📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

كتب صوتية مسموعة | رحلتي من الشك للإيمان | مصطفى محمود | بصوت اسلام عادل

Eslam Adel - إسلام عادل 2:25:26

Transcription

نقرأ لكم كتاب رحلتي من الشك إلى الإيمان للدكتور مصطفى محمود بصوت إسلام عادل. الله كان ذلك من زمن بعيد، لست أذكره. ربما كنت أدرس من الثالثة عشرة إلى الرابعة عشرة، وربما قبل ذلك في مطالع المراهقة، حينما بدأت أتساءل في تمرد: تقولون إن الله خلق الدنيا لأنه لابد لكل مخلوق من خالق، ولابد لكل صنعة من صانع، ولابد لكل وجود من موجد. صدقنا وأمنا. فلتقول لي إذاً: من خلق الله؟ أم أنه جاء بذاته؟ فإن كان قد جاء بذاته وصح في تصوركم أن يتم هذا الأمر، فلماذا لا يصح في تصوركم أيضاً أن الدنيا جاءت بذاتها بلا خالق وينتهي الإشكال؟

كنت أقول هذا فتصفر من حولي الوجوه، وتنطلق الألسن تمطرني بالعنات، وتتسابق إلي اللكمات عن يميني وعن شمالي. ويستغفر لي أصحاب القلوب النقية ويطلبون لي الهدى، ويتبرا مني المتزمتون، ويستمع حولي المتمردون. فنغرق معاً في جدل لا ينتهي إلا ليبدأ، ولا يبدأ إلا ليسترسل. وتغيب عني في تلك الأيام الحقيقة الأولى وراء كل ذلك الجدل، أن زهوي بعقلي الذي بدأ يتفتح، وإعجابي بموهبة الكلام ومقارعة الحجج التي انفردت بها، كان هو الحافز دائماً، وكان هو المشجع، وكان هو الدافع، وليس البحث عن الحقيقة ولا كشف الصواب. لقد رفضت عبادة الله لأني استغرقت في عبادة نفسي، وأعجبت بومضة النور التي بدأت تغمض في فكري مع انفتاح الوعي وبداية الصحوة من مهد الطفولة. كانت هذه هي الحالة النفسية وراء المشهد الجدلي الذي يتكرر كل يوم. وغابت عني أيضاً أصول المنطق وأنا أعالج المنطق، ولم أدرك أني أتناقض مع نفسي إذ أعترف بالخالق ثم أقول: ومن خلق الخالق؟ فاجعل منه مخلوقاً في الوقت الذي أسميه فيه خالقاً، وهي الصفصطة بعينها. ثم إن القول بسبب أول للوجود يقتضي أن يكون هذا السبب واجب الوجود في ذاته وليس معتمداً ولا محتاجاً لغيره لكي يوجد. أما أن يكون السبب في حاجة إلى سبب، فإن هذا يجعله واحدة من حلقات السببية ولا يجعله سبباً أول. هذه هي أبعاد القضية الفلسفية التي انتهت بأرسطو إلى القول بسبب الأول والمحرك الأول للوجود. ولم تكن هذه الأبعاد واضحة في ذهني في ذلك الحين، ولم أكن قد عرفت بعد من هو أرسطو ولا ما هي القوانين الأولى للمنطق والجدل. وأحتاج الأمر إلى ثلاثين سنة من الغرق في الكتب، وألف ليلة من الخلوة والتأمل والحوار مع النفس، وإعادة النظر ثم إعادة النظر في إعادة النظر، ثم تقليب الفكر على كل وجه ليقطع الطريق الشائكة من الله والإنسان إلى لغز الحياة إلى لغز الموت إلى ما أكتب اليوم من كلمات على درب اليقين. لم يكن الأمر سهلاً لأني لم أشأ أن آخذ الأمر مأخذاً سهلاً. ولو أني أصررت إلى صوت الفطرة وتركت البداهة تقودني لأرحت نفسي من عناء الجدل، ولقادتني الفطرة إلى الله. ولكن جئت في زمن تعقد فيه كل شيء، ووضعوا صوت الفطرة حتى صار همساً، وارتفع صوت العقل حتى صار زجاجاً وغروراً واعتداداً. والعقل معذور في إسرافه إذ يرى نفسه واقفاً على هرم هائل من المنجزات، وإذ يرى نفسه مانحاً للحضارة بما فيها من صناعة وكهرباء وصواريخ وطائرات وغواصات، وإذ يرى نفسه قد اقتحم البر والبحر والجو والماء وما تحت الماء، فتصور نفسه القادر على كل شيء وزج بنفسه في كل شيء، وأقام نفسه حاكماً على ما يعلم وما لا يعلم.

[موسيقى]

النظرية الموضوعية في الطريق لنرفض الغيبيات عن إطلاق البخور وترديد الخرافات. من يعطينا دبابات وطائرات ويأخذ منا الأديان والعبادات؟ وكان ما يصلنا من أنباء العلم الغربي باهراً يخطف أبصارنا، وكنا نأخذ عن الغرب كل شيء: الكتب والدواء والملابس والمنسوجات والقاطرات والسيارات، حتى الأطعمة المعلبة، حتى قلم الرصاص والدبوس والإبرة، حتى نظم التعليم وقوالب التأليف الأدبي من قصة ومسرحية ورواية، حتى ورق الصحف. وحول أبطال الغرب وعبقرياته كنا ننسج أحلامنا ومثلنا العليا حول باستير وماركوني ورونتينغن، وحول نابليون وأبراهام لينكولن وكريستوفر كولومبوس وماجلان. كان الغرب هو التقدم، وكان الشرق العربي هو التخلف والضعف والتخاذل والانهيار تحت أقدام الاستعمار. وكان طبيعياً أن نتصور أن كل ما يأتينا من الغرب هو النور والحق، وهو السبيل إلى القوة والخلاص. ودخلت كلية الطب لأتلقى العلوم بلغة إنجليزية، وأدرس التشريح في مراجع إنجليزية، وأتكلم مع أساتذتي في المستشفى باللغة الإنجليزية، ليس لأن إنجلترا كانت تحتل القناة، ولكن لسبب آخر مشروع وعادل، هو أن علم الطب الحديث كان صناعة غربية تماماً، وما بدأه العرب في هذه العلوم أيام ابن سينا كان مجرد أوليات لا تفي بحاجة العصر. وقد التقط علماء الغرب الخيط من حيث انتهى ابن سينا والباحثون العرب، ثم استأنفوا الطريق بإمكانيات متطورة ومعامل ومختبرات وملايين الجنيهات المرصودة للبحث، فسبقوا الأولين من العرب والفرس والعجم، وأقاموا صرح علم الطب الحديث والفسيولوجيا والتشريح والباثولوجيا، وأصبحوا بحق مرجعاً. وتعلمت مع ما تعلمت في كتب الطب النظرة العلمية، وأنه لا يصح إقامة حكم بدون حيثيات من الواقع وشواهد من الحس، وأن العلم يبدأ من المحسوس والمنظور والملموس، وأن العلم ذاته هو عملية جمع شواهد واستخراج قوانين، وما لا يقع تحت الحس فهو في النظرة العلمية غير موجود، وأن الغيب لا حساب له في الحكم العلمي. بهذا العقل العلمي المادي البحت بدأت رحلتي في عالم العقيدة. وبالرغم من هذه الأرضية المادية وهذا الانطلاق من المحسوسات الذي ينكر كل ما هو غيب، فإني لم أستطع أن أنفي أو أستبعد القوة الإلهية. كان العلم يقدم إلي صورة عن الكون بالغة الإحكام والانضباط. كل شيء من ورق الشجر إلى جناح الفراشة إلى ذرة الرمل فيها تناسق ونظام وجمال. الكون كله مبني وفق هندسة وقوانين دقيقة. كل شيء يتحرك بحساب من الذرة المتناهية في الصغر إلى الفلك العظيم، إلى الشمس وكواكبها، إلى المجرة الهائلة التي تحوي أكثر من ألف مليون شمس، إلى السماء المترامية التي يقول لنا الفلك أن فيها أكثر من ألف مليون مجرة. كل هذا الوجود اللامتناهي من أصغر إلكترون إلى أعظم جرم سماوي، كنت أراه أشبه بمعزوفة متناسقة الألحان، مضبوطة التوزيع، كل حركة فيها بمقدار، أشبه بالبدن المتكامل الذي فيه روح. كان العلم يمدني بوسيلة أتصور بها الله بطريقة مادية. وفي هذه المرحلة تصورت أن الله هو الطاقة الباطنة في الكون التي تنظمه في منظومات جميلة من أحياء وجمادات وأراضٍ وسماوات. هو الحركة التي كشفها العلم في الذرة وفي البروتوبلازم وفي الأفلاك، هو الحيوية الخالقة الباطنة في كل شيء، أو بعبارة القديس توماس: الفعل الخالص الذي ظل يتحول في الميكروب حتى أصبح إنساناً، وما زال يتحول وسيظل يتحول إلى ما لا نهاية. والوجود في التصور لا محدود لا نهائي، إذ لا يمكن أن يحد الوجود إلا العدم، والعدم معدوم. ومن هنا يلزمنا منطقياً أن يكون الوجود غير محدود ولا نهائي. ولا يصح أن نسأل: من الذي خلق الكون؟ إذ أن السؤال يستتبع أن الكون كان معدوماً في البداية ثم وجد. وكيف يكون المعدوم كياناً؟ إن العدم معدوم في الزمان والمكان، وساقط في حساب الكلام. ولا يصح القول بأنه كان. وبهذا جعلت من الوجود حدثاً قديماً أبدياً أزلياً ممتداً في الزمان ولا حدود له ولا نهاية. وأصبح الله في هذه النظرة هو الكل، ونحن تجلياته. الله هو الوجود ولا عدم قبله معدوم. هو الوجود المادي الممتد أزلاً وأبداً بلا بدء وبلا نهاية. وهكذا أقمت لنفسي نظرية تكتفي بالموجود وترى أن الله هو الوجود دون حاجة إلى افتراض الغيب والمغيبات، ودون حاجة إلى التماس لا منظور. وبذلك وقعت في أسر فكرة وحدة الوجود الهندية وفلسفة عن الطاقة الباطنة الخلاقة. وكلها فلسفات تبدأ من الأرض من الحواس الخمس ولا تعترف بالغيبيات. ووحدة الوجود الهندية تمضي إلى أكثر من ذلك، فتلغي التساؤنية بين المخلوق والخالق، فكل المخلوقات في نظرها هي عين الخالق. وفي سفر اليابان شاد صلاة هندية قديمة تشرح هذا المعنى في أبيات رقيقة من الشعر: إن الإله براهما الذي يسكن قلب العالم يتحدث في همس قائلاً: إذا ظن القاتل أنه قاتل والمقتول أنه قتيل، فليس يدريان ما خفي من أساليب، حيث أكون الصدر لمن يموت، والسلاح لمن يقتل، والجناح لمن يطير، وحيث أكون لمن يشك في وجودي. كل شيء وأنا الأشياء. إنه إله يشبه النور الأبيض، واحد وبسيط، ولكنه يحتوي في داخله على ألوان الطيف السبعة. وعشت سنوات في هذا الضباب الهندي وهذه الماريجوانا الصوفية، ومارست اليوغا وقرأتها في أصولها، وتلقيت تعاليمها على أيدي أساتذة هنود. وسيطرت علي فكرة التناسخ مدة طويلة، فظهرت في روايات لي مثل العنكبوت والخروج من التابوت. ثم بدأت أفيق على حالة من عدم الرضا وعدم الاقتناع، واعترفت بيني وبين نفسي أن هذه الفكرة عن الله فيها الكثير من الخلط. ومرة أخرى كان العلم هو دليلي ومنقذي ومرشدي. عكوفي على العلم وعلى الشريحة الحية تحت الميكروسكوب قال لي شيئاً آخر: وحدة الوجود الهندية كانت عبارة شعرية صوفية، ولكنها غير قادرة. والحقيقة المؤكدة التي يقولها العلم أن هناك وحدة في الخامة لا أكثر، وحدة في النسيج والسنن الأولية والقوانين، وحدة في المادة الأولية التي بني منها كل شيء. فكل الحياة من نبات وحيوان وإنسان بنيت من تواليف الكربون مع الهيدروجين والأكسجين، ولهذا تتحول كلها إلى فحم بالاحتراق. وكل صنوف الحياة تقوم على الخلية الواحدة ومضاعفتها. ومرة أخرى نتعلم من الفلك والكيمياء والعلوم النووية أن الكربون ذاته، وكذلك جميع العناصر المختلفة، جاءت من طبخ عنصر واحد في باطن الأفران النجمية الهائلة، وهو الهيدروجين. الهيدروجين يتحول في باطن الأفران النجمية إلى هيليوم وكربون وسيليكون وكوبالت ونيكل وحديد إلى آخر قائمة العناصر، وذلك بتفكيكه وإعادة تركيبه في درجات حرارة وضغوط هائلة. وهذا يرد جميع صنوف الموجودات إلى خامة واحدة، إلى فتلة واحدة حريرية نزل منها الكون في تفصيلات وتصميمات وطرز مختلفة. والخلاف بين صنف وصنف وبين مخلوق ومخلوق، وخلاف في العلاقات الكيفية والكمية في المعادلة والشفرة التكوينية، لكن الخامة واحدة. وهذا سر الشعور بالنسب والقرابة والمصاهرة وصلة الرحم بين الإنسان والحيوان، وبين الوحش ومروضه، وبين الأنف التي تشم والزهرة العاطرة، وبين العين ومنظر الغروب الجميل. هذا هو سر الهارموني والانسجام. إن كل الوجود أفراد أسرة واحدة من أب واحد. وهو أمر لا يستتبع أبداً أن نقول إن الله هو الوجود، وأن الخالق هو المخلوق. فهذا خلط صوفي غير وارد. والأمر شبيه بحالة ناقد ذواقة الذي دخل معرضاً للرسم، فاكتشف وحدة فنية بين جميع اللوحات، واكتشف أنها جميعاً مرسومة على الخامة نفسها وبذات المجموعة الواحدة من الألوان، وأكثر من هذا أن أسلوب الرسم واحد. والنتيجة الطبيعية أن يقفز إلى ذهن الناقد أن خالق جميع هذه اللوحات واحد، وأن الرسام هو بيكاسو أو شاجال أو موديلاني مثلاً. فالوحدة بين الموجودات تعني وحدة خالقها، ولكنها لا تعني أبداً أن هذه الموجودات هي ذاتها الخالق. ولا يقول الناقد أبداً أن هذه الرسوم هي الرسام. إن وحدة الوجود الهندية شطحة صوفية خرافية، وهي تبسيط وجداني لا يصادق عليه العلم ولا يرتاح إليه العقل. وإنما تقول النظرة العلمية المتأملة لظواهر الخلق والمخلوقات أن هناك وحدة بينها، وحدة أسلوب ووحدة قوانين ووحدة ضخامات، تعني جميعها أن خالقها واحد لم يشرك معه شريكاً يسمح بأسلوب غير أسلوبه. وتقول لنا أيضاً أن هذا الخالق هو عقل كلي شامل ومحيط يلهم مخلوقاته ويهديها في رحلة تطورها ويسلحها بوسائل البقاء. فهو يخلق لبذور الأشجار الصحراوية أجنحة لتستطيع أن تعبر الصحاري الجرداء بحثاً عن ماء وعن ظروف إنبات مواتية. وهو يزود بيضة البعوضة بكيسين للطفو لتطفو على الماء لحظة وضعها ولا تغرق. وما كان من الممكن للبعوضة أن تدرك قوانين أرشميدس للطفو فتصنع لبيضها تلك الأكياس، وإنما هو العقل الكلي الشامل المحيط الذي خلق، هو الذي يزود كل مخلوق بأسباب حياته. هو خالق متعال على مخلوقاته، أعلم ما لا تعلم، وأقدر على ما لا تقدر، وأرى ما لا ترى. فهو واحد أحد، قادر، عالم، محيط، سميع، بصير، خبير. وهو متعال يعطي الصفات ولا تحيط به الصفات. والصلة دائماً معقودة بين هذا الخالق ومخلوقاته، فهو أقرب إليها من دمها الذي يجري فيها، وهو المبدع الذي عزف بإبداع هذه المعزوفة الكونية الرائعة، وهو العادل الذي أحكم قوانينها وأقامها على نواميس دقيقة لا تخطئ. وهكذا قدم للعلم الفكرة الإسلامية الكاملة عن الله. أما القول بأزلية الوجود لأن العدم معدوم والوجود موجود، فهو جدل لفظي لا يقوم إلا على اللعب بالألفاظ. والعدم في واقع الأمر غير معدوم، وقيام العدم في التصور والفكر ينفي كونه معدوماً. العدم هو على الأكثر نفي لما نعلم، ولكنه ليس نفياً مطلقاً مساوياً للمحو المطلق. وفكرة العدم المطلق فرضية مثل فرضية الصفر الرياضي، لا يصح الخلط بين الافتراض والواقع، ولا يصح تحميل الواقع فرض نظرية، فنقول اعتصافاً أن العدم معدوم ونعتبر أن هذا الكلام قضية وجودية نبني عليها أحكاماً في الواقع. هذا تناقض صريح وصفصطة جدلية. وبالمثل القول بأن الوجود موجود، هنا نجد نفس الخلط. فالوجود تجريد ذهني، والموجود واقع حسي. وكلمة العدم وكلمة الوجود تجريدات ذهنية كالصفر واللانهاية، لا يصح أن نخلط بينها وبين الواقع الملموس المتعين والكون الكائن المحدد أمام الحواس. الكون إذاً ليس أزلياً، وإنما هو كون مخلوق كان له بدء بدليل آخر من قاموس العلم، هو ما نعرف باسم القانون الثاني للديناميكا الحرارية. ويقرر هذا القانون أن الحرارة تنتقل من الساخن إلى البارد، من الحرارة الأعلى إلى الحرارة الأدنى، حتى يتعادل المستويان فيتوقف التبادل الحراري. ولو كان الكون أبدياً أزلياً بدون ابتداء لكان تبادل الحراري قد توقف في تلك الأبادي الطويلة المتاحة، وبالتالي لا توقفت كل صور الحياة، ولا بردت النجوم وصارت بدرجة حرارة الصقيع والخواء حولها، وانتهى كل شيء. إن هذا القانون هو ذاته دليل على أن الكون كان له بدء. القيامة الصغرى التي نراها حولنا في موت الحضارات وموت الأفراد وموت النجوم وموت الحيوان والنبات وتناهي اللحظات والحقب والدهور، هي لمحة أخرى تدلنا على القيامة الكبرى التي لابد أن ينتهي إليها الكون. إن العلم الحق لم يكن أبداً مناقضاً للدين، بل إنه دال عليه مؤكداً لمعناه. وإنما نصف العلم هو الذي يوقع العقل في الشبهة والشك، وبخاصة إذا كان ذلك العقل مزهواً بنفسه معتداً بعقلانيته، وبخاصة إذا دارت المعركة في عصر يتصور فيه العقل أنه كل شيء. وإذا حاصرت الإنسان شواهد حضارة مادية صارخة تزار فيها الطائرات وسفن الفضاء والأقمار الصناعية هاتفة كل لحظة: أنا المادة، أنا كل شيء، الجسد.

[موسيقى]

كلنا من أصل واحد، من خامة واحدة، ولكن لكل منا فرديته الخاصة به. والفرق بين مخلوق ومخلوق ليس مجرد فرق كمي في الذرات، وإنما هناك فرق أكبر وأعقد في العلاقات بين تلك الذرات وفي كيفية الترابط بينها. ونعلم الآن من أمر توليف الجينات الوراثية في الخلية الأولى أن جميع الأجنة الآدمية يتم توليفها من أكثر من عشرين حرفاً كيميائياً من بروتين DNA، كما تتألف جميع الكتب والمؤلفات من الحروف الأبجدية، فيكون لكل كتاب روحه وشخصيته ونوعيته كمخلوق مستقل متفرد، مع أن جميع الكتب مؤلفة من الحروف نفسها. ويبلغ هذا التفرد لدرجة أن ينفرد كل واحد ببصمة خاصة مختلفة لا تتشابه بصمتان اثنتان، ولو كانا توأمين منذ بدء الخليقة إلى الآن. برمي آلاف الملايين وملايين ملايين الملايين من الأفراد. ونعلم الآن أن لكل جسد شفرة كيميائية خاصة به، بحيث يصبح من العسير وأحياناً من المستحيل ترقيع جسد بقطعة من جسد آخر، فما يلبث أن يرفض الجسد الرقعة الغريبة كما لو كان ميكروباً أو جسماً أجنبياً أو استعماراً. وهذه هي كبرى المشكلات في جراحات الترقيع ونقل الأعضاء. وأطول مدة عاشها قلب منقول كانت عشرين شهراً، وتحت مطر مستمر من حقن التخدير والأقراص المضادة للحساسية لمنع الجسد من رفض العضو الغريب. ومعنى هذا أن الفردية والتفرد حقيقة جوهرية يشهد بها العلم، وهي حقيقة لم ألتفت إليها في بداية تطور فكري. اعتقدت بأن الجوهرية والباقي هو المجتمع وليس الفرد، الإنسان وليس فلاناً. الحياة وليست الأحياء، الوجود لا الموجودات، الكل وليس الآحاد. وهذا أثر من آثار فلسفة وحدة الوجود الهندية القائلة إن الوجود هو الله، وهو الباقي، أما جميع الموجودات فهي مايا، والمايا هي الوهم الزائل. وكل فرد مصيره إلى فناء حقيقي لا بعث بعده. واعتقدت بأن خلود الفرد بقدر ما يترك لأولاده من توجيه وتربية وعلوم ومعارف، أما هو ذاته فإنه ينتهي إلى التراب إلى غير عودة. نصيبنا من الخلود هو ما نضيفه إلى وعاء الكل، أما شخوصنا وأفرادنا فمصيرها إلى العدم. وما الشخصية؟ لم أفهم من الشخصية في البداية أكثر من أنها ردود فعل ظرفية على مواقف مؤقتة، وبالتالي حينما تنتهي هذه الظروف وتتغير الأوقات لا يبقى من هذه الشخصية شيء. ومالها أن تتفكك بالشيخوخة نتيجة تفكك ألياف الترابط الموجودة بالمخ، وحين تفسد الأعصاب وتفنى بالموت تفنى الذات الخاصة بها.

[موسيقى] [موسيقى] [موسيقى]

بهذا الفهم المادي المسطح تصورت الإنسان في البداية، وكنت أقول لنفسي إن الشخصية ليس شيئاً واحداً، وإنما هي سيل من الشخصيات المختلفة لا تنقطع عن الجريان. فشخصيتي في سن العاشرة غيرها في سن العشرين، غيرها في سن الثلاثين، وفي كل لحظة هناك شيء يضاف إلى نفسي وشيء ينقص منها. فأيتهن واحدة من هذه النفوس سوف تبعث وتعاقب؟ هؤلاء المصابون بانقسام الشخصية، أيهما سوف يذهب إلى العالم الآخر؟ الدكتور جيكل مستر هايد. ونسيت بهذا التلاعب اللفظي الحقيقة الأولية البسيطة أننا حينما نطبع من الكتاب طبعة ثانية، فإننا لا نطبع صفحة أو فصلاً، وإنما نطبعه كله في أصوله ليصدر كله في أصوله. وهكذا يكون بعث الروح ككل بكل فصولها وأصولها، كما تنبت البذرة من ظلام الأرض حاوية لكل إمكانيات الفروع والأوراق والثمار. ولكن النظرة المادية التي تميل بطبيعتها إلى التحليل والتشريح والتقطيع كانت هي الغالب طول الوقت، ولهذا كانت تغيب عني دائماً صورة الأمور في كليتها. كنت أتصور أني يمكن أن أفهم الروح إذا شرحت الجسد، إذ لا فرق بين الاثنين. الروح هي البدن، والعقل هو المخ، والشخصية هي ردود الفعل ومجموعة الأفعال المنعكسة، والعاطفة في نهاية الأمر هي جوع جسماني. ونقف الآن وقفة طويلة لنسأل: هل صحيح أن النفس ما هي إلا مجرد حوافز الجوع والجنس ومجموعة الاستشعارات التي يدرك بها الجسد ما يحتاجه؟ لو قلنا هذا فنحن أمام تفسير مادي متهافت. فما هكذا حقيقة النفس ولا حقيقة الإنسان. وأعود إلى صفحات من كتاب لغز الموت ولغز الحياة حيث ناقشت الموضوع بالتفصيل. إن الإنسان ليضحي بلقمته وبيته وفراشه الدافئ في سبيل أهداف ومثل وغايات جديدة، التجريد كالعدل والحق والخير والحرية. فأين حوافز الجوع والجنس هنا؟ والمحارب المقاتل في الميدان الذي يضحي بنفسه على مدفعه في سبيل غد لم يأت بعد، أين هو من التفسير المادي؟ إننا أمام إثبات قاطع بأن النفس والذات حقيقة متجاوزة وعالية على الجسد وليست مجرد احتياجات الجسد الحسية معكوسة في مرآة داخلية. تلك الإرادة الهائلة التي تدوس على الجسد وتضحي به هي حقيقة متجاوزة عالية بطبيعتها، وأمر ومهيمنة على الجسد وليست للجسد تبعاً وذيلاً. وإذا كنت أنا الجسد، فكيف أتحكم في الجسد وأخضعه؟ وإذا كنت أنا الجوع، فكيف أتحكم في الجوع؟ إن مجرد الهيمنة الداخلية على جميع عناصر الجسد ومفردات الغرائز هي الشهادة الكاشفة عن ذلك العنصر المتعالي والمفارق الذي تتألف منه الذات الإنسانية. عن طريق النفس يتحكم في الجسد، عن طريق العقل أتحكم في النفس، وعن طريق البصيرة أضع للعقل حدوده. هذا التفاضل بين وجود ووجود يعلو عليه ويحكمه الإثبات الواقعي الذي يقودنا إلى الروح كحقيقة عالية متجاوزة للجسد وحاكمة عليه وليست ذيلاً وتابعة تموت بموته. والذي يقول إن الإنسان مجموعة وظائف فسيولوجية مادية لا غير، عليه أن يفسر لنا أين يذهب ذلك الإنسان في لحظة النوم. إن جميع الوظائف الفسيولوجية قائمة ومستمرة في أثناء النوم، وجميع الأفعال المنعكسة ولا إرادية تحدث بانتظام. فالقلب يدق، والنفس يتردد، والغدد تفرز، الأحشاء تتلوى، والأعضاء التناسلية تحتاج، والذراع ينقبض لشكة دبوس. ومع ذلك فنحن أمام رجل نائم أشبه بشجرة، مجرد الشجرة أو حياة بدائية لا تختلف عن الحياة الحشرية. فأين الإنسان؟ إن النوم ثم اليقظة هو النموذج المصغر للموت ثم البعث، يكشف لنا مرة أخرى عن ذلك العنصر المتعالي الذي يخلق بحضوره في تلك الجثة النائمة فجأة وبلا مقدمات. هتلر أو نيران، فإذا بذلك الممدد كالثور الهامد يصحو ليقتل ويغزو ويسحق ويمحق. وإن الفق الهائل أكبر من أن يفسر بتغيير مادي يتم في لحظات. والماديون يقولون إن النفس حقيقة موضوعية، وبالتالي هي مادة. ونحن نسأل: كيف تكون النفس موضوعاً؟ وموضوعاً بالنسبة لمن؟ موضوعاً بالنسبة للآخرين؟ وكيف والآخرون لا يرونها ولا يدركون وجودها إلا استنباطاً من ظواهر السلوك، وهي ظواهر أغلبها كاذب، فكل منا يمثل على الناس بل يمثل على نفسه، وسلوكه الظاهر قلما يدل عليه. أم هي موضوع بالنسبة لصاحبها؟ وكل منا لو اتخذ نفسه موضوعاً، فإنها تبرد وتستحيل تحت مشط التحليل إلى جثة وتستخفي عليه وتهرب من يده، لأنها لا يمكن أن تكون موضوعاً ولا أن توضع تحت مجهر مثل ورقة شجرة، لأن جوهرها بالدرجة الأولى في ذاتيتها وحقيقتها. إنها الوجه الآخر من الصورة، فهي الذات في مقابل الجسد الذي هو موضوع. وكل القطبين الذات والموضوع هما وجه الحقيقة. فإذا عرفنا المادة بأنها كل ما هو موضوعي، فلابد من الاعتراف بأن هناك في الوجود شيئاً آخر غير المادة، هو الوجه الآخر من الحقيقة الذي هو بالذات. وتقودنا عملية الإدراك إلى إثبات أكيد بأن هناك شيئين في كل لحظة: الشيء المدرك والنفس المدركة خارجه. وما كنا نستطيع إدراك مرور الزمن لولا أن الجزء المدرك فينا يقف على عتبة منفصلة وخارجة عن هذا المرور الزمني المستمر. ولو كان إدراكنا يقفز مع عقرب الثواني كل لحظة، لم استطعنا أن ندرك هذه الثواني أبداً ولا نصر ما إدراكنا كما تنصرم الثواني بدون أن يلاحظ شيئاً. وإنه لقانون معروف أن الحركة لا يمكن رصدها إلا من خارجها، ولا يمكن أن تدرك الحركة وأنت تتحرك معها في الفلك نفسه، وإنما لابد لك من عتبة خارجية تقف عليها لترصدها. ولهذا تأتي عليك لحظة وأنت في إسانسير متحرك لا تستطيع أن تعرف هل هو واقف أم متحرك، لأنك أصبحت قطعة واحدة معه في حركته، لا تستطيع إدراك هذه الحركة إلا إذا نظرت من باب الإسانسير إلى الرصيف الثابت في الخارج. وبالمثل لا يمكنك رصد الشمس وأنت فوقها، ولا يمكنك رصدها من القمر أو الأرض، كما أنه لا يمكنك رصد الأرض وأنت تسكن عليها، وإنما تستطيع رصدها من القمر. وهكذا دائماً، لا تستطيع أن تحيط بحالة إلا إذا خرجت خارجها ولاحظتها كموضوع، وأنت إذ تدرك مرور الزمن لابد أن تكون ذاتك المدركة خارج الزمن، وهي نتيجة مذهلة تثبت لنا الروح أو الذات المدركة كوجود مستقل متعال عن الزمن ومتجاوز له وخارجاً عنه. فها نحن أمام حقيقة إنسانية جزء منها غارق في الزمن ينصرم مع الزمن ويكبر معه ويشيخ معه ويهرم معه، وهو الجسد، وجزء منها خارج عن هذا الزمن يلاحظه بعتبة سكون ويدركه دون أن يتورط فيه. ولهذا فهو لا يكبر ولا يشيخ ولا يهرم ولا ينصرم. ويموت الجسد تراباً، سوف يظل هو على حاله حياً حياته الخاصة غير الزمنية. ولا نجد لهذا الجزء اسماً غير الاسم الذي أطلقته الأديان وهو الروح. وكل منا يستطيع أن يلمس هذا الوجود الروحي بداخله ويدرك أنه وجود مغاير في نوعيته للوجود الخارجي النابض المتغير الذي يتدفق حولنا في شلال من المتغيرات. كل منا يستطيع أن يحس بداخله حالة حضور وديمومة وامتثال وشخوص وكينونة حاضرة دائماً ومغايرة دائماً للوجود المادي المتغير المتقلب النابض مع الزمن خارجه. هذه الحالة الداخلية التي ندركها في لحظات الصحو الداخلي والتي اسميتها حالة حضور هي المفتاح الذي يقودنا إلى الوجود الروحي بداخلنا ويضع يدنا على هذا اللغز الذي اسمه الروح أو المطلق أو المجرد. ونحن حينما ندرك الجمال ونميزه من القبح، وندرك الحق ونميزه من الباطل، وندرك العدل ونميزه من الظلم، فنحن في كل مرة نقيس بمعيار بمسطرة منفصلة عن الحادث الذي نقيسه. فنحن إذاً نقيس من العتبة نفسها، عتبة الروح. فالوجود الروحي يمثله فينا أيضاً الضمير، ويدل عليه أيضاً الإحساس بالجمال، وتدل عليه الحاسّة الخفية التي تميز الحق من الباطل، الزائف من الصحيح، وتدل عليه الحرية الداخلية. فالروح هي منطقة السرير والحرية الطليقة والاختيار والتمييز. وحينما نعيش حياتنا لا نضع اعتباراً للموت ونتصرف في كل لحظة دون أن نحسب حساباً للموت، وننظر إلى الموت وكأنه اللامعقول، فنحن في الواقع نفكر ونتصرف بهذه الأنا العميقة التي هي الروح، والتي لا تعرف الموت بطبيعتها. فالموت بالنسبة للروح التي تعيش خارج منطقة الزمن هو بالنسبة لها لا أكثر من تغيير ثوب، لا أكثر من انتقال. أما الموت كفناء وكعدم فهو أمر لا تعرفه، فهو أبداً ودائماً كانت في حالة حضور وشخوص. إنها كانت دائماً هنا، إنها الحضرة المستمرة التي لم ولا يطرأ عليها طارئ الزوال. وكل ما سوف يحدث لها بالموت أنها سوف تخلع الثوب الجسدية الترابية، وكما يقول الصوفية تلبس الثوب البرزخي، ثم تخلع الثوب البرزخية لتلبس الثوب الملكوتي، ثم تخلع الثوب الملكوتية لتلبس الثوب الجبروتي، كادحة من درجة إلى درجة ارتفاعاً إلى خالقها. كل روح ترتفع بقدر صفائها وشفافيتها وقدرتها على التحليق، على حين تتهابط الأرواح الكثيفة إلى ظلمات صحيحة وتنقضي عليها الأبد وهي تحاول الخلاص. وأترك الصوفيين لمشاهداتهم حتى لا نضيع معهم في التيه. وليس هدفي من هذه الدراسة عبور حاجز الموت لمعرفة ما وراءه، فهذا طمع في غير مطمع ورغبة في مستحيل. ويكفيني أن أقف بالمستمع أو القارئ ليتأمل نفسه ويكتشف ذاته العميقة الحاكمة الأمر المتعالية على جسده الترابي، تلك التي اسميتها الروح والتي استدللت عليها بأبلغ دلالة بشعور الحضرة الذي يشعر به كل منا في داخل نفسه. تلك الحضرة المستمرة التي لا يطرأ عليها طارئ الزوال ولا تهب عليها رياح التغيير، وكأنها العين المفتوحة داخلنا على الدوام، ذلك الصحو الداخلي، ذلك النور غير المرئي في نفوسنا والذي نرى على ضوئه طريق الحق ونعرف القبح من الجمال، الخير من الشر، تلك العتبة التي نرصد من فوقها حركة الزمن وندرك مروره ونرى مرور الأشياء وندرك حركتها، تلك النقطة التي في داخل الدائرة، المركز الذي تدور حوله أحداثنا الدنيوية الزمنية وهو شاخص في مكانه لا يتحرك ولا ينصرم، له وجود الروح حقيقتنا المطلقة التي هي برامج. ذلك لغز: هل الروح أبدية أو أن لها زمناً آخر ذا تقويم مختلف؟ اليوم فيه بألف سنة؟ وما العلاقة بين الروح والجسد؟ وما العلاقة بين العقل والمخ؟ وما العلاقة بين الذاكرة والتحصيل واستظهار العلوم؟ إنه موضوع آخر له شرح يطول. الروح خطر لي إذا تمساء أن أقوم ببحث في سراديب ذاكرتي، فأرصد في ورقة كل ما أحفظه من أرقام: رقم الباسبور، رقم العربة، رقم الشقة، ورقم البطاقة العائلية، وتليفونات من أعرفهم من الأصدقاء والزملاء، وتليفونات المصالح والجرائد، وأرقام جدول الضرب التي أحفظها غيباً، وعمليات الجمع والطرح والقسمة الأولية التي أعرفها بالبداهة، وتواريخ ميلادي وميلاد أولادي، وثوابت الرياضة والطبيعة مثل النسبية التقريبية وسرعة الضوء وسرعة الصوت، ومجموع زوايا المثلث، ودرجة غليان الماء، وما تعلمته في كلية الطب عن نسبة سكر الدم وعدد الكريات الحمراء وعدد الكريات البيضاء وحجم الدم وسرعة النبض وسرعة التنفس وجرعات العقاقير. وفي لحظات تجمعت تحت يدي عدة صفحات من مئات الأرقام تدعت في ذهني ولمعة كالبرق، وكأني حاسب إلكتروني. وكان المشهد مذهلاً: كيف أحفظ هذا الكم الهائل من الأعداد؟ كم عدد يبلغ طوله ستة أو سبعة أرقام؟ وأين تختفي هذه الأرقام في تلافيف المخ؟ وكيف يتم استدعاؤها فتلمع في الوعي كالبرق الخاطف؟ وبأي أسلوب تصطف هذه الأرقام في أعداد مميزة، كل عدد له مذكرات تفسيرية ملحقة به تشرح دلالاته ومعناه؟ وكيف تتراكم المئات والمئات من هذه الأرقام في ذاكرتنا ولا تختلط ولا يطمس بعضها بعضاً؟ وغير الأرقام هناك الأسماء، الاصطلاحات، الكلمات، الأشكال، الوجوه تزدحم بها رأسي. وهناك معالم الطبيعة التي طفنا بها والأماكن التي زرناها. وهناك الروائح، وما كل رائحة صورة لامرأة عرفناها أو مشهد نذكره. ولواعج وأشواق وقصص وسيناريو من آلاف اللقطات. وهناك الطعام والنكهات، ويأتي الطعم في الفم فيسيل اللعاب شوقاً أو يتحرك الغثيان شمئزازاً. ومع كل طعم يجري شريط يحكي عن وليمة دسمة ذات يوم أو جرعة دواء مريرة ومرض طويل منضن وأوجاع أليمة. حتى لمسة النسيم الحريرية ورائحة أصناف الشاطئ تحفظها لنا الذاكرة، فتب علينا لفحة الهواء الرطيب ما ذكرها، وكأننا نعيشها من جديد. حتى الأصوات والهمسات والوشوشات والصخب والصراخ والضجيج والعويل والنشيج وفاصل من موسيقى ومقطع من أغنية، ولطمة على وجه وقرقعة عصا على الظهر وحشرجة الم. كل هذا تحفظه الذاكرة وتسجله في دقة جديدة وأمانة، ومعه بطاقة بالتاريخ والمناسبة وأسماء الأشخاص وظروف الواقعة ومحضر بالأقوال. معجزة اسمها الذاكرة. إن معنا رقيباً حقيقياً يكتب بالورقة والقلم كل دابة نمل في قلوبنا، وما نتخيل أحياناً أننا نسيناه نكتشف أننا لم ننس، وأنه موجود يظهر لنا فجأة في لحظة استرخاء أو حلم أو بعد كأس أو في عيادة الطبيب النفسي. وأحياناً يظهر في زلة لسان أو خطأ إملائي. لا شيء ينسى أبداً ولا شيء يضيع. والماضي مكتوب بالفعل لحظة بلحظة، ودقق قلب بدقة قلب. والسؤال الكبير بل اللغز المحير هو: أين توجد هذه الصور؟ أين هذا الأرشيف السري؟ وهو سؤال حاول أن يجيب عليه أكثر من عالم وأكثر من فيلسوف. الفلاسفة الماديون قالوا إن الذاكرة في المخ، وإنها ليست أكثر من تغيرات كيميائية كهربائية تحدث لمادة المخ نتيجة الفعل العصبي للحوادث، تماماً كما يحدث لشريط ريكوردر عند التسجيل. وأن هذه اللفائف المسجلة تحفظ بالمخ، وأنها تدور تلقائياً لحظة محاولة التذكر فتعيد ما كان في أمانة ودقة. الذاكرة مجرد نقش وحفر على مادة الخلايا، ومصيرها أن تبلى وتتآكل كما تبلى النقوش وتتآكل، وينتهي شأنها حينما ينتهي الإنسان بالموت وتتآكل خلاياه. رأي مريح وسهل، ولكنه أوقع أصحابه في مطب لم يستطيعوا الخروج منه. فإذا كانت الذاكرة هي مجرد طارئ مادي يطرأ على مادة الخلايا، فلينبغي أن تتلف الذاكرة لأي تلف مادي مناظر في مادة الخلايا المخية، وينبغي أن يكون هناك توازن بين الحادثين. كل نقص في ذاكرة معينة لابد أن يقابله تلف في الخلايا المختصة المقابلة، وهو أمر لا يشاهد في إصابات المخ وأمراضه. بل ما يشاهد هو العكس: يصاب مركز الكلمات فلا تصاب ذاكرة الكلمات بأي تلف، وإنما الذي يحدث هو عاهة في النطق، في الأداء الحركي للعضلات التي تنطق الكلمات. إن الموتور هو الذي يتلف بتلف الخلايا، أما الذاكرة، أما صورة الكلمات في الذهن فتظل سليمة. وهنا دليل على أن وظيفة المخ ليست الذاكرة ولا التذكر، وإنما المخ هو مجرد سنترال يعطي التوصيلة، هو مجرد أداة تعبر بها الكلمة عن نفسها في وسط مادي فتصبح صوتاً مسموعاً. فإذا أصيب الراديو بعطل، فلا يكون معنا هذا العطل أن تتعطل الموجة في الأثير، وإنما فقط يحدث شلل في جهاز النطق في الراديو، أما الموجة فتظل سليمة على حالها، يمكن أن يلتقطها راديو آخر سليم. وهذا حال الذاكرة، فهي صور وأفكار ورؤى مستقلة، مسكنها ومستقرها الروح وليس المخ ولا الجسد بحال. ومن مخه إلا وسيلة لنقل هذه الصور لتصبح كلمات منطوقة مسموعة في عالم مادي. فإذا أصيب المخ بتلف، يصاب النطق بالتلف ولا تصاب الذاكرة، لأن الذاكرة حكمها حكم الروح، ولا يجري عليها ما يجري على الجسد. التوازي مفقود بين الاثنين، مما يدل على أننا أمام مستويين: جسد وروح، لا مستوى واحد اسمه المادة. وفي حوادث النسيان المرحلي الذي ينسى فيه مرحلة زمنية بعينها، وهو الموضوع المحبب عند مؤلفي السينما المصريين، ينسى المصاب فترة زمنية بعينها، فتمحى تماماً من وعيه وتقشط من ذاكرته، وكان يتعتم تبعا للنظرة المادية أن نعثر على تلف مخي جزئي مقابل ومناظر للفترة المنسية. لكن الملاحظة أن أغلب تلك الحالات هي حالات صدمة نفسية عامة وليست تلفاً جزئياً محدداً. مرة أخرى نجد أن التوازي مفقود بين حجم الحادث وحجم التلف المادي. وفي حالة التلف المادي الشديد للمخ نتيجة الكسور أو الالتهابات أو النمو السرطاني، حينما يبدأ النسيان الكامل، يلاحظ دائماً أن هذا النسيان يتخذ نظاماً خاصاً، فتنسى في البداية أسماء الأعلام، وآخر ما ينسى هي الكلمات الدالة على الأفعال. وهذا التسلسل المنتظم في النسيان في مقابل إصابة غير منتظمة وفي مقابل تلف مشوش أصاب المخ كيفما اتفق، هو مرة أخرى عدم توازن له معنى. فهنا إصابة في الذاكرة لا علاقة لها من حيث المدى والكم والنظام بالإصابة المادية للمخ. وهكذا تتحطم النظرية المادية للذاكرة على حائط مسدود، ونجد أنفسنا أمام ظاهرة متعالية على الجسد وعلى خلايا المخ. سوف تموت وتتعفن الخلايا المخية، وتظل ذاكرة شاخصة حية بتفصيلاتها ودقائقها، تذكرنا في حياتنا الروحية الثانية بكل فعل فعلناه، ولم يكن الجسد إلا جهازاً تنفيذياً للفعل ولإفصاح عن النوايا في عالم الدنيا المادي. كان مجرد أداة للروح وماطية لها. لم يكن المخ إلا سنترالاً وكابلات توصيل، وكل دوره هو أن يعطي التوصيلة من عالم الروح إلى عالم المادة، أو كما يقول بريكسون: يعطي الخط كابلات الأعصاب تنقل مكنون الروح وتحوله إلى نبض إلكتروني لتنطق به عضلات اللسان على الطرف الآخر، كما يفعل الراديو بالموجه اللاسلكية. وهكذا نتبادل الكلام كأجساد في عالم مادي. فإذا ماتت أجسادنا عدنا أرواحاً لنتذكر ما فعلناه في دنيانا لحظة بلحظة، حيث كل حرف وكل فعل مسجل. بل إن هناك نظريات علمية تمضي لأكثر من هذا، فترى أن التحصيل هو في ذاته عملية تذكر لعلم قديم مكنوز ومسطور في الروح، وليس تعلماً من السبورة. فنحن لا نكتشف أن اثنين ضرب اثنين يساوي أربعة من عدم، وإنما نحن نولد بها. وكل ما نفعله أن نتذكرها. وكذلك بداهة الرياضة والهندسة والمنطق، كلها بداهة نولد بها مكنوزة فينا، وكل ما يحدث أننا نتذكرها. تذكرنا بها الخبرة الدنيوية كل لحظة. وبالمثل شخصيتنا، نولد بها مسطورة في روحنا، وكل ما يحدث أن الواقع الدنيوي يقدم المناسبات والملابسات والقالب المادي لتفصح هذه الشخصية عن خيرها، فيسجل عليها فعلها. والتسجيل هو الأمر الجديد الذي يتم في الدنيا، الانتقال من حالة النية إلى حالة التلبس. وهذا ما تعبر عنه الأديان بأن يحق القول على المذنب بعد الابتلاء والاختبار في الدنيا، فتحق عليه الضلالة وتلزمه رتبته. وهو أمر قد سبق إليه علم الله، علم الحصر لا علم الإلزام. فالله لا يلزم أحداً بخطيئة ولا يقهره على شر، وإنما كل واحد ينصرف على وفاق طبيعته الداخلية، فيكون فعله هو ذاته، وليس في ذلك أي معنى من معاني الجبر، لأن هذه الطبيعة الداخلية هي التي نسميها أحياناً الضمير، وأحياناً السريرة، وأحياناً الفؤاد، ويسميها الله السر: يعلم السر وأخفاه. ونقول عنها في تعبيراتنا الشعبية عند الموت: طلع السر الإلهي، أي صاعدة الروح إلى بارئها. هذا السر المطلسم هو ابتداء حر ومبادرة أعتقها الله من كل القيود، ليكون فعلها هو ذاتها، وليكون هواها دالاً عليها. ومن هنا لا يصح القول بالحتميات في المجال الإنساني، أمثال حتمية الصراع الطبقي والجبرية التاريخية، لأن الإنسان مجال حر وليس مسماراً أو ترساً في ماكينة. وكما لا يمكن التنبؤ بما يأتي به الغد في حياة فرد، فانه يستحيل القول بالحتم أو الجبر في مجال المجتمعات والتاريخ. وكل ما يمكن القول به هو الترجيح والاحتمال بناءً على مقدمات إحصائية، وهو ترجيح يخطئ ويصيب، ويحدث فيه التفاوت في طرفيه. فمعدل عمر الإنسان في إنجلترا مثلاً هو ستون سنة، وهذا المعدل معدل إحصائي مأخوذ من متوسطات أرقام، وهو غير ملزم بالنسبة للفرد، فقد يعيش فرد مثل بارنانتو في إنجلترا أكثر من تسعين سنة ويتجاوز المعدل، وقد يموت في سن العشرين في حادثة، وقد يموت وهو طفل بمرض معدن. ثم إن المعدل ذاته قابل للتذبذب من طرفيه صعوداً وهبوطاً من سنة لأخرى، فلا يصح القول بالحتمية والجبرية في هذا الموضوع، ولا يجوز إخضاع المجال الإنساني، سواء كان فرداً أو مجتمعاً وتاريخاً، لقالب النظر أو معادلة أو حسبة إحصائية أو فرض فلسفي. إنما تأتي فكرة الحتمية الخاطئة من التصور الخاطئ للإنسان على أنه جسد بلا نفس وبلا روح، وبالعقل، وباعتبار النفس والعقل مجرد مجموعة الوظائف العليا للجهاز العصبي. ومن الواقع المشاهد من خضوع الجسم للقوانين الفسيولوجية استنتج المفكر المادي أن الإنسان والإنسانية بأسرها مغلولة في القوانين المادية. وهكذا يجعل من الإنسان كتلة مادية أشبه بكتلة القمر محكومة في دورانها حول الأرض والشمس بالحتميات الفلكية، وينسى أن الإنسان يعيش في مستويين: مستوى الزمن الخارجي الموضوعي المادي، زمن الساعة، وفي هذا الزمن يرتبط بالمواعيد والضرورات الاجتماعية ويعيش في أسر القوانين والحتميات، ومستوى زمنيه الخاص الداخلي، زمن الشعور وزمن الحلم. وفي هذا المستوى يعيش حياة حرة بالفعل، فيفكر ويحلم ويبتكر ويخترع.

ويقف من كل المجتمع والتاريخ موقف الثوره، بل يستطيع أن ينقل هذه الثورة الداخلية إلى فعل خارجي فيقلب المجتمع ويغير التاريخ من أساسه، كما حدث في كل الثورات التقدمية. هذه الثنائية هي صفة يتفرد بها الإنسان، وهذه الحياة الداخلية الحرة يختص بها الإنسان دون الجماد. وهذه النفس التي يملكها تتصف بصفات مختلفة مغايرة لصفات الجمود. فهنا نحن أمام وحدة لم امتداد لها في المكان، هي الأنا، تتصف بالحضور والديمومية والشخوص والكينونية والمثول الدائم في الوعي. ثم هي تفرض نفسها على الواقع الخارجي وتغيرها، وتفرض نفسها على الجسد وتحكمه وتقوده، وتعلو على ضروراته، فتفرض عليه الصوم والحرمان اختياراً، بل قد تقوده إلى الموت فداءً وتضحية. مثل هذه النفس لا يمكن أن تكون مجرد ناتج ثانوي من نواتج الجسد وذيلاً تابعاً له ومادة تطورت عنه. مثل هذه النظريات المادية لا تفسر لنا شيئاً، وإنما لابد لنا أن نسلم أن هذه النفس عالية على الجسد، متعالية عليه، وأنها من جوهر مفارق لجوهر الجسد وحاكم عليه. فهي في واقع الأمر تستخدم الجسد كأداة لأغراضها ومطية لأهدافها، كما يستخدم العقل المخ، مجرد توصيلة أو سنترال. ولابد أن يتداعى إلى ذهننا الاحتمال البديهي من أن هذه النفس لا يمكن أن يجري عليها ما يجري على الجسد من موت وتآكل وتعفن، بحكم جوهرها الذي تشعر به متصفة بالحضور والديمومية والشخوص في الوعي طول الوقت. فلا هي تتآكل كما يتآكل الجسد، ولا هي تقع كما يقع الشعر، ولا هي تبلى كما تبلى الأسنان. وإنه لأمر بديهي تماماً أن نتصور بقاءها بعد الموت.

فإذا نحن تأملنا ما يصاحب أفعالنا من تردد قبل اختيار القرار، ثم شعور بالمسؤولية في أثناء العمل، ثم ندم أو راحة بعد تمامه، فنحن نستنتج أننا أمام حالة مراقبة فطرية وفكرة ملحة بالحساب، وأن هناك خطأ وصواب، وأننا نعلم بداهة وبالفطرة التي ولدنا بها أن العدل والنظام هو ناموس الوجود، وأن المسؤولية هي القاعدة. ويفترض لنا هذا الشعور الفطري القهري أن الظالم الذي أفلت من عقاب الأرض، القاتل الذي أفلت من محاسبة القانون البشري الأرضي، والانضباط من أصغر ذرة إلى أكبر فلك، لابد أن يعاقب ويحاسب، لأن العالم الذي نعيش فيه يفسح عن النظام والانضباط من أصغر ذرة إلى أكبر فلك. ولعبث غير موجود إلا في عقولنا وأحكامنا المنحرفة. وفكرة العدل والنظام وضرورة العدل تقودنا إلى ضرورة عالم آخر يتم فيه العدل والنظام والمحاسبة. كل هذا علم نولد به وحقيقة تقول بها الفطرة والبداء. ولا غرابة في أن يعترف مفكر غربي ألماني هو إيمانويل كانت بهذه الحقيقة في كتابه "نقد العقل العملي"، ولا غرب في أن يصل إلى هذه النتيجة السليمة دون أن يقرأ قرآناً. إنها الفطرة والبذاهة التي تقوم عليها جميع العلوم، والحاجة لأن يقرأ العقل السليم الكتاب المقدس ليكتشف أن له روحاً وأن له حياة بعد الموت وأن هناك حساباً. فالفطرة السليمة تضيء لصاحبها الطريق إلى هذه الحقائق. وهذا العلم الذي نولد به وهذه البداهة التي نولد بها تقوم شاهدة على جميع العلوم المكتسبة وملزمة لها. فجميع العلوم المكتسبة يجوز فيها الخطأ والصواب، أما العلم الذي نولد به فهو جزء من نظام الكون المحكم، وهو الحقيقة الأولى التي على ضوئها نرى جميع الحقائق الفرعية، وهي المعيار والمقياس. وإذا فسد المعيار فسد كل شيء وأصبح كل شيء عبثاً في عبث، وهو أمر غير صحيح. وإذا اتهمنا البداهة، فإن جميع العلوم والمعارف سوف ينسحب عليها الاتهام وسوف تنهدم، لأنها تقوم أصلاً على البديهيات الأولى.

فنحن هنا أمام أصل من أصول المعرفة ومرجع لا يجوز الشك فيه، لأن هذا المرجع شأنه شأن الحياة ذاتها. نحن أمام متن من حلم المعرفة ودمها. وكما نأتي إلى الحياة مزودين بعضلات لنتحرك بها وندافع بها عن أنفسنا، كذلك نولد مزودين بالبديهيات الأولى لنحتكم إليها في إدراك الحق من الباطل والصواب من الخطأ. وأعلى درجات المعرفة هي ما يأتيك من داخلك. فأنت تستطيع أن تدرك وضعك، هل أنت واقف، جالس، أو راقد، دون أن تنظر إلى نفسك. يأتيك هذا الإدراك وأنت مغمض العينين، يأتيك من داخلك. وتقوم هذه المعرفة حجة بالغة على أي مشاهدة. وحينما تقول: "أنا سعيد، أنا شقي، أنا أتألم"، فكلامك يقوم حجة بالغة ولا يجوز تكذيبه بحجة منطقية. بل إن تناول هذا الأمر بالمنطق وتمتع ولجاجة لا معنى لها. فلا أحد أعرف بحال نفسك من نفسك ذاتها. وبالمثل، شهادة الفطرة وحكم البداهة هي حجة على أعلى مستوى. وحينما تقول الفطرة والبداهة مؤيدة بالعلم والفكر والتأمل، حينما تقول بوجود الروح والنفس وبالحرية والمسؤولية والمحاسبة، وحينما توحي بالتصرف على أساس أن في الكون نظاماً، فنحن هنا أمام حجة على أعلى مستوى من اليقين، وهو يقين مثل يقين العيان وأكثر. فالفطرة عضو مثل العين نولد به، وهو يقين أعلى من يقين العلم، لأن الصدق العلمي هو صدق إحصائي ونظريات العلمية تستنتج من متوسطات أرقام. أما حكم البداهة فله صفة القطع والإطلاق. اثنان في اثنان تساوي أربعة، هي حقيقة مطلقة صادقة صدقاً مطلقاً لا يجوز عليه ما يجوز من نسخ وتطور وتغير في نظريات العلم، لأنها مقولة بديهية. واحد زائد واحد يساوي اثنان، مسألة لا تقبل الشك، لأنها حقيقة ألقتها إلينا الفطرة من داخلنا وأوحت بها البداهة. هي معرفة أولى جاءت إلينا مع شهادة الميلاد. لو أدرك الإنسان هذا لأراح واستراح، ولوفر على نفسه كثيراً من الجدل والشقشقة والصفصفة والمكابرة في مسألة الروح والجسد والعقل والمخ والحرية والجبر والمسؤولية والحساب، ولاكتفى بالاصغاء إلى ما تهمس به فطرته وما يفتي به قلبه وما تشير به بصيرته. وذرة من الإخلاص أفضل من قناطير من الكتب. لنصغِ إلى صوت نفوسنا وهمس بصائرنا في إخلاص شديد دون محاولة تشويه ذلك الصوت البكر بحبائل المنطق وشراك الحجج. وعلى من يشك في كلامي وعلى هواه الجدل والنقاش والمقارعة المنطقية أن يعودوا فيقرأوا مقالي من أوله.

العدل الأزلي الذي رأى قطة تتلصص على مائدة في خلسة من أصحابها، ثم تمد فمها لتلقف قطعة سمك، الذي رأى مثل تلك القطة ونظر إلى عينيها وهي تسرق، لم ينسَ أبداً تلك النظرة التي ملؤها الإحساس بالذنب. إن القطة وهي الحيوان الأعجم تشعر شعوراً مبهماً أنها ترتكب إثماً، فإذا لحقها العقاب ونالت الضربة على رأسها، فإنها تغض من بصرها وتطاطئ رأسها، وكأنها تدرك إدراكاً مبهماً أنها نالت ما تستحق. هو إحساس الفطرة الأولى الذي ركبه الخالق في بنيه المخلوق، إنه الحاسّة الأخلاقية البدائية. نجد أثرها حتى في الحيوان الأعجم، القطة، إذ تتبوأ ثم تنثني على ما فعل وتهيد عليه التراب حتى تخفيه عن الأنظار. ذلك الفعل الغريزي يدل على إحساس بالقبح وعلى المبادرة بستر هذا القبح. وذلك الفعل هو أيضاً فطرة أخلاقية لم تكتسب بالتعلم، وإنما بهذه الفطرة ولد كل القطط. وبالمثل، غضبة الجمل بعد تكرار الإهانة من صاحبه وبعد طول الصبر والتحمل، وكبرياء الأسد وترفعه على أن يهاجم فريسته غدراً من الخلف، وإنما دائماً من الأمام ومواجهة، ولا يفترس إلا ليأكل، ولا يفكر في أكل أو افتراس إلا إذا جاع. كل هذه أخلاق مفطورة في الحشوة الحية في الحيوان، ثم الوفاء الزوجي عند الحمام، والولاء للجماعة في الحيوانات التي تتحرك في قطعان. نحن أمام الأسس الأولى للضمير، نكتشفها تحت الجلد وفي الدم، ولم يعلمها معلم، وإنما هي في الخلقة.

ونحن إذا نتردد قبل الفعل نتيجة إحساس فطري بالمسؤولية، ثم نشعر بالعبء في أثناء الفعل نتيجة تحري الصواب، ونشعر بالندم بعد الفعل نتيجة الخطأ. هذه المشاعر الفطرية التي يشترك فيها المثقف والبدائي والطفل هي دليل على شعور باطن بالقوة والنظام، وأن هناك محاسبة وأن هناك عدالة، وأن كل واحد فينا مطالب بالعدالة كما أن له الحق في أن يطلبها. وأن هذا شعور مفطور فينا منذ الميلاد، جاءنا من الخالق الذي خلقنا ومن طبيعتنا ذاتها. فإذا نظرنا إلى العالم المادي من الذرات المتناهية في الصغر إلى المجرات المتناهية في العظم، وجدنا كل شيء يجري بقوانين وبحساب وانضباط. حتى الإلكترون لا ينتقل من مدار إلى مدار في فلك النواة إلا إذا أعطى أو أخذ حزماً من الطاقة تساوي مقادير انتقاله، وكأنه راكب في قطار لا يستطيع أن يستقل القطار إلا إذا دفع ثمن التذكرة. ميلاد النجوم وموتها له قوانين وأسباب، وحركة الكواكب في دولاب الجاذبية لها معادلة، وتحول المادة إلى طاقة وتحول جسم الشمس إلى نور له معادلة، وانتقال النور له سرعة، وكل موجة لها طول ولها ذبذبة ولها سرعة، كما أن كل معدن له طيف وله خطوط امتصاص مميزة يعرف بها في جهاز المطياف. وكل معدن يتمدد بمقدار ويتقلص بمقدار بالحرارة والبرودة، وكل معدن له كتلة وكثافة ووزن ذري ووزن جزيئي وثوابت وخواص. وأينشتاين أثبت لنا أن هناك علاقة بين كتلة الجسم وسرعته وبين الزمن والنظام الحركة داخل مجموعة متحركة، وبين الزمان والمكان. والذي يفرق المواد إلى جوامد وسوائل وغازات هو معدل السرعة بين جزيئاتها. ولأن الحرارة تعجل من هذه السرعة، فإنها تستطيع أن تسهر الجوامد وتحولها إلى سوائل، ثم تبخر السوائل وتحولها إلى غازات. كما أن الكهرباء تتولد بقوانين، كما يتحرك التيار الكهربائي ويفعل ويؤثر على أساس من فرق الجهد والشدة. كما تتوقف جاذبية كل نجم على مقدار جرمه وكتلته. والزلازل التي تبدو أنواعاً من الفوضى لها هي الأخرى نظام وأحزمة وخطوط تحدث فيها، ويمكن رسم وتتبع الأحزمة الزلزالية بطول الكرة الأرضية وعرضها. والكون كله جدول من القوانين المنضبطة الصريحة التي لا غش فيها ولا خداع.

سوف يرتفع صوت ليقول: "وما رأيك فيما نحن فيه من الغش والخداع والحروب والمظالم والفوضى وقتل بعضنا البعض بغياً وعدواناً؟ أين النظام هنا؟" وسوف أقول له: "هذا شيء آخر، فإنما يحدث بيننا نحن، دولة بني آدم، يحدث لأن الله استخلفنا على الأرض وأقامنا ملوكاً نحكم، وأعطانا الحرية وعرض علينا الأمانة فقبلناها. وكان معنا أعطانا الحرية أن تصبح لنا إمكانية الخطأ والصواب. وكل ما نرى حولنا في دنيانا البشرية هو نتيجة هذه الحرية التي نستعملها. إن الفوضى هي فعلنا نحن، وهي النتيجة المترتبة على حريتنا. أما العالم فهو بالغ الذروة في الانضباط والنظام. ولو شاء الله لأخضعنا نحن أيضاً للنظام قهراً، كما أخضع الجبال والبحار والنجوم والفضاء. ولكنه شاء أن ينفي عنا القهر لتكتمل بذلك عدالته، وليكون لكل منا فعله الخاص الحر الذي هو من جنس دخيلته. أراد بذلك عدلاً ليكون بعثنا بعد ذلك على مقامات ودرجات. هو إحقاق الحق ووضع كل شيء في نصابه. والحياة مستمرة، وليس ما نحياه من الحياة في دنيانا هو كل الحياة. ومعنى هذا أن هذه الفترة الاعتراضية من المظالم والفوضى هي فترة حكمتها وأسبابها، وأنها عين العدالة من حيث هي امتحان لما يلي من حياة مستمرة أبداً. إن دنيانا هي فترة موضوعة بين قوسين بالنسبة لما بعدها وما قبلها، وهي ليست كل الحقيقة ولا كل القصة، وإنما هي فصل صغير من رواية سوف تتعدد فصولاً." وقد أدرك الإنسان حقيقة البعث بالفطرة، أدركها الإنسان البدائي وقال بها الأنبياء أخباراً عن الغيب، وقال بها العقل والعلم الذي أدرك أن الإنسان جسد وروح، كما ذكرنا في فصول سابقة. وأن الإنسان يستشعر بروحه من إحساسه الداخلي العميق المستمر بالحضور، برغم شلال التغيرات الزمنية من حوله، وهو إحساس ينبئ بأنه يملك وجوداً داخلياً متعالياً على التغيرات، متجاوزاً للزمن والفناء والموت. وفلاسفة مثل كانت لهم وزنهم في الفكر قالوا بحقيقة الروح والبعث. وفي كتاب "جمهورية" لأفلاطون فصل رائع عن خلود الروح. هي حقيقة كانت تفرض نفسها إذاً على أكبر العقول وعلى أصغر العقول، وكانت تقوم كبداهة يصعب إنكارها. ولكن أهم برهان على البعث في نظري، ذلك الإحساس الباطني العميق الفطري الذي نولد به جميعاً ونتصرف على أساسه، أن هناك نظاماً محكماً وقانوناً وعدلاً. ونحن نطالب أنفسنا ونطالب غيرنا فطرياً وغريزياً بهذا العدل، وتحترق صدورنا إذا لم يتحقق هذا العدل، ونحارب لنرسّي دعائم ذلك العدل، ونموت في سبيل العدل. وفي النهاية لا نحقق أبداً هذا العدل. وهذا يعني أنه سوف يتحقق بصورة ما لا شك فيها، لأنه حقيقة مطلقة فرضت نفسها على عقولنا وضمائرنا طول الوقت. وإذا كنا لا نرى ذلك العدل يتحقق في دنيانا، فلأننا لا نرى كل الصورة، ولأن دنيانا الظاهرة ليست هي كل الحقيقة. وإلا فلماذا تحترق صدورنا لرؤية الظلم؟ ولماذا نطالب غيرنا دائماً بأن يكون عادلاً؟ لماذا نحرص كل هذا الحرص ونشتعل غضباً على ما لا وجود له؟ يقول لنا المفكر الهندي واحد الدين خان: "إن كان الظما إلى الماء يدل على وجود الماء، فكذلك الظما إلى العدل لابد أنه يدل على وجود العدل. ولأنه لا عدل في الدنيا، فهو دليل على وجود الآخرة مستقر العدل الحقيقي." إن شعورنا الداخلي الفطري والدليل القطعي على أن العدل حق، وإن كنا لا نراه اليوم، فإننا سوف نراه غداً. هذا توكيد يأتينا دائماً من داخلنا، وهو الصدق، لأنه وحي البداهة والفطرة جزء من الطبيعة المحكمة الخالية من الغش، وهي قانون من ضمن القوانين العديدة التي ينضبط بها الوجود.

سوف يرتفع صوت ليقول: "لندع عالم الآدميين ونسأل: لماذا خلق الله الخنزير خنزيراً، والكلب كلباً، والحشرة حشرة؟ ما ذنب هذه الكائنات لتخلق على تلك الصورة المنحطة؟ وأين العدل هنا؟ وإن كان الله سوف يبعث كل ذي روح، فلماذا لا يبعث القرد والكلب والخنزير؟" والسؤال وجيه، ولكن يلقيه عقل لا يعرف إلا نصف القضية أو سطراً واحداً من ملف التحقيق، ومع ذلك يتعجل معرفة الحكم وحيثياته. والواقع أن كل الكائنات الحيوانية نفوس، والله قد اختار لكل نفس القالب المادي الذي تستحقه. والله قد خلق الخنزير خنزيراً لأنه خنزير، اختار للنفس الخنزيرية قالباً مادياً خنزيرياً. ونحن لا نعلم شيئاً عن تلك النفس الخنزيرية قبل أن يضعها الله في قالبها المادي الخنزيري، ولا نعلم لماذا وكيف كان الميلاد على تلك الصورة. وما قبل الميلاد محجوب، كما أن ما بعد الموت محجوب. ولكن أهل المشاهدة يقولون، كما يقول القرآن، أننا كنا قبل الميلاد في عالم يسمونه عالم الذر، ونكون بعد الموت في عالم آخر. والحياة أبدية ولا موت، وإنما انتقال وارتقاء في معراج لا ينتهي صعوداً وتطوراً وتسامياً وكدحاً إلى الله. هذا الاستمرار يقول به العقل أيضاً والعدل، وهو الحقيقة الأزلية التي وقرها الله في الفطرة وفي الحشوة الآدمية، وحتى في الحشوة الحيوانية، كما قدمت في بداية مقالي. هذا العدل حقيقة مطلقة سوف تقول لنا أن جميع القوالب المادية والحيوانية هي استحقاقات مؤكدة، لا ندري شيئاً عن تفاصيلها ولا كيف كانت، ولكننا نستطيع أن نقول بداهة أنها استحققت، وأن الله خلق الخنزير خنزيراً لأن نفسه كانت نفساً خنزيرية، فكان هذا ثوبها وقالبها الملائم. أما بعث الحيوانات، فالقرآن يقول: "وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون". وهي أمم من الأنفس يقول لنا القرآن أنها تحشر كما نحشر. أما ما يجري عليها بعد ذلك وأين تكون وما مصيرها، فهو غيب وتطلع إلى محجوبات وفضول لن نجد له جواباً شافياً. العلم بكل شيء في داخل اللحظة المحدودة وفي عمرنا الدنيوي هو طمع في مستحيل. ولكن إذا كان نصيبنا من العلم، وإذا كان ما غنمناه بالتأمل هو أن العدل حقيقة أزلية وأن الله وقرها وأودعها في الفطرة، فقد علمنا الكثير وأدركنا كفايتنا. وبالصورة التي أدركنا بها الله في مقالنا الأول على أنه العقل الكلي المحيط، وأنه القادر المبدع الملهم المعتني بمخلوقاته، بهذه الصورة سوف نفهم كيف أودع الله هذه الفطرة الهادية المرشدة في مخلوقاته. فهذا مقتضى عنايته وعدله أن يخلق مخلوقاته ويخلق لها النور الذي تهتدي به. وسوف نصدق أيضاً أن الله أرسل الأنبياء وأوحى بالكتب، فإن الله لا يكون رباً ولا إلهاً ملهماً مدبراً بغير ذلك. وسوف يكون دليلنا على صدق الكتب السماوية هو ما تأتين به من علم وغيب وحكمة وتشريع وحق مما لا يتأتى لجهد فردي أن يهتدي إليه بالمحاولة الشخصية. إن الله الخالق العادل الملهم الذي خلق مخلوقاته وألهمها الطريق هو مبدئ أولي يصل إليه العقل دون إجهاد وتوحي به الفطرة بداهة. وإنما الافتعال كل الافتعال هو القول بغير ذلك. والإنكار يحتاج إلى الجهد كل الجهد وإلى الالتفات والدوران والدجاجه والجدل العقيم، ثم نهايته إلى التهافت، لأنه لا يقوم على أساس ولا يدخل في باب المكابرة والعناد أكثر مما يدخل في باب التأمل المحايد النزيه والفطرة السوية. وهذا هو ما قالته لي رحلة فكري الطويلة من بدايتها المزهوة في كتاب الله والإنسان إلى وقفتها الخاشعة على أبواب القرآن والتوراة والإنجيل. وليس متديناً في نظري من تعصب وتحسب وتصور أن نبيه هو النبي الوحيد وأن الله لم يأت بغيره، فإن هذا التصور لله هو تصور طفولي متخلف يظن أن الله أشبه بشيخ قبيلة. ومثل هذا الإحساس هو عنصرية وليس تديناً. وإنما التصور الحق لله أنه الكريم الذي يعطي الكل ويرسل الرسل للكل، وأن "من أمة إلا خلا فيها نذير" وأن "وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً". ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك. وما معنى هذه الآية النبوية؟ يمكن أن يكون رسولاً في عصره وإن لم يرد ذكره في القرآن. وإخناتون يمكن أن يكون رسولاً في زمانه، ويمكن أن يكون ما وصلنا من تعاليمه قد خضع للتحريف. والله يريد بهذا أن يوحي بالإيمان المنفتح الذي يحتضن كل الرسالات وكل الأنبياء وكل الكتب بلا تعصب وبلا تحيز. ولهذا يأمرنا بالإسلام ديناً، لأنه الدين الوحيد الذي يعترف بكل الرسل وبكل الأنبياء وبكل الكتب ويختمها حكمة وتشريعاً ويردها إلى نبعها وأصلها الإله الواحد الرحيم الملهم الذي أرسل الهداة جميعاً من آدم إلى الخاتم. وأصدق مثل للوعي الديني المنفتح هو وعي رجل مثل غاندي، هندوسي، ومع ذلك يقرأ في صلاته فقرات من القرآن والتوراة والإنجيل وكتاب "الداما بادا" لبوذا في خشوع ومحبة، مؤمناً بكل الكتب وكل الرسل وبالخالق الواحد الذي أرسلها. وهو رجل حياته مثل كلامه أنفقها في الحب والسلام. والدين واحد من الناحية العقائدية وإن اختلفت الشرائع في الأديان المتعددة، كما أن الرب واحد. والفضلاء من جميع الأديان هم على دين واحد، لأن المتدين الفاضل لا يتصور الله خالقاً له وحده وهادياً له وحده أو لفئة وحدها، وإنما هو نور السماوات المتاح لكل من يجهد باحثاً عنه، الرحمن الرحيم المرسل للهداة المنزل للوحي في جميع الأعصر والدهور. وهذا مقتضى عدله الأزلي. وهذا هو المعنى الجدير بالمقام الإلهي. وبدون هذا الإيمان المنفتح لا يكون المتدين متديناً. أما الأديان التي تنقسم شيعاً يحارب بعضها بعضاً باسم الدين، فإنها ترفع راية الدين كذباً، ومن راية المرفوعة إلا راية العنصر والعرق والجنس، وهي ما زالت في جاهلية الأوس والخزرج وحماسيات عنتره، تحارب للغرور وإن ظنت أنها تحارب لله، وهي هالكة. الغالب فيها والمغلوب مشتركان، كل منها عابد لتمثاله ولنفسه ولتصوره الشخصي وليس عابداً لله. وإنما تبدأ عبادة الله بمعرفة الله ومقامه الأسماء، وتبدأ معرفة الله بمعرفة النفس ومكانها الأدنى. وهذا هو الطريق والصراط والمعراج الذي يبدأ منه عروج السالكين في هجرتهم الكبرى إلى الحق.

لماذا العذاب؟ المثقفون لهما اعتراض تقليدي على مسألة البعث والعقاب، فهم يقولون: "كيف يعذب الله والله محبة؟" وينسى الواحد منهم أنه قد يحب ابنه كل الحب، ومع ذلك يعاقبه بالضرب والحرمان من المصروف والتأديب والتعنيف. وكلما ازداد حبه لابنه كلما ازداد اهتمامه بتأديبه. ولو أنه تهاون في تربيته لتهمه الناس في حبه لابنه، قالوا عنه أنه أب مهمل لا يرعى أبناءه الرعاية الكافية. فما بال الرب وهو المربي الأعظم؟ وكلمة الرب مشتقة من التربية. والواقع أن عبارة "الله محبة" عبارة فضفاضة يسيء الكثيرون فهمها ويحملونها معنى مطلقاً ويتصورون أن الله محبة على الإطلاق، وهذا غير صحيح. فهل الله يحب الظلم مثلاً؟ مستحيل، مستحيل أن يحب الله الظلم والظالمين، وأن يستوي في نظره ظالم ومظلوم. وهذا التصور للقوة الإلهية هو فوضى فكرية، ويلزم فعلاً أن يكون لله العلو المطلق على كل الظالمين، وأن يكون جباراً مطلقاً يملك الجبروت على كل الجبارين، وأن يكون متكبراً على المتكبرين، مذلاً للمذلين، قوياً على جميع الأقوياء، وأن يكون الحكم العدل الذي يضع كل إنسان في رتبته ومقامه. وبمقتضى ما نرى حولنا من انضباط القوانين في المادة والفضاء والسماوات، يكون استنتاجنا للعدل الإلهي استنتاجاً سليماً يعطي الصفة لموصوفها. وكل البيانات تحت أيدينا تقوم لتؤكد صفة العدل الإلهي والنظام والحكمة والتدبير. والذين ينكرون النظام والعدل هم الذين يحتاجون إلى إقامة البرهان وتقديم الدليل على إنكارهم، وليس الذين يؤمنون بالنظام. أما الذين ينكرون العذاب على الإطلاق ويمكرون أن الإنسان مربوب تعلو عليه قوة أعلى منه وقوانين أعلى منه، فهؤلاء ندعوهم إلى نظرة في أحوال عالمهم الأرضي، نظرة في الدنيا دون حاجة إلى افتراض آخرة. ولا أحد لم يجرب ألم الضرس الذي يخرق الدماغ ويشق الرأس كالمنشار، والمعصى الكلوية، والصداع الشقي، وألم الغضروف، وسلى العظام، وهي ألوان من الجحيم يعرفها من ألقى به سوء حظه إلى تجربتها. وزيارة لعنبر المحروقين في القصر العيني سوف تقنع المشاهد بأن هناك فرقاً كبيراً بين رجل محروق مشوه يصرخ في الضمادات، وبين حال رجل يرشف فنجان شاي في استرخاء ولذة على شاطئ النيل، وإلى جواره حسناء تلاطفه. إن العذاب حقيقة ملموسة، والإنسان مربوب بقوة أعلى منه وهو عديم الحيلة في قبضة تلك القوة. ويستوي الأمر أن يسمي المرء هذه القوة الله، وأن يسميها الملحد الطبيعة أو القوانين الطبيعية أو قانون القوانين. فما هذا التهرب إلا صفصفة لفظية. المهم أنه لم يجد بداً من الاعتراف بأن هناك قوة تعلو على الإنسان وعلى الحوادث، وأن هذه القوة تعذب وتنكل. وأصحاب المشاعر الرقيقة الذين يتأففون من تصور الله جباراً معذباً، علينا أن نذكرهم بما كان يفعله الخليفة التركي حين كان يصدر حكم الإعدام بالخازوق على أعدائه، وما كان يفعله الجلاد المنوط به تنفيذ الحكم حينما كان يلقي بالضحية على بطنه، ثم يدخل في الشرج خازوقاً ذو رأس حديدية مدببة يظل فوقه ببطء حتى تتهتك جميع الأحشاء ويخرج الخازوق من الرقبة، وكيف أنه كان من واجب الجلاد أن يحتفظ بضحية حياً حتى يخرج الخازوق من رقبته ليشعر بجميع الآلام الضرورية. وأفظع من ذلك أن تفقى عيون الأسرى بالأسياخ المحمية في النار. مثل هؤلاء الجبارين، هل المفروض أن يقدم لهم الله حفلة شاي لأن الله محبة؟ بل إن جهنم هي منتهى المحبة ما دامت لا توجد وسيلة غيرها لتعريف هؤلاء بأن الله عادل، وهي رحمة من حيث كونها تعريفاً وتعليماً لمن رفض أن يتعلم من جميع الكتب والرسل. وللذين كذبوا حتى أوليات العقل وبديهات الإنسانية، أيكون عدلاً أن يقتل هتلر 20 مليوناً في حرب عالمية يسلخ فيها عماله الأسرى ويعدمون الآلاف منهم في غرف الغاز ويحرقونهم في المحارق، ثم عند الهزيمة ينتحر هتلر هارباً وفاراً من مواجهة نتيجة أعماله؟ إن العبث وحده، وأن يكون العالم عبثاً في عبث، هو الذي يمكن أن ينجي هذا القاتل الشامل من ذنبه. لا شيء حولنا في هذا العالم المنضبط الجميل يدل على العبث، وكل شيء من أكبر النجوم إلى أدق الذرات ينطق بالنظام والضبط والإحكام. ولا يكون الله محبة، ولا يكون عادلاً إلا إذا وضع هذا الرجل في هاوية أعماله. إن العقل الفطن المتأمل لن يحتاج إلى فلسفة ليدرك حقيقة العذاب، فإنه سوف يكتشف نظر هذا العذاب في نفسه وفي داخله، وفي عيون المذنبين ونظرات القتلة، وفي دموع المظلومين وآلام المكلومين، وفي ذل الأسرى وجبروت المنتصرين، وفي حشرجة المحتضرين. وهو سوف يدرك العذاب والحساب حينما يحتويه الندم. وندم هو صوت الفطرة لحظة الخطأ، وهو القيامة الصغرى والجحيم الأصغر، وهو نموذج من الدينونة، وهو إشارة الخطر التي تضيء في داخل النفس لتدل على أن هناك ميزاناً للأعمال وأن هناك حقاً وباطل. ومن كان على حق فهو على صراط وقلبه مطمئن، ومن كان على باطل فهو في هاوية الندم وقلبه كليم. وعذاب الدنيا دائماً نوع من التقويم، وكذلك على مستوى الفرد وعلى مستوى الأمم. فهزيمة 67 في سيناء كانت درساً، كما أن رسوب الطالب يكون درساً، كما أن آلام المرض واعتلال الصحة هي لمن عاش حياة الإسراف والترف والرخاوة والمتعة درس. كما أن الألم والمرض واعتلال الصحة هي لمن عاش حياة الإسراف والترف والرخاوة والمتعة درس. والعذاب يجلو صدا النفس ويسقل معدنها، ولا نعرف نبياً أو مصلحاً أو فناناً أو عبقرياً إلا وقد ذاق أشد العذاب مرضاً أو فقراً أو اضطهاداً. والعذاب من حيث هذه الزاوية محبة، وهو الضريبة التي يلزم دفعها للانتقال إلى درجة أعلى. وإذا خفيت عنا الحكمة في العذاب أحياناً، فلأننا لا ندرك كل شيء ولا نعرف كل شيء ولا نرى من القصة إلا تلك المرحلة المحدودة بين قوسين اسمها الدنيا، أمام قبل ذلك وما بعد ذلك، فهو بالنسبة لنا غيب محجوب. ولذا يجب أن نصمت في احترام ولا نطلق الأحكام. أما كيفية العذاب بعد البعث فلا يمكن القطع فيها تفصيلاً، لأن الآخرة كلها غيب، ويمكن أن يكون ما ورد في الكتب المقدسة بهذا الشأن رموزاً وإشارات، كما نقول للصبي الذي لم يدرك البلوغ حينما يسألنا عن اللذة الجنسية: "إنها مثل السكر أو العسل"، لأننا لا نجد في قاموس خبراته شيئاً غير ذلك، ولأن تلك اللذة بالنسبة له غيب لا يمكن وصفه بكلمات من محصور لغوي، فهي خبرة لم يجربها إطلاقاً. وبالمثل، الجنة والجحيم هي خبرات بالنسبة لنا غيب ولا يمكن وصفها بكلمات من قاموسنا الدنيوي. وكل ما يمكن هو إيراد أوصاف على سبيل التقريب مثل النار أو الحدائق الغناء التي تجري من تحتها الأنهار. أما ما سوف يحدث فهو شيء يفوق بكثير كل هذه الأوصاف التقريبية مما لا تره عين ولم يخطر على قلب بشر. ويمكن أن يقول دون خطأ أن جهنم هي المقام الأسفل بكل ما يستتبعه ذلك المقام من عذاب حسي ومعنوي، وأن الجنة هي المقام الأعلى بكل ما يستتبعه ذلك المقام من نعيم حسي ومعنوي. والصوفية يقولون أن جهنم هي مقام البعد، البعد عن الله والحجب عن الله، والجنة هي مقام القرب بكل ما يتبع ذلك القربى من سعادة لا يمكن وصفها. "ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً". والعمى هنا هو عمى البصيرة. إنها إذاً أشبه بما نرى من درجات ومقامات وتفاوت بين أعمى وبصير، ومهتد وضال، ولكن في الآخرة سوف يكون التفاوت عظيماً. "انظر كيف فضّلنا بعضهم على بعض ولا الآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً". لدرجة أن من سيكون في المقام الأسفل سيكون حاله حال من في النار وأسود. إنه قانون التفاضل الذي يحكم الوجود كله، دنيا وآخرة، ملكاً وملكوتاً، غيباً وشهوداً. لكل واحد رتبة واستحقاق ومقام ودرجة، ولا يستوي اثنان، ولا يكون الانتقال من درجة إلى درجة إلا بمقابل جهد وعمل واختبار وابتلاء. ومن كان في الدنيا في أحط الدرجات من عام البصيرة، فسيكون حاله في الآخرة في أحط الدرجات أيضاً. وهذا عين العدل، أن يوضع كل إنسان في مكانه ودرجته واستحقاقه. وهذا ما يحدث في الدنيا ظلماً، وهو ما سوف يحدث في الآخرة عدلاً. والعذاب بهذا المعنى عدل، والثواب عدل، وكلاهما من مقتضيات الضرورة. أن يكون الحديد الصلب غاية في الصلابة فيصنع منه الموتور، ويكون الكوتشوكو رخوا فتصنع منه العجلات، ويكون القش رخيصاً فتصنع منه رأس المكنسة، وأن يكون القطن الفاخر لصناعة الوسائد والقطن الرديء لتسليك البالوعات. هذه بديهيات وأوليات تقول بها الفطرة والمنطق السوي، ولا تحتاج إلى تدبيج مقالات في الفلسفة ولا إلى رصة حيثيات ومسببات. ولهذا كانت الأديان كلها مقولة فطرية لا تحتمل الجدل ولا تحتمل التكذيب، ولهذا كانت حقيقة مطلقة تقبلها العقول السوية التي لم تفسدها الفلسفة والصفصفة والتي احتفظت ببكارتها ونقاواتها وبرأت من داء العناد والمكابرة. ولهذا يقول الصوفي: "إن الله لا يحتاج إلى دليل، بل إن الله هو الدليل الذي يستدل به على كل شيء، هو الثابت الذي نعرف به المتغيرات، وهو الجوهر الذي ندرك به اختلاف الظواهر، وهو البرهان الذي ندرك به حكمة العالم الزائل." أما العقل الذي يطلب برهاناً على وجود الله، فهو عقل فقد التعقل. فالنور يكشف لنا الأشياء ويدلنا عليها، ولا يمكن أن تكون الأشياء هي دليلنا على النور، ولا نكون قد قلبنا الأوضاع، كمن يسير في ضوء النهار ثم يقول: "أين دليلك على أن الدنيا نهار؟ أثبت لي بالبرهان". ومن فقد سلامة الفطرة وبكارة القلب لم يبق له إلا الجدل وتلفيف المنطق وعلوم الكلام، فقد فقد كل شيء وسوف يطول به المطاف ولن يصل أبداً.

ومثل الذي يحتج على العذاب الدنيوي ويتبرم ويتسخط ويلعن الحياة ويقول: "إنها حياة لا تحتمل، وإنه يرفضها، وإنه أحداً لم يأخذ رأيه قبل أن يولد، وإنه خلق قهراً وحكم عليه بالعذاب جبراً، وأن هذا ظلم فادح." مثل هذا الرافض الساخط مثل الفنان الذي يؤدي دوراً في مسرحية ويقتضي الدور أن يتلقى الضربة والركل كل يوم أمام المتفرجين. لو أن هذا الممثل فقد الذاكرة ولم يرَ من شريط حياته إلا هذا الدور الذي يؤديه بين قوسين على خشبة المسرح كل يوم، فانه سوف يحتج رافضاً أن يتلقى العذاب ويقول: "إن أحداً لم يأخذ رأيه، وإنه خلق قهراً وحكم عليه بالعذاب جبراً، وقضي عليه بالإهانة أمام الناس بدون مبرر معقول وبدون اختيار منه منذ البداية." وسوف ينسى هذا الممثل أنه كان هناك اتفاقاً قبل بدء الرواية، وكان هناك تكليف من المخرج، ثم قبول للتكليف من جانب الممثل، ثم عهد وميثاق على تنفيذ المطلوب. كل هذا تم في حرية قبل أن يبدأ العرض، وارتضى الممثل دوره اختياراً، بل إنه أحب دوره وسعى إليه. ولكن الممثل قد نسي تماماً هذه الحقبة الزمنية قبل الوقوف على خشبة المسرح. ومن هنا تحولت حياته بما فيها من تكاليف وآلام إلى علامة استفهام ولغز غير مفهوم. وهذا شأن الإنسان الذي تصور أن كل حياته هي وجوده بالجسد في هذه اللحظات الدنيوية، وأنه هالك ومصيره التراب، وأنه ليس له وجود غير هذا الوجود ثلاثي الأبعاد على خشبة الحياة الدنيا. نسي هذا الإنسان أنه كان روحاً في الملكوت، وأنه جاء إلى الدنيا بتكليف، وأنه قبل هذا التكليف وارتضاه، وأنه كانت بينه وبين خالقه المخرج الأعظم لدراما الوجود عهود ومواثيق، وأنه بعد دراما الوجود الدنيوي يكون البعث والحساب، كما أنه بعد المسرحية يكون النقد من النقاد، والنجاح والفشل من الجمهور، والسقوط في عين النضارة أو الارتفاع في نظرهم. إنه النسيان والغفلة، ونظرة الضيقة المحدودة التي تتصور أن الدنيا كل شيء هي التي تؤدي إلى ضلال الفكر، وهي التي تؤدي إلى الحيرة أمام العذاب والشر والألم. ومن هنا جاءت تسمية القرآن بأنه ذكر وتفكير وتذكرة، "لتذكر أولوا الألباب". والنبي هو مذكر: "فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر". الدنيا ليست كل القصة، إنها فصل في رواية كان لها بدء قبل الميلاد وسيكون لها استمرار بعد الموت. وفي داخل هذه الرواية الشاملة يصبح للعذاب معنى، يصبح عذاب الدنيا رحمة من الرحيم الذي ينبهنا به حتى لا نغفل، أنه محاولة إيقاظ لتوتر الحواس وتساؤل العقل، هو تفكير دائم بأن الدنيا لن تكون ولا يمكن أن تكون جنة، وأنها مجرد مرحلة، وأن الإخلال لذاتها يؤدي بصاحبه إلى غفلة مهلكة. إنه العقاب الذي ظاهره العذاب وباطنه الرحمة. ومعذب الآخر فهو الصحو على الحقيقة وعلى العدل المطلق الذي لا تفوته ذرة خير ولا ذرة شر، وهو اليقين بنظام المنظم الذي أبدع كل شيء صنعه.

والموت وما وراءه؟ ماذا قالت لي الخلوة؟ هل أنت صادق؟ سؤال سوف يجيب عليه الكل بنعم، فكل واحد يتصور أنه صادق وأنه لا يكذب. وقد يعترف أحدهم بكذبه أو بكذبتين ويعتبرون نفسه بلغ الغاية من الدقة والصراحة مع النفس، وأنه أدلى بحقيقة لا تقبل مراجعة. ومع ذلك، فدعونا نراجع معاً هذا الادعاء العريض، وسوف نكتشف أن الصدق شيء نادر جداً، وأن الصادق الحقيقي يكاد يكون غير موجود. وأكثرنا في الواقع مغشوش في نفسه حينما يتصور أنه من أهل الصدق. بل إننا لنبدأ في الكذب من لحظة أن نتيقظ في الصباح وقبل أن نفتح فمنا بكلمة. أحياناً تكون مجرد تسريحة الشعر التي نختارها كذبة الكهل الذي يسرح شعره خنافس ليبدو أصغر من سنه، يكذب. والمراه العجوز التي تصبغ شعرها لتبدو أصغر من سنها تكذب. والباروكة على رأس الأصلع كذبة، وطقم الأسنان في فم الأخرس كذبة، والبدلة الخفيفة التي تخفي تحتها فنلة صوف كذبة، والكرسي والمشدات حول البطن المترهلة كذبة، والنهد الكاوتشوك على الصدر المنهك من الرضاعة كذبة. المكياج الذي يحاول صاحبه أن يخفي به التجاعيد، ونوع آخر من الكذب الصامت، والبدرة والأحمر والكحل والريميل والرموش الصناعية، كلها أكاذيب ينطق بها لسان الحال قبل أن يفتح الواحد منا فمه ويتكلم. بل إن مجرد ضفيرة المدارس على رأس بنت الثلاثين كذباً، واللبانة في فم رجل كهل هي كذبة أكثر وقاحة. كل هذا ولم يبدأ اللسان ينطق ولم ينفتح الفم بعد. فإذا فتح الواحد منا فمه قال: "صباح الخير"، فإنه يقولها على سبيل العرف والعادة لمن ينوي له الخير ولمن ينوي له الشر، فهو يكذب. وهو يقرأ السلام على من يبيت له العدوان، فهو يكذب. فإذا رفع سماعة التليفون مضى يطلب ما لا يريد من الأشياء لمجرد أنها مظاهر ومجاملات، فهو يكذب. وهو يرفض ما يريد خجلاً أو ادعاءً، فهو يكذب. والولد والبنت يتكلمان طوال ساعتين في كل شيء إلا ما يتحركان شوقاً إلى أن يتصالح به، فهما يكذبان. فتاة البار تبدأ كالحديث بالحب، وهو لا يخطر لها على بال، ولا يشغلها سوى حافظة نقودك وكم زجاجة من الشمبانيا ستفتح لها. والإعلان الذي يصف لك نكهة السيجارة وفوائدها الصحية يكذب عليك. والإعلان الذي يقول لك أن قرص الأسبرين يشفي من الأنفلونزا كذب، حتى بالقياس إلى علم الأدوية ذاته. وكل ما يدور في عالم البيع والشراء يبدأ بالكذب. وصورة لاعب التنس في يده زجاجة ويسكي، وصورة الأسد الذي يحتضن زجاجة كينا، وبطل الجري الذي يدخن سيجارة فيرجينيا، كلها صنوف من هذه الأكاذيب الظريفة التي تراها ملصقة على الجدران وعلى أغلفة الصحف وفي إعلانات السينما والتلفزيون. وكأنما أصبح الكذب عرفاً تجارياً لا لوم عليه. في عالم السياسة والسياسيين، وفي أروقة الأمم المتحدة وعلى أفواه الدبلوماسيين، نجد أن الكذب هو القاعدة، بل إن فن الدبلوماسية الرفيع هو كيف تستطيع أن تجعل الكذب يبدو كالصدق، وكيف تقول ما لا تعني، وكيف تخفي ما تريد، وكيف تحب ما تكره، وكيف تكره ما تحب. وأذكر بهذه المناسبة النكتة التي رويت عن تشرشل حينما رأى شاهد مقبرة مكتوباً عليها: "هنا يرقد الرجل الصادق والسياسي العظيم"، فقال ضاحكاً: "هذه أول مرة أرى فيها الرجلين يدفنان في تابوت واحد". فلم يكن من الممكن إطلاقاً في نظر تشرشل أن يكون الرجل الصادق والسياسي العظيم رجلاً واحداً، إذ أن أولى مؤهلات العظمة في نظر تشرشل هي الكذب. شرط السياسة هو أن تختفي الحقيقة. وفي عالم الدين ودنيا العبادات يطل الكذب الخفي من الطق الطقوس والمراسيم. شهر الصيام الذي هو امتناع عن الأكل يتحول إلى شهر أكل، فتظهر المشهيات والحلويات والمخللات والمتبلات من كنافة إلى مشمشية إلى قطايف إلى مكسرات، ويرتفع استهلاك اللحم في شهر رمضان، فتقول لنا الإحصاءات بالأرقام أنه يصل إلى الضعف. ويصبح شهر رمضان هو شهر الصواني والطواجن. وبين كل مئة مصلٍ أكثر من تسعين يقفون بين يدي الله وهم شريدون، مشغولون بمصالحهم الدنيوية، يعبدون الله وهم في الحقيقة يعبدون مصالحهم وأغراضهم، ويركعون الركعة لتقضي لهم هذه المصالح والأغراض. وقد عجب بابوات القرون الوسطى في ترف الملوك والسلاطين، وسبحوا في الذهب والحرير والسلطة والنفوذ، وامتلكوا الأقطاعيات والقصور باسم الدين وباسم الإنجيل الذي يقول: "إن الغني لن يدخل ملكوت الله إلا إذا دخل الجمل من ثقب الإبرة". بل إنهم تصوروا أنهم امتلكوا الجنة فباعوها صكوكاً لطالب الغفران. وفي دولة الحب نجد أن مخادعة النفس هي الأسلوب المتعارف عليه. يخدع كل واحد نفسه ويخدع الآخر أحياناً بوعي وأحياناً بدون وعي. فيتحدث بصوت خافت عن الحب وهما يريدان أن يقدم مبرراً شريفاً مقبولاً للوصول إلى ممارسة الحب. والإعلان للحبيب أنه قد جن حباً وهو في الواقع يلتمس لنفسه وسيلة. عليك الإعلان الذي يقول لك أنه يمارس الحب كنوع من قتل الوقت أو كنوع من إظهار البراعة والمهارة أو كمظهر من مظاهر النجاح. وأحياناً تكون كلمة الحب كذبة معسولة تخفي وراءها رغبة شريرة في الامتلاك والاستحواذ والسيطرة. وأحياناً تكون كلمة الحب خطة محبوكة وشركاً للوصول إلى ميراث، وهو في أكثر صورها شيوعاً وسيلة للوصول إلى لذة سريعة وطريقة لتدليك الضمير والتغلب على الخجل ورفع الكلفة. وهي ذريعة دائمة للتغلب على عقدة الذنب، فتخلع المرأة آخر قطعة ثياب وهي تطمئن نفسها بأنها ضحية الحب، وأن.

الحب احساس طاهر، وانه امر الله، وانه قضاء وقدر. وانها ليست اول من احبت، ولا اخر من اعطت. ولا توجد شبكه حريريه من الاكاذيب، كما توجد في الحب. ففي كل كلمه كذبه، وفي كل لمسه كذبه. والغريزه الجنسيه ذاتها تذبذب، فما اسرع ما تشتعل، وما اسرع ما تنطفئ، وما اسرع ما تضجر وتمل وتطالب بتغيير الطعام.

والصدق في الحب نادر، اندر من الماس في الصحاري. وهو من اخلاق الصديقين، وليس من اخلاق القمر العادي من الناس. وتتوا اغاني الحب وقصص الحب، وتتامر هي الاخرى لتنصب شراكا من الاكاذيب المنمقه الجميله، وترسي دعامات ساحره من الاوهام والاحلام الورديه والصور البراق الخادعه عن القبله والضمه ولقاء الفراش، ولذه العذاب وعذاب اللذه، ولسعت الحرمان ودموع الوساده واغماء السعاده وصحوه الفراق، وضباب وضباب وضباب، وعطور صور خلابه مرسومه بريشه فنانين كذابين عظام.

والكذب في الفن عاده قديمه، بداها الشعراء من زمن طويل. وقصائد المديح وقصائد الهجاء في شعرنا العربي شاهد على انتشار هذه العاده السيئه. والفن وليد الهوى والخاطر والميزات والمزاج متقلب. ما اكثر الكذب حقا! اننا لا نكذب حتى في الاكل، فناكل ونحن شبعانون. اين الصدق اذا؟ ومتى تاتي هذه اللحظه الشحيحه التي نتحرى فيها الحق والحق وحده؟

انها تاتي على ندره في معمل العالم، الذي يضع عينه على المايكروسكوب بحثا عن حقيقه. هنا نجد العقل يتطلع في شوق حقيقي وصادق، ويبحث في حياد مطلق، ويفكر في موضوعيه على هدى ارقام دقيقه ومقادير وقوانين. والعلم بذاته هو النظره الموضوعيه المستقله عن الهوى والمزاج، واداه الوحيده صدق الاستقراء وصدق الفراسه.

اللحظه الاخيره الصادقه هي لحظه الخلوه مع النفس، حينما يبدا ذلك الحديث السري، ذلك الحوار الداخلي، تلك المكالمه الانفراديه، حيث يصغي الواحد الى نفسه دون ان يخشى اذنا اخرى تتلصص على الخط. ذلك الافضاء والافشاء والاعتراف والطرح الصريح من الاعماق الى سطح الوعي في محاوله مخلصه للفهم. وهي لحظه من اثمن اللحظات.

ان الحياه تتوقف في تلك اللحظه لتبوح بحكمتها، والزمن يتوقف ليعطي ذلك الشعور المديد بالحضور، حيث نحن في حضره الحق، وحيث لا يجوز الكذب والخداع والتزييف، كما لا يجوز لحظه الموت ولحظه الحشرجه. اننا نكتشف ساعتها اننا عشنا عمرنا من اجل هذه اللحظه، واننا تالمنا وتعذبنا من اجل ان نصل الى هذه المعرفه الثمينه من نفوسنا. وقد تاتي تلك اللحظه في العمر مره، فتكون قيمتها بالعمر كله. اما اذا تاخرت ولم تاتي الا ساعه الموت، فقد ضاع العمر دون معنى ودون حكمه، واكلته الاكاذيب، وجاءت الصحوه بعد فوات الاوان.

ولهذا كانت الخلوه مع النفس شيئا ضروريا ومقدسا بالنسبه لانسان العصر الضائع في متاهات الكذب والتزييف. وهي بالنسبه له طوق نجاه وقارب انقاذ. والانسان يولد وحده، ويموت وحده، ويصل الى الحق وحده. وليست مبالغه بان توصف الدنيا بانها باطل الاباطيل، فكل ما حولنا من مظاهر الدنيا يتصف بالبطلان والزيف. ونحن نقتل بعضنا بعضا في سبيل الغرور وارضاء لكبرياء كاذب. والدنيا ملهاه قبل ان تكون ماساه. ومع ذلك نحن نتحرك شوقا في سبيل الحق، ونموت سعداء في سبيله.

والشعور بالحق يملانا تماما، وان كنا نعجز عن الوصول اليه. اننا نشعر به ملء القلب، وان كنا لا نراه حولنا. وهذا الشعور الطاغي هو شهاده بوجوده. اننا وان لم نرى الحق، وان لم نصل اليه، وان لم نبلغه، فهو فينا، وهو يحفزنا، وهو مثال مطلق لا يغيب عن ضميرنا لحظه، وبصائرنا مفتوحه عليه دوما. ولحظه التامل الصافي تقودنا اليه، والعلم يقودنا اليه، ومراقبتنا لانفسنا من الداخل تقودنا اليه، وبصائرنا تهتدي اليه.

والحق في القران هو الله، وهو احد اسمائه الحسنى. وكل هذه المؤشرات الداخليه تدل عليه، وهو متجاوز للدنيا متعال عليها. نراه رؤيه بصيره لا رؤيه بصر، وتبرهن عليه ارواحنا بكل شوقها وبكل نزوعها. والعجب كل العجب لمن يسالنا عن برهان على وجود الله، على وجود الحق، وهو نازع اليه بكليته، مشغوف به بجماع قلبه. وكيف يكون موضع شك من هو قبله كل القلوب، ومهوى جميع الافئده، وهدف جميع البصائر؟ كيف نشك في وجوده وهو مسؤول عن كل مشاعرنا؟ كيف نشك في الحق ونطلب عليه دليلا من الباطل؟ كيف ننزلق مع المنطق المراوغ الى هذه الدرجه من التناقض، فنجعل من لب الوجود وحقيقه حقائقه محل سؤال؟

اني لا اجد نصيحه اثمن من ان اقول: ليعد الى بكارته وعذريته التي لم تدنسها لفلفات المنطقي ومراوغات العقل. ليعد كل منا الى قلبه في ساعه خلوه، و ليسال قلبه، وسوف يدله قلبه على كل شيء. اودع الله في قلوبنا تلك البوصله التي لا تخطئ، والتي اسمها الفطره والبداهه. وهي فطره لا تقبل التبديل ولا التشويق، لانها محور الوجود ولبه ومداره، وعليها تقوم كل المعارف والعلوم. فاقم وجه الدين حنيفا، رنات عليها، لا تبديل لخلق الله. لقد جعل الله هذه الفطره نازعه اليه بطبيعتها، تطلب هدوما كما تطلب البوصله اقطابها، مشيره اليه داله عليه. فليكن كل منا كما تملي عليه طبيعته، لا اكثر. وسوف تدله طبيعته الى الحق، وسوف تهديه فطرته الى الله بدون جهد. كن كما انت، وسوف تهديك نفسك الى الصراط التوازن العظيم.

لا انسى تلك الليله منذ سنوات، وانا في رحلتي في ادغال افريقيا الاستوائيه، اشق النيل العريض في سفينه النيليه. وقد تجاوزنا الملكاله ودخلنا منطقه يكثر فيها البعوض، وينبسط فيها النيل على شكل مستنقعات على مدى البصر. وسفينه تتهادى على سطح الماء في جو لزج شديد الرطوبه. ويقع مريضا بالملاريا كل من على السفينه حتى الربان. وانا ابتلع اقراص الكاموكين بانتظام خوفا من الاصابه بالحمى. وذات ليله خطر لي ان اصعد على سطح السفينه ليشاهد افريقيا الاستوائيه في الليل. دهنت وجهي وذراعي بطارد البعوض، وتسللت الى السطح. وكان ما رايته شيئا كالحلم.

كانت الاف الاشجار تضيء وتنطفئ، وكانها اشجار عيد الميلاد يلهو بها الاطفال، وقد اعطوها بالاف القناديل الكهربائيه الصغيره يضيئونها ويطفئونها معا. ومسحت على عيني من الدهشه وعدت انظر. كان ما ارى حقيقه لا خيال. كانت الاشجار تغمض بالفعل، كانها مغطاه بالاف الكهارب، ثم تنطفئ. واخبرني الربان ان ما رايت في تلك الليله كان هو الحقيقه بعينها، وان تلك الاشجار تغطيها الاف من حشرات الحبحاب المضيئه، وانها تضيء معا لتجذب البعوض بضوئها، ثم تاكلها، وتعود فتنطفئ لتضيء من جديد. وان هذه سنه الطبيعه، كلما تكاثرت فيها حشره اصطنع الله لها حشره مضاده تاكلها ليحفظ للمخلوقات توازنها، فلا يطغى واحد على الاخر الا بحساب.

وظللت اذكر تلك الليله، وظللت اذكر ذلك الحديث. وكل يوم يجتمع لدي المزيد من الادله بان الكون هو بالفعل مسرح للتوازن العظيم في كل شيء، وان كل شيء قد قدر فيه تقديرا دقيقه. لو كانت الكره الارضيه اصغر حجما مما هي، لضعفت الجاذبيتها، ولافلت الهواء من جوها، وتبعثر في الفضاء، ولتبخر الماء وتبدت، ولاصبحت جرداء مثل القمر، لا ماء ولا هواء ولا جو، ولا استحاله الحياه. ولو كانت اكبر حجما مما هي، لازدادت قوتها الجاذبيه، ولاصبحت الحركه على سطحها اكثر مشقه، وازداد وزن كل منا اضعافا، ولاصبح جسده عبئا ثقيلا لا يمكن حمله.

ولو انها دارت حول نفسها بسرعه اقل، كسرعه القمر مثلا، لاستطار النهار الى اربعه عشر يوما، والليل الى اربعه عشر ليله، ولا تقلب الجو من حر مهلك بطول اسبوعين الى صقيع قاتل بطول اسبوعين، ولا اصبحت الحياه مستحيله. وبالمثل، لو ان الارض اقتربت في فلكها من الشمس مثل حال الزهره، لاهلكتنا الحراره. ولو انها ابتعدت في مدارها مثل زحل والمشتري، لاهلكنا البرد. واكثر من هذا، فنحن نعلم انها تدور بزاويه ميل قدرها 33 درجه، الامر الذي تنشا عنه المواسم، وتنتج عنه صلاحيه اكثر مناطق الارض للزراعه والسكن.

ولو كانت قشره الارض اكثر سمكا، لامتصت الاكسجين، ولما وجدنا حاجتنا من هذا الغاز الثميني للتنفس. ولو كانت البحار اعمق، لمصت المياه الزائده ثاني اكسيد الكربون، ولما وجد النبات كفايته ليعيش ويتنفس. ولو كان الغلاف الجوي اقل كثافه، لاحرقاتنا النيازك والشهب المتساقطه بدلا من ان تستهلك هذه الشهب وتتفتت في اثناء اختراقها للغلاف الهوائي الكثيف كما يحدث حاليا. ولو زادت نسبه الاكسجين عما هي عليه حاليا في الجو، لازدادت القابليه للاحتراق، ولتحولت الحرائق البسيطه الى انفجارات هائله. ولو انخفضت لست حال نشاطنا الى خمول.

ولو ان الثلج اقل كثافه من الماء، لما طفى على السطح، ولما حفظ اعماق البحار دافئه وصالحه لحياه الاسماك والاحياء البحريه. ولو لمظله الاوزان المنصوبه في الفضاء فوق الارض، والتي تمنع وصول الاشعه فوق البنفسجيه الى الارض الا بنسب ضئيله، لاهلكتنا هذه الاشعه القاتله.

فاذا جئنا الى تشريح الانسان نفسه، فسوف نرى المعجزه والملغز من امر هذا التوازن الدقيق المحسوب. فكل عنصر له في الدم نسبه ومقدار: الصوديوم، البوتاسيوم، الكالسيوم، السكر، الكوليسترول، البولينا. اي اختلال في هذه النسب، ولو بمقادير ضئيله، يكون معناه المرض. فاذا تفاقم الاختلال، فهو العجز والموت. والجسم مسلح بوسائل آلية تعمل في تلقائيه على حفظ هذا التوازن طوال الحياه. بل ان قلويه الدم لها ضوابط لحفظها، وحموضه البول لها ضوابط لحفظها، ودرجه الحراره المكيفه دائما عند 37 مئويه من ورائها عمليه فسيولوجيه وكيميائيه تحفظها ثابته متزنه عند هذا المستوى. وكذلك ضغط الدم وتوتر العضلات ونبض القلب ونظام الامتصاص والاخراج ونظام الاحتراق الكيميائي في فرن الكبد، ثم الاتزان العصبي بين عوامل التهدئه والاثاره، ثم عمليه التنظيم التي تقوم بها الهرمونات والانزيمات بين التعجيل والابطاء للعمليات الكيميائيه والحيويه. معجزه فنيه من معجزات التوازن والاتساق والهارموني يعرفها كل طبيب وكل دارس للفسيولوجيا والتشريح والكيمياء العضويه.

ولم يكن له شريك في الملك، وخلق كل شيء فقدره تقديرا. ولن تنتهي الامثله في علم النبات والحيوان والطب والفلك مجلدات ومجلدات، وكل صفحه سوف تؤيد وتؤكد هذا التوازن المحكم والانضباط العظيمه في عالم الخلق والمخلوقات. والقول بان كل هذا الاتساق والنظام حدث صدفه واتفاقا هو السذاجه بعينها، كقولنا ان انفجارا في مطبعه ادى الى ان تصطف الحروف على هيئه قاموس محكم.

والكيميائي المغرور الذي قال: اتوني بالهواء والماء والطين وظروف نشاه الحياه الاولى، وانا اصنع لكم انسانا. هذا الكيميائي قد قرر احتياجه سلفا لكل العناصر والظروف، وهو اعتراف بالعجز عن تقليد صنعه الخالق الذي خلق الشيء وخلق ظروفه ايضا. ولو ان اتيناه بكل هذه العناصر وكل تلك الظروف، ولو انه فرضا وجدلا استطاع ان يخلق انسانا، فانه لن يقول: صنعت الصدفه، بل انه سوف يقول: صنعته انا.

والكلام عن القرد الذي يجلس على آلة كاتبه لمدى اللا نهائيا من الزمان ليدق لا نهائيه من الامكانيات، وكيف انه لابد يوما من ان يدق بالصدفه بيتا لشكسبير او جمله مفيده، هو كلام مردود عليه. فسوف نسلم جدلا وفرضا بان هذا حدث في الطبيعه، وبانه حدث صدفه واتفاقا، وبعد ملايين الملايين من التباديل والتوافيق بين العناصر تكونت بالصدفه في مياه المستنقعات كميه من الحامض النووي الذي يستطيع ان يكرر نفسه. لكن كيف تطورت هذه الكميه من الحامض العضوي الى الحياه التي نراها؟ سوف نعود فنقول: بالصدفه امكن تشكيل البروتوبلازم، ثم بصدفه اخرى تشكلت الخليه، ثم بالصدفه ثالثه تشعبت الى نوعين: خليه نباتيه وخليه حيوانيه. ثم نتسلق شجره الحياه درجه درجه، ومعها هذا المفتاح السحري: كلما اعيتنا الحيله في فهم شيء قلنا انه حدث صدفه. هل هذا معقول؟

بالصدفه تستدل الطيور والاسماك المهاجره على اوطانها على بعد آلاف الأميال وعبر الصحاري والبحار؟ بالصدفه يكسر الكتكوت البيضه عند اضعف نقطه فيها ليخرج؟ بالصدفه تلتئم الجروح وتخيط شفراتها بنفسها بدون جراح؟ بالصدفه يدرك عباد الشمس ان الشمس هي مصدر حياته فيتبعها؟ بالصدفه تصنع اشجار الصحاري لنفسها بذورا مجنحا لتطير عبر الصحاري الى حيث الظروف انبات وامطار احسن؟ بالصدفه اكتشف النبات قنبلته الخضراء الكلوروفيل واستخدمها في توليد طاقه حياته؟ بالصدفه صنعت البعوضه لبيضها اكياسا للطفل بدون معونه ارشميدس؟ والنحله التي اقامت مجتمعا ونظاما ومارست العماره وفنون الكيمياء المعقده التي تحول بها الرحيق الى عسل وشمعه؟ وحشره التريميت التي اكتشفت القوانين الاوليه لتكييف الهواء فاقامت بيوتا مكيفه وطبقت في مجتمعنا نظاما صارما للطبقات؟ والحشرات الملونه التي اكتشفت اصول وفن ومكياج التنكر والتخفي؟ كل هذا جاء صدفه؟

واذا سلمنا بصدفه واحده في البدايه، فكيف يقبل العقل سلسله متلاحقه من المصادفات والخبطات العشوائيه؟ انها السذاجه بعينها التي لا تحدث الا في الافلام الهزليه الرخيصه. وقد وجد الفكر المادي نفسه في مأزق أمام هذه السذاجه، فبدا يحاول التخلص من كلمة صدفه ليفترض فرضا آخر. فقال ان كل هذه الحياه المذهله بألوانها وتصانيفها بدأت من حالة ضرورة، مثل الضروره التي تدفعك الى الطعام ساعة الجوع. ثم تعاقدت الضروره بتعاقد الظروف والبيئات والحاجات، فنشأت كل هذه الألوان. وهو مجرد لاعب بالألفاظ، فمكان الصدفه وضعوا كلمة "تعاقد الضروره". وهي في نظرهم تتعاقد تلقائيا وتنمو نغمة واحدة إلى سيمفونية تلقائيا. كيف؟ كيف ينمو الحدث الواحد إلى قصة محبوكة بدون عقل مؤلف؟

من الذي أقامت ضرورة أصلاً؟ وكيف تقوم الضرورة من لا ضرورة؟ إنها استماتة العقل الخبيث المكابر ليتجنب صوت الفطرة الذي يفرض نفسه فرضاً ليقول إن هناك خالقاً مدبراً هو اليد الهادية وعصا المايسترو التي تقود هذه المعزوفة الجميلة الرائعة. هذا التوازن العظيم والاتساق المذهل والتوافق والتلاحم والانسجام الذي يتألف من ملايين الدقائق والتفاصيل يصرخ بأن هناك مبدعاً لهذه البدائية، وأنه إله قادر جامع لكل الكمالات، قريب من مخلوقاته قرب دمها من أجسادها، معتني بها عناية الأب الحنون، مستجيباً لحاجاتها، سميعاً لاهاتها، بصيراً بحالاتها. وأنه الله الذي وصفته لنا الأديان بأسمائه الحسنى، ولا سواه. وليس القانون الأصم الذي تقول به العلوم المادية البكماء، ولا إله أرسطو والمنعزل، ولا إله أفلاطون القابع في عالم المثل، ولا هو الوجود المادي بكليته كما تصور سبينوزا وأتباع وحدة الوجود.

وإنما هو الأحد الذي ليس كمثله شيء، المتعالي على كل ما نعرف من حالات وصور وأشكال وزمان ومكان، ظاهر بأفعاله، خفي بذاته، لا تراه الأبصار ويرى كل الأبصار، بل إن كل الأبصار ترى به وبنوره وبما أودع فيها من قدرة. والعقل العلمي لا يعترف بهذه الكلمات الصوفية ويريد أن يرى الله ليعترف به. فإذا قلنا له إن الله ليس محدوداً ليقع في مدى الأبصار، وإنه اللانهائية، وإنه الغيب، يقول لنا العلم إنه لهذا لا يعترف به، وإنه ليس من العلم الإيمان بالغيب، وإن مجال العلم هو المحسوس ليبدأ من المحسوس وينتهي إلى المحسوس.

فنقول للعلم: كذبت! إن نصف العلم الآن أصبح غيباً. العلم يلاحظ ويدون الملاحظات. يلاحظ أن صعود الجبل أشَق من النزول منه، وأن رفع حجر على الظهر أصعب من رفع عصا، وأن الطير إذا مات وقع على الأرض، وأن التفاحة تقع هي الأخرى من شجرتها إلى الأرض، وأن القمر يدور معلقاً في السماء. هي ملاحظات لا تبدو بينها علاقة، ولكن حينما يكتشف نيوتن الجاذبية، ترتبط كل هذه الملاحظات لتصبح شواهد دالة على هذه الجاذبية: وقوع التفاحة من شجرتها، وصعوبة تسلق الجبل، وصعوبة رفع الحجر، وتعلق القمر في السماء. إنها نظرية فسرت لنا الواقع، ومع ذلك فهذه الجاذبية غيب لا أحد يعرف كنهه. لم يرى أحد الأعمدة التي ترفع السماوات بما فيها من نجوم وكواكب. ونيوتن نفسه هو صاحب النظرية يقول في خطاب إلى صديقه بنتلي: إنه لأمر غير مفهوم أن نجد مادة لا حياة فيها ولا إحساس تؤثر على مادة أخرى وتجذبها، مع أنه لا توجد بينهما أية علاقة.

والإلكترون والموجة اللاسلكية والذرة والنيوترون لم نرى منها شيئاً، ومع ذلك نؤمن بوجودها اكتفاء بآثارها، ونقيم عليها علومًا متخصصة، ونبني لها المعامل والمختبرات. وهي غيب في غيب بالنسبة لحواسنا. والعلم لم يعرف ما هي أي شيء على الإطلاق. نحن لا نعرف إلا أسماء، لا نعرف مسميات. نحن نتبادل مصطلحات دون أن نعرف لها كنهًا. والله حين علم آدم علمه الأسماء فقط، ولم يعلمه المسميات. وعلم آدم الأسماء كلها. وهذه هي حدود العلم، وغاية مطمع العلم أن يتعرف على العلاقات والمقادير، ولكنه لا يستطيع أن يرى جوهر أي شيء أو ماهيته أو كنهه. هو دائما يتعرف على الأشياء من ظواهرها، ويتحسسها من خارجها. ومع ذلك، فهو يحتضن بنظرياته كل الماهيات، ويفترض الفروض، ويتصور مسائل هي بالنسبة لأدواته محض غيب وتخمين.

نحن في عصر العلم الغيبي والضرب في متاهات الفروض. وليس للعلم الآن أن يحتج على الغيبيات بعد أن غرق إلى أذنيه في الغيبيات. وأولى بنا أن نؤمن بعالم الغيب خالقنا البر الكريم الذي نرى آثاره في كل لمحة عين وكل نبضة قلب وكل سبحة تأمل. هذا أمر أولى بنا من الغرق في الفروض.

المسيح الدجال. تروي لنا الأديان حكاية رجل يظهر في آخر الزمان، ويأتي بالخوارق والمعجزات بما يفتن الناس من كافة أرجاء الأرض، فيسيرون خلفه وقد اعتقدوا أنه إله. وتصفه الروايات بأنه أعور، وأنه يملك من القوات الخارقة ما يجعله يرى بهذه العين الواحدة ما يجري في أقصى الأرض، كما يسمع بأذنه ما يتهامس به الناس عبر البحار، كما يسقط الأمطار بمشيئته، فينبت الزرع ويكشف عن الكنوز المخبوءة، ويشفي المرضى ويحيي الموتى ويميت الأحياء، ويطير بسرعة الريح. ويفتتن به كل من يراه ويسجد له على أنه الله، على حين يراه المؤمنون على حقيقته ولا تخدعهم معجزاته، ويشهدون رسم الكفر على وجهه. ذلك هو المسيح الدجال، إحدى علامات الساعة التي نقرأ عنها في كتب الدين.

والمسيخ الدجال قد ظهر بالفعل، كما يقول الكاتب البولندي ليو بولد فايس، وقد أسلم هذا الكاتب وعاش بمكة وتسمى باسم محمد أسد. وهذا المسيخ الشائع ذو العين الواحدة، كما يقول ليو، هو التقدم المادي والقوة المادية والترف المادي، معبودات هذا الزمان. مدينة العصر الذري العوراء العرجاء التي تتقدم في اتجاه واحد وترى في اتجاه واحد، وهو الاتجاه المادي، على حين تفتقد العين الثانية الروح التي تبصر البعد الروحية للحياة. فهي قوة بلا محبة، وعلم بلا دين، والتكنولوجيا بلا أخلاق. وقد استطاع هذا المسخ فعلاً عن طريق العلم أن يسمع ما يدور في أقصى الأرض باللاسلكي، ويرى ما يجري في آخر الدنيا بالتلفزيون. وهو الآن يسقط المطر بوسائل صناعية، ويزرع الصحاري، ويشفي المرضى، وينقل قلوب الأموات إلى قلوب الأحياء، ويطير حول الأرض في صواريخ، وينشر الموت والدمار بالقنابل الذرية، ويكشف عروق الذهب في باطن الجبال.

وقد افتتن الناس بهذا المسخ فعبدوه. وأمام هذا الاستعراض الباهري للتقدم العلمي الغربي، فقدنا نحن الشرقيون ثقتنا بأنفسنا، ونظرنا باحتقار إلى تراثنا وديننا. وفي حمى الشعور بالنقص والتخلف، تصورنا أن ديانتنا ضرب من الخرافات المخجلة التي يجب أن نتخلص منها لنلحق بركب التقدم، وندخل في رحاب المعبد الجديد، معبد العلم، لنعبد ذلك الإله الجديد الذي أسماه القوة المادية. وسجدنا مبهورين فاقدي الوعي. وقد اختلطت علينا الوسيلة بالغاية، فجعلنا من القوات المادية غايتنا، ونسينا أنها مجرد وسيلة وأداة.

القطار وسيلة، والتلغراف وسيلة، والكهرباء وسيلة، والطاقة الذرية وسيلة. ودور هذه الوسائل أن توضع في خدمة الإنسان لتحرره من الضرورات المادية، فيفرغ إلى الفكر والتأمل وإثراء روحه بالمعرفة الحقة. وبدلاً من أن تكون هذه الوسائل في خدمتنا، أصبحنا نحن في خدمتها، نكد ونكدح ونتعارك ونتكالب لنتملك عربة وراديو وتلفزيون. فإذا امتلكنا هذه الأشياء ازددنا نهماً ورغبة لنتملك عربة أكبر من العربة، ثم جهاز التسجيل ستيريو فونيك، ثم قارباً للنزهة، ثم يختاً، ثم فيلا وحديقة وحمام سباحة، ثم طائرة خاصة إن أمكن. ويطيش صوابنا شيئاً فشيئاً أمام سيل المنتجات الاستهلاكية التي تملا الفاترينات، ونتحول إلى جوع أكال يزداد جوعاً كلما أمعن في الشراء. وحلقة مفرغة من الأطماع لا تنتهي إلا لتبدأ، وهي أبداً تهدف إلى اقتناء سبب من أسباب القوات المادية أو الترف الحياتي مما تطرحه التكنولوجيا كل يوم في واجهات المحلات.

وكما يكدس المواطن العادي البضائع الاستهلاكية، تكدس الدول الأسلحة والذخائر، ثم تدمر بعضها بعضاً في حروب طاحنة، ثم تعود فتكدس أسلحة أخطر وقنابل أكبر. العالم أصبح مسرحاً مجنوناً يهرول فيه المجانين في اتجاه واحد نحو القوات المادية. المسيخ الدجال الأعور ذو العين الواحدة، معبود هذا الزمان، لا إله إلا المادة. هذه هي الصلاة اليومية. اختفى الإيمان بالله، واختفى معه الإحساس بالأمن والسكينة والطمأنينة. وأصبحت الصورة الفلسفية للعالم هي غاية يتصارع فيها المخلب والناب، صراع طبقي وصراع عنصري وصراع عقائدي. عالم فظيع من الخوف والقتل، ولا أحد في السماء يرعى هذا العالم ويحفظه.

إلى هذه الحالة انتهت بنا عبادة الدجال الذي اسمه القوة المادية. والنتيجة هي هذا الإنسان الكئيب المهموم الخائف القلق، وهذا الشاب الذي يدمن المخدرات في شوارع لندن وباريس، والانتحار والجنون الذي بلغ ذروته في بلاد الغنى والوفرة والرخاء، أمثال السويد والنرويج وأمريكا. والإنسان المذعور الذي افتقد الأمان يحاول أن يستدلب لنفسه هذا الأمان بالوسائل الصناعية التكنولوجية عن طريق عين سحرية يضعها على الباب تعمل بالأشعة تحت الحمراء لاكتشاف اللصوص، وجرس إنذار للخزينة، ورسم كهربائي للقلب كل شهر لاكتشاف الجلطة قبل أوانها، وأجهزة تكييف للحر والبرد، وبواسط تأمين، وعشرات الأصناف من الفيتامينات والمسكنات والمنبهات، وعشرات الأجهزة التي توفر الجهد والقوة العضلية. وكل وسيلة مادية تحتاج بدورها إلى وسيلة مادية أخرى لتؤمنها. وفي النهاية لا أمان، بل مزيد من الخوف والقلق، وسعار نحو مزيد من الوسائل المادية بلا جدوى.

وينسى الإنسان في هذا التيه الذي أضاع فيه عمره أنه أخطأ منذ البداية حينما تصور أن هذا العالم بلا إله، وأنه قذف به إلى الدنيا بلا نواميس تحفظه وبلا رب يسأله. وأخطأ مرة أخرى حينما عبد القوة المادية وجعل منها مصدراً لسعادته وأمنه وهدفاً لحياته وغايته لسعيه، وأقامها مكان الله، وتصور أنها يمكن أن تمنحه الأمن والسكينة والطمأنينة المفتقدة، وأنها يمكن أن تحفظه من الموت والدمار. فإذا بها هي نفسها التي تسلبه سكينة النفس، ثم إذا بها في النهاية تصبح أدوات الحروب التي تدمره وتبدده أشلاء. وأخطأ مرة ثالثة حينما تصور أن الكيمياء والطبيعة والكهرباء علوم، وأن الدين خرافة.

ولو أنه فكر قليلاً لأدرك أن الكيمياء والطبيعة والكهرباء هي في الواقع علوم جزئية تبحث في الجزيئات والعلاقات والمقادير والكميات، وأن الدين علم كلي يبحث في الكليات، بل هو منتهى العلم، بأنه يبحث في البدايات الأولى للأشياء والنهايات المطلقة للأشياء والغايات النهائية للوجود والمعنى العام للحياة والمغزى الكلي للألم. الكيمياء والطبيعة والكهرباء هي العلوم الصغيرة، والدين هو العلم الكبير الذي يشتمل على كل العلوم في باطنه. ولا تعارض بين الدين والعلم، لأن الدين في ذاته منتهى العلم المشتمل بالضرورة على جميع العلوم. ضروري ومطلوب لأنه هو الذي يرسم للعلوم الصغيرة غاياتها وأهدافها، ويضع لها وظائفها السليمة في إطار الحياة المثلى.

الدين هو الذي يقيم الضمير، والضمير بدوره يختار للطاقة الذرية وظيفه بناءه، ولا يلقي بها دماراً وموتاً على الأبرياء. هو الذي يهيب بنا أن نجعل من الكهرباء وسيلة للإضاءة لا وسيلة للهلاك. الدين هو الذي يدلنا على أن كل العلوم وسائل وليست غايات، كما أن التقدم المادي وسيلة وليس غاية، والأدوات المادية وسيلة هي الأخرى، والمادة ذاتها مخلوقة مثلنا وليست إلهاً يعبد، وأنها لا تستطيع أن تمنح الإنسان الأمن والسكينة والسعادة، وأنها من طبيعتها التحلل والفساد والتبدل والتغير، شأنها شأن ذلك الكون الناقص، وأنها لا تصلح سنداً ولا تشكل قوة حقيقية.

التقدم المادي مطلوب، ولكنه وسيلة لا أكثر من وسائل الإنسان المتحضر، ولا يصح أن يكون غايته. الدين لا يرفض التقدم المادي، ولكنه يضعه في مكانه كوسيلة لا غاية. والدين لا يرفض العلم، بل يأمر به ويحض عليه، ولكنه يضعه في مكانه كوسيلة للمعرفة ضمن الوسائل العديدة التي يمتلكها الإنسان كالفطرة والبصيرة والبداهة والإلهام والوحي. ورفض العلم ورفض الأخذ بالوسائل المادية المتقدمة خطيئة، مثل عبادة هذه الوسائل والخضوع لها، سواء بسواء. وهو أحد أسباب التخلف في بلادنا.

وأنت تجد في الشرق أحد اثنين: تجد من يرفض العلم اكتفاء بالدين والقرآن، وتجد من يرفض الدين اكتفاء وعبادة للعلم المادي والوسائل المادية. وكلا الاثنين سبب من أسباب النكبة الحضارية في المنطقة. وكلاهما لا يفهم المعنى الحقيقي للدين ولا المعنى الحقيقي للعلم. الدين والإسلام خاصة اعتبروا العلم فريضة، ويقول نبينا: إن من مات مهاجراً في سبيل العلم فقد مات شهيداً، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن علينا أن نطلب العلم ولو في الصين. وأول كلمة نزلت في القرآن هي "اقرأ".

الإسلام دين عقل، يخاطب أتباعه بالمنهج العقلي والعلم. والتقدم العلمي المادي له مكانته العظيمة في ديننا، ولكن هو دائماً وسيلة لا غاية، أداة لا صنم معبود. هذا هو وضع الشيء في وضعه الصحيح. الوسيلة المادية لا تمنح النفس أمناً ولا سكينة، وإنما هي سبيل إلى الترف والرفاهية وتيسير الحياة. أما القلق والخراب الروحي فإنه يبقى ولا يزول بالرغم من وجود الثلاجة والتلفزيون والراديو والريكوردر وجهاز التكييف والشيفروليه وجميع الوسائل المادية. بل إن هذا القلق والخراب الروحي يتفاقم بازدياد خضوع الإنسان لهذه الوسائل وجريه وراءها.

ولا تنزل السكينة على القلب ولا تعمر الروح بالطمأنينات والأمان إلا بوسيلة واحدة، هي الاعتقاد بأن هناك إلهاً خلق الكون، وأن هذا الإله عادل كامل، أنه هيأ للكون نواميس تحفظه وقدر فيه كل شيء لحكمة وسبب، وأننا راجعون إليه، وأن آلامنا وعذابنا لن تذهب عبثاً. وأن الفرد حقيقة مطلقة وليس ترساً في آلة مصيره إلى التراب. هذا اليقين الديني هو وحده الذي يرد للإنسان اعتباره وكرامته، وليس ثلاجة والتلفزيون ولا أية وسيلة مادية مهما عظمت.

وبهذا اليقين تنزل السكينة على القلب، ويصل الإنسان إلى حالة من الكمال الروحي والتكامل الداخلي، ويشعر بنفسه أقوى من الموت وأقوى من الظلم. وبهذا اليقين يجابه أعظم الأخطار ويقهرها، فهو بإيمانه في حصن أقوى من دروع الدبابات، حصن ليس سبيل إلى اختراقه بأي قذيفة، لأنه حصن يعبر الموت ذاته. وبهذا الإيمان يشعر الإنسان أنه استرد هويته وأصبح هو هو حقاً، وأنه أدرك ذاته وتعرف على نفسه ومكانته من خلال إدراكه لإلهه الواحد الكامل. والذي جرب هذا الشعور النادر يعلم أنه حالة من الاستنارة الداخلية، وأنه ليس افتعالاً وليس استجلاباً مزيفاً للأمان، وإنما هو الحق عينه، وأنه الصحو وليس الحلم.

إننا لا نعلم أمر هذا اليقين من حالة نقيضه، من حالة كثرة الناس الذين يعبدون الدجال، مسيخ العصر الذري ذو المخ الإلكتروني. هذه الكثرة التي تتصارع بالمخلب والناب، وتأكل المخدرات، وتتخبط على أبواب الجنون والانتحار، وتنحدر في خطوات دموية إلى حرب عالمية ثالثة. سوف تقول لك فطرتك: أي الاثنين على حق؟ هذه الكثرة التي يأكل بعضها بعضاً وتتآكل حقداً وغلاً وضراوة، أم هذه القلة التي نزلت على قلوبها السكينة وأدركت أن هناك إلهاً؟

الدين لا يرفض الحياة، ولا يرفض العقل، والإسلام بالذات ينطلق من مبدأ حب الحياة والحرص عليها ورعايتها، ويحض على احترام العقل وعلى طلب العلم، ويقدم شريعة عصرية توحد بين الروح والجسد في التئام فريد. لا الروح تطغى على الجسد، ولا الجسد يطغى على الروح، وإنما يتصرف الاثنان على أنهما واحد. فهو لا يطلب منا أن نميت الشهوة، وإنما يطلب منا أن ننظمها ونوجهها في إطار العلاقة المشروعة. وبمعيار التقوى عنده ليس الانقطاع للعبادة والعزلة والرهبانية، وإنما معيارها العمل. تسبيح الروح لابد أن يقترن بعمل اليدين وسعي القدمين من أجل خير المجتمع ونفعه. والصلاة لا يكفي فيها خشوع النفس، وإنما لابد أن يعبر الجسد عن الخشوع هو الآخر، وفي ذات الوقت بالركوع والسجود.

والصلاة الإسلامية هي رمز لهذه الوحدة التي لا تتجزأ بين الروح والجسد. الروح تخشع، واللسان يسبح، والجسد يركع. والطواف حول الكعبة رمز آخر لدوران الأعمال حول القطب الواحد واستهداف الحركات والأفكار لهدف واحد هو الخالق الذي خلق حيث لا موجود بحق إلا هو، وحيث كل شيء منه وإليه. والطواف هو التعبير الجسماني والنفساني والروحاني لهذا التوحيد.

وبهذا يعيد الإسلام إلى الإنسان التئاماً روحاً وجسداً، ويعيد إليه السكينة، فينهي ذلك الصراع الأزلي بين الشهوة والعقل، ويولد منهما شيء جديد. والشهوة العاقلة البصيرة التي يتوحد فيها النقيضان، كما تتحد العاطفة مع الفكر، والباطن مع الظاهر. فلا نعود نرى ذلك المخادع الذي يخالف قلبه عقله، ويخالف عقله قوله، ويخالف قوله فعله، وإنما يقوم مقام الإنسان المفكك الممزق إنسان جديد توحد روحاً وجسده وقولاً وفعلاً وباطناً وظاهره.

وبوصول الإنسان إلى وحدته مع نفسه، يصل إلى وحدته بربه، وهي حالة القرب التي يدخل بها الإنسان دائرة الضوء، ويضع قدمه على حافة الملكوت. ويدور الإسلام حول هذه الفكرة المحورية، فكرة التوحيد، ويؤكد القرآن هذا المعنى في كل حرف وكل كلمة وكل آية، ويكرره بمختلف الصور والقصص والأمثلة والحكم والعبر.

الإسلام يقدم للعصر المادي باب النجاة الوحيد والحل الوحيد والمخرج الوحيد. فهو يقدم إليه كل تراثه الروحي دون أن يكلفه أن ينزل عن شيء من مكتسباته العلمية أو تفوقه المادي. وكل ما يريده الإسلام هو أن يحقق الاقتران الناجحة والتزاوج الناجح بين المادة والروح، لتقوم مدنية جديدة هي مدنية القوة والرحمة، حيث لا تكون القوة المادية مسخاً معبوداً، وإنما تكون أداة ووسيلة في يد القلب الرحيم. وبذلك يتم تحطيم المسيخ الدجال، وتقوم دولة الإنسان الكامل.

وجواباً على الذين يسألون في حيرة: لماذا خلقنا الله؟ لماذا أوجدنا في هذه الدنيا؟ ما حكمة هذا العذاب الذي نعانيه؟ يجيب القرآن بمجموعة آياته: إن الله أنزل الإنسان إلى الدنيا بفضول مفطور فيه ليتعرف على مجهولاته، ثم يتعرف على نفسه، ومن خلال إدراكه لنفسه يدرك ربه، ويدرك مقام هذا الرب الجليل فيعبده ويحبه، وبذلك يصبح أهلاً لمحبته وعطائه. ولهذا خلقنا الله لهذا الهدف النهائي: ليحبنا ويعطينا. وهو يعذبنا ليوقظنا من غفلتنا، فنصبح أهلاً لمحبته وعطائه. بالحب خلق، وللحب خلق، وللحب يعذب تبارك وتعالى في سماواته.