثيه من هذه العواصم تحديدا في هذا التوقيت الحساس؟ هل نحن امام اجراء اداري ام اننا امام مقدمه لسيناريو مرعب يتم تحضيره لعام 2026؟ لنفهم القصه يجب ان نغوص في التفاصيل التي لا تذكرها نشرات الاخبار التقليديه.
القائمه التي شملت 30 سفيرا تركزت بشكل مخيف على القاره الافريقيه ومنطقه الشرق الاوسط. نيجيريا، جنوب افريقيا، السنغال، انجولا، وبالطبع الجزائر ومصر. المشترك بين هذه الدول انها تمثل مراكز القوه التي ترفض الانصياع الكامل للهيمنه الامريكيه او تلك التي بدات تنسج علاقات استراتيجيه عميقه مع المعسكر الشرقي الصين وروسيا.
التقرير المسرب يشير بوضوح الى ان اداره ترامب ترى في هؤلاء السفراء مخلفات العهد القديم، دبلوماسيين تقليديين يؤمنون بالحوار الناعم والبروتوكولات. بينما المطلوب في عام 2026 هو جنرالات ببدلات مدنيه، شخصيات تدين بالولاء المطلق لمبدا امريكا اولا ومستعده لممارسه اقصى درجات الضغط والابتزاز السياسي لتنفيذ الاجنده الجديده.
في الحاله الجزائريه، الوضع يحمل دلالات خطيره جدا. الجزائر في عام 2025 ليست مجرد دوله في شمال افريقيا، بل تحولت الى رقم صعب في المعادله الطاقويه والامنيه العالميه. الغاز الجزائري هو الذي يدفئ اوروبا الان والجيش الجزائري هو القوه الضاربه التي تمنع انهيار منطقه الساحل. التقارير الاستخباريه تشير الى ان واشنطن غير راضيه تماما عن الاستقلاليه المفرطه للقرار الجزائري.
السفير الامريكي الذي تم استدعاؤه فشل في نظر اداره ترامب في مهمتين رئيسيتين: الاولى هي فك الارتباط العسكري والاستراتيجي بين الجزائر وموسكو، والثانيه هي تليين الموقف الجزائري الصلب تجاه القضايا العربيه وعلى راسها فلسطين ورفض التطبيع. سحب السفير من الجزائر العاصمه ليس مجرد تغيير موظف، بل هو رساله سياسيه خشنه من واشنطن مفادها: انتهى وقت الكلام الدبلوماسي.
ترامب المعروف بعقليته القائمه على الصفقات يريد مبعوثا جديدا يتعامل مع الجزائر بمنطق الاخذ والرد العنيف، وربما يحمل في حقيبته تهديدات مبطنه او عروضا ملغومه لا تقبل القسمه على اثنين. انها محاوله لاعاده ضبط العلاقه مع دوله ترفض ان تكون تابعه، وهذا ما يجعل العام القادم عاما مفصليا في العلاقات الجزائريه الامريكيه.
اما في القاهره فالصوره لا تقل تعقيدا. مصر التي تقف على حدود غزه المشتعله والسودان المنهار تلقت خبر سحب السفير كاشاره انذار. المعلومات الوارده من واشنطن تؤكد ان اداره ترامب تجهز لصفقه نهائيه في الشرق الاوسط خلال عام 2026، وهي صفقه تتطلب انصياعا كاملا من الحلفاء قبل الخصوم.
السفير الحالي في القاهره ربما كان ينظر اليه على انه متفهم اكثر من اللازم للهواجس الامنيه المصريه، او انه لم يمارس الضغط الكافي لتمرير سيناريوهات التهجير او الترتيبات الامنيه الجديده في محور فيلادلفيا. استدعاؤه الان يعني ان واشنطن تريد شخصيه جديده لا تعرف كلمه "لا"، شخصيه ستاتي لتشرف على تنفيذ خرائط جديده للمنطقه سواء قبلت القاهره ام رفضت.
ان هذا التطهير في الخارجيه الامريكيه يعكس رغبه ترامب في عسكره الدبلوماسيه. هو لا يريد سفراء يكتبون التقارير ويرسلونها الى واشنطن، بل يريد منفذين لاوامر عملييه. التركيز على افريقيا في قائمه الاقالات يكشف عن الرعب الامريكي من النفوذ الروسي والصيني المتصاعد. في 2025 راينا كيف طردت دول الساحل القوات الفرنسيه والامريكيه واستبدلتها بالروس، وكيف تمدد التنين الصيني اقتصاديا. واشنطن تشعر انها تخسر القاره السمراء وان سفرائها الحاليين عجزوا عن وقف هذا النزيف. لذا فان البدلاء القادمين لن يكونوا خريجي معاهد سياسيه، بل من المرجح ان يكونوا رجال اعمال شريسين او ضباط استخبارات سابقين مهمتهم الوحيده استعاده النفوذ الامريكيه مهما كان الثمن.
الخطير في هذا القرار هو توقيته. السفراء ابلغوا بضروره مغادره مكاتبهم بحلول شهر يناير 2026. هذا يعني اننا سنشهد فراغا دبلوماسيا في الشهر الاول من العام الجديد، وهو الشهر الذي تتوقع فيه مراكز الدراسات اندلاع ازمات كبرى سواء في الحرب الروسيه الاوكرانيه او في الصراع العربي الاسرائيلي. ترك السفارات بدون راس في هذا التوقيت يعني تجميد قنوات الاتصال التقليديه وفتح الباب امام الرسائل المباشره بين الرؤساء والجنرالات، وهو ما يزيد من احتماليه الصدام وسوء الفهم.
بالنسبه لنا كشعوب عربيه وتحديدا في الجزائر ومصر، يجب ان نقرا هذا الحدث بعيون مفتوحه. عندما تسحب امريكا سفيرها فج فجاه فهذا يعني انها تجهز لشيء ما في الخفاء. قد تكون عقوبات اقتصاديه، قد تكون تحركات عسكريه في الجوار، او قد تكون ضغوطا سياسيه في المحافل الدوليه. السفراء الجدد القادمون لن ياتوا لبناء الجسور، بل سياتون لفرض الاملاءات. هذا القرار هو بمثابه اعلان نوايا عدائيه او على الاقل اعلان عن نهايه مرحله المجاملات الدبلوماسيه.
انما حدث في ال 72 ساعه الماضيه هو زلزال صامت. واشنطن تعيد ترتيب اوراقها استعدادا لمعركه 2026، وهي معركه ستكون ساحتها الرئيسيه قارتنا ومنطقتنا. الجزائر بجيشها وسيادتها، ومصر بموقعها وتاريخها، هما العقبتان الاكبر امام اعاده هندسه المنطقه وفق الرؤيه الامريكيه الجديده. سحب السفراء هو الخطوه الاولى في لعبه الشطرنج، والخطوه التاليه ستكون بالتاكيد تحريك البيادق على الارض.
السؤال الذي يجب ان نطرحه الان ليس لماذا سحبوا السفراء، بل من هم القادمون وماذا يحملون في حقائبهم السوداء؟ الايام القليله القادمه ستكشف لنا الاسماء، وعندها سنعرف بدقه حجم المعركه الدبلوماسيه والسياسيه التي تنتظرنا. لكن الاكيد ان عام 2026 لن يكون عاما للدبلوماسيه الناعمه، بل عام الايرادات الصلبه والبقاء فيه سيكون للاقوى والاكثر ثباتا على مبادئه.
انها لحظه الحقيقه والرساله وصلت من واشنطن، فكيف سيكون الرد من الجزائر والقاهره؟ الايام بيننا والاحداث تتسارع بلمح البصر.