Transcription
في يوم من الأيام، مجموعة من القنافذ كانت بردانة. فواحد منهم قال: "قربوا يا قنافذ، خلينا نتدفى ببعض." قربوا قوي، فالشوك وجعهم. شوكهم وجعهم، القرب الزيادة عن اللزوم وجعهم. فقال لك: "ابعد يا عم أنت وهو!" بعيد. بعدوا، فالبرد لسعهم. الوحدة وحشة.
وأثناء ما هم محتارين، وصوت الأستاذ عبد الحليم حافظ في الخلفية بيقول: "قربك نار وبعدك نار"، واحد منهم قال لك: "مش هينفع كده. لازم نقرب بس مش قوي، ونبعد بس مش قوي. قرب وبعد مدروس يسمح لنا بالدفء شوية، ويحمينا من الشوك شوية."
طبعًا دي قصة رمزية بس ذات دلالة مهمة في موضوع النهارده، ألا وهو الذكاء الاجتماعي والتعامل مع الناس. الناس اللي البعد عنهم وحش، والقرب منهم يوجع. الناس اللي اتخلقنا منهم ووسطهم، اللي فرحنا بيهم وآذانا منهم، اللي معاملتنا معاهم بتدخل جنة وبتدخل نار، اللي بيمثلوا اختبار حقيقي لقيمنا ولضمائرنا ولادعاءاتنا.
الحقيقة إن ده مش فيديو أنا أجتهد إنه يكون منهج علمي أو بداية تقدر إن أنت تتعرف بيه على الذكاء الاجتماعي وتديك أرضية تبني عليها.
شوف يا سيدي، بعد الصلاة والسلام على سيدي وسيدك عليه وعلى آله، بتبدأ الحكاية من أول ما بني آدم، أول بني آدم ما رجل لبني آدم دبت على الأرض. أول قصة اتحكت لنا عن اثنين بيتعاملوا مع بعض، كانوا إخوات اختلفوا، فالأخ قتل أخوه. فبدأ وكأن دي رسالة إن البشر هتنشأ ما بينهم أو هينشأ ما بينهم تقاطع في المصالح وتنافس واختلاف. وظهر لينا إن في أنانيين هنشوفهم، وطيبين ما عندهمش حيلة: "لو مديت إيدك تقتلني مش هرد عليك." وبدأ إن لازم للمرء في هذه الحياة من خطة عشان لا يكون قاتل ولا يكون مقتول. ثنائية قابيل وهابيل ليست هي الثنائية التي يجب أن نمضي بها في الحياة، ولا الخطة التي يجب أن نعتمدها في التعامل مع الناس.
طب إيه الخطة يا عم كريم؟ هقول لك: طوال التاريخ وملف التعامل مع الناس مسبب أزمة. الفلاسفة والحكماء والأنبياء والشرائع، ومؤخرًا علم النفس وإخواننا بتوع التنمية الذاتية والإدارة، قالوا كتير. وخلونا نبدأ من الحديث للقديم.
نبدا من لحظة ظهور مصطلح الذكاء الاجتماعي في ثمانينيات القرن الماضي. عالم أمريكي اسمه جاردنر أخرج كتاب اسمه "أطر العقل" طرح نظرية مهمة بتقول إنه من الظلم تقييم الطلبة والناس بشكل عام من خلال معامل الذكاء أو الـ "آي كيو". قال لك: "موزارت الموسيقار، وبليه اللعيب، وكتير من الفنانين والمتميزين في الحياة ما كانوش أذكياء بس أضافوا للحياة إبداع كبير." مما يعني إننا نقول فلان ذكي لأن نسبة ذكائه عالية، وفلان غبي عشان نسبة ذكائه منخفضة، ده غلط.
طب إيه الصح؟ قال لك الصح إن في أنواع من الذكاءات، ولذلك نظريته كان اسمها "الذكاءات المتعددة". قال لك لازم نكتشف وندعم ونطور من مواهب الناس، وما نسجنهمش في فكرة "أنت غبي ما بتفهمش". في ولد قاعد في المدرسة مش مركز في الدراسة بس شاطر في الرسم، في الفك والتركيب، في التصميم، في حفظ الشوارع والأسامي واستيعاب الأبعاد. الصح إن في ذكاء موسيقي، وذكاء بصري، وذكاء بدني، وذكاء وجودي اللي هو بتاع الفلاسفة والمفكرين. الصح إن في ذكاء عاطفي وذكاء اجتماعي. ونقف عند الذكاء الاجتماعي.
بالمناسبة، جاردنر طرح مجموعة من الذكاءات وفضل يطور فيهم في خلال سنين طويلة جدًا، وفي الآخر فتح المجال لأنواع جديدة ممكن تظهر. ممكن يظهر الذكاء الاصطناعي، كيف تتعامل مع الذكاء الاصطناعي ويبقى ده نوع من أنواع الذكاءات عند البني آدمين أقصد. لكن الذكاء الاجتماعي اللي هنتكلم عنه النهارده مهم جدًا تعريفه.
تعريف الذكاء الاجتماعي له تعريفات كتيرة جدًا بس بتدور حوالين الفكرة أو المعنى الرئيسي. جاردنر لما واجه في البداية هجوم على الفكرة من الناس المؤمنين بالـ "آي كيو" قالوا له: "يعني مثلًا الذكاء الاجتماعي اللي أنت بتقوله ده هو إنك تطبق الذكاء العادي الـ "آي كيو" بتاعك في تعاملك مع الناس والمواقف؟" قال لهم: "لا، مفهوم الذكاء الاجتماعي أوسع من كده بكتير." بيرتكز على مجموعة قدرات، قدرات مهمة:
رقم واحد: القدرة على فهم المشاعر الإنسانية ودوافع الناس وقراءة حالتهم المزاجية واستشفافهم.
اثنين: القدرة على التعامل الجيد مع الناس، وإن أنت تكون عضو في فريق وتؤدي مسؤولياتك. مش بس فريق عمل في البيزنس، لا، عضو في أسرة، عضو في شلة، عضو في أي نشاط اجتماعي.
ثلاثة: القدرة على إبداء العواطف وإيصال إحساس صادق للآخر.
كارل ألبريخت في كتابه "الذكاء الاجتماعي"، واللي بالمناسبة هنعتمد كثير جدًا اللي هنقوله في الحلقة النهارده على الكتاب ده، قال لك: "الذكاء الاجتماعي هو القدرة على الانسجام مع الآخرين وكسب تعاونهم." تنسجم معاهم وتكسب تعاونهم علشان تقدر تتقدم، إذ أن ما فيش إنسان بيقدر إنه ينجح أو يرتقي أو يتطور لوحده أو من نفسه.
نقسم الكلام عشان نعرف نفهمه ونتعلمه. بالبلدي كده، مطلوب نفهم الناس ونقرأهم، وده له طريقة. قرأناهم كويس، محتاجين نتعامل معاهم صح وفق قراءتنا الصح، ونوصل لهم أحاسيس إيجابية زي إننا زعلانين على زعلهم، سعداء بابتهاجهم. والنقطة الأخيرة: إدارة خلافاتنا وصراعاتنا معاهم بشكل جيد.
والحقيقة إن المتكبر والنرجسي واللي عنده إيجو عالي والأناني، الأصناف دي مستحيل يفهموا الكلام اللي إحنا نقوله النهارده. لأن الذكاء الاجتماعي مش ماسك، مش وش بتلبسه، ده شعور داخلي، ده موقف لازم يتبني جواك تجاه الناس إن هم مخلوقات عاطفية بتفرق معاهم الكلمة، بتفرق معاهم الابتسامة، اللطف. لازم تؤمن إن الناس هم مختبر قيمك وإيمانك ورجولتك. عشان كده الذكاء الاجتماعي مش نفاق، موقف أخلاقي أكبر وأعمق وأهم من فكرة إنك تبقى كاريزما وتلفت النظر وتقود الحديث والناس تنبهر بيك. ده شغل مراهقين وكلام فارغ.
الذكاء الاجتماعي موقف أخلاقي. هديك نصائح، مجموعة من النصائح، استوعبهم وفكر فيهم واجتهد تطبقهم، وهتشوف أثر ده على حياتك وعلاقاتك.
القاعدة الأولى في الذكاء الاجتماعي بتقول لك إن الذكاء الاجتماعي بيبدأ من قدرتك على فهم السياق الاجتماعي. عارف أنت مصطلح "الإحساس نعمة"؟ بتقولوا على مين المصطلح ده؟ يعني إيه اللي لما بيحصل بتقول: "والله الإحساس نعمة"؟ لناس بتقولوا على ناس متبلدة المشاعر فاكرة نفسها محور الكون. واحد بيشرب السيجارة في أي حتة، يعلي صوته في أي مكان، يقول تعليق بغض النظر خبط في مين. فهم السياق الاجتماعي، وأتمنى يبقى معاك ورقة وقلم علشان كلامنا ما يلخبطكش. فهم السياق الاجتماعي هو قدرتك على فهم ثلاث سياقات وتحدد سلوكك على أساس هذه السياقات.
رقم واحد: السياق المكاني. ببساطة شديدة، الإنسان منا بيعيش في أربع دوائر، أربع دوائر فيما يختصوا بالسياق المكاني. الدائرة الأولى هي حيز عام. يعني الواحد منا وهو ماشي، خلاص، بيعيش في أربع دوائر. أول دائرة: الحيز العام. السوق، الجنينة، الحديقة، المول، النادي، مكان فيه زحمة. ما ينفعش في المكان ده إن حضرتك تتضايق من الزحمة. ما ينفعش تعمل مشكلة لو حد قرب منك أو يعني إيه خبط فيك بشويش. يعني الإمام الشافعي بيقول لك: "الوقار في النزهة سخف." يعني ما ينفعش تتحفظ في مكان سياقه العام بيدعو للتبسط والحرية.
الحيز الثاني هو الحيز الاجتماعي. يعني مكان بتتعامل فيه وبتطالب الآخر إنه يتعامل معاك إنه ملكك، زي الترابيزة اللي أنت أو الطاولة اللي أنت قاعد عليها في مطعم، قاعد مع ناس شلة حتى لو في حديقة بس دائرة مقفولة. أي اختراق لهذا الحيز هو قلق لمساحتك، المساحة الاجتماعية بتاعتك. لا ينفع إن حضرتك تعمله مع حد ولا حد يعمله معاك. مش تخش تشد كرسي وتقول: "ما الكراسي فاضية" على ترابيزتك. لا، ده في العرف حيز اجتماعي يخصك، والسلوك ده ضد الذكاء الاجتماعي.
الحيز الثالث هو الحيز الشخصي. زي إن حضرتك قاعد على كرسي في باص أو مترو أو كافيتيريا. ما ينفعش حد يقرب منك أزيد من اللزوم لأن ده اختراق لمساحة شخصية. ما حدش يلمسك ولو كان مزحة.
الحيز الرابع هو الحيز الحميمي. أي حد يقرب منك قوي، يسلم عليك، يحضنك، يحط إيده على كتفك، يقرب منك يكلمك في ودنك. دول أربع دوائر بنتحرك فيهم. اللي عنده ذكاء اجتماعي بيتفهم ده جدًا. القرآن الكريم نزل ونزل تنبيه: "ابننا ما ندخلش حيز أو بيت إلا لما نستأذن." خلي بالكم، إلا لما نستأذن. ولو قيل لنا: "ارجعوا"، فيجب إن إحنا نرجع. لا يجوز في الإسلام رمي الوجه وفرض نفسك واختراق مساحات الناس الشخصية. عيب وجلافة ومنقصة في الرجولة وغباء اجتماعي. ما تقربش من مساحات الناس عشان تبقى عندك ذكاء اجتماعي. ما تقربش من مساحات الناس وحيزهم الاجتماعي إلا بوعي وفهم وإدراك لما قلناه.
طيب، ده السياق الأول اللي هو الاجتماعي. السياق الثاني إيه؟ قال لك السياق الثاني هو السياق السلوكي. إحنا قلنا الأول السياق المكاني وفي أربع دوائر. عندنا هنا السياق السلوكي: العرف. يعني مثلًا إنك تحط رجل على رجل في مجتمعات عربية زي مجتمعاتنا ده بيعد عدم تقدير وعنجهية، لا سيما لو في ناس كبيرة قاعدة. إيه الغلط في كده؟ ما فيش غلط بس في عرف يحترم عكس ذلك، ما بيحبش اللي بيحط رجل على رجل وبيشوف إن دي غطرسة.
إنك تسلم على حد وتاخده بالحضن عندنا مثلًا في أوطاننا العربية سلام ده حاجة حلوة، ده حتى في عز كورونا بالمناسبة بتقابل صاحبك وتاخده بالحضن وتقول له: "في حضنك أخوك ولو هنموت سوا." مجتمعات تانية يعد الحضن والتقبيل سلوك غير مقبول إلا في لحظات بعينها ولكن مش سلوك عام. وفي في الأعراف أو في السياق السلوكي في أشياء غلط زي إنك تنشغل بتليفونك وحد يكلمك، ده في كل مكان. إنك تقلع الشوز بتاعك أو الحذاء بتاعك عشان تفك رجلك وسط ناس.
النبي عليه الصلاة والسلام، خلي بالكم من المعنى ده، حصل في مرة، حصل في مرة إن تزوج رجل من المهاجرين بامرأة من الأنصار. ستنا عائشة رضي الله عنها راجعة من العرس، من الفرح، فسيدنا النبي بيسألها: "أرسلتم معها من يغني؟" قالت له: "لا." قال لها: "ليه؟ إن الأنصار قوم فيهم غزل أو يحبون الغزل." الفقهاء أساتذتنا انشغلوا بـ "هل الأغاني حلال ولا حرام؟" وتم إهمال لفتة مهمة جدًا من النبي اللي هو الاهتمام بالعرف وطبيعة الناس: "ليه ما هيصتوش وفرحتوا العروس؟ الناس دي الأنصار فيهم غزل وميل للطرب والفرح." من هنا نتعلم إن يجب ألا تغلب مزاجك وذوقك على الناس. راعي في سلوكك العرف الاجتماعي. معدي من قدام بيت فيه حزن أو عزاء، أوطي الكاس بتاع العربية. داخل في شارع فيه ناس، أطفي نور السيارة العالي. لابد عشان تكون ذكي اجتماعيًا إن تراعي السياق السلوكي والأعراف لدى الناس.
النبي عليه الصلاة والسلام كان بيراعي السلوك الاجتماعي مش بس في العرف العام زي ما شفنا في موضوع العرس والأنصار، لا ده مراعيه في نفوس من يعرفهم. أحد الصحابة بيحكي إن النبي عليه وعلى آله جالس ومتكئ، قاعد براحته وجزء من رجله ظاهر، مش عورة يعني بس جزء من رجله ظاهر. دخل سيدنا عمر، دخل سيدنا أبو بكر، ربما دخل غيرهم، وسيدك متكئ. لكنه سمع عليه وعلى آله سيدنا عثمان بيستأذن، فاتعدل عليه الصلاة والسلام وغطى رجله. فلما اتسأل: "اشمعنى يعني غطيتها لما عثمان دخل؟" فبرر الأمر عليه وعلى آله ووضح إن عثمان لديه نوع من الحياء النادر، بيتكسف. سيدي ومولاي محمد عليه الصلاة والسلام كان متكئ في ارتياح في منزله وسط أصحابه، رجله مش عورة كسياق سلوكي ما فيش ما يشين في هذا الموقف، لكنه راعى إن في شخص ممكن ما يكونش مرتاح في القاعدة دي، فغير من جلسته عشان كده كان ذكي اجتماعيًا.
السياق الثالث هو السياق اللفظي. قلنا إيه؟ سياق مكاني، سياق سلوكي، سياق لفظي. السياق اللفظي: لسانك، كلامك، مفرداتك. الفكرة هنا مش فكرة إنك تكون ذوق ومهذب فقط، لا ده إنك تكون فاهم إن اللغة والكلام هم اللي بنحمل عليهم أفكارنا ومشاعرنا من أجل إيصالها للآخرين. السياق اللفظي بيقول إن راعي إن مدلولات الكلام في النفس مش واحدة. ما تفرضش خارطتك اللفظية على الناس. وزي ما قلنا إن في حركة زي حطة الرجل على الرجل في مكان ممكن تبقى عادي وفي مكان ثاني تبقى عيب وعنجهية، برضه في مفردات وكلام له سياق يتقال في مكان ومكان لا، يتقال لناس وناس لا.
عارف حضرتك الثلاث سياقات بالدوائر الأربعة بكل دول بيصبوا فين؟ بيصبوا في جملة بسيطة اسمها: "ما فيش حاجة اسمها أنا كده كان عاجب." "ما فيش حاجة اسمها أتعامل بأسلوبي ما دام مش غلط يبقى خلاص." لا، هي ممكن ما تبقاش غلط بالنسبة لك لكنها في العرف العام هذه الكلمة وهذا اللفظ وهذا السلوك يبقى غلط ويبقى عيب. ما ينفعش. الذكي اجتماعيًا لماح، بيتعلم، بيطور من نفسه لحد ما يوصل إن يكون عنده استشعار لما يفعله وما لا يفعله، لما يقوله وما لا ينبغي قوله. الذكي اجتماعيًا قادر على فهم هذه السياقات والتراجع بلطف عن أي سلوك أو لفظ وجد إن النفوس لا تستسغه.
القاعدة الثانية: الكاريزما. دي من قواعد الذكاء الاجتماعي. يعني إيه كاريزما؟ يعني إيه؟ ها؟ غير ما أنت فاهم. الحقيقة غير ما أنت فاهمه. الكاريزما ككلمة يعني هي كلمة يونانية تعني التفضيل أو الهدية الإلهية. لكن معناها في عرفنا هي صنع حضور إيجابي وترك أثر طيب.
كاريزما مكتسبة، مكتسبة. أنت بتتعلمها. عدد الناس اللي بتتولد بكاريزما وبتبقى من وهي صغيرة واحد أو 2%. لكن معظم الناس الكاريزما اكتسبوا هذه الكاريزما من خلال تعب وجهد ودراية ومراعاة، آه، وتعهد للنفس. بنعلمها وبنطورها مش بنتولد بيها.
والكاريزما، اكتب بقى ورايا، الكاريزما أنواع. منها الكاريزما الرسمية. ممكن إنسان عادي جدًا في الحياة يبقى رئيس جمهورية، يبقى شخصية سياسية. الموقع قادر على إضفاء هالة على الشخص لو عنده بس قدرة على الكلام والوعي بكلامه وسلوكه. الموقع هيدي له كاريزما. "مستر بريزيدنت"، "سيدي الرئيس"، "صاحب المعالي"، دي كاريزما في حد ذاتها اسمها كاريزما رسمية. حتى لو الشخص ده ما عندوش كاريزما، المنصب بيعطيه كاريزما.
درست في كلية الإعلام أول ما درست في بداية اللي هو التصوير وإزاي إن في تصوير بيصوروا بيه الرؤساء من تحت والشخصيات السياسية علشان يبان في هيبة ليهم. وفي صور ممنوع ممنوع المصور بيصورها لهذه الشخصية لأن هي بتقلل من الكاريزما بتاعتهم. لأن دي كاريزما رسمية مش كاريزما حقيقية. وهذا الشخص لما بيرجع في وسط الجماهير بنلاقيه شخص عادي ولا كاريزما ولا حاجة.
على الجانب الآخر، في كاريزما صناعية بتتصنع. الممثلين والنجوم، يعني الأستاذ كريم عبد العزيز ولا الأستاذ أحمد عز والأستاذ عمرو دياب، كاريزما. خلاص. كتير منهم ما عندهمش ذكاء اجتماعي على فكرة. وعشان كده هتلاقي كتير منهم ما بيطلعوش في برامج وما بيتكلموش عشان لو اتكلموا هيخسروا كتير وهيتكشفوا. هنا الكاريزما صنعة بيعززوها بقصات شعر، فوتو سيشن على أغلفة المجلات، كليبات، هدوم غريبة وغيرها. ودي كاريزما مصنوعة، الناس بتقلدها وتظن إن هي دي الكاريزما، كاريزما الأستاذ كريم عبد العزيز.
ثم تأتي الكاريزما المكتسبة اللي إحنا أصلًا بنتكلم عليها، اللي أنا عايزك تتعلمها، وهي قائمة على شعور داخلي بالثقة جاي منين؟ من قيمتك. غاندي، غاندي كان بيمتلك إيه غير إزار رخيص بس كاريزما. الشيخ ياسين الله يرحمه كان يمتلك إيه بس كاريزما. الناس دي ما طاردتش الأضواء، الناس دي الأضواء هي اللي طاردته. بقول ده ليه؟ عشان أأكد إن الكاريزما شيء داخلي. الملبس والهندام والأناقة شيء مهم بس مش هي أساسها.
الكاريزما بتتحقق بالهدوء. الكاريزما بقى اللي أنا عايزها، مش كاريزما مصطنعة، الكاريزما الكاريزما بتاعتنا أو الكاريزما الصناعية اللي إحنا قلناها فوق، لا لا. الكاريزما المكتسبة اللي أنا عايزك تكتسبها بتتحقق بالهدوء مش بالصخب، بالتواضع مش بالبروز. صاحب الكاريزما مهتم بالتركيز على الناس مش على نفسه ومكانته، ساعته وشعره ولبسه. هو شيك طبعًا، شيك لازم لازم يبقى كويس، لكنه بيركز على الناس.
هديك مثال: سألوا كان في ست مرة قعدت مع اثنين من رجال الدولة في إنجلترا، بنيامين ديزرائيلي وويليام جلادستون. فقالوا لها: "إيه رأيك؟ إيه رأيك في الرجلين؟ أنت قعدتي مع الاثنين، إيه رأيك؟" قالت لهم: "بصوا، لما قعدت مع ويليام حسيت إن هو أذكى رجل في إنجلترا. بس لما قعدت مع السيد ديزرائيلي اعتقدت إن أنا أذكى ست في إنجلترا." ديزرائيلي هو الأبرز، هو صاحب الكاريزما. عشان ليه؟ ليه عمل إيه؟ عشان هو ما كانش مهتم بإثبات إن هو الأذكى، وإنما بإعطاء الآخر ما يجعله منجذب دائمًا له.
فاكر مرة إن ديل كارنيجي ذكر في أحد كتبه، أظن كان "كيف تكسب الأصدقاء"، إن نصاب نصب على مش عارف 200 امرأة ولا 300 امرأة وخد اللي وراهم واللي قدامهم، قضية رأي عام كبيرة في أمريكا. لما سألوه: "أنت عملت كده إزاي؟" قال لهم: "ولا حاجة، كنت طول القاعدة بكلمهم عن نفسهم بس. ما بقولش أكتر من كده."
الكاريزما الحقيقية المكتسبة اللي أنت بتقدر تكتسبها بجهد وعرق هي شيء داخلي، قناعة بأن الأشخاص أهم من الأشياء. إن النفوس بيوت أصحابها ويجب طرقها بلطف. الكاريزما شيء مكتسب وليها ثمن يدفع وتطوير مستمر لضبط المشاعر والسلوك.
القاعدة الثالثة من قواعد الذكاء الاجتماعي هي العمق الوجداني، اللمسة الإنسانية. شوف مهما فعلت، تظل اللمسات الإنسانية هي أعمق ما يمكن أن تصل به لقلوب الناس وتصنع به ذكائك الاجتماعي. اللمسة الإنسانية إنك تشارك الناس أفراحهم وأتراحهم، تواسي وتدعم وتسأل. اللمسة الإنسانية إن ترى في الناس شيء طيب وتثني عليه.
سيدك وسيدي عليه وعلى آله منجم كان منجم ألقاب وكان منجم مشاعر. فتلاقيه يقول لك إيه: "لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا." "عمر رجل يخشاه الشيطان." "عثمان رجل تستحي منه الملائكة." "علي رجل يحبه الله ورسوله." "والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة." "زينب ستنا أطول يد نكاية عن حبها للخير." "مثل عائشة على النساء كمثل الثريد على الطعام كفضلها." "إن ساق ابن مسعود أثقل عند الله من جبل أحد." عبارات بتعطي عمق ودلالة وبتوصل محبة في القلب وبتترك أثر طيب في النفس.
ولن يعدم إنسان صفة طيبة يظهرها في الآخر بلا تكلف، يمسكها ويركز عليها بلا تكلف. لن يعدم إنسان شيء كويس تثني عليه بصدق. التقدير شيء يخلي هذا الشخص يحبك ويأنس بيك. الاحتياج بالتقدير واحد من أهم المداخل للنفس الإنسانية. وصعب تلاقي شخص عنده ذكاء اجتماعي لا يستخدم هذا المدخل في كسب الناس. مراتك، جوزك، ابنك، أخوك، صديقك، جرب تعمل ده معاهم. اتمرن على لمح الإيجابيات وبروزتها والاحتفاء بها، وسترى النتيجة مع الوقت.
شيء ثاني بيعزز الكاريزما والذكاء الاجتماعي والعاطفي كان بيعمله سيدنا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. الصحابة بيذكروا إنه كان إذا تحدث مع أحد أقبل عليه بكليته. بينما إحنا بنكلم الناس بطرف عينينا وبنكلمهم بنص لسان وبربع تركيز، ونقول ليه ذكائنا الاجتماعي بعافية وليه كاريزمتنا مش عالية وليه الناس ما بتحبناش.
القاعدة الرابعة: الإيمان بقيمة الاختلاف. مربط الذكاء الاجتماعي واختباره الكاشف وتحديه الأول قائم على قدرة الشخص على إدارة الاختلاف بينه وبين الناس. الذكي اجتماعيًا لو مصدق كلام ربنا وفاهمه، هيعرف إن ربنا قوم الدنيا أصلًا على الاختلاف. آه، إن الناس مختلفة. الاختلاف ده آه هيضايق الناس على المستوى القريب بشكل شخصي، لكن هذا الاختلاف هو سبب سبب عمران الأرض في الجملة. التنافس واختلاف الآراء والأفكار والتوجهات بتشحذ الهمة وبتجيش النفس وبتدفع الناس لإثبات صحة ما هم عليه فيحدث التقدم. ودي خطة ربنا سبحانه وتعالى اللي ذكرها في القرآن: "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة." قادر سبحانه وتعالى يخلينا كلنا حزمة واحدة زي الملائكة، بس مش ده سبب خلقنا. ده منهج ربنا في الكون هو الاختلاف.
تجربتنا الشخصية قالت إيه؟ قالت إن ما فيش اثنين توأم لو إحنا بصينا هنجد إن لا يوجد توأم متفقين 100%. ما فيش اثنين مهما حبوا بعض متوافقين بنسبة 100%. أساتذة الإدارة قالوا إن فريق العمل بيبقى في فريق عمل كل أعضائه متفقين دائمًا بتكون إنتاجيتهم أقل، حلولهم الإبداعية أقل، وإن الاختلاف مهم لخلق طرق وحلول وسبل جديدة وإبداعية.
طيب الناس بتختلف في إيه؟ الناس بتختلف في إيه؟ بتختلف في الميول والأفكار والدوافع والقيم والمخاوف والطموحات. وده الذكي اجتماعيًا عارفه كويس وباني خطته على استيعابه والتعامل معاه. ما بيتخضش ويقعد يقول لك: "الناس وحشة، لماذا لا يموت ولاد الخبيثة؟ أدمغة الناس راكبة غلط خالص." لا لا لا، ده ده الأصل. الأصل إن الناس ما تكونش على هواك، ولازم تبني خطتك في التعامل معاهم على كده.
إزاي؟ الذكي اجتماعيًا عنده منظومة مفاهيم في دماغه هي اللي بتحركه عشان يعرف يتعامل مع الاختلاف. بس خلي بالك، خلي بالك، أنا مش هقول لك كنت بتتعامل مع اختلاف الناس، اتعامل من منطلق "ابتسم، أقول له هذا رأيك وهذا رأيي." لازم يكون عندك قيم أصيلة. الذكي اجتماعيًا عنده قيم أصيلة.
أولًا: يؤمن بأن ليس كل اختلاف عداء. يعني إحنا بنتحرك في الأرض سعيًا، كلنا بنسعى، وفي أثناء السعي بتتقاطع المصالح فبيتخلق تنافس. فرق كبير جدًا بين التنافس وبين العداء. صاحبي اللي عايز يطلع الأول عليا في الجامعة ولا في المدرسة ده مش عدو. الشركة اللي بتنافسني وبتحاول إن هي تحقق مبيعات أعلى مني وتجري تلحق الفرص قبلي مش عدو. زميلي في الشغل اللي عايز يفوز بالترقية بدالي مش عدو. ده تنافس مش عداء أدخله في دائرة العداء حتى لو الآخر بقلة وعي شافه كده.
الذكي اجتماعيًا لا يحسب كل صيحة عليه، ولا يرى في كل مخالفة له تحدي، ولا يتحرك وفي ذهنه دائمًا سيناريو الحرب. آه، في ناس اعترف ما تقلعهاش من رجلك منحطة جعانة، بس مش دول اللي هيخلوني أحكم على الناس إن أي حد هيخالفني يبقى راجل مش كويس وراجل سيء. لا، ما ينفعش كده. الذكي اجتماعيًا بيتمهل ويبحث جيدًا عن مخرج للخلاف يوفر عليه صراع غير منتج وتحدي موهوم. لا يحول الذكي اجتماعيًا الاختلاف لعداء والتنافس لخصومة وتقاطع المصالح لمعارك إثبات ذات، إذ ليس كل اختلاف عداء. دي القاعدة الأولى اللي بيتكئ عليها الذكي اجتماعيًا في التعامل مع الاختلاف.
إيه بقى القاعدة الثانية؟ إن الذكي اجتماعيًا فاهم كويس جدًا، أو القيمة الثانية يعني، فاهم كويس جدًا إن قد يختلف اثنان وكلاهما على صواب. بمعنى إن الاختلاف مبني أصلًا على أنت شايف الموضوع إزاي ومنين. يعني لما أنا ومراتي أو أنا وشريكي أو أنا وصاحبي أو أنا وجاري أو زميلي في الشغل نختلف على حاجة، هو يصمم وأنا أصمم، هو يقول مبررات وأنا أقول مبرراتي، فوارد جدًا إن إحنا الاثنين نكون مصدقين فعلًا إن إحنا صح. وإن من زاويته تفكيره وما توفر إليه من معلومات وما يضغط عليه من احتياج أو مخاوف شايف إن صحها كده وحلها كده.
الذكي اجتماعيًا لحل الاختلاف بيجتهد يشوف الصورة من ناحية الطرف الآخر. شفت أنت عارف أنت بتاع اللي هو إيه: "جرب تمشي بحذاء الآخر عشان تحس باللي هو حاسه." بالظبط كده. الذكي اجتماعيًا بيسمع أكتر، بيسأل، ما بيتمركزش عند نقطة ويصر عليها مهما كان مؤمن بيها. ليه؟ لأن النظر من الجهة الأخرى بيكشف لك هو ليه الشخص الآخر واخد الموقف ده. يمكن خايف من حاجة فانت تطمنه فيتغير موقفه أو يلين. يمكن عنده فهم غلط فانت تصلح له الفهم ده. يمكن خايف منك وشايفك غلط فاتطمنه. الذكي اجتماعيًا يؤمن بالمنطقة الوسط والأرض المشتركة، وبيستثمر مساحات الاتفاق مهما كانت صغيرة ويكبرها. بيؤمن إن الذكاء مش إن أنت تتعامل مع اللي شبهك، وإنما في قدرتك على التعامل مع من لا يشبهونك ولا يوافقونك. اجتماعيًا بشوفها كده.
القاعدة الخامسة: العواطف. العواطف هي اللي بتحرك الناس. الذكي اجتماعيًا يدرك جيدًا إن اللي بيحرك كل الناس دي مشاعرهم مش عقلهم. ودي ده مأزق شديد جدًا. الناس بتبني مواقفها بعواطفها مش بعقلها، بغض النظر عن المشاعر دي سلبية كانت أو إيجابية. وعلى فكرة، أوقات مشاعرك بتكون صادقة وتبقى شايفة اللي مش شايفه الورقة والقلم، عقلك مش شايفه. أنا هنا مش بقيم المشاعر، أنا هنا بأثبت حقيقة نفسية وهي إننا مخلوقات عاطفية، مخلوقات عاطفية.
الذكي اجتماعيًا يدرك هذا جيدًا، وعليه يدرك مثلًا قيمة الانطباع الأول. ما الناس هتبقى الناس هتحبك وتكرهك ممكن من أول قاعدة خلاص حكمت عليك. فيصبح الانطباع الأول مهم. الانطباع الأول بيدوم ما لم يغيره انطباع آخر، وممكن ما تجيلكش فرصة إنك تغيره بانطباع آخر. ليه؟ لأن الحكم غالبًا في قلبي مش عقلي. عشان كده الذكي بيهتم جدًا وهو يترك القلوب مستأذنًا، لا سيما في زيارته الأولى، إنه يكون حريص إن يترك أثر جيد. بيولي اهتمام حقيقي غير مصطنع نابع من قيم أصيلة بتقول إن: "أقربكم مجلسًا إلي في الجنة أحاسنكم أخلاقًا" كما قال النبي. فهو مش بيمثل ولا بيعمل نفسه مهذب ولا بينافق ولا بيهادن، لا هو بينفذ أمر الله سبحانه وتعالى وواجب ضميره.
والنفوس بتحب الكلمة الحلوة، بتحب التشجيع، وكلمة "ما شاء الله عليك" الناس بتحبها. الناس بتحب الهدية، بتطرب للهدية وتشعر بالامتنان لمهديها مهما كانت بسيطة. الذكي اجتماعيًا لا يكتفي بكون المشاعر في قلبه وإنما يخرجها. خلي بالكم، كثير مننا بيكون جوه قلوبهم حب وخير وامتنان واعتذار لشخص مثلًا بس ما بيقولوش، بل ربما يلوم الآخر اللي هو مش شايف الحب ولا الامتنان ويجب إن هو يعرف لوحده.
في يوم في يوم في يوم، سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم كان جالس في المسجد، مر شخص رمى السلام، أكمل طريقه. فواحد من اللي قاعدين قال: "أنا بحب الراجل ده." سيدنا عليه الصلاة والسلام رد رد غريب جدًا قال له: "وأنت قلت له؟ أنت قلت له إن أنت بتحبه؟" فالراجل قال له مستغربًا: "لا، مش محتاج أقول له ليه يعني أنا بحبه؟" فعليه الصلاة والسلام قال: "لا لا لا لا لا، إذا أحب أحدكم أخاه فليخبره."
كتير مننا أغبياء اجتماعيًا في نقطة البيئة رسختها جوانا بتقول إن التعبير عن المشاعر مش حلو، سواء كانت إيجابية أو سلبية. بينما في الحقيقة الذكي اجتماعيًا عارف إن القلب هو وعاء، وعاء مغلق زي إزازة عطر مقفولة فيها أجمل وأغلى العطور بس مقفولة، لا يستطيب بشذاها مار ولا غاد. لازم تفتح الزجاجة وتخرج ما فيها من طيب وإلا مالهاش لازمة، بلاش قيمة. مشاعر كده لو مكتومة في القلب ما بتخرجش بلاش قيمة. الآخر هيعرف إزاي؟ ما تقولش بالتعامل. آه التعامل مهم بس إحنا اتفقنا إن الناس عاطفية، عاطفية. الكلمة والشعور والمسدج اللطيف والسؤال عنه بلا سبب إلا إن أنت تطمن عليه.
عند ربنا ده شيء كبير جدًا بيرضي ربنا، هو بيرفع قدرك عنده وبيعلي قدرك في الدنيا. في الحديث إن في رجل زار أخًا له في الله، فربنا سبحانه وتعالى أوقف له ملكًا في الطريق. لما الراجل مر عليه قال له، فالملك بيسأله: "أنت رايح فين؟" قال له: "رايح أزور أخ لي في الله." قال له: "طب في حاجة ليك عنده؟ في دين؟ في نعمة بتربيه عليه؟ في حاجة؟" قال له: "لا، ولكني أحبه في الله." فالملك قال له: "إني رسول الله إليك لأخبرك إن الله يحبك كما أحببته." ربنا بيحبك زي ما أنت حبيته كده في الله من غير سبب ومن غير حاجة.
وسيدنا النبي مش بيحكي حواديت، يعني مش واحد معدي وملك قابله قال له، مش حواديت هي. النبي بيوصل معنى إن اللمسات الإنسانية من الإيمان، من دلائل كونك إنسان على مراد الله. بتجبر كسر، بتقيل عثرة، بتشارك فرح، بتسأل عن غائب، بتصل الرحم، بتتعهد قلبك بالنظافة تجاه الناس، بتخرج للحياة بنفس مليئة بالثقة بالله، بترفض تصدق الأمثال المنحطة بتاع "الأقارب عقارب" و"الناس بقوا وحشين".
على فكرة، على فكرة، مهما مر بتجارب بتؤكد ده، الذكي اجتماعيًا مهما مر بتجارب بتؤكد له إن في ناس وحشة وكده، لا لا، حتى لو اتأذى بأخ أو عم وحشين أو نفر واثنين أو 10 من الأراذل، ما بيصدقش، ما بيصدقش إن الناس وحشة، ولكن بيصدق كلام ربنا وبيمشي على مراد الله. غير على فكرة لو الناس كلها حلوة، وده يعني لا دين ولا عقل بيقولوا، هيبقى في الاختبار وهي كفة ابن الأصول هتظهر إزاي إلا لو اختبرتها بالتجارب الموجعة؟ ها؟ فتشوفه طيب ما بيتغيرش، لا تغيره المواقف، شهم لا تبدله الأيام، قريب مهما رأى في دنيا الناس. المشاعر مهمة واللعب عليها مهم وبتدخل الجنة والله.
القاعدة السادسة: الذكي اجتماعيًا يمتلك ذهنية المستثمر. شوفوا الناس في البيع والشراء واحد من ثلاثة: يا سمسار، يا تاجر، يا مستثمر. الثلاثة ناس محترمين وزي الفل، لكن طريقتهم مش واحدة. السمسار بتخلص معاه المصلحة وخلص موضوعك، خلص معاه ما تشوفوش تاني ولا بيشوفك تاني في الغالب، ما تسجلش رقمه أصلًا. علاقتك بيه بتخلص بخلصان الشغلانة مربوحة ولا بخلص. طبيعة الشغلانة بتحتم على إن السمسار يفكر كده: "أنا مش ببني معاك علاقة مستمرة، مصلحة والسلامة."
التاجر مختلف. آه، العلاقة فيها هات وخد بس بيجتهد عشان ترجع له تاني، بس لو في مرة أو اثنين ما عجبتوش مش هيحب يشوفك تاني، ده التاجر.
المستثمر وضعه مختلف تمامًا، ذهنيته مختلفة تمامًا، بيؤمن بقيم مختلفة تمامًا. بيؤمن بالاستثمار بعيد الأجل، بيؤمن إنك بتزرع وبعدين بتحصد. بيؤمن إن الخسارة ممكن ممكن في أي شيء في الدنيا لكنها بتدوب أمام المكاسب الكبيرة.
في علاقتنا بالناس بنشوف اللي بيتعامل بقيم السمسار اللي هي مش عيب، مش عيب بالمناسبة بس مش أحسن حاجة: "مصلحتي ومصلحتك وامسح رقمي من على تليفونك لو سمحت." وفي اللي بيتعامل بذهنية التاجر اللي بالنسبة له الشخص الآخر هو زي زبون كده، لو كويس مرة مرتين أحاول إن أنا أبني معاه علاقة بس مش هقدر أتحمله كتير.
وفي المستثمر بقى، هو ده اللي إحنا عايزينه. الشخص اللي له في كل بلد عزيز وفي كل مكان أخ وفي رقبة كل الناس جمايل. المستثمر بيزرع وعارف إن "من يعمل مثقال ذرة خيرًا يره." مش فكرة اللي ما احتاجش له النهارده أو ما احتاجش النهارده لوشه بكرة تحتاج فيها، لا لا مش بس كده. هو شايف إن الخير، إن خير ولا خير طبعًا، كان تمشي بين الناس خفيفًا طيبًا. وشايف إن عمل الخير بيقي أصلًا مصارع السوء. هو مؤمن إن الزرعة ما بتضعش ولو في أرض بور. كله له وقته. على الأرض ممكن تضيع بس في السماء ما بتضعش.
مستثمر بيقبل الخسارة. صاحب بطال، شريك ملعون، زوج أو زوجة مقلب. بيحصل خسارة بس مش مش ده الديل. دي بضاعة أتلفها الهوا، لا هأبكي عليها ولا هأتحسر عليها ولا هأحدد منها موقفي من الناس. مستثمر، مستثمر. خليك بين الناس مستثمر في النفوس. بتزرع فيها النبتة وتمشي. أنت ما تعرفش وأنت ماسك تليفونك وقاعد تشرب كوباية شايك الأمان اللي أنت فيه ده وارد يكون سببه زرعة زرعتها في قلب بني آدم طرحت عند ربك وفداك بيها من كيد حاسب وأول شر خبيث. ازرع واستثمر تكسب قلب وترضي رب.
القاعدة السابعة والأخيرة عشان طولت عليك هي: أصلح ما بينك وبين الله. يصلح الله سبحانه وتعالى ما بينك وبين الناس. خلي بالك يا أخويا. الموضوع مش موضوع صلي وصوم. ما إحنا بنشوف ناس بتصلي وتصوم وما تتعاشرش ولا نعاملهم. اللي بينك وبين ربنا شيء أكبر من العبادة مع تعظيمنا ليها. اللي بينك وبين ربنا مسألة قلبية. شفت المثل بتاع "ربنا رب قلوب"؟ ده مثل عبقري. هو فعلًا هو فعلًا ولا غيره سبحانه وتعالى اللي عالم بالقلب وتقلبات القلب ومخبوق القلب ودهاليز القلب وحقارية القلوب. بتتفتح وتتقفل من عنده سبحانه.
صلح اللي بينك وبينه إزاي؟ طيعه. طيعه بالمناسبة في الملف ده، في الملف الخاص بالناس. قال لك تعمل إيه؟ أداك نصائح مهمة سبحانه وتعالى. أمرك في القرآن بالعدل والإنصاف، وإن نوع عداوة أو اختلاف مع حد يخلوك تظلمه. "ادفع بالتي هي أحسن." راعي حاجة الناس واهتم بالفقراء والمساكين. "اقظم الغيظ." "اعف عن من ظلمك." دي أصول أصول، آه أصول موزونة بآيات ثانية تقول لك لو اللي ظلمك جبار وعايز ياخد حقك تعمل إيه إزاي. لكن في النهاية الأصل في التعامل مع الناس هو تعامل هادئ وجميل وطيب وبه سماحة. ده اللي القرآن بيقوله لك.
أصلح ضميرك وكبر ربنا بقلبك، وانظر للناس على إن هم مختبر إيمانك وامتحان قيمك. يصلح الله سبحانه وتعالى ما بينك وما بينهم. الذكاء الاجتماعي يا أصدقائي ليس نفاقًا، وإنما من عمل الخير. والذكي اجتماعيًا مش شخص لابس شيك وحاطط بيرفيوم أوريجينال مش تركيب، ولا اللي بيخش مكان العيون تروح عليه، ولا اللي لما يتكلم الكل يسكت ويركز.
الذكي اجتماعيًا يؤمن بالاستثمار في الناس، بيرتقي بيهم، بيؤمن بالمكاسب المشتركة والأرض المشتركة، وإن المركب يساع الكل، والرغيف يقبل القسم على ألف وهيشبع لو الغموس كان في طبق القناعة. الذكي اجتماعيًا بيعادي ويحارب وبيكره بس في الحق ما بيتحقق. المستثمر ما بيزعلش، ما بيزعلش لو خسر إذا ما كان المكسب غير شريف. آه، ما فيش حاجة اسمها "أعمل مش واخد بالك إحنا محتاجين ما نخسرش الراجل ده." لا، هو يقول لك: "يغور الراجل ويغور اللي يجي وراه لو هيغضب ربنا." لذلك اجتماعيًا إنسان محترم وأصيل وشريف وابن ناس.
في الأخير، في الأخير، بشر الله سبحانه وتعالى عباده بجنة عرضها السماوات والأرض، ولم يذكر في كراسة الشروط عبادات ولا أعمال صالحة فردية، وإنما ربط هذه الجنة مشددًا: "أن سارعوا سارعوا سارعوا بعلاقتكم بالناس. سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء، والكاظمين الغيظ، والعافين عن الناس، والله يحب المحسنين." اللهم اجعلنا منهم. قولوا آمين.