Transcription
[موسيقى] بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين.
تواصل في هذا المحور، وفي الحلقة السابقة، تحدثنا بشيء من التفصيل عن العلاقة بين الدستور والقانون، ومفهوم كتاب الله سبحانه وتعالى. وظيفة القرآن الكريم التي وقع فيها السابقون هي أنهم رفعوا ما صدر عن النبي عليه الصلاة والسلام إلى مرتبة الدستور، ليُطْفَى عليه صفة الأبدية والشمولية. إذاً، هذه التوجيهات والتعليمات النبوية، نحن لا نرفضها يا جماعة، نحن لا نرفضها إطلاقاً. ولكن يجب أن تظل محكومة بقانون الزمان والمكان. فهنالك ما صدر عن النبي أمر ظرفي، متعلق بحادث معين، لا يمكن أن يكون شاملاً وممتداً على كل الأزمان. وإذاً، فما فائدة القرآن الكريم؟ إذاً، فما فائدة القرآن الكريم؟
القرآن الكريم لم يُفرَّغ من محتواه، ولن يُفرَّغ من محتواه، ولن يستطيع أحد، ولا جماعة، ولا أفراد جيل بالكامل أن يُفرِّغوا القرآن من محتوى. بل سيظل محملاً بالمعاني لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا يُفند، ولا يبلى إلى قيام الساعة. نحن نعلم كذلك أن روايات السنة النبوية تُقَيِّد مُطلَق القرآن، وتُخَصِّص عام القرآن، وتُفَصِّل مُجمَل القرآن. نحن نتفق مع هذا المبدأ، ولكن السؤال مباشرة: هل يظل التقييد النبوي هو المستمر والشمولي؟ وهل يظل التخصيص النبوي للعام هو الأبد والشمول؟ وهل يظل التفصيل النبوي للمجمل، هل يظل هو الشمول والأبدي والأبدي؟ هنا تكمن المشكلة. ما قيَّده النبي، وخصَّصه، وفصَّله، يظل هو المقيد بالواقع الزماني. يظل هو المقيد بالواقع الزماني. لأننا إذا أضفنا عليه صفة الامتداد والشمولية، تحوَّل القرآن إلى غير معنى، تحوَّل القرآن إلى مواعيد فارغة. يجب أن يحضر المسلمون من هذه القضية، وينتبهوا لها انتباهاً شديداً.
تقييد السنة لا يعني أن المقيد والا لغاية الحكمة. فكيف تنزل آية مطلقة، وبعد قليل من الزمن، وربما دقائق معدودة، يقوم النبي بتقييدها، ويستمر التقييد النبوي إلى آخر الزمان، بينما الآية لم تحظَ من الإطلاق إلا ربما دقيقة أو دقيقتين؟ فلماذا لم يُنزل لها الله سبحانه وتعالى مقيدة من الأصل؟ ولماذا لم يُنزل لها مفصلة من الأصل؟ ولم يُنزلها عامة من الأصل، إذا كان تعميمها وإطلاقها وإجمالها لن يتعدى إلا دقيقتين أو أكثر؟ أليس هذه بداهة، بداهة منطقية وعقلية؟ إذاً، مُطلَق تقييد النبي هو المحكوم بالزمان والمكان، ولا يمكن أن يأخذ صفة الشمولية إلى الأبد. وفي الحلقات السابقة، سنتطرق، ستتضح لنا هذه القضية جلية بمفهوم واضح، عندما نفرِّق بين مفهوم البعث والإرسال. لنرى هل النبي عليه الصلاة والسلام مبعوث للناس كافة؟ هل مبعوث رحمة للعالمين؟ أم أن الأمر غير ذلك؟ لأنه هنالك فرق بين البعث وبين الإرسال. وكذلك سنتطرق لمفهوم الطاعة: اطيعوا الله، اطيعوا الرسول. لماذا أحياناً تأتي منفصلة، وأحياناً تأتي مجملة؟ ما هو مفهوم الاتباع أصلاً؟ شنو الفرق أنك تتبع فلاناً، وتطيع فلاناً؟
ثقوا تماماً أننا لن نترك بحول الله وقوته شاردة ولا واردة في هذا الباب، حتى نقف عليها، لكي يعلم الأخ المتابع أننا لا ننكر السنة النبوية، إنما نستنكر. وهنالك فوارق في المعنى والمدلول بين الإنكار والاستنكار، فرق. وحتى مفهوم المنكر، مفهوم المنكر يقول لك أنت تنكر السنة، ما معنى الإنكار أصلاً؟ هل الإنكار يعني الجحد وعدم القبول؟ من قال لكم الإنكار في كتاب الله لا علاقة له بجحد الشيء وعدم قبوله؟ المنكر في القرآن هو ما لم تُبَنْ سماته المعرفية. هذا مفهوم المنكر يا جماعة. المنكر ما في كل القرآن دائماً حاجة كعبة يعني، أو حاجة سيئة. المنكر في القرآن هو الشيء المبهم الذي لم تتبين سماته المعرفية. وآتيكم بالدليل: عندما دخل رسول الله، الملائكة إلى إبراهيم عليه السلام إلى أهله، وجاء بعجل سمين أو عجل حنذ، وقربه إليهم، وقال: ألا تأكلون؟ قال: فلما رأى أيديهم لا تصلوا إليه، نكرهم، وأوجس منهم خيفة. ماذا نكرهم؟ لم يستطيع التعرف على كيفية الأكل. نكر ما طردوا، ولا قد تلوم، ولا ولا حتى على فيهم مشاكل. يعني هو يستنكر. ومنها رجل متنكر، ما هو مفهوم الرجل المتنكر؟ هو الذي يخفي وجهه، والوجه هو إليه التعريف. يعني لما تجي، عندما تجد أحداً يضع مثلاً عمامة على يخفي وجهه، نقول فلان متنكر، فلان متنكر بمعنى يخفي إليه التعريف. إخوة يوسف عندما دخلوا على أخيهم يوسف، وكان هو عزيز مصر، قال: فعرفهم وهم له منكرون. منكرون معناها شنو؟ هل جحدوه؟ هل طردوه؟ هل لم يقبلوه؟ منكرون، لم يتعرفوا على سماته المعرفية، على أنه أخيهم الذي القوه في غيابه الجب. لأن معدل التغيير في العمره الأولى يكون كبيراً، فالصبي معدل التغيير في سماته في السنين الأولى يكون كبيراً، وإخوته كانوا في سن متقدمة، لذلك هو تعرَّف عليه، فعرفهم، ولكن وهم له منكرون. إذاً، عندما يقول لك الله سبحانه وتعالى: "أْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ"، هل تتصورون أن المنكر الخمر والسكر والزنا يا جماعة؟ المنكر هنا ما اختلطت سماته المعرفية، ما كان مبهماً. إذاً، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كل ما هو مبهم ويختلط على الناس، ويلتبس في الفهم، تحاول أن تفعل إلى السمات المعرفية ليتعرف عليه الناس، هل هو صالح أو ضار؟ عشان كده ما كل منكر سيء، وما كل معروف حسنة، مع كل معروف حسن. يعني مثلاً إذا كان هنالك شخص يتنكر ويبيع المخدرات في الحي، ياتي بسيارة لا لوحة ليست لها لوحات، لا أحد يعرف هذه السيارة، تتبع لايات جهة، عندما أنا أقبض عليه، وأتعرف عليه، وأقبض على السيارة، وأقدمه إلى مؤسسات الدولة العدلية، أنا نقلته من المنكر إلى المعروف. فعندما يتعرف عليه هذا المجرم، أصبح معروفا، مع أنه تاجر مخدرات. إذاً، هذه الصفة ما بين المعروف والمنكر تتحدث عن السمات المعرفية، ما بين المبهم وما بين المتعرف عليه. إذاً، مصطلح إنكار السنة الذي يُطلَق علينا اتهاماً وزوراً، وبإساس لم يُفهَم، إلى أن التقي بكم في الحلقة القادمة، أترككم في حفظ الله ورعايته. السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. [موسيقى]