Transcription
[موسيقى] بسم الله الرحمن الرحيم. اخوتي الكرام، نواصل في الحديث. وفي الحلقات السابقة، من خلال التسلسل، توصلنا إلى نقطة استقرار الإنسان. وبالتالي، توفر له المزيد من الوقت، وتوفرت له الطاقة التي كانت مهدرة في الحصول على الطعام. فقفزت إلى ذهنه هذه الأسئلة الوجودية. بدا الإنسان يفكر عن طريق التأمل، عن طريق التفكر في الكون. بدا يسال عن مصيره. واعتقد أن السؤال الذي كان ملحاً للإنسان المستقر، المكتفي ذاتياً في الحصول على الطعام من خلال الزراعة، السؤال الملح هو ما يترتب على مصيره بعد الموت. لأن الموت بالنسبة له أصبح ظاهرة محققة؛ فهو يرى أقربائه، يرى العجز، يموتون. فالسؤال الأول لم يكن كيف نشأ هو، أو من أين جاء، أو كيف خلق، وإنما السؤال الملح: إلى أين هو ذاهب؟ وهذه من طبيعة غريزة الإنسان. فالانسان قبل أن يفكر من أين جاء، يفكر إلى أين هو ذاهب، باعتباره أنه كظاهرة واقعة، هو ما إنسان واقع، حادث، يرى نفسه، هو حيمشي لوين؟ بعد أن أصبحت له مزيد من الوقت، أصبح مكتفي ذاتياً من الطعام والشراب، إلى أين سيكون مصيره بعد الموت؟ وبصراحة، كان سؤال منطقي؛ يعني ما ممكن كل هذه الطبيعة التي يراها، والعالم الفسيح، هو فقط ليُوفر له ستين أو سبعين سنة تنتهي بالموت وخلاص، مثله مثل الدواب، ومثله مثل الحيوانات الأخرى.
هنا جاءت الأديان مباشرة. هكذا يعتقد الملحد. الملحد يعتقد أن الدين هي صناعة بشرية. يعني رجال الدين، عندما وجدوا أن هذا السؤال ملح، وبدا يتساءل في عقول الناس، فدخلوا إليهم من باب التطبيب، أو باب العزاء، أنه لا يضمن لهم حياة بعد الموت. وهذه لا شك أن نتائجها تكون إيجابية جداً على النفس. النفس بترتاح للموضوع ده. يعني أنت لو يقولوا لك هتموت وخلاص، وموضوعك انتهى في هذه السنوات المحدودة، لا شك أن الموضوع حيكون مزعج بالنسبة لك. أنت ترغب في حياة أخرى، لا تريد لهذه المتعة، متعة الحياة، أن تنقطع. فيعتقد الملحدون أن الأديان دخلت هنا لإيجاد عزاء للإنسان، من عدم الخوف. لا يجب عليه أن يخاف، لأنه ستكون هنالك حياة أخرى، سيكون هنالك نعيم آخر. وبالتالي، جاء رجال الدين، أيًا كان هم، أنبياء مزعومين، هكذا يقول الملحد، لكي يفترضوا حياة ما بعد الموت. وبالتالي، يصبح الإنسان أكثر أملاً، وأكثر رجاءً في هذه الحياة التي ستكون بعد الموت.
ولكن بعد ظهور العلم، وخلينا نقول بعد، مثلاً، بعد القفزة الأوروبية، أو بعد العصور المظلمة، وبدا العلم يتعارض مع الأسئلة الفلسفية، أو أسئلة الأديان اللي كانت موروثة، وراسخة في عقول الناس، لأن وسائل العلم قد تطورت، وبالتالي أصبحت في مجافاة، أصبحت في قطيعة. من هنا نقول إن الفلسفة والدين قد سبقت العلم بمراحل كبيرة جداً من الزمن. هنا حصل صدام، باعتبار أن العلم لا يقبل الشك، ولا يتطلب الإيمان، وإنما يتطلب الحقيقة الماثلة أمام الأعين، الموجودة بقوانينها ونظامها. حصلت مجافاة بين العلم، وخلينا نقول بين الدين، فتم فصل الدين عن العلم، وهو ما يُسمى عند البعض بالعلمانية. ولذلك، حتى العلمانية نفسها، من حيث تعريف واضح لمفهوم العلمانية، إلى الآن لم يستقر بالمناسبة. هل هو فصل الدين عن الدولة؟ فصل الدين عن العلم؟ هل هي تجربة سياسية؟ أم هي حركة تاريخية حصلت؟ هي بالمجمل، بالمجمل قد تكون حسنة في المسيحية، وبدعة في الإسلام. ده طبعاً على حسب المفهوم السائد عند الناس. يعني بالنسبة للوقت الذي حصلت فيه، حيث كانت الكنيسة متحكمة في حياة الناس، وتفرض عليهم تصورات الإله الغيبية، فكان لابد حصل تصادم. فهي كانت حسنة أنذاك. يعني لو ما هذه الظاهرة التي حاولت أن تحيد الكنيسة عن شؤون، عن الشؤون العلمية، ما كان أوروبا نهض. لكن للأسف الكثير جداً، وبناءً على تلك التجربة، يريدون تسويق هذه الفكرة بالنسبة للدين الإسلامي. وأنا لما أقول الدين الإسلامي، أعني النص الديني الإسلامي، خاصة على مستوى القرآن الكريم، باعتبار أن هذه التجربة تصلح الآن.
اكتفى العلم، على حسب نظرية الإلحاد، بإجابات ناقصة، ولا يمكن أن تروي عطش العقول المتأملة في مثل هذه الأسئلة الوجودية. أن الإنسان والحيوان سيان، سواء كان في النشأة والمصير. وبالتالي، يعتقدون أن هذا الكون الفسيح، وهذه الطبيعة التي خلقت نفسها بنفسها، ووجدت، أو أوجدت نفسها على سبيل الصدفة، كلها بهذا الكم الهائل من القوانين، والأفلاك، والأجرام، والعوالم، ليس لها غاية، طالما أن الإنسان والحيوان يشتركان في المنشأ وفي المصير. إذاً، لماذا تطور الإنسان إلى درجة أنه أنشأ عالماً خاصاً به من التطور، ومن الحضارة، ومن إمكانية التحكم في عالم الشهادة، بينما لا يزال الحيوان يقبع في الكهوف وبطون الغابات، ويمارس الحياة التقليدية، ويُفِق قانون الغابة، لياكل ويشرب ويتناسل؟ هل نعتقد أن هذه قد تكون غاية هذا الوجود العظيم؟ أم أن تكريم الإنسان الذي يعتقد به أهل الإيمان، لا شك أنه هو مشروع الرب، وهو نقطة الارتكاز التي من خلالها يمكن أن نفهم القضية برمتها؟ أحبتي، في الحلقة القادمة نلتقي في هذا التسلسل. شكراً جزيلاً. السلام عليكم. [موسيقى]