Transcription
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على خير خلقه وسيد بريته محمد وعلى آله الطاهرين المطهرين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بعد أن تحدثنا في الدرسين الماضيين عن معرفة الله وإثبات وجوده جل وعلا، وعن المسائل والمباحث المتعلقة بهذا الموضوع، ننتقل اليوم للحديث عن صفات الله جل وعلا. هذا البحث أو هذه المباحث تعتبر من أهم المباحث بعد إثبات وجوده جل وعلا. حديثنا اليوم سيكون عن ثلاث نقاط رئيسية. تسبق هذه النقاط بعض المقدمات. المقدمة الأولى: إن اختلاف الأديان، أو صراع الأديان إن شئت، إنما يقوم على اختلاف رؤاهم بالنسبة للصفات، موقفهم من الصفات الإلهية. وهذا يتضح جلياً بين الأديان الكبرى، مثل اختلاف الإله الواحد في الإسلام، والآلهة الثلاثة في المسيحية. وهذا الاختلاف يظهر بشكل أدق وأكثر دقة بين أتباع الدين الواحد. بمعنى، مثلاً، هناك من يؤمن بالتجسيم. هناك من لا يؤمن بالجسمانية. هناك من يؤمن بوحدة الوجود. هناك من ينفي ذلك ولا يؤمن بتطابق بين الله جل وعلا ومخلوقاته. إذن، هذه الاختلافات تنبع من اختلاف الموقف والرؤية بالنسبة لصفات الله جل وعلا. بل ربما يمكن القول إن عدداً لا بأس به من الملحدين الذين ينكرون وجود الله جل وعلا، مشكلتهم مع الأديان إنما تبدأ في الحقيقة من مسألة الصفات. عندما لا يرون الانسجام بين روعة الكون ونظامه ودقته، وبين الصفات المذكورة في بعض الكتب الدينية، أو بعض الكتب التي تعتبر مقدسة. هذا بالنسبة للنقطة الأولى. المقدمة الثانية: إن دين الله قد واجه الكفر به، وكذلك واجه البدعة بالنسبة لأسماء الله، وإنكار صفات الله جل وعلا. يقول الله جل وعلا: "ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون". هذا يعني أن على المؤمن أن يبذل جهده ليس فقط في إثبات معرفة الخالق جل وعلا، بل أيضاً في معرفة الصفات، معرفة أسمائه على الوجه الصحيح. وعلى نفس المستوى وبنفس القدر. بمعنى، كما يجب أن تعرف ربك، كذلك يجب أن تعرف صفاته على الوجه الصحيح، أن تعرف أسماءه الحسنى على الوجه الصحيح. ولذلك نجد أن الدعاة إلى الله جل وعلا، وهم الأنبياء الإلهيون والأئمة الطاهرون عليهم أفضل الصلاة والسلام، تحدثوا كثيراً في هذا الأمر. بل دخلوا في مواجهات علمية، في صراعات حادة مع الأفكار المنحرفة، بالنسبة لأسماء الله وصفاته. ومن أبرز هذه الصفات هي تلك المتعلقة بوحدانية الله جل وعلا، بتوحيده جل وعلا. إذ يعتبر التوحيد أهم عنصر في العقيدة الإسلامية. بل أهم عنصر في جميع الأديان السماوية. من هنا نرى التأكيد المتكرر على هذا المبدأ في النصوص الدينية. في القرآن الكريم مثلاً، نجد الحديث عن وحدانية الله تكرر كثيراً. تارة يكون الحديث عن نفي الأنداد والأضداد والأشبه. وتارة أخرى يكون عن إثبات الوحدانية. بمعنى، من ناحيتين: النفي والإثبات. والوضع. يقول الله جل وعلا: "وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم". هذا التأكيد من ناحيتين: الإثبات والنفي. طبعاً هذا التأكيد ليس خاصاً بالإسلام. بل هو تأكيد جميع الأنبياء. دعوتهم، تنبع من دعوة الإله الواحد الأحد. من الدعوة إلى رفض الأنداد، رفض الأصنام الحجرية والبشرية، رفض الأضداد. نعم، هذه الدعوة تظهر في الإسلام بشكل جلي، صريح. حجر الزاوية في الدين الإسلامي هو، اممم، توحيد الله جل وعلا؛ الإيمان بوحدانية الله. أساس الدين هو الإيمان بالوحدانية. نقطة الانطلاق لحركة الدين هو الشهادة بأن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. هذا صحيح، وربما السبب في ذلك هو أن الأديان الأخرى تعرضت للتحريف. يد التحريف طالتها. أما الإسلام فقد بقي نقياً، خاصة بالنسبة لوحدانية الله جل وعلا. ولذلك يقول الإمام الصادق عليه السلام: أساس الدين هو التوحيد والعدل. أساس الحركة في الإيمان بهذا الدين هو الإيمان بوحدانية الله جل وعلا. ولذلك يعتبر الإيمان بالتوحيد هو أساس الدين. هو أساس العقيدة. هو أيضاً أساس معرفة الله جل وعلا. حسناً، من هذا المنطلق سيكون حديثنا عن التوحيد، في النقاط التالية: النقطة الأولى: ما المقصود بالتوحيد؟ يبدو أن الإشارة في هذه المقدمة قد وضحت لنا المعنى بشكل عام. في كتب اللغة، عندما يعرفون كلمة التوحيد يقولون: إن المقصود منها هو الإيمان بالله وحده لا شريك له. نفي الشريك له، وهذا صحيح. ولكن هذه الكلمة، أو هذه الصفة، صفة وحدانية الله جل وعلا، تعني أيضاً نفي المثيل، نفي النظير لله جل وعلا. نفي وجود أي تشابه نوعي بين الله جل وعلا ومخلوقاته. وهذا الوصف ينبع من اسمين، الواحد والأحد. الله جل وعلا واحد وأحد. ما المقصود بهذين الاسمين؟ طبعاً، أصلهما... كل الصفات الإلهية والأسماء تنبع من هذين الاسمين. وهذا هو جوهر الدين الإبراهيمي الموجود في الإسلام. الأحد اسم تنزيه لله جل وعلا، وله معانيه. المعنى الأول هو عدم التركيب في ذاته جل وعلا. والمعنى الثاني هو عدم وجود مثيل للخالق جل وعلا. أن الله جل وعلا لا تركيب فيه؛ ليس جسماً، لكي... يكون مركباً. الله صمد. هذا أحد معاني اسم الأحد. كما أن أحد معانيه الأخرى هو أن الله جل وعلا لا مثيل له. أما اسم الواحد، فهو أيضاً اسم تنزيه. ومعناه أنه لا شريك لله جل وعلا. إذن، لا تركيب، ولا مثيل، ولا شريك. وهذا الاسم، الواحد، بمعنى أنه لا شريك لله جل وعلا، في الواقع يميز بين الموحدين، وهم الذين يؤمنون بوجود إله واحد لا شريك له، وبين من أشركوا بالله تبارك وتعالى. وهذا الشرك له مستويات وأنواع. سواء كان المشركون قالوا هناك آلهة كبرى وآلهة صغرى، أو قالوا هناك آلهة متساوية، ولكنها موزعة، وكل واحد مسؤول عن شيء في هذا الكون. أو الشرك بمعنى وجود آلهة تتصارع فيما بينها، كما عند المجوس الذين يتحدثون عن وجود إله للخير وإله للشر. وبينهم، أهورا ومازدا، وبينهم صراع. اسم الواحد يفصل هذه المجموعة عن تلك المجموعة، بجميع أنواعها وفئاتها. الإمام الباقر عليه السلام، في حديث له عن هذين الاسمين، الواحد والأحد، يقول: الأحد والواحد لهما معنى واحد. بمعنى، إن مفاد هذين الاسمين يؤدي إلى معنى واحد: وهو الواحد الذي لا نظير له. والتوحيد هو إثبات الوحدانية، وهي التفرد. ثم يقول: والواحد هو المنفرد الذي لا يصدر عنه شيء ولا يتحد به شيء. إذن، التوحيد هو نفي كل شريك عن الله جل وعلا، كما أنه نفي أي تشابه بين الخالق جل وعلا ومخلوقاته، وأن الله لا يوصف بأي وصف من أوصاف مخلوقاته، من أوصاف المخلوقات. كما قال الإمام الصادق عليه السلام: "أما التوحيد، فهو أن لا تشبه ربك بشيء من خلقك". أي صفة يمكن أن تنطبق على المخلوقات لا يمكن أن تنطبق على الله. الله جل وعلا منزه عن أن يوصف أو يتصف بهذه الصفات. كذلك، على الموحد أن ينفي أي تشابه بين الخالق ومخلوقاته. يقول... الإمام عليه السلام، في دعاء ليلة من ليالي شهر رمضان: "الحمد لله الذي لا ينازعه أحد في ملكه، ولا يشبهه أحد من خلقه..." إلى آخر الدعاء. حسناً، هنا نقطة مهمة جداً. وهي أن من لم يقل بوحدانية الله بهذا المعنى... يعني، أولاً: نفي الشريك؛ ثانياً: نفي المثيل؛ ثالثاً: إعلان تنزهه عن أن يكون من جنس المخلوقات أو أن يتصف بصفاتهم. أو حتى إعلان تنزهه عن أن يكون مطابقاً لمخلوقاته، كما يعتقد بعض العرفاء. من لم يؤمن بالله ووحدانيته بهذا النحو، فإنه لم يؤمن بالله أصلاً. أحياناً نقول إن من يعبد صنماً مع الله، لم يعبد الله حقاً، لم يعرف الله. هذه مرحلة واضحة وجلية. ولكن من يقبل انطباق صفات المخلوق على الخالق، فإنه أيضاً لم يعرف الله. لم يؤمن بالله الحقيقي؛ آمن بشيء توهمه إلهاً. لاحظ، أمير المؤمنين عليه السلام يقول: "ما وحده من شبهه". لم يعرفه حق المعرفة من شبهه. "ولا عرفه من جسّمه". لم يعرفه من جسّمه. الله لا يمكن أن يشبه بالأشياء. إذا قال أحدهم الله مثل... أو علمه مثل... أو قدرته مثل... هذا التشبيه لم يعرف حقيقته. إذا فعل ذلك، "ولا قصد إليه من مثّله". إذا شبه الخالق بمخلوقاته، فليس تشبيهاً. بمعنى، لم يقصد إليه. لم يعنِ به. عنى شيئاً توهمه. "ولا أشار إليه من توهمه". هذا بالنسبة للموضوع الأول. طبعاً، هنا أيضاً رواية جميلة عن الإمام الصادق عليه السلام. في هذا السياق يقول: "أشهد أن من شبهك بخلقك من بهائم الأنعام، وربطهم بأطرافهم، وسلطهم على أنفسهم، لم يعرفك حق المعرفة في غيب ضميره، ولم يبلغ اليقين قلبه أن لا إله إلا أنت. كأنه لم يسمع تبرؤ الأمم من الآلهة التي اتخذوها، إذ يقولون: والله إنا لكنا في ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين". فمساواة المخلوق بالخالق، هذا ضلال مبين. ثم يقول الإمام: "وأشهد أن من شبهك بشيء من خلقك فقد أشرك بك. ومن أشرك بك فقد جحد آياتك البينات". هذا بالنسبة للموضوع الأول. أما الموضوع الثاني، فلأجل استيعاب المعنى الحقيقي والدقيق للتوحيد، لا بد لنا من التوقف عند مستوياته أو مظاهره. وهذا يقودنا للحديث عن مستويات التوحيد. في الواقع، المقصود بالمستويات هي مظاهر حقيقة التوحيد في جميع جوانب الحياة وشؤونها. وقد اختلف علماء اللاهوت؛ فمنهم من قسم هذه المستويات إلى أربعة أقسام. ومنهم من قسمها إلى قسمين فقط، وهما توحيد الذات وتوحيد الصفات. ولكننا سنتبع الطريقة المشهورة، وهي القسمة الرباعية، على حد تعبيرهم. الله جل وعلا، واحد، أحد في ذاته. هذا هو التوحيد الأول: توحيد الذات. ما المقصود بذلك؟ المقصود بتوحيد الذات، أو التوحيد الذاتي، هو أن الله جل وعلا لا مثيل له ولا نظير له من حيث ذاته. لم يخلق من شيء، ولا يتحد بشيء. بمعنى آخر، توحيد الذات هو إثبات التمايز الكامل بين الله ومخلوقاته. بمعنى، هو متميز عن مخلوقاته ومخلوقاته متميزة عنه. لا يوجد أي وجه شبه أو اشتراك بين الله وعباده، بين الله ومخلوقاته، أياً كانوا. في أي حالة أخرى، بمعنى، إذا قلنا هناك شبه أو طبيعة مشتركة بينه وبين مخلوقاته، اهتزت وحدانية الله. انهار التوحيد. لأن الله المعروف للخلق من خلال تعريفه لنفسه لهم، في فطرتهم، في عالم الذر، وكما ذكرنا في الدرس الماضي، فإن ذلك المعروف لا يوجد فيه أي وجه شبه أو اشتراك أو طبيعة مشتركة مع مخلوقاته. وحدانية الله تعني استحالة إدراكه، لا بالوهم، ولا بالعقل، ولا بالتصور، ولا بالخيال. كما قالت السيدة الزهراء عليها السلام: "صفته أجل من أن توصف، وطبيعته أجل من أن تدرك". لو كانت الألسنة قادرة على وصف الله، والعقول قادرة على إدراك طبيعة الله، لما كان هناك فرق بينه وبين مخلوقاته. لما كان هناك توحيد ذاتي لله جل وعلا. بل لكان الخالق نظيراً لمخلوقاته. نعم، لكان متميزاً عنهم في بعض الوجوه ومشتركاً معهم في وجوه أخرى. وحينئذ، سيتمكن العقل من إدراكه، من استيعابه. بينما في الواقع، لا توجد إمكانية لذلك. من هنا، يقول الإمام عليه السلام، الإمام الصادق، في تفسير معنى التوحيد: "هو أن لا تتصوروه". التوحيد هو أن لا تتصوروه. العقل قاصر عن الوصول إلى هذا المستوى. لماذا؟ لأن الله لا شريك له. لماذا؟ لأن الله لا مثيل له. لماذا؟ لأن الله متميز عن مخلوقاته. منفصل عن مخلوقاته. مخلوقاته منفصلة عنه. هذا بالنسبة لتوحيد الذات. أما توحيد الصفات، فالمقصود به، أنه كما أن الله لا مثيل له ولا نظير له في ذاته، كذلك لا مثيل له ولا نظير له في صفاته أيضاً. فهو جل وعلا، منزه عن أن يكون من جنس مخلوقاته وأن يتصف بصفاتهم وصفاتهم. فهو وحده العالم، وحده القادر، وحده الغني. هو عالم بذاته، غني بذاته، قادر بذاته. وليس لأحد أي قدرة أو حياة أو علم أمام قدرته وعلمه وحياته. بل العالم إنما هو عالم بعلمه. القادر إنما هو قادر بقدرته، جل وعلا. الحي إنما حياته إنما هي مكتسبة من الله جل وعلا. إذن، هو واحد، أحد في ذاته، وهو واحد، أحد في صفاته. لا يوصف بصفات المخلوقات. يقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: "ولم يزل، لا مثل له، منزهاً عن صفات المخلوقين". وكذلك الإمام الحسين عليه السلام يقول: "لا يوصف بصفات المخلوقين". الله تبارك وتعالى لا يوصف بصفات المخلوقين. إذا وصف بذلك، فقد لم يوصف الله. بمعنى، من وصف الرب بصفات المخلوقين، إنما وصف ما توهمه إلهاً، ولم يوصف الله الحقيقي. وتقول السيدة الزهراء عليها السلام: "سبحان من يرى نملة في ليلة ظلماء على صحراء حمّاء، سبحان من يرى مواقع النجوم، سبحان من يرى ما في غياهب الظلماء، سبحان من لا يدركه بصر، ولا تحجبه سماء، ولا تبلغه أيدي، ولا ألسن، سبحان من لا يعجزه شيء، ولا يفوته شيء، سبحان من هو هكذا، وليس معه غيره". غير الله لا يمكن أن يكون كذلك. الفئة الثالثة، أو المستوى الثالث، هو توحيد الأفعال. والمقصود بتوحيد الأفعال... وفي الواقع، هذه الفئة وهذا المستوى، يعود إلى المستوى الثاني، باعتبار أن صفات الله جل وعلا، إما صفات ذات أو صفات فعل. المقصود بتوحيد الفعل شيئان. الشيء الأول: هو أن الله جل وعلا لا يحتاج في فعله، في إرادته، في قصده، إلى أي معين، أي ناصر، أي مساعد، أبداً. يقول الله جل وعلا: "...ولم يكن له ولي من الذل...". الله غير عاجز عن القيام بفعل. ما أراده، إنما أمره إذا قضى أمراً أن يقول له كن فيكون. حسناً، من هنا نجد قول أمير المؤمنين عليه السلام. يقول: "ابتدأ الأشياء لا من شيء". نعم. "ابتدأ الأشياء لا من شيء، وكان عرشه على الماء، إذ لا سماء ولا أرض، ثم خلق السماوات والأرض، ثم بعث الرياح، فتحرك الماء، ثم زبد الماء، فصار زبداً، فخلق الله من ذلك الزبدة السموات والأرضين، ثم خلق الملائكة، ثم خلق الجن والإنس، ثم خلق آدم، ثم خلق حواء". لا، هذا ليس هو المقصود. المقصود هنا هو: "ابتدأ الأشياء بلا استعانة بأحد، ولا ظهير له، ولا معين، ولا وزير". لم يستعن به أحد، ولم يكن له ظهير يعينه، ولا وزير يسنده ويساعده. هذا هو المعنى الأول. أما المعنى الثاني، فهو أن جميع الموجودات في الكون، جميع الخلق، محتاجون. ومحتاجون. في أفعالهم، حركاتهم، إراداتهم، مقاصدهم، إلى الله. بمعنى، لا يوجد مخلوق مستقل، لا في وجوده ولا في أفعاله أو قدرته. بل قدرته، وإرادته، وأفعاله كلها بالله جل وعلا. مكتسبة من الله جل وعلا. فكل فعل، سواء كان إرادة، أو عزيمة، أو قصد، أو رضا، أو غضب، أو حركة، لا يصدر عن أي شخص، عن أي مخلوق، إلا إذا تعلق به إرادة الله جل وعلا. وأذن الله بذلك الفعل أن يصدر من هذا المخلوق. "بي أردت، أنت تريد" كما في الحديث القدسي. حسناً، هل هذا ينافي الاختيار؟ لا. الإنسان مختار في اختياره لفعل. ولكن قدرته على القيام بذلك الفعل إنما هي بالله جل وعلا؛ ليس مستقلاً في الفعل. يقول الإمام الرضا عليه السلام: "وأفعال العباد مخلوقة لله عز وجل". هل هذا يعني أن الله مباشرة يقوم بها؟ لا. مخلوقة لله عز وجل خلقاً، لا تكويناً. والله خالق كل شيء، ونحن لا نقول بالجبر ولا بالتفويض. هذا مباشر. هذا المستوى الثالث. أما المستوى الرابع من التوحيد، فهو توحيد العبادة. والمقصود بتوحيد العبادة هو أنه لا يستحق العبادة، ولا الطاعة، ولا الخضوع، ولا الذل، إلا الله جل وعلا. المستحق الحقيقي، الواقعي للعبادة في هذا الكون، في هذا الوجود، هو الله. تقول السيدة الزهراء عليها السلام: "سبحان من ذلت لعظمته الأمور كلها، سبحان من خضعت لعزته الصعاب، سبحان من لجأت إليه الأمور كلها، سبحان من انقادت له الأمور كلها". فالمطلوب من الإنسان، من جميع الناس، أن يتوجهوا إلى الله وحده في طاعتهم، في عبادتهم، في خضوعهم، في ذلهم. لأن الطاعة أيضاً هي نوع من العبادة. يقول الله جل وعلا في سورة الفاتحة: "إياك نعبد". العبادة لله جل وعلا وحده. ويقول أيضاً: "ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت". اعبدوا الله. اجتنبوا الطاعة للطاغوت، الذي هو في الواقع نوع من العبادة. نعم. هذا لا يعني أن كل طاعة أو كل خضوع وذل هو عبادة، لأن العبادة بمعانيها اللغوية تتداخل مع الخضوع والذل. ليس كل طاعة عبادة، كما ليس كل خضوع، كل ذل، كل تعظيم هو عبادة. لا، للخضوع مستويات؛ أعلى تلك المستويات هو مستوى العبادة. كذلك، إذا كانت الطاعة لمخلوق أمر الله بطاعته، فهي في الواقع طاعة لله جل وعلا. الذل، إذا كان لمخلوق أمر الله بالذل له، بالخضوع له، كإنسان يذل لوالديه، كإنسان أحياناً يذل لمعلمه، للعلماء. إذا كان هذا بأمر الله، فهو ليس ذلاً لغير الله. بمعنى، ليس عبادة لهم وشركاً بالله جل وعلا. كذلك، طلب الحاجة إذا كان من أحد الخلق، من مخلوق من مخلوقات الله كأولياء الله، إذا كان هذا الطلب على نحو أن يكون المسؤول وسيلة إلى الله جل وعلا، فهذا أيضاً ليس شركاً. وفي هذا المأزق، وقع كثير من الناس، أو بعض المدارس الفكرية. حيث ظنوا أن الخضوع لأولياء الله، طلب الحاجة، من أولياء الله، الطاعة لأولياء الله، هو شرك بالله جل وعلا. أبداً. نعم، إذا توهم الإنسان أنه عندما يطلب الحاجة من النبي، من أهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام، أنهم يعطونها استقلالاً وانفكاكاً عن إرادة الله ومشيئته، فهذا إشكال. أما إذا لم يكن كذلك، بل توجه إليهم على أساس أن الله أمر بذلك، و"ابتغوا إليه الوسيلة"، باعتبارهم باب الله، باعتبارهم حجج الله، فهذا شيء لا إشكال فيه. بل هو شيء شجع الله جل وعلا عليه. إذن، مستويات التوحيد هي: مستوى توحيد الذات، وحدانية الذات، وحدانية الصفات، وحدانية الأفعال، وأخيراً، وحدانية العبادة. أما المحور الثالث، فهو متعلق بأدلة وحدانية الله جل وعلا. هناك أدلة متعددة لإثبات وحدانية الله جل وعلا. ونفي أي شريك ونفي أي نظير. وأساس هذه الأدلة في الواقع، هو تلك الفطرة التي فطر الله الناس عليها. وفطرهم على التوحيد. أصل معرفة الله، كما ذكرنا، كان من التعريف المباشر. وعرف نفسه بأنه إله واحد، أحد، متفرد، الملجأ الأبدي، لا شريك له، لا مثيل له، لا نظير له، لا ند له. ولذلك، فإن هذه الأدلة قد تكون في الواقع تذكيراً وتذكرة بتلك الفطرة. وليست أدلة منفصلة عن الفطرة. لأن الإنسان إذا عرف ربه بفطرته، سواء من خلال تذكيرات الأنبياء، أو بالنسبة لحالات العبادة والخضوع والدعاء، أو في أوقات الشدة والضيق، كما ذكرنا، فإن الله يتجلى في قلبه، ليس مجرد وجود خالق يتجلى. لا، يتجلى بصفاته الكاملة أيضاً. الله الواحد، الأحد، المتفرد، القادر، الحكيم. من ينقذه من محنته. بمعنى، كل الصفات، بما فيها صفة الوحدانية، تتجلى في القلب الإنساني من خلال المعرفة الفطرية. ولكن على أي حال، ذكر المؤلفان مجموعة من الأدلة. وجعلا دليل الفطرة أحد الأدلة، مع ملاحظة أنه يمكن أن يكون هو المحور المركزي، وترجع إليه الأدلة الأخرى. الدليل الأول الذي ذكروه وقدموه في هذا المجال هو أن التعدد، تعدد الآلهة، ينافي الألوهية. مجرد أن يتصور الإنسان تعدد الآلهة ووجود شريك إنما ينبع من عدم معرفته بمقام الألوهية، من عدم معرفته بصفات الله جل وعلا. بمعنى، عدم الالتفات إليها. فمن المستحيل تصور شريك لإله متعالٍ، قادر، لا حدود لقدرته وسطوته، لا يعجزه شيء، حي، خالق الحياة وخالق كل شيء، مدبر، نظم كل الأمور. هذه الأوصاف لا يمكن أن تتفق مع اعتبار وجود شريك لهذا الخالق. من هنا نجد أن الإمام الصادق عليه السلام، عندما يسأله المبتدع ويناظره في مسألة وحدانية الله، يقول عليه السلام: قولك إنهما اثنان، لا يخلو إما أن يكونا قويين، أو ضعيفين، أو أحدهما قوي والآخر ضعيف. هذه هي الحالات. إن كانا قويين، فلماذا لا يدفع كل واحد منهما صاحبه ويستبد بالملك؟ إن كانا قويين، فلماذا لا يتصارعان فيما بينهما؟ وإن ادعيت أن أحدهما قوي والآخر ضعيف، فقد ثبت أنه واحد. كما نقول لماذا؟ يقول الإمام: "لظهور العجز في الثاني". بمعنى أن مجرد وجود عجز فيما يدعى إلهاً ينافي هذا الادعاء. لا يمكن تصور الله بعجز. لا يوصف بالعجز والضعف. إذن، إذا تصور شريك، فإنما هو إما لضعف، والضعف ليس من صفات الله جل وعلا. أو ليس من صفات الله جل وعلا. هذا بالنسبة للدليل الأول. الدليل الثاني. وجود النظام في هذا الكون، جوانب منه تحدثنا عنها في الدروس السابقة، من جميع الخلق، كل هذا دليل على وحدانية الله جل وعلا. كيف؟ يقول الله جل وعلا: "لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا". "فسبحان الله رب العرش عما يصفون". لتحليل هذا الدليل البديهي، سأذكر النقاط التالية. النقطة الأولى. ذكرنا في الدروس السابقة أن العالم قد نظم بنظام دقيق. وأجزاؤه قد تركبت مع بعضها البعض بتركيب عجيب جداً. والنقطة الثانية: من مظاهر هذا النظام وجود علاقة بين أجزاء الخلق. بمعنى، هناك علاقات تبادلية بين مخلوق ومجموعة كبيرة من المخلوقات الأخرى. حاجة متبادلة. بحيث أن أي خلل يحدث في هذه العلاقة وفي هذه الروابط الحاجية المتبادلة، يؤدي إلى خلل في النظام وفي الوجود. والنقطة الثالثة: عدم اضطراب هذه الشبكة من العلاقات إنما هو بسبب أن مدبر ومنظم هذا الكون، وهذه المخلوقات، والعلاقات فيما بينها هو واحد. وإلا، لو كان تدبير الخلق بواسطة أطراف متعددة، كل طرف يتولى أموراً معينة، لحدث اختلال وخلل. مهما كان التدبير دقيقاً. لاحظ، دعني أعطي مثالاً. لو تصورنا أنفسنا مخلوقين من غير الخالق الذي خلق السماء والأرض والهواء والماء، هل كنا سنتمكن من العيش؟ على هذه الأرض، تحت هذه السماء، نتنفس هذا الهواء، ونستمتع بهذا الماء بهذه السهولة والبساطة التي اعتدنا عليها الآن؟ أم كان سيحتاج الأمر إلى الرجوع إلى ذلك الإله الثاني الذي خلق تلك الأشياء والتوسل إليه وطلب ذلك منه، وتحدث المشاكل بين هذا الخالق وذاك الخالق؟ لاحظ، اليوم نجد الشركات العالمية. هذه الشركات تشكل روابط فيما بينها على أساس المصلحة. مصنع يستورد أو يطلب مجموعة من الأجهزة والمكونات من شركات أخرى مختلفة. مهما كان هذا التركيب بين هذا المصنع والمصانع الأخرى، بين هذا المصنع والمصانع الأخرى، مهما كان دقيقاً، يؤدي أحياناً إلى تأخير، أحياناً إلى خلافات، أحياناً إلى أعطال، أحياناً إلى نزاعات، فروقات في الأسعار، خلافات سياسية، وما إلى ذلك. هذا حال التعاون بين مخلوقين، كلاهما يدرك أنهما بحاجة إلى الآخر. فهل يمكن تصور أن الخالق المتكبر، القهار، القدير، يقبل أن يشارك آخر ويتعاون مع آخر في شؤون الخلق؟ هذا غير ممكن. يقول الله جل وعلا: "ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله". لو كان معه إله آخر، ماذا كان سيحدث؟ "لذهب كل إله بما خلق". "ولعلا بعضهم على بعض". فسبحان الله عما يصفون. من صفات الله الكبرياء، القهر، العلو. حسناً. هو عالٍ ومتعالٍ. فإذا تصورنا وجود إلهين، كل واحد منهما سيتكبر على الآخر ويأخذ ما خلق ويذهب. كذلك يقول الإمام الصادق عليه السلام في حديث، في نفس المحادثة مع ذلك المبتدع، يقول: "إن قلتم إنهما اثنان، لم ينفكا من أن يكونا متفقين في كل وجه، أو متخالفين في كل وجه. فإذا رأينا الخلق على نظام، والأفلاك على جريان، والتدبير واحد، والليل والنهار، والشمس والقمر، دلت سلامة التدبير ووفاقه على أن المدبر واحد". في حديث آخر، يقول الإمام أيضاً عندما سئل، سأل هشام بن الحكم الإمام عن دليل أن الله واحد. قال: "اتفاق التدبير، وكمال الخلق". كما قال الله عز وجل: "لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا". والدليل الثالث والأخير، الذي سنتوقف عنده، هو شهادة الأنبياء. بعث الأنبياء هو أحد أهم أدلة وحدانية الله جل وعلا. كيف؟ نحن نعرف بوجود 124 ألف نبي ورسول. كلهم دعوا إلى إله واحد لا شريك له. وكانت هذه هي الدعوة الأولى لهم جميعاً. "وإلى عاد أخاهم هوداً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره". "وإلى ثمود أخاهم صالحاً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره". "وإلى مدين أخاهم شعيباً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره". كلهم الأنبياء دعوا إلى إله واحد. لم نسمع بنبي أو رسول دعا إلى إله ثانٍ. بمعنى، حتى الذين يدعون النبوة زوراً وبهتاناً، ينسبون أنفسهم إلى الإله الواحد. ولا يعتبرون أنفسهم مرسلين من إله ثانٍ، خالق ثانٍ، موجد ثانٍ. يوضح الإمام أمير المؤمنين عليه السلام هذه الحقيقة بكلمة رائعة للإمام الحسن المجتبى. يقول: "اعلم يا بني، أنه لو كان لربك شريك، لأتاك رسله". لو كان شريك، لأرسل رسله، لأرسل رسلاً. "ولرأيت آثار ملكه وسلطانه". "ولعرفت أفعاله وصفاته". فلما لم يكن رسول، ولما لم تكن آثار، ولما لم يكن خلق وفعل، فلا يوجد إله ثانٍ في هذا الوجود. نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من الثابتين على معرفته، وأن يزيدنا علماً به، علماً برسوله، وعلماً بحجته. إنه سميع مجيب. اللهم صل على محمد.