Transcription
في القتال، ها هي الثورة، ها هو الانتزاع، ها هو. إذا أنتم من سلالة هؤلاء الكتاب، كبرص قد مضى وقت العتاب، وقويناه كما يطوى الكتاب. يا فرنسا، إن ذا يوم الحساب، فاستعدي وخذي من الجواب. إن في ثوراتنا فصل الخطاب، وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر. فاشهدوا، فاشهدوا، فاشهدوا، تحيا الجزائر، تحيا الجزائر.
شكراً. هل تخيلتم يوماً أن يتحول بيت شعري إلى مذكرة توقيف دولية، أو أن تصبح الذاكرة سلاحاً نووياً سياسياً يشهر في وجه دولة عظمى؟ ضعوا كل ما عرفتموه عن الدبلوماسية الهادئة جانباً، واتركوا لغة المجاملات السياسية خلف ظهوركم. فما حدث اليوم، الأربعاء الـ 24 من ديسمبر لعام 2025، في الجزائر العاصمة، ليس مجرد خبر عابر في نشرة المساء، بل هو الزلزال الذي كانت تخشاه باريس منذ أكثر من 60 عاماً، وقد وقع اليوم.
توقفت عقارب الساعة في قصر الإليزيه، وتسمرت الأعين على الشاشات القادمة من الضفة الجنوبية للمتوسط. تحت قبة المجلس الشعبي الوطني بالجزائر، لم يكن النواب يصوتون، بل كانوا يحاكمون المشهد الذي هز العالم قبل ساعات قليلة. لم يكن في رفع الأيدي بالموافقة، بل في تلك اللحظة الدرامية التي حبست الأنفاس، حين وقف ممثلو الشعب الجزائري بجميع أطيافهم، إسلاميين وعلمانيين، موالاة ومعارضة، بصوت واحد كالرعد، ليرددوا المقطع المحذوف من النشيد الوطني، المقطع الذي يمثل الكابوس الأزلي للدبلوماسية الفرنسية.
تخيلوا الصوت يرتجف في القاعة: "يا فرنسا، قد مضى وقت العتاب، وطويناه كما يطوى الكتاب. يا فرنسا، إننا يوم الحساب، فاستعدي وخذي منا الجواب". هل فهمتم الرسالة؟ إنها ليست مجرد أناشيد حماسية لاستثارة العواطف، بل هو إعلان رسمي موثق وممهور بختم الدولة، بأن زمن العتاب إلى الأبد، وأننا دخلنا رسمياً وبالقانون في زمن الحساب.
ولكن ماذا في الصندوق الأسود لهذا القانون؟ وما هي الأسرار التي جعلت جلسة اليوم، الـ 24 من ديسمبر 2025، توصف بأنها استثنائية، وتاريخية، وغير مسبوقة؟ دعونا نغوص في التفاصيل التي لا ترويها العناوين العريضة، لنفهم لماذا يعتبر هذا التشريع قنبلة جيوسياسية.
القانون الذي مرر اليوم بإجماع ساحق، والمكون من 26 مادة مفخخة قانونياً، بعد أن اختزلت من أصل 54 مادة لتكون أكثر فتكاً وتركيزاً، نسف كل القواعد القديمة للعبة. لقد ثبت المشرع الجزائري اليوم قاعدة: "لا تقادم". نعم، استمعوا جيداً لهذه المصطلحات، لأنها ستغير وجه المنطقة. جراء جرائم فرنسا من عام 1830 وحتى 1962، أصبحت اليوم بنص القانون جرائم دولة مكتملة الأركان، لا تسقط بمرور الزمن. يعني ذلك أنه بعد 100 عام، أو 1000 عام، سيظل الحق الجزائري يطارد الجرم الفرنسي. لا مهرب، لا نسيان، ولا طي للصفحة إلا بشروط الضحية. لا يمكن لأي رئيس قادم، أو حكومة مستقبلية، أن تتجاوز هذا النص. لقد تم تقييد الأيادي السياسية بقيد قانوني.
فماذا عن الأخطر في هذا الملف؟ هو ما يمكن أن نسميه "الثلاثية المحرمة" التي فرضها القانون اليوم كأمر واقع لا مفر منه. لقد ألزم القانون الدولة الجزائرية، وأي مفاوض جزائري مستقبلي، بعدم التنازل عن ثلاثة مطالب جوهرية: الاعتراف، الاعتذار، والتعويض. نعم، التعويض الشامل. وتخيلوا معي حجم الفاتورة التي فتحتها الجزائر اليوم.
القانون لم يتحدث عن عموميات فضفاضة، بل دخل في عش الدبابير وسرد التفاصيل المرعبة. لقد نص صراحة على مسؤولية فرنسا عن أكثر من 30 جريمة محددة، تم تصنيفها بدقة الجراحين. هل تعلمون عن ماذا نتحدث؟ نحن لا نتحدث عن أضرار معنوية فقط. نحن نتحدث عن التجارب والتفجيرات النووية في الصحراء الجزائرية، تلك الجرائم التي لا تزال إشعاعاتها تقتل بصمت وتشوه الأجنة حتى يومنا هذا. حيث ألزم القانون فرنسا ليس فقط بالاعتراف، بل بتنظيف الأرض من سمومها ودفع الثمن غالياً.
ولم يتوقف المشرع الجزائري عند هذا الحد، بل فتح ملفات اقتصادية وعسكرية ثقيلة. القانون يطالب رسمياً بملف السطو على خزينة الدولة الجزائرية. نعم، القانون يطالب باستعادة الأموال والذهب والكنوز التي نهبت ونقلت إلى الضفة الأخرى. نتحدث عن استخدام الأسلحة المحرمة دولياً كالنابالم الذي أحرق الجلود والغابات، وعن زرع ملايين الألغام التي قطعت أوصال الجزائريين لعقود، وعن التهجير القسري للسكان العزل، وعن الإبادة الجماعية الممنهجة.
المفاجأة الكبرى لم تتوقف هنا. القانون نبش في ملفات كان يظن البعض أنها دفنت تحت رمال النسيان وغبار التاريخ. لقد استحضرت المواد القانونية مأساة المقاومين الذين نفوا إلى كاليدونيا الجديدة في القرن التاسع عشر، أولئك الذين ماتوا قهراً وغربة، وبقيت أرواحهم معلقة هناك. اليوم عادوا ليكونوا طرفاً في القضية، عادوا ليطالبوا بحق العودة، ولو رفاه.
كما فتح القانون ملف التجنيد الإجباري للجزائريين في الحربين العالميتين الأولى والثانية، وسلط الضوء على الجرائم الثقافية والدينية، من محاولات التنصير القصري إلى تخريب المساجد وتشويه الألقاب العائلية، لإذلال الإنسان الجزائري. إنها لائحة اتهام شاملة، وضعت فرنسا الدولة وفرنسا التاريخ أمام مرآة وجهها البشع، دون أي مساحيق تجميل.
ولكن مهلاً، فالقانون ليس سيفاً مسلطاً على الخارج فقط، بل هو درع وحصن في الداخل أيضاً. وهنا تكمن إحدى أقوى مفاجآت هذا التشريع الذي أقر اليوم. فاعتباراً من هذه اللحظة، أصبح تمجيد الاستعمار الفرنسي، أو تبريره، أو الترويج له في الجزائر، جريمة يعاقب عليها القانون بالسجن. والعقوبة ليست هينة إطلاقاً، ولا رمزية. نحن نتحدث عن سجن نافذ يتراوح بين خمس وعشر سنوات، مع التجريد الكامل من الحقوق السياسية والمدنية. لقد انتهى زمن الرمادية في الموقف من الاستعمار، فإما أن تكون مع الذاكرة الوطنية، أو أنت في خانة الخيانة تحت طائلة القانون. هذا البند تحديداً يغلق الباب أمام أي ناعق قد يحاول تلميع صورة الجلاد، أو الحديث عن فوائد الاستعمار.
دعونا نقرأ ما بين السطور في الرسائل السياسية المبطنة والذكية التي أرسلتها الجزائر اليوم. هل لاحظتم من هي اللجنة التي صاغت المسودة الأولى لهذا القانون؟ إنها لجنة الدفاع الوطني في البرلمان. هذه ليست صدفة إدارية، ولا خطأ بروتوكولياً، بل هي رسالة مشفرة وبالغة الدقة لباريس وللعالم أجمع، مفادها أن ملف الذاكرة في الجزائر لم يعد ملفاً ثقافياً يناقش في وزارة الثقافة، أو ملفاً تاريخياً يناقش في الجامعات، بل هو ملف أمن قومي وملف دفاعي بامتياز. السيادة الجزائرية اليوم في عرف الدولة لا تكتمل إلا باستعادة الحقوق التاريخية. وهذا تحول استراتيجي خطير في العقيدة السياسية الجزائرية تجاه فرنسا، ينقل المواجهة من الدبلوماسية إلى الاستراتيجية الدفاعية.
ردود الفعل من قلب الحدث كانت نارية، وتشي بأن القادم أعظم وأخطر. لحسن زغيدي، الرجل الذي يقود ملف الذاكرة ورئيس اللجنة المشتركة، لم يتردد في القول بلهجة حادة: "لم نتهاون في الدبلوماسية، سنحاسب فرنسا على كل قطرة دم لجزائري سفكها الاستعمار". تأملوا العبارة جيداً: "كل قطرة دم". هذه ليست مجازاً لغوياً، بل هي توعد بجرد حساب دقيق ومؤلم، قطرة بقطرة.
وزير المجاهدين، عبد المالك بوشنتوف، أكد بدوره فور انتهاء التصويت أن العلاقات يجب أن تبنى على الحقيقة لا الإنكار، واضعاً حداً لسياسة النعامة. أما النواب، فقد اعتبروا هذا اليوم إنجازاً تاريخياً، وحقق حلماً شعبياً طال انتظاره. الإجماع الذي شهدناه اليوم بين الإسلاميين من حمس والبناء، والوطنيين من الأفلان والأرندي، والمستقلين، يرسل رسالة واضحة لا لبس فيها: الجبهة الداخلية الجزائرية صلبة كالصخر، وموحدة كالبنيان المرصوص، عندما يتعلق الأمر بفرنسا وجرائمها.
والأكثر إثارة في تصريحات اليوم هو الطموح الجزائري لتصدير هذا النموذج. لقد دعا زغيدي البرلمانات في الدول المغاربية والأفريقية ومنطقة الكاريبي للانتفاضة والسير على خطى الجزائر لتشكيل جبهة عالمية للمتضررين من الاستعمار. الجزائر اليوم لا تدافع عن نفسها فقط، بل تنصب نفسها قائدة لمحكمة الضمير العالمي ضد القوى الاستعمارية القديمة. تخيلوا لو استجابت دول أفريقيا لهذه الدعوة، نحن نتحدث عن انقلاب كامل في موازين القوى الأخلاقية والسياسية بين الشمال والجنوب.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن وبقوة، ونحن نرى الجزائر تقلب الطاولة في وجه القوى الاستعمارية القديمة وتغلق ملف الهدنة التاريخية، كيف سترد باريس؟ فرنسا التي اعتادت على المناورة والمماطلة وشراء الوقت في ملف الذاكرة، تجد نفسها اليوم محاصرة بنصوص قانونية لا تقبل التأويل ولا الاجتهاد. هل ستواصل سياسة الهروب إلى الأمام وإنكار الشمس بالغربال، أم أنها ستضطر تحت ضغط القانون والواقع الجيوسياسي الجديد، وحاجتها للغاز والشراكة، للرضوخ لمنطق الحساب ودفع الفاتورة القديمة؟
الأكيد اليوم، ونحن نودع شمس هذا اليوم التاريخي، 24 ديسمبر 2025، هو أن الجزائر قد استعادت زمام المبادرة بالكامل. لم تعد في موقع المطالب الذي يستجدي الاعتراف والاعتذار في الغرف المغلقة، بل أصبحت في موقع القاضي الذي يصدر الأحكام باسم الشعب وباسم القانون. ما حدث اليوم ليس نهاية القصة، بل هو بداية فصل جديد ومثير. فصل لن يكتب بدبلوماسية الابتسامات الصفراء، بل سيكتب بجرأة يوم الحساب. لقد قالت الجزائر كلمتها، ورفعت صوتها بالنشيد الذي زلزل القاعة. فاستعدي وخذي من الجواب، والجواب قد صدر اليوم. فكيف سيكون الرد؟ الأيام القادمة حبلى بالمفاجآت، ونحن هنا لنروي لكم بقية القصة.
شاركـونا آراءكم. هل تعتقدون أن فرنسا ستخضع لهذا القانون، أم أننا أمام أزمة دبلوماسية غير مسبوقة؟ اتركوا تعليقاتكم، ولا تنسوا الاشتراك، لأن القادم أهم.