Transcription
بسم الله الرحمن الرحيم.
أعزائي الطلبة، ها نحن نلتقي مجددا في الفيديو البيداغوجي العاشر من محاضرات مقياس سياسة الدفاع في الجزائر. مواصلةً للمحاضرات الخاصة بالتحديات الأمنية الجزائرية في جوارها الإقليمي، سنتناول ما يتعلق بالأهمية الجيوياسية لمنطقة الساحل الأفريقي.
إذا ما يمكن قوله أن هاته المنطقة المسمّاة الساحل الأفريقي تتمتع بخصوصيات بشرية وثقافية وسياسية مختلفة، فضلا عن كون هذه المنطقة تحتل موقعا جيوسياسيا هاما في الساحة الدولية. أولا، نظرا لساحلها الشاسع والطويل، ونظرا لما تحتويها من ثروات طبيعية وحيوية، دافعت القوى الغربية للصراع ضمن هذا الإقليم منذ القدم، أي في مرحلة الاستعمار وصولا إلى عصرنا الحالي. هذا الأمر خلق بؤر توتر تتميز بالانتشار الواسع لكافة التهديدات، سواء الكلاسيكية أو التهديدات اللا تماثلية، التي تمس البيئة الأمنية للمنطقة قاطبة. فضلا عن انعكاس هذه التهديدات على مستويات الأمن المرتبطة بالجوار الإقليمي لدول شمال أفريقيا، لا سيما الجزائر التي تربطها حدود إقليمية طويلة مع بلدان هذه المنطقة، مما يجعل تحقيق مقتضيات الأمن الوطني بالنسبة للجزائر يعرف رهانات وتحديات تأمين المجال الأمني والحدودي بالنسبة للجزائر.
إذن، فيما يتعلق بالأهمية الجيوسياسية لمنطقة الساحل، أولا، من المتعارف عليه الإشارة لمنطقة الساحل الأفريقي بصفتها امتدادا جغرافيا يربط الخط الفاصل بين دول أفريقيا الشمالية مع مجموعة من دول أفريقيا الواقعة في جنوب الصحراء، وصولا إلى دولة السودان. ولطالما تضمن هذا الإقليم الحيوي عدة معابر تقليدية تجارية ربطت بين منطقة غرب أفريقيا ودول البحر الأبيض المتوسط. كما أنها، كما قلنا سابقا، منطقة تتميز بثروات طبيعية هائلة، وكذلك بخصوصيات طبيعية قاسية، وخصوصيات عرقية وثقافية متعددة ومعقدة وغير منسجمة، كونها تضمّ إثنيات مختلفة، كيف شكّلت أزمات هويات أثّرت على استقرار النظام السياسي في هذه الدول، وحالت دون تحقيق طموحات الاندماج في مقتضيات الدولة الوطنية. هذا الأمر انعكس سلبا على تحقيق مستويات مثلى في الأمن والاستقرار المجتمعي والسياسي في معظم دولها.
كذلك، منطقة الساحل الأفريقي يطلق عليها ذلك القوس أو الهلال الذي يبدأ من المحيط الأطلسي في غرب أفريقيا، إلى وصولا إلى البحر الأحمر شرق السودان. فالباحث أندري بورجو يرى منطقة الساحل الأفريقي بأنها عبارة عن صحراء، ويشبّهها بإقليم بدون حدود. وهذا نظرا لشاعة صحرائها الكبرى. كذلك، تمتد منطقة الساحل الأفريقي من الجهة الشرقية للقارة، كما قلت، من البحر الأحمر شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا، بحوالي ما يقدر بـ 6000. وهنا يعني هذا المسافة يعني يمكن أن نجدها مختلفة من مرجع إلى مرجع آخر. إذن، تمتد، كما قلت، بحوالي 6000 كم² على عدد من الدول ذات الوجود الكلي وبالنسبة الكبرى لمساحتها في هذا الرواق الذي يتراوح عرضه من 500 إلى 700 كم. وهي تبدأ من، مثلا، إريتريا، السودان، تشاد، النيجر، مالي، موريتانيا، والسنغال، وكذلك غامبيا، وصولا إلى دول ذات التوغل المتوسط والنسبي لمساحتها من جهة أخرى، على غرار إثيوبيا، ونيجيريا، وبوركينا فاسو.
كذلك، الساحل الأفريقي يتميز بثلاث امتدادات: الامتداد الأول يمكن أن نحصره في ذلك الفضاء المنفتح على البحر الأحمر شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا، الممتد من القرن الأفريقي في كل من دولة الصومال، جيبوتي، إريتريا، إثيوبيا، مرورا بالسودان، كذلك مرورا بتشاد والنيجر ومالي، وصولا إلى موريتانيا. أما الامتداد الثاني فهو في الشمال، يعني شمال الامتداد الأول، ويشمل كل من الجزائر وليبيا. أما الامتداد الثالث فهو على جنوب غرب الامتداد الأول، أين يضم كل من السنغال، غينيا، ساحل العاج، بوركينافاسو، ونيجيريا.
إذن، تعريف المنطقة نلاحظ أنه يختلف بعض الدراسات من دراسة إلى دراسة أخرى في ضبط، يعني، الدول التي تنغمس في هذا الساحل الأفريقي. ومن جهة أخرى، قد ساهم المتغير المناخي في تشكيل خريطة الساحل الأفريقي التي تتربع على صحراء كبرى ذات امتداد طبيعي طويل جدا، وتحتوي على خزان هائل من الموارد الباطنية والسطحية. تتميز كذلك بالخصوصية الجغرافية للمنطقة من حيث الموقع والمناخ والثروات الطبيعية والتركيب السوسيولوجي، أو البنية الإثنية للمجتمعات الموجودة في دول الساحل الأفريقي. كل هذا، هذه الخصوصيات، تمثل مكونات أساسية لجيوبوليتيك هذا الحزام الاستراتيجي الذي يمكن أن تقدر، تقدر، يعني، منطقة الساحل الأفريقي تغطي حوالي نسبة 30% من القارة الأفريقية. كما تمثل هذه المنطقة شريطا استراتيجيا رابطا بين أمريكا اللاتينية والقارة الآسيوية عبر البحر الأحمر والخليج العربي. فبالحسابات الجغرافية، تعتبر منطقة الساحل الأفريقي من أهم الروابط الجغرافية والاقتصادية المهمة، إلا أنها تعتبر من أفقر المناطق في العالم، رغم ما تتوفر عليه من موارد حيوية كبرى. وهذا ما يفسر الاهتمام الكبير من طرف الدول الكبرى على موارد المنطقة.
كذلك، تعتبر منطقة الساحل الأفريقي، كما قلت، خزانا هاما للموارد الطبيعية، نظرا لاحتضانها أراضي غنية بمصادر الطاقة، يعني، لمختلف أنواع الثروات المعدنية النفيسة والنادرة، فضلا عن احتوائها على الذهب الأسود، اللي هو البترول والغاز واليورانيوم والفوسفات والذهب والزنك والنحاس وغيرها من موارد، يعني، حيوية ذات أهمية كبرى. وتعتبر هذه الموارد ذات قيمة أولية في الصناعات التحويلية والتكنولوجيات والمواصلات، وكذلك تستخدم للتصنيع الأسلحة الحديثة. وللتأكيد على ثقل المحدد الطاقوي في هذه المنطقة، نلاحظ أن الاحتياطات الطاقوية التي تحتويها منطقة الساحل، أو الدول التي ينطوي موقعها الجغرافي في هذه المنطقة، ابتداء مثلا من نيجيريا باحتياط يقدر بحوالي 37.2 مليار برميل، كما تمتلك النيجر حوالي احتياط 300 مليون برميل. بينما اليورانيوم الذي يعتبر من أهم مصادر الطاقة للتسلح، يعني، النووي الذي يمس الأمن والسلم الدوليين، تعد النيجر ثاني دولة أفريقية في إنتاج اليورانيوم بنسبة 7.8%، بعدها نجد ناميبيا مثلا بنسبة 8.4%. كذلك، دولة مالي تتوفر على احتياط معتبر من الذهب واليورانيوم والنفط، خاصة بعد اكتشافات حوض طاوديني. ومن الملاحظ أن هذه الاحتياطات تلعب دورا محوريا في تحريك ما يعرف بالتنافس الدولي بين الشركات، يعني، العابرة للقوميات، وهي شركات ساعية لنقل الموارد الأولية الضرورية لصناعتها. ليلحق بمختلف هذه الثروات المختلفة، كذلك، شبكات التوصيل الطاقوي من غرب أفريقيا إلى المتوسط والمحيط الأطلسي، كمثال خط أنبوب العابر للصحراء، يعني، الغاز الرابط بين كل من نيجيريا والجزائر، مرورا بالنيجر، إلى وصولا إلى جنوب أوروبا عبر البحر المتوسط. وكذلك خط آخر من السودان باتجاه آسيا عبر البحر الأحمر. كذلك، يمكن القول ما يتعلق بحقول خليج غينيا [موسيقى] التي تهتم بها الدول الكبرى، على غرار الولايات المتحدة الأمريكية عبر المحيط الأطلسي.
إذن، منطقة الساحل الأفريقي، تقريبا، يمكن القول أنها تحتوي على ثروات قيمة، حيوية، غنية بمصادر التي تحتاجها عمليات التصنيع بالنسبة للشركات الصناعية الكبرى. وهذا الكم الهائل من الثروات يحطها في الاهتمامات الكبرى لتنافس الصراع الدولي حول إمكانية استغلال ثروات هذه المنطقة.
وإضافة لما عرضته سابقا، يمثل أيضا البعد الجيو استراتيجي للساحل الأفريقي ومنطقة الصحراء الكبرى أهمية كبيرة بالنسبة لسياسة القوى الكبرى، على غرار الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا التي تنظر، تنظر، إلى هذه المنطقة ذات أولوية تاريخية، كون أهم الدول كانت مستعمرات سابقة لفرنسا. مع دخول أطراف خارجية، على غرار كل من الصين التي تطمح إلى الاستفادة من الاستثمار في هذه المنطقة، وكذلك دولة روسيا. وتبرز الأهمية الاستراتيجية للساحل الأفريقي من كونها تمثل المجال الجغرافي القريب لمجموعة من الأقاليم الحيوية. فخط الساحل يشكل محورا استراتيجيا هاما، أولا، في القارة الأفريقية، حيث تظهر أهمية هذه المنطقة من خلال ما تتمتع به من موقع، أولا، استراتيجي محادي لأهم المناطق التي أصبحت تعرف تنافسا دوليا كبيرا على المجالات الحيوية. ويمكن أن نميّزها أيضا بالمماس المباشر للساحل الأفريقي، حيث يتمثل في كل من منطقتي المغرب العربي وشمال أفريقيا، ومنطقة البحر الأحمر وصولا إلى منطقة القرن الأفريقي، ودول قارة أفريقيا، وصولا إلى المحيط الأطلسي عبر البوابة الموريتانية. أما المماس غير المباشر للساحل الأفريقي، يمكن أن نحدده في المجال، يعني، الذي يصل هذا الطريق إلى الخليج العربي ومنطقة الشرق الأوسط من البحر الأبيض المتوسط من بوابة الجزائر، والمحيط الهندي من بوابة القرن الأفريقي.
إذن، الساحل الأفريقي يندرج ضمن أبرز نقاط الاهتمام العالمي، كونه يعتبر، كما قلت، جسرا رابطا بريا بين الأمريكيتين والمحيط الأطلسي، وصولا إلى منطقة القرن الأفريقي والمحيط الهندي والبحر الأحمر، والخليج العربي التي تعتبر بوابة لقارة آسيا.
إذن، من الملاحظ أن هذه المنطقة تتمتع، كما قلنا سابقا، بثروات طبيعية ومواد ضخمة، خاصة في مجال الطاقة والمعادن، لم تستثمر، يعني، شكل كونها الدول تفتقر إلى التكنولوجيا واليد العاملة المؤهلة، لا سيما ما يتعلق بجودة، يعني، المعادن النفيسة، مثلا الذهب، ثم معدن النحاس واليورانيوم، وخامات النفط والبترول والغاز.
إذن، الرهانات الأمنية في منطقة الساحل، يعني، والمتمثلة أساسا في بؤر التوتر، وظهور ما يعرف بالمنظمات الإرهابية، وصولا إلى انتشار الجريمة المنظمة، كتهريب، يعني، المخدرات والأقراص المهلوسة، وانتشار كذلك تجارة الأسلحة. هذه كلها رهانات، يعني، مؤثرة على النشاط الاقتصادي والاستقرار الأمني، والحياة السياسية، بطبيعتها، والتركيبة السوسيولوجية الإثنية لمعظم الدول، ما يجعلها تدخل دائما في صراعات قبلية، أي الولاء للقبيلة على حساب الولاء لبناء الدولة الوطنية. هذه الرهانات الأمنية يمكن، يعني، أن تؤثر بشكل كبير على، يعني، نجاح، يعني، البناء الاقتصادي لدول المنطقة، وتؤثر بشكل، يعني، مباشر على تحقيق مقتضيات الأمن القومي بالنسبة للجزائر التي تمتد حدودها لآلاف، يعني، الكيلومترات مع الدول التي تندرج ضمن منطقة الساحل الأفريقي.
إذن، هنا نصل إلى تسليط الضوء على أهم الأفكار المتعلقة بالأهمية الجيوسياسية لمنطقة الساحل، في انتظار الفيديو البيداغوجي الحادي عشر الذي نتناول فيه الخلفية التاريخية للصراع بين الدول الأفريقية، وخاصة ما يتعلق بالبنى السوسيولوجية المكونة لمجتمعات هذه المنطقة.