Transcription
الحمد لله، الحمد لله مغيث المستغيثين، ومجيب دعوة المضطرين، ومسفل النعم على الخلق أجمعين. عظم حلمه فستر، وبسط يده بالعطاء فكثر، نعمه تترى وفضله لا يعصى. الحمد لله الذي فتح لأوليائه أبواب الهداية والرشاد، وأرشدهم إلى مسالك الخير والسداد، وحذرهم من طرق الغواية والفساد. أحمده حمداً يملأ الأرض والسماوات، وأشكره شكراً يملأ الأرض والسماوات. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تنير لنا الظلمات، وتثقل الموازين يوم الحسرات. وأشهد أن نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمداً عبده ورسوله، خير البريات، وأفضل من دل على الخيرات، وحذر من الشبهات والملهيات. صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الممات.
أما بعد، فاتقوا الله عباد الله، فالتقوى زاد الراحلين، وعُدة السائرين، ومفتاح السعادة في الدارين. فهي للطائعين ملاذاً، وللعاصين لواذاً. إن للمتقين مفازاً.
ثم اعلموا أيها الكرام أن من أعظم ما ورثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من جوامع الكلم، ومن أنفس درر الحكم، ومن أبلغ وصايا الهدى، كلمات قليلة المبنى، عظيمة المعنى. كلمات والله لو وعتها القلوب لاستقامت السرائر، ولو عملت بها الجوارح لصلحت الظواهر، ولو جعلها الناس ميزاناً لحياتهم لاستقامت أحوالهم، وزكت أعمالهم، وسعدوا في دنياهم وأخراهم. ومن تلك الكلمات النبوية الربانية النورانية قوله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير. احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز. وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان». الله أكبر! ما أعظمه من حديث أخوة الإيمان! وما أبلغها من وصية من رسولنا العدنان! كلمات يسيرة الألفاظ، عظيمة المعاني، قليلة المباني. كلمات جمعت بين خيري الدنيا والآخرة. كلمات اختصرت لنا طريق السعادة والفلاح والمغفرة.
نقف اليوم عباد الله مع درة من درر هذا الحديث. نقف اليوم مع كلمات قليلة، لكنها منهج حياة، وقاعدة نجاح، وميزان فلاح. وصية اختصرت محاضرات لا تُحصى، وأغنت عن مؤلفات لا تُستقصى، وجمعت بثلاث كلمات ما تفرق في مجلدات ومصنفات، وهي قول النبي صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك». نعم، شطر السعادة وبابها، عنوان الراحة وسبيلها. فعلى قدر انشغال المرء بنفسه تكون الراحة والطمأنينة والهدوء والسكينة. فإذا انشغل المرء بنفسه عباد الله، حسن إسلامه، وكمل إيمانه، وتفرغ لأولوياته، وأبصر عيوبه، وأصلح شأنه، فكان على نفسه رقيباً، ولأعماله حسيباً. يقول صلى الله عليه وسلم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». وعلى الضد من ذلك أخوة الإيمان، فمن شغل نفسه بغيره، وأطاع عمره في تتبع سيره، وجعل همه أخبار القريب والبعيد، وتتبع القديم والجديد، ونقل القيل والقال، والخوض في جميع الأحوال، فمن كان هذا شأنه، فوالله قد أورث قلبه الكسل، وعقله الخلل، وهمته الفشل، وعمله الشلل، وضيع الأولويات، وأهدر الأوقات، وهدم المروءات، وقتل المواهب والقدرات. إي والله، إي والله عباد الله، لم تسقط همم، ولا ضاعت أعمار، ولا تأخرت أمم إلا حين اشتغلت بعيوب غيرها، وغفلت عن عيوب نفسها، وضاعت ما ينفعها فيما لا يعنيه.
أجل، أيها المسلم، احرص على ما ينفعك. خذ بوصية نبيك المصطفى صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك». لا تضيع أنفاسك في التراهات، ولا تستنفذ أوقاتك في التافه، ولا تبع عمرك بأبخس المشتريات، ولا تغرق في لجج الفضول والملهيات. فإن الدنيا ساعات، والأيام معدودات، والأنفاس محسوبات، والأعمار محدودات. وإنما مضى لن يعود والله، وإنما ذهب لن يرجع. وإن الموت عباد الله، والله إذا جاء لا يتأخر ولا يندفع. فلا إله إلا الله، كم من أعمار أكلتها الغفلات! وكم من همم قتلتها الملهيات! وكم من قلوب أشغلتها الحكايات حتى ضاعت الحسنات، وتراكمت السيئات! كم حصل ذلك عباد الله.
«احرص على ما ينفعك». إنها صيحة توقظ الغافلين، ووصية تنبه المقصرين. «احرص على ما ينفعك» تذكرنا بأن هذه الدنيا دار ممر لا دار مقر، وأننا في هذه الدنيا في شباب يعقبه هرم، وفي صحة يحوطها سقم. والكيس والله عباد الله من اغتنم شبابه قبل هرمه، وصحته قبل سقمه، وفراغه قبل شغله، وحياته قبل موته. إي والله يا عبد الله، لا يغرنك شباب سيذبل، ولا صحة ستذهب، ولا قوة ستضعف، ولا دنيا ستترك. فكل نعيم في هذه الدنيا إلى زوال، وكل حي منا والله إلى ارتحال، وكل أجل إلى اكتمال. فتزودوا رحمكم الله، تزودوا، تزودوا قبل انقطاع السفر، وتأهبوا قبل حلول الخطر، واغتنموا فيما بقي قبل أن يقال: فلان مضى بغير زاد، وقدم على ربه بغير استعداد. «ولكل أمة أجل، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون».
نعم، احرص على ما ينفعك. يا لها من وصية جامعة وحكمة بالغة! إنها سفينة النجاة عند هيجان الفتن، ومصباح الهداية عند ظلمات المحن. فلا تغتر أيها المسلم، لا تغتر اليوم بكثرة القائلين، ولا تنخدع بضجيج المتكلمين. بل الزم غرز نبيك صلى الله عليه وسلم. إذا تلاطمت أمواج الفتنة، وارتفع ضجيج الخصومة بين الناس، وتشعبت المسالك، اترك الناس، دع الناس، والزم غرز نبيك المصطفى صلى الله عليه وسلم، وخذ بوصيته عليه الصلاة والسلام حين قال: «الزم بيتك، واملك عليك لسانك، وخذ بما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك، ودع عنك أمر الناس». أجل، يا عبد الله، احرص على ما ينفعك. وصية نبوية غالية توجه الهمم للبناء لا للهدم، وللعطاء لا للبطالة، وللإنجاز لا للإعجاز. فتغرس في النفوس حب العمل، وتجعل الأعمار عمارة، والأوقات غنيمة، والجهود مثمرة.
«احرص على ما ينفعك». إذا عمل بهذه الوصية الطالب، أقبل على دراسته بجد واجتهاد ومثابرة وانضباط، أثمر على ذلك والله نجاحاً باهراً، ومستقبلاً زاهراً. «احرص على ما ينفعك» إذا عمل بها الموظف في وظيفته، فأقبل على عمله بإخلاص وإتقان، وأدى الأمانة بإحسان، كان سبباً للعمران، وللبناء في نهوض الأوطان. «احرص على ما ينفعك» إذا عملت بهذه الوصية المرأة، جعلت همها بيتها، ووقتها لأسرتها، أجل، فتربي على الإحسان والإيمان، وتعلم الفضيلة والقرآن، تخرج للأمة جيلاً صالحاً، وللمجتمع بناءً راسخاً. فيا لها من وصية ما أعظمها! «احرص على ما ينفعك» هذه الوصية عباد الله تقتضي والله مجالسة الصالحين، ومصاحبة النافعين، ومجانبة القاعدين، والبعد عن البطالين. فالصاحب ساحب، والخليل سبيل، والمرء على دين خليله. قال الله عز وجل في أهل النار يوم القيامة: «فما لنا من شافعين، ولا صديق حميم». يقول قتادة في تفسيرها رحمه الله تعالى: يعلمون والله أن الصديق إذا كان صالحاً نفع، وأن الحميم إذا كان صالحاً شفع. لذا عباد الله، جالسوا أهل الذكر والصلاح، وفارقوا أهل اللغو والطلاح. فإن الروح تسرق من جليسها، والطبع يغلب بطبع صاحبها، «والأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين». فاحرصوا على ما ينفعكم عباد الله، فأين المسارعون إلى الطاعات؟ وأين المستكثرون من الحسنات؟ وأين المتزايدون ليوم الممات؟ فاحرصوا عباد الله على ما ينفعكم، واشغلوا أعمالكم بما يرفعكم، وأوقاتكم بما يقربكم عند الله عز وجل. فإن الأعمار تنقضي، والأيام تمضي، وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون.
فنسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه. اللهم اجعلنا من الذين يحرصون على ما ينفعهم في دينهم ودنياهم وأخرتهم، يا رب العالمين. أقول ما سمعتم، واستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه. وأشهد أن لا [غناء] إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه. صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وخلانه. أما بعد، فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وصية ترفع الهمم إلى القمم، وتسوق النفوس إلى المعالي والمكارم، وتصرفها عن السفاسف والمغارم، وتزحزحها عن الفضول والخصومات، وتنازعها عن المراء والمنازعات. أجل عباد الله، فإن من علامات رشد المؤمن والله أن يعرض عن البطالين في هذه الدنيا، وأن يجانب السفهاء والمفسدين، فلا يقابل الجهل بجهل، ولا السفه بسفه، بل يرد الإساءة بالإحسان، والجهالة بالحلم والبيان، والغلظة بالعفو والغفران. بذلك أمر الرحمن فقال عز وجل: «خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين». وأثنى الله عز وجل على عباده المؤمنين فقال: «وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً». وكذلك أيها المؤمنون، اعلموا بارك الله فيكم أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك» ليست كلمة تقال باللسان، بل حقيقة تنبت في الجنان، في القلوب، وتثمر عن ذلك من الأعمال في الجوارح ببيان وإتقان. عباد الله، فاحرص على ما ينفعك. كلنا يحفظ هذا الحديث، ولكن هل سار منا على ما ينفعه؟ هل اقتدى المسلمون بهذه الوصية العظيمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك»؟ فطوبى ثم طوبى والله لمن شغله عيبه عن عيوب الناس. وطوبى ثم طوبى الله لمن حاسب نفسه قبل أن يحاسب، وزكاها قبل أن تعاتب. طوبى والله لمن جعل ساعاته عامرة بالذكر والقرآن، وجعل أيامه مشغولة بالطاعات والإيمان، وجعل جوارحه مشغولة ومسارعة بالخيرات والإحسان. طوبى والله، طوبى والله لمن ودع هذه الدنيا وربه عز وجل جل راض عنه. فاللهم أحسن خاتمتنا يا رب العالمين. اللهم لا تقبض أرواحنا إلا وأنت راض عنا يا ذا الجلال والإكرام. اللهم ارحم هذا الجمع من المؤمنين والمؤمنات. اللهم ارحم هذا الجمع من المؤمنين والمؤمنات. اللهم ارحم هذا الجمع من المؤمنين والمؤمنات. اللهم اغفر لآبائهم وأمهاتهم. اللهم واجعلنا وإياهم ووالدينا وجيراننا وذرياتنا وإخواننا اللهم ومشايخنا ومن له حق علينا مع حبيبك ونبيك المصطفى صلى الله عليه وسلم في جنات النعيم. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين. اللهم دمر أعداءك أعداء الدين يا رب العالمين. اللهم من أراد بهذا البلد سوءاً، اللهم من أراد بهذا البلد سوءاً فاجعل دائرة السوء تدور عليه. اللهم من أراد بهذا البلد سوءاً وسائر بلاد المسلمين فاجعل دائرة السوء تدور عليه يا جبار يا منتقم يا رب العالمين.
هذا عباد الله، وصلوا وسلموا على البشير النذير نبيكم محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.