📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

#7 تفسير سورة المائدة [ الآيات 42-50 ] | خلاصة التفسير | حسن الحسيني

قناة حسن الحسيني21:38

Transcription

[موسيقى] احفل بمائدة من الرحمن، هي سورة وضاءة الأركان. جاءت بتوحيد وشرع راسخ، فبنت بفضل الله خير كياني. [موسيقى] ودعت إلى حفظ الحقوق، وعظمت شان العقود، وحرمة الإخوان. يا طيب مائدة، أتت بموائد للفكر والوجدان والأكوان. [موسيقى]

أعوذ بالله من الشيطان [ضحك] الرجيم. سماعون للكذب، آكلون للسحت. فإن جاؤوك فاحكم بينهم، أو اعرض عنهم. وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئاً. وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط، إن الله يحب المقسطين. قوم يملؤون أسماعهم بالباطل من الكلام، ويملؤون بطونهم بالحرام من الطعام. وكلاهما غذاء خبيث، يفسدان البدن والروح، ويبعدان العبد عن الهداية والنور. اليهود يكثرون الاستماع والإصغاء إلى أكاذيب أحبارهم، ويكثرون أكل الحرام من الرشوة والربا ونحوهما. ومن كان هذا حاله فلا رجاء في صلاحه، ولا تنتظر منه خيراً ولا رشداً.

يا أيها الرسول الكريم، هؤلاء إن تحاكموا إليك في خصوماتهم، فأنت مخير بين أن تحكم بينهم أو تعرض عنهم. لأنهم لا يتحاكمون إليك طلباً للحق، بل موافقة لأهوائهم. وإن تركت الحكم بينهم فلن يستطيعوا أن يضروك بشيء، لأن الله تعالى حافظك من الناس. أما إن اخترت أن تحكم بينهم في قضاياهم، فاحكم بينهم بالعدل والحق، حتى وإن كانوا ظلمة وأعداء، لأن الله تعالى يحب العادلين في أحكامهم. وكيف يحكمونك وعندهم التوراة، فيها حكم الله، ثم يتولون من بعد ذلك؟ وما [موسيقى] أولئك بالمؤمنين. الله تعالى ينكر على اليهود مخالفتهم لشريعتهم. فمثلاً هم يجدون في توراتهم أن الزاني يرجم، فلماذا لا يطبقون ذلك؟ بل يحتكمون إلى النبي عليه الصلاة والسلام في حد الزاني، ويقول بعضهم لبعض: ائتوا محمداً عليه الصلاة والسلام، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوا، وإن أتاكم برجم الزاني فاحذروا. فيا أيها الرسول الكريم، كيف يحكمك هؤلاء اليهود وعندهم التوراة التي يزعمون الإيمان بها، وحكم الله منصوص فيها، ثم يعرضون عن حكمك مع أنه موافق لما جاء في كتابهم؟ هؤلاء ليسوا بمؤمنين، لا بما جاء في القرآن، ولا بما جاء في كتابهم التوراة. ذلك الكتاب المقدس الذي أنزله الله على موسى الكليم.

واسمع كيف يثني الله تعالى على كتابه التوراة: إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور. يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله، وكانوا عليه شهداء. فلا تخشوا الناس واخشون، ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً. ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون. التوراة قبل أن يحرفها اليهود، أنزلها الله تعالى كتاب هداية ونور. هدى بما اشتملت عليه من بيان الأحكام والشرائع التي تهدي الناس إلى طريق السعادة، ونور بما اشتملت عليه من بيان العقائد الصحيحة والأخلاق القويمة. وهذه التوراة كان يحكم بها بين اليهود أنبياؤهم الذين أسلموا وجوههم لله، وانقادوا لحكم الله، فما حرفوا التوراة ولا بدلوها ولا خرجوا عن أحكامها. وعلى هذا النهج سار علماء وفقهاء بني إسرائيل الذين كانوا يربون الناس ويحكمون بينهم بالتوراة، لأن الله حملهم أمانة حفظ كتابه وتنفيذ أحكامه وشرائعه، وهم شهداء عليه بأنه حق. فيا علماء اليهود، لا تخافوا من الناس في النطق بالحقيقة، ولا تكتموا أحكام الله والشريعة كحكام الحدود ونعت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، بل اجعلوا خوفكم مني وحدي، ولا تتركوا العمل بما أنزله الله من الوحي والآيات من أجل حطام الدنيا القليل الزائل من رئاسة أو جاه أو مال. ومن لم يحكم بما أنزل الله مستحلاً ذلك أو مفضلاً عليه غيره أو مساوياً له معه فأولئك هم الكافرون. قال أهل العلم، وإن كان الظاهر من سياقها أن الخطاب فيها لليهود إلا أنها عامة في اليهود وغيرهم. وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن، والجروح قصاص. فمن تصدق به فهو كفارة له، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون.

يستمر الحديث عن التوراة وبيان بعض ما اشتملت عليه من هدايات وتشريعات. فقد فرض الله تعالى على اليهود في التوراة أن من قتل نفساً متعمداً بغير حق قتل بها، ومن قلع عيناً متعمداً قلعت عينه، ومن جدع أنفاً متعمداً جدع أنفه، ومن قطع أذناً متعمداً قطعت أذنه، ومن قلع سناً متعمداً قلعت سنته. وفي الجروح كتبنا عليهم القصاص، فلمج أن يقتص بالمثل ممن جرحه ظلماً، ومن تطوع بحقه بالعفو عن الجاني كافاه الله تعالى بمحو ذنوبه لأنه عفى عن من ظلمه. والجزاء من جنس العمل. ومن لم يحكم بما أنزل الله في شان القصاص وفي غيره فهو ظالم متجاوز لحدود. وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقاً لما بين يديه من التوراة، وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدق لما بين يديه من التوراة، وهدى وموعظة للمتقين. وبعد أن أبان الله تعالى منزلة التوراة، اتبع ذلك ببيان منزلة الإنجيل. فقد اتبعنا على آثار أنبياء بني إسرائيل بعيسى بن مريم، ناهج نهجهم وسالك مسلكهم في الدعوة إلى عبادة الله تعالى، ومصدقاً للتوراة التي تقدمته، ومطبقاً لأحكامها. و أعطيناه الإنجيل الموصوفة بأربع صفات: أولها أنه هدى بما اشتمل عليه من بيان الأحكام والشرائع، وثانيها أنه كتاب نور بما اشتمل عليه من بيان العقائد الصحيحة والأخلاق القويمة، وثالثها أنه مؤيد لما جاءت به التوراة من أحكام وشرائع، ورابعها أنه موعظة للمتقين بما اشتمل عليه من مواعظ ترقق القلوب ونصائح تصفي النفوس. وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه. [موسيقى] ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون.

أمر الله تعالى اتباع عيسى عليه السلام الذين أنزل عليهم الإنجيل أن يحكموا فيما بينهم بمقتضى أحكام الإنجيل بدون تحريف أو تبديل، وأن يتحاكموا إليه، يؤمنوا بما فيه. ومنه بشارة عيسى ببعثة محمد عليه الصلاة والسلام والإيمان به واتباعه. ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الخارجون عن طاعة الله، المتمردون على حكمه وشرعه. وإنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه. فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق. لكل جعلنا منكم شريعة ومنهاجاً. ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة، ولكن ليبلوكم فيما آتاكم، فاستبقوا الخير إلى الله مرجعكم جميعاً، فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون. وبعد الحديث عن التوراة والإنجيل، عقب ذلك بالحديث عن القرآن الكريم: يا أيها الرسول الكريم، إنا أنزلنا إليك القرآن الصدق الذي لا شك أنه من عند الله، مصدقاً ومؤيداً للكتب السماوية السابقة، ومؤتمن عليها، وناسخ لبعض أحكامها. جمع الله في القرآن محاسن ما قبله، وزاده من الكمالات التي ليس في غيره. فإذا تحاكم إليك أهل الكتاب أو غيرهم فاحكم بينهم بما أنزل الله عليك فيه هذا القرآن، ولا توافق في حكمك شهوات الناس ورغباتهم وأهوائهم، فتنحى عما جاءك منا من الحق والهدى. لكل أمة من الأمم وضعنا شريعة ومنهاجاً مختصة بها في الأحكام العملية، وأما المعتقد فواحد. أمة موسى ومن بعده كانت شريعتهم أحكام التوراة، وأمة عيسى كانت شريعتهم أحكام الإنجيل، وأمة محمد عليه الصلاة والسلام فشريعتهم أحكام القرآن. ولو شاء الله تعالى لجعل الناس جميعاً على شريعة واحدة، لكن الله تعالى جعل الشرائع مختلفة ليختبر عباده، ويتبين المطيع والعاصي. يا أيها العباد، سارعوا إلى فعل الخيرات وترك المنكرات، فإن مصيركم جميعاً سيكون إلى الله وحده، وخبركم عند الحساب بحقيقة ما كنتم فيه تختلفون، وسيجازيكم على ما كنتم تعملون. وإن احكم بينهم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواءهم، واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك. فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم، وإن كثيراً من الناس لفاسقون.

روي أن كعب بن أوسيد وعبد الله بن صوريا وشاس بن قيس، وهم من أحبار اليهود، اجتمعوا وقالوا: اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه. فجاؤوا إليه وقالوا: يا محمد إنك قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافه وسادتهم، وإنا إن اتبعناك اتبعنا اليهود ولم يخالفونا، وإن بيننا وبين قومنا خصومة فنخاصم لنا عليهم أماناً بك. فأبى النبي عليه الصلاة والسلام ذلك، وأنزل الله تعالى هذه الآية. يا أيها الرسول الكريم، احكم بين اليهود وغيرهم بالقرآن، ولا توافق رغباتهم وأهوائهم، واحذرهم أن يصرفوك عن بعض شريعة الله، فهم لم يألوا جهداً في سبيل ذلك. فإن اعرضوا عن الاحتكام إلى القرآن أو القبول بدين الإسلام فلا تتأثر ولا تبالي بهم، واعلم بأن الله إنما يريد أن يعاقبهم ببعض أجرامهم، فثق بأنهم هم الخاسرون بهذا الاعراض لا أنت ولا شريعة الله ولا الصف المسلم الصادق سيتضرر باعراضهم. ثم اسمع إلى تزيين الآية الذي يكشف طبيعة البشر: قال الله: وإن كثيراً من الناس لفاسقون. فأكثر الناس متمردون على الحق، معرضون عن الوحي، خارجون عن طاعة الله. لماذا؟ لأنهم هكذا، ولا حيلة لك في هذا الأمر. أفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ. يا أيها الرسول، هؤلاء اليهود ومن يوافقهم ماذا يريدون؟ أيريدون حكم الجاهلية من عباد الأوثان الذين يحكمون تبعاً لأهوائهم القائمة على الظلم والجهل والعدوان؟ فالجاهلية ليست مجرد فترة زمنية، بل هي ممارسة ظالمة، وخروج عن عبودية الله والاحتكام لشرع الله إلى عبودية البشر والاحتكام لشرع البشر. وهل يوجد أحسن وأعدل من الله حكماً لقوم يوقنون بالشرع ويذعنون للحق فهم يدركون حسن أحكام الله وصلاحها. اللهم اجعلنا من المتحاكمين لشرعك والمتمسكين بأحكامك آمين. احفل [موسيقى] بمائدة من الرحمن، هي سورة وضاءة الأركان. جاءت بتوحيد وشرع راسخ، فبنت بفضل الله خير كياني. ودعت إلى حفظ الحقوق، وعظمت شان العقود، وحرمة الإخوان. يا طيب مائدة، أتت بموائد للفكر والوجدان والأكوان. [موسيقى]