📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

و تلك حجتنا - 54 - ( مفهوم الذكر و علاقته بروايات السنة ) - مع المفكر ياسر العديرقاوي

OKAB TV9:53

Transcription

[موسيقى] بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. الإخوة الكرام، لكم التحايا الطيبة. لازم نتواصل في هذا الباب، والسلطة التشريعية لروايات السنة النبوية المدونة. وهذا الباب، وما ذكرته لكم في الحلقات السابقة من الأبواب المنهجية المهمة التي تترتب عليها الكثير من النتائج الفقهية والأحكام التشريعية، التي نعتقد، والله أعلم، أنها ستساهم في رفع وتغيير واقع حال الأمة الإسلامية، كجزء من المقدمات التي بني عليها المنهج. توقفنا في الحلقة السابقة من قوله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبور}. وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون.

و قلنا إن الكثير من الدعاة والخطباء والمهتمين بأمر الدعوة يستدلون بكلمة الذكر الثانية في هذا السياق على أنها تعني السنة، ويعتقدون أن الله في هذه الآية ذكر أنه أنزل وحياً آخر يسمى وحي السنة، وسمّاه بالذكر ليبين به وحي القرآن الكريم. وذكرنا أن هذا السياق لا يزعف هذه الفكرة مطلقاً، وإنما كلمة الذكر هنا تعني القرآن الكريم، وسمعته. كما تحدثنا أيضاً على أن تخصيص إنزال إرسال الله سبحانه وتعالى للنبيين، وتخصيصه بالرجال، هذا كان أمراً افترضه الواقع التاريخي، وليس أمراً قدرياً للتفريق الجندري بين الذكر والأنثى.

في هذه الحلقة، يجب أن نبدا من مدخل مهم جداً، وهي أن المعنى في القرآن الكريم لا يكتمل حتماً بفواصل الآيات. ماذا يعني هذا الكلام في فكرة مبسطة؟ المعنى في القرآن الكريم لا يحتم أنه يكتمل لمجرد الفاصلة، أو الفاصل الرقمية التي تفصل بين الآيات. يعني، لمن تجد رقم الآية، هذا لا يعني أن المعنى قد اكتمل بوجود الفاصلة. لا، إنما الفواصل الرقمية في القرآن لها موضوع آخر خطير جداً، متعلق بمنظومة الضبط الرقمي في القرآن الكريم، كـنظام عام. وهذا له أساطينه، وهذا له علمائه، وله مفكرين، وله منظّرين. ولست أنا بصدد الإشارة إليه، ولا حتى تناوله. ومن أراد أن يستزيد في هذا الباب من ضمن في القرآن، فعليه بمتابعة الأستاذ عبد الدايم كحيل، وهو من المهتمين الكبار بهذا الأمر. وكذلك قناة الصديق، والأخ العزيز أبو هشام طاهر الصابوطي، وهو أيضاً من المهتمين، وله تدبرات جمة في هذا الباب. نحن هنا سنقف على المناهج اللغوية. فكما ذكرت لكم، أن فاصل فواصل الآيات لا تعني اكتمال المعنى.

في قوله تعالى: {ويل للمصلين}، ولا يمكن أن يكتمل المعنى إلا بالآية التي تليها: {الذين هم عن صلاتهم ساهون}. في هذه الآية التي نحن نصليها، للأسف، يعتقد الكثيرون أن المعنى يكتمل عند كلمة: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}. أنا أقول: أبداً. حتى إنها وضعت كشعار لبرنامج الفتاوى، على الأقل عندنا في القنوات السودانية. في برامج الفتاوى الدينية، بيكون شعار البرنامج: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}، مع أن هذا بدر لمفهوم الآية لا يقوم اطلاقاً. لا تعلمون بماذا؟ حتى إنهم يعتقدون أن هذه الآية دليل لكل من لا يتقنه أن يسأل أصحابه. وكما تروا القصة، أن أحداً جاء إلى الشيخ، وقال له: هل القرآن فيه تبيان كل شيء؟ قال: نعم. قال: فكيف؟ هل أوضح لنا القرآن كيف أصنع خبزاً؟ كيف أصنع خبزاً؟ فقال له: اذهب إلى الخباز، أو اذهب إلى المخبز، وستجد الخباز، واسأله عن كيفية صناعة الخبز. فقال له: ولكن ليس هذا في القرآن. فقال له: قال تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}. إن كنتم لا تعلمون. فجعل الخباز من أهل الذكر! معقوله يا جماعة! السباك من أهل الذكر؟ أهل الذكر ما عندها علاقة بالمهنية إطلاقاً. أهل الذكر هم أهل القرآن، لأن الذكر صفة متعلقة بالقرآن حصراً. إذًا هذه الآية تكتمل، العين تكتمل بعد كلمة {بالبينات}، ويجب أن تتجاوز الفاصلة، فيصبح المعنى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبور}. ولذلك، بعد كلمة {إن كنتم لا تعلمون} نجد الآية التي تليها بدأت بحرف الجر الباء: {بالبينات}. هل هنالك معنى يبدأ بالبينات؟ إذًا في السياق: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبور}. إذًا متى نسأل؟ من هم أهل الذكر؟ هم أهل القرآن الذين نزل عليهم القرآن الكريم، وهم أصحاب القومية الذين يتعاملون مع القرآن. كان نسألهم عن ماذا؟ إن كنا لا نعلم عن البينات والزبور التي نزلت في الكتب السابقة. بمعنى: إذا أنت أردت أن تتأكد هل الله سبحانه وتعالى أنزل نبياً امرأة أم كلهم رجال بالنسبة للديانات أو بالنسبة للملل السابقة، فعلينا أن نسأل أهل القرآن، نقول لهم: انظروا في القرآن، هل ورد أن الله أرسل نبياً امرأة إلى قوم سابقين؟ ذلك إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبور.

وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون. كلمة الذكر لا علاقة لها برواية السنة. {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم}. قال للذين آمنوا؟ للناس مطلقاً. الناس، ما نزل إليهم في الأزمنة الغابرة. ولذلك جاء الإنزال هنا مبني للمجهول. فكيف يكون إنزال القرآن مجهولاً؟ ما نجهله نحن ليس إنزال القرآن. القرآن فينا وبيننا، وهو حي وفاعل ومصلح وصالح لكل زمان. ولكن ما نجهله نحن هو ما أنزله الله من الملل والشرائع للعهود السابقة في الامتداد التاريخي الغابر. نحن نجهله، ما نزل إلينا للناس في العصور السابقة. نحن لا نستطيع أن نعلمه إلا أن نسأل أهل الذكر الذين يتلون كتاب الله سبحانه وتعالى. {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبور}. هذا هو مفهوم الآية. كلمة الذكر في كل القرآن المعرف بالالف واللام إنما هي وصف متعلق بكتاب الله. وقد وقع خلط كبير عند بعض الناس في قوله تعالى: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون}. قالوا: كيف يكون الذكر وصفاً من القرآن وهو نزل بعد الزبور؟ أبداً. الآية لا تحمل هذا المفهوم. الآية تتحدث عن قضية وراثة الأرض، ستقع بعد أن ينزل الذكر، هو القرآن الكريم. يعني الذي كتبه الله في الزبور هو وراثة المؤمنين، أن العباد الصالحون هم الذين يرثون الأرض. ولكن متى؟ بعد الذكر. يعني: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر}. هنا مسألة الضمير مش {ولقد كتبنا في الزبور بعد أن كتبنا في الذكر من كذا}. {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون}.

الإخوة الكرام، في الحلقات التالية سنواصل الحديث، بإذن الله وحوله وقوته، عن هذا الباب، مفهوم السنة، وروايات السنة، والسلطة التشريعية للسنة، وعلاقتها بالقرآن الكريم. وإلى أن ألقاكم، أترككم في حفظ الله ورعايته. السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. [موسيقى]